Arabic source text

📘 মুখতাসারুত তুহফাহ আল-ইসনা আশারিয়্যাহ (মাহমুদ শুকরি আল-আলুসি - মৃত্যু 1342 হিজরী)

📘 مختصر التحفة الاثني عشرية (محمود شكري الألوسي - ت 1342 هـ)

📘 মুখতাসারুত তুহফাহ আল-ইসনা আশারিয়্যাহ (মাহমুদ শুকরি আল-আলুসি - মৃত্যু 1342 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌(مشابهتهم للمشركين)
وأما مشابهتهم للمشركين فلأنهم يعظمون قبور الأئمة ويطوفون حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل المشركين مع أصنامهم. (1) وإن حصل لك ريب من ذلك فاذهب يوم السبت (2) إلى مرقدي موسى الكاظم ومحمد الجواد رضي الله عنه فانظر ماذا ترى، ومع ذلك فهذا معشار ما يصنعون عند قبر الأمير كرم الله تعالى وجهه ومرقد الإمام الحسين رضي الله عنه، ومما لا يشك ذو عقل في إشراكهم والعياذ بالله تعالى.

‌‌(مشابهتهم للمجوس)
وأما متشابهتهم للمجوس فلأن المجوس يزعمون أن خالق الخير يزدان وخالق الشر أهرمن وكذلك الروافض يزعمون [أن] الله تعالى خالق الخير فقط، والإنسان والشيطان خالقان الشر. ولهذا قال الأئمة في حقهم «إنهم مجوس هذه الأمة» كما مر في الإلهيات. وكذلك تعظيمهم للنيروز (3) وغير ذلك، أعاذنا الله تعالى من سلوك هاتيك المسالك.

‌‌(خاتمة)
ومن استكشف عن عقائدهم الخبيثة وما انطووا عليه، علم أن ليس لهم في الإسلام نصيب، وتحقق كفرهم لديه ورأى منهم كل أمر عجيب، واطلع على كل أمر غريب، وتيقن أنهم قد أنكروا الحسي، وخالفوا البديهي الأوّلي. ولا يخطر بالهم عتاب ولا يمر على أذهانهم عذاب أو عقاب. فإن جاءهم الباطل أحبوه ورضوه، وإذا جاءهم الحق كذبوه وردوه: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ولقد غشى على-----------------------------------
(1) هذا مشهور
(2) هذا مشهور عندهم اليوم. خاصة زيارة الإمام يوم السبت، اليوم الذي تعظمه اليهود!
(3) والنيروز هو عيد المجوس

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)

قلوبهم الران فلا يعون ولا يسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولقد تعنتوا بالفسق والعصيان في فروع الدين وأصوله، فصدق ظن إبليس فاتبعوه من دون الله ورسوله. فيا ويلهم من تضييعهم الإسلام ويا خسارتهم مما وقعوا فيه من حيرة الشبه والأوهام. فلو التفت إلى ما هم عليه في هذا الزمان، لوجدتهم في صريح من الضلال والخسران، لأنهم إلى الحق لا يلتفتون، ولا بمثل ذلك يعبأون، بل هم بالدين يستهزئون.
ولو أنك ذكرت لهم شيئا من مثالبهم، وصرحت بشيء من عيوبهم، أخذتهم العزة بالإثم، وصار ذلك عندهم من أنكر المناكر، حيث إنهم قد فرحوا بما عندهم من الجهل، وما انطووا عليه من خبث السرائر، حتى كأنهم للدنيا خلقوا، فهم لها في جميع أحوالهم يعملون، وعلى دقائق شيء ونها بأفكارهم يغوصون، وبالمتاعب وتحمل المشاق فيها إلى الموت يترددون، لبئس ما كانوا يصنعون.
فالاشتغال بعلومهم، ورد ما ادعوه في كتبهم من أصولهم وفروعهم، أولى ممن خالف أهل الحق بإعداد العدد، وأحق من هؤلاء بما نستمده من كل برهان وسند. كيف لا وهم قد وافقونا في لباسنا، وزاحمونا في أملاكنا، ونفثوا بسحرهم في أسلاكنا، بحيث ما ألقوه من الدسائس في عباراتهم، ويذهب على كثير من الناس ما يصدر عنهم من لحن القول في محاوراتهم، حتى أن كثيرا منهم يبرأ من بدعته، ويلتزم ما التزمه أهل السنة في طريقته، بحيث تخفى حاله على كل أحد، ولا يتبين أمره إلا لمن عرف ونفذ، فيتوصل بذلك إلى شبه ودسائس يلقيها في كلامه لجل إضلال مخاطبه من حيث لا يشعر بمقصوده ولا يدرى بمرامه.
فمنهم من ألف كتابا في مناقب الإمام الشافعي وأودع فيه من الدسائس الرافضية ما يخفى إلا على المتبحر. ومنهم من ألف في مذاهب المجتهدين وذكر فيا ما يخالف مذهبهم قصدا إلى ترويج مذهبه وإبطال مذهب أئمة الدين. فهم أعداء أنبياء الله تعالى ورسله، والمحرفون لكلام الشريعة عن موضعه ومحله. ولعمر الله إن هؤلاء الطغام الحيارى أضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى. فالحذر الحذر منهم، والفرار الفرار منهم.
والزم أيها الأخ الطالب للنجاة من الارتباك في ورطة الشبه والتمويه، وعليك بالسلوك في طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلال وشبه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)

المبتدعين ولا تغتر بتوافر الملحدين، وكثرة الهالكين. وكن حريصا على التفتيش عما كان عليه الصحابة من الأحوال متبعا ما كانوا يتحرونه من الأعمال، فهم السواد الأعظم، الواقفون من الهداية المحمدية على ما لم نعلم. ومنهم يعرف الحسن من القبيح، والمرجوح من الرجيح. فمن اتبع غير سبيل المؤمنين (1)، فهو الحقيق بوعيد رب العالمين. قال تعالى تعليما لعباده وتذكيرا {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}.
ومن نظر بعين بصيرته، وأمعن الفكر في طريق الاتباع وحقيقته، فحاد وابتدع، وللهوى والأطماع اتبع، كان كحاطب ليل أو متحير يدعو على نفسه بالثبور والويل، وقال تعالى في بيان طريق الهدى وتفضيله {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} فحث سبحانه على اتباع سبيله الذي هو الكتاب والسنة، ونهى جل شانه عن اتباع السبل مبينا بأن ذلك سبب للتفرق والمحنة.
ولذلك ترى أهل السنة قد لزموا سبيلا واحدا، ولم تر منهم زائغا عما به وحائدا. وأما أهل البدع والأهواء وذوو الضلال والافتراء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة، وتشتتوا على مقتضى آرائهم الكاسدة، فهم على ما زعموه مصرون، وكل حزب بما لديهم فرحون.
فإذا الواجب علينا معاشر أهل السنة اتباعه صلى الله عليه وسلم في جميع اقواله، والتأسي به في سائر أفعاله وأحواله، والاقتداء بما كان عليه أصحابه، فإنهم المبلغون عنه صلى الله عليه وسلم وأحبابه، لأن من اقتدى بأولئك الأعلام، فقد اقتدى به صلى الله عليه وسلم. وما أخبث رجلا ترك سبيل السنة الشارحة للكتاب، واستبدل بالنعيم المقيم العذاب {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم}.
روى البخاري في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل-----------------------------------
(1) والصحابة وصفهم الله تعالى بأنهم مؤمنون حيث قال عز من قائل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)

بعد هذا الخير من شر؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، وتعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».
فيا له من حديث اشتمل على علوم أخبر بها الصادق الأمين، وأبان عن فوائد جليلة تفيد العلم اليقين: منها حرص الصحابة رضي الله عنه على علم ما يستقيم به دينهم المتين، ومنها أن أول خير يقع في أمته فيه كدورة تذهب بصفائه، وفيه تغيير يغاير ما أمروا باقتفائه. ومنها أن يكون بعد ذلك دعاة من الأشرار، من أجابهم قذفوه والعياذ بالله تعالى في النار، فهم كذابون دجالون، ضالون مضلون.
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتوكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم» أخرجه الإمام مسلم وغيره. ولقد صدق عليهم قوله تعالى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون}
ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أدرك الزمان أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وهم الذين اتبعوا سنته ولازموا طريقته، فإن لم يكن لهم جماعة وكانوا غرباء فالواجب عليهم العزلة عن تلك الفرق كلها. ثم حرض صلى الله عليه وسلم على هذا الاعتزال الذي فيه سلامة الدين بقوله على سبيل المبالغة «ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت» وأنت على هذا العمل، معرض عن كل ما يفسد عليك دينك الذي هو رأس مالك، صابر على تلك المعاطب والمهالك.
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال «أوصيكم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)

بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»
فقد أوصانا صلى الله عليه وسلم بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين الذين هم على طريقته. إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة والأخبار الرجيحة التي تحث على اتباع الكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنهما إلى سبيل العليم العلام.
{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين
تم بحمد الله هذا المختصر
وقد سماه علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي رحمه الله
المنحة الإلهية
تلخيص ترجمة التحفة الاثني عشرية
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)

‌‌خاتمة: حملة رسالة الإسلام الأولون وما كانوا عليه من المحبة والتعاون على الحق والخير وكيف شوه المغرضون جمال سيرتهم
روى الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه (ك 62 ب 1) عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (قال عمران بن حصين: فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا، (1) ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن».
وروى البخاري مثله بعده عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث هذا عند الإمام أحمد أيضا في مسنده، وفي صحيح مسلم، وفي سنن الترمذي. وروى مسلم مثله في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.-----------------------------------
(1) وتحديد ذلك إلى نهاية الدولة الأموية. وقد يلتحق به زمن الخلفاء الأولين من بني العباس. قال الحافظ ابن حجر في تفسير هذا الحديث من (فتح الباري) ج 7 ص 4: «اتفقوا أن آخر من كان من اتباع التابعين - من يقبل قوله - من عاش إلى حدود سنة 220. وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وأمتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن. وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن (أي إلى زمن الحافظ ابن حجر 773 - 852) وظهر قوله صلى الله عليه وسلم «ثم يفشو الكذب» ظهورا بينا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)

فالهدى كل الهدى، مما لم تر الإنسانية مثله - قبله ولا بعده - هو الذي تلقاه الصحابة عن معلم الناس الخير. وكان الصحابة به خير أمة محمد صلى الله عليه وسلم بشهادته هو لهم وصدق رسول الله. أما الذين يدعون خلاف ذلك فهم الكاذبون.
إن الخير كل الخير فيما كان عليه أصحاب رسول الله، وإن الدين كل الدين ما اتبعهم عليه صالحو التابعين، ثم مشى على آثارهم فيه التابعون لهم بإحسان.
ومن أحط أكاذيب التاريخ زعم الزاعمين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضمر العداوة بعضهم لبعض. بل هم كما قال الله سبحانه في سورة الفتح - 29: {أشداء على الكفار رحماء بينهم}. وكما خاطبهم ربنا في سورة الحديد 10: {ولله ميراث السماوات والأرض * لا يستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى} ولا يخلف الله وعده. وهل بعد قول الله عز وجل في سورة آل عمران 110: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يبقى مسلما من يكذب ربه في هذا، ثم يكذب رسوله في قوله: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم … »؟!. في صدر هذه الأمة حفظ الله كتابه بحفظته أمينا عن امين، حتى أدوا أمانة ربهم بعناية لم يسبق لها نظير في أمة من الأمم، فلم يفرطوا في شيء من ألفاظ الكتاب على اختلاف الألسنة العربية في تلاوتها ونبرات حروفها، تنوع مدودها وإمالاتها، إلى أدق ما يمكن أن يتصوره المتصور. فتم بذلك وعد الله عز وجل في سورة الحجر 9: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
ومن صدر هذه الأمة تفرغ فريق من الصحابة فالتابعين وتلاميذهم لحمل أمانة السنة فكانوا يمحصون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذرعون أقطار الأرض ليدركوا الذين سمعوها من فم النبي صلى الله عليه وسلم فيتلقوها عنهم كما يتلقون أثمن كنوز الدنيا. بل كانت دار الإمارة في المدينة المنورة منتدى الفقهاء الأولين في صدر الإسلام يجتمعون إلى أميرهم مروان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)

ابن الحكم، فإذا عزيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة غير الذي كان معروفا عندهم أرسل مروان في تحقيق ذلك إلى من نسبت تلك السنة إليه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أزواجه، حتى يرد الحق إلى نصابه (انظر مسند الإمام أحمد: الطبعة الأولى 6: 299 و 306).
وبينما كان حفظه القرآن وحملة السنة المحمدية يجاهدون في حفظ أصول الشريعة الكاملة، كان آخرون من أبناء الصحابة وأبطال التابعين يحملون أمانة الإمامة والرعاية والجهاد والفتوح، ويعملون على نقل الأمم إلى الإسلام: يعربون ألسنتها، ويطهرون نفوسها، ويسلكونها في سلك الأخوة الإسلامية لتتعاون معهم على توحيد الإنسانية تحت راية الهدى وتوجيهها إلى أهداف السعادة.
وقد بارك الله لهؤلاء وأولئك في أوقاتهم، وأتم على أيديهم في مائة سنة ما يستحيل على غيرهم - من أهل الطرائق والأساليب الأخرى - أن يعملوه في آلاف السنين.
هؤلاء هم الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم خير أمته، وقد صح ما أخبر به قبل الإسلام إنما رأى الخير على أيديهم، فبهم حفظ الله أصوله، وبهم هدى الله الأمم. والبلاد التي دخلت في الإسلام على أيديهم نبغ منها في ظل طريقتهم وعلى أساليبهم كبار الأئمة كالإمام البخاري والإمام أبي حنيفة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك، فكانت الأمم تقبل على هذه الهداية بشغف وتقدير وإخلاص - لما ترى من إخلاص دعاتها وصدقهم وإيثار الآجلة على العاجلة - والأمة التي تولت الدعاية لهذه الهداية تستقبل نوابغ المهتدين بصدر رحب، وتبوى المستأهلين منهم المكانة التي هم أهل لها.
هكذا كانت الحال في البطون الثلاثة الأولى التي امتدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفها بأنها خير أمته. أما العصور التي أتت بعدهم فإن المسلمين يتميزون فيها بمقدار اتباعهم للصدر الأول فيما كان عليه من حق وخير. وهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «مثل أمتي مثل المطر: لا يدرى أوله خير أم آخره» رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه عن أنس، ورواه ابن حبان والإمام أحمد في مسنده أيضا من حديث عمار، ورواه أبو ليلى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)

في مسنده عن علي بن أبي طالب، ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص، كل هؤلاء الصحابة رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأمة محمد إلى خير في كل زمان ومكان ما تحرت الطريق الذي مشى فيه هداة القرون الثلاثة الأولى وتابعوهم فيه. بل يرجى لمن يقيم الحق في أزماننا كما أقامه الصحابة والتابعون في أزمنتهم أن يبلغوا منزلتهم عند الله ويعدوا في طبقتهم، ولعلهم المعنيون بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة «يا رسول الله أأحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك» فقال صلى الله عليه وسلم: «قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني» وإسناده حسن، وصححه الحاكم. واحتج الحافظ الأندلسي أبو عمر بن عبد البر بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار في الأرض وصبرهم على الهدى وتمسكهم به، إلى أن عم بهم في أرجائها. قال ابن عبد البر: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن، كانوا أيضا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء».
ومن غرابة الإسلام بعد البطون الثلاثة الأولى مؤلفين شوهوا التاريخ تقربا للشيطان أو الحكام، فزعموا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا إخوانا في الله، ولم يكونوا رحماء بينهم، وإنما كانوا أعداء يلعن بعضهم بعضا، ويمكر بعضهم ببعض، وينافق بعضهم لبعض، يتآمر بعضهم على بعض، بغيا وعدوانا.
لقد كذبوا. وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أسمى من ذلك وأنبل، وكانت بنو هاشم وبنو أمية أوفى من ذلك لإسلامها ورحمها وقرابتها وأوثق صلة وأعظم تعاونا على الحق والخير.
حدثني بعض الذين لقيتهم في ثغر البصرة لما كنت معتقلا في سجن الإنجليز سنة 1332هـ أن رجلا من العرب كان ينتقل بين بعض قرى إيران فقتله القرويون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)

لما علموا اسمه (عمر). قلت: وأي باس يرونه باسم (عمر)؟ قالوا: حبا بأمير المؤمنين علي. قلت: وكيف يكونون من شيعة علي وهم يجهلون أن عليا سمى أبناءه - بعد الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية - بأسماء أصدقائه وإخوانه في الله (أبي بكر) و (عمر) و (عثمان) رضوان الله عليهم أجمعين، وأم كلثوم الكبرى بنت علي بن أبي طالب كانت زوجة لعمر ابن الخطاب ولدت له زيدا ورقية، وبعد مقتل عمر تزوجها ابن عمها محمد بن جعفر ابن أبي طالب ومات عنها فتزوجها بعده أخوه عون بن جعفر فماتت عنده. وعبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن أبي طالب سمى أحد بنيه باسم (أبي بكر) وسمى ابنا آخر له باسم (معاوية)، ومعاوية هذا - أي بن أبي طالب - كان من نسله عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي أبن أبي طالب اشتهر بالمبارك العلوي وكان يكنى (أبا بكر). والحسن السبط بن علي أبن أبي طالب سمى أحد بنيه (أبا بكر) وآخر باسم (عمر) وثالثا باسم (طلحة). وزين العابدين علي بن الحسين سمى أحد أولاده أمير المؤمنين (عمر) تيمنا وتبركا. ولعمر هذا ذرية مباركة منهم العلماء والشعراء والشرفاء. والحسن السبط كان مصاهرا لطلحة بن عبيد الله. وإن أم إسحاق بنت طلحة هي أم فاطمة بنت الحسين بن علي. وسكينة بنت الحسين السبط كانت زوجا لزيد بن عمر بن عثمان بن عفان الأموي. وأختها فاطمة بنت الحسين السبط بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي. وأختها فاطمة بنت الحسين السبط بن علي بن أبي طالب كات زوجة عبد الله الأكبر بن عمرو بن عثمان بن عفان. وكانت قبل ذلك زوجة الحسن المثنى، وله منها جدنا عبد الله المحض. وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر ذي الجناحين بن أبي طالب كانت زوجة لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ثم تزوجها علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. وأم كلثوم بنت جعفر ذي الجناحين كانت زوجة الحجاج بن يوسف وتزوجها بعد ذلك أبان بن عثمان بن عفان. والسيدة نفيسة المدفونة في مصر (وهي بنت حسن الأنوار زيد بن الحسن السبط) كانت زوجة لأمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك وولدت له. وعلي الأكبر ابن الحسين السبط

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)

ابن علي بن أبي طالب أمه ليلى بنت مرة بن مسعود الثقفي وأمها ميمونة بنت أبي سفيان ابن حرب الأموي. والحسن المثنى ابن الحسن السبط أمه خولة بنت منظور الفزارية وكانت زوجة لمحمد بن طلحة بن عبيد الله، فلما قتل عنها يوم الجمل ولها منه أولاد تزوجها الحسن السبط فولدت له الحسن المثنى. وميمونة بنت أبي سفيان بن حرب جدة علي الأكبر ابن الحسين بن علي لأمه. ولما توفيت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم تزوج علي بعدها أماة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية.
فهل يعقل أن هؤلاء الأقارب المتلاحمين المتراحمين الذين يتخيرون مثل هذه الأمهات لأنسالهم، ومثل هذه الأسماء لفلذات أكبادهم، كانوا على غير ما أراده الله لهم من الأخوة في الإسلام، والمحبة في الله، والتعاون على البر والتقوى؟!.
لقد تواتر عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقول على منبر الكوفة «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» روي هذا عنه من أكثر من ثمانين وجها، ورواه البخاري وغيره، ولا يوجد تاريخ في الدنيا، لا تاريخ الإسكندر المقدوني، لا تاريخ نابليون، صحت أخباره كصحة هذا القول - من الوجهة العلمية التاريخية - عن علي بن أبي طالب. وكان كرم الله وجهه يقول: «لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري» أي أن هذه الفرية توجب على صاحبها الحد الشرعي، ولهذا كان الشيعة المتقدمون متفقين على تفضيل أبي بكر وعمر. نقل عبد الجبار الهمداني في كتاب (تثبيت النبوة) أن أبا القاسم نصر بن الصباح البلخي قال في (كتاب النقض على ابن الراوندي): سأل سائل شريك بن عبد الله فقال له: أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم: من لم يقل هذا فليس شيعيا. والله لقد رقى هذه الأعواد علي فقال: «ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابا. وفي ترجمة يحيى بن يعمر العدواني من (وفيات الأعيان) للقاضي ابن خلكان أن يحيى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)

ابن يعمر كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم، وكان شيعيا من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم. ثم ذكر قصة له في الحجاج وإقامته الحجة على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله بآية {ووهبنا له - أي لإبراهيم - إسحاق ويعقوب} إلى قوله: {وزكريا ويحيى وعيسى}. قال يحيى بن يعمر: وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد صلى الله عليه وسلم، فأقره الحجاج على ذلك وكبر في نظره وولاه القضاء على خراسان مع علمه بتشيعه. وأنت تعلم أن الحجاج هو ما هو، ومع ذلك فقد كان - مع فاضل متجاهر بشيعيته المعتدلة محتج للحق بالحق - أكثر إنصافا من هؤلاء الكذبة الفجرة الذين جاءوا في زمن السوء فصاروا كلما تعرضوا لأهل السابقة والخير في الإسلام، ومن فتحت اقطار الأرض على أيديهم، ودخلت الأمم في الإسلام بسعيهم ودعوتهم وبركتهم وكلهم من أهل خير القرون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، وما منهم إلا من يتصل ببني هاشم وال البيت بالخؤولة أو الرحم أو المصاهرة، وبالرغم من كل ذلك يتعرضون لسيرتهم بالمساءة كذبا وعدوانا، ويرضون لأنفسهم بأن يكونوا أقل إنصافا وإذعانا للحق حتى من الحجاج بن يوسف. وإني أخشى عليهم لو أنهم كانوا في مثل مركز الحجاج بن يوسف لكانت فيهم كل مآخذ الصالحين عليه، مع التجرد من كل مزاياه وفضائله وفتوحه التي بلغت تحت رايات كبار قواده وضغائر إلى أقصى أقطار السند، وغشيت جبال الهند وما صاقبها.
وإن خطبة الأمير علي بن أبي طالب في نعت صديقه وإمامه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر يوم وفاته من بليغ ما كان يستظهره الناس في الأجيال الماضية. وفي خلافة عمر دخل علي في بيعته أيضا وكان من أعظم أعوانه على الحق، وكان يذكره بالخير ويثني عليه في كل مناسبة، وقد علمت أنه بعد أخيه وصهره عمر سمى ولدين من أولاده باسميهما ثم سميى ثالثا باسم عثمان لعظيم مكانته عنده، ولأنه كان إمامه ما عاش، ولولا أن عثمان - بعد أن قام الحجة على الذين ثاروا عليه بتحريض أعداء الله رجال عبد الله بن سبأ اليهودي - منع الصحابة من الدفاع عنه حقنا لدماء المسلمين، وتضييقا لدائرة الفتنة، ولما يعلمه من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)

بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالشهادة والجنة، لولا كان ذلك لكان علي في مقدمة من في المدينة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا عل استعداد للدفاع عنه ولو ماتوا في سبيل ذلك جميعا. ومع ذلك فإن عليا جعل ولديه الحسن والحسين على باب عثمان، وأمرهما بأن يكونا كوع إشارته في كل ما يأمرهما به ولو أدى إلى سفك دمهما، وأوعز إليهما يخبرا أباهما بكل ما يحب عثمان أن يقوم له به. وكذب على الله وعلى التاريخ كل ما اخترعه الكاذبون مما يخالف ذلك ويناقض وقوف الحسن والحسين في بابه واستعدادهما لطاعته في كل ما يامر. وقد كان من عادة سلفنا أن يدونوا أخبار تلك الأزمان منسوبة إلى رواتها، ومن أراد معرفة قيمة كل خبر على طريقة (أنى لك هذا؟) فرجع إلى ترجمة كل راو في كل سند لتمحصت له الأخبار، وعلم أن الأخبار الصحيحة التي يرويها أهل الصدق والعدالة هي التي تثبت أن أصحاب رسول الله كانوا كلهم من خيرة من عرفت الإنسانية من صفوة أهلها، وأن الأخبار التي تشوه سيرة الصحابة وتوهم انهم كانوا صغار النفوس هي التي رواها الكذبة من المجوس الذين تسموا بأسماء المسلمين.
ولعلك تسألني: إذن ما هو اصل التشيع، وهل لم يكن لعلي شيعة في الصدر الأول؟ وما هي قصة وقعة الجمل، وما الباعث على وقوعها؟ وما هي حقيقة التحكيم؟.
إن الجواب على هذه الأسئلة بالأسانيد إلى ترتاح إليها قلوب المنصفين مهما اختلفت مشاربهم ومذاهبهم، يحتاج إلى كتابة تاريخ المسلمين من جديد، وإلى أخذه - عند كتابته - من ينابيعه الصافية، ولا سيما في المواطن التي شوهها أهل الذمم الخربة من ملفقي الأخبار. وأعيد هنا ما قلته غير مرة، وهو أن الأمة الإسلامية أغنى أمم الأرض بالمادة السليمة التي تستطيع أن تبني كيان تاريخها، إلا أنها لا تزال أقل أمم الأرض عناية ببناء تاريخها من تلك المواد السليمة، والناس الآن بين قارئ لكتب قديمة أراد مؤلفوها أن يتداركوا الأخبار قبل ضياعها فيها كل ما وصلت إليه أيديهم من عث وسمين، ومنبهين على مصادر هذه الأخبار وأسماء رواتها ليكون القارئ على بينة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)

من صحيحها وسقيها، ولكن لبعد الزمن وجهل أكثر القراء بمراتب هؤلاء الرواة ودرجاتهم في الصدق والكذب، وفي الوفاء للحق أو الميل مع الهوى، تراهم لا يستفيدون من هذه المصادر ولا من الكتب التي اعتمدت عليها بلا تمحيص وتحقيق. (1) وهنالك كتب قديمة أيضا ولكنها دون هذه الكتب، لأن أصحابها من أهل الهوى، وممن لهم صبغات حزبية يصبغون أخبارهم بألوانها، فهي أعظم ضررا، ولعلها أوسع من تلك انتشارا. أما الكتب الحديثة كمؤلفات جرجي زيدان، والبحوث التي يستقيها حملة الأقلام من مؤلفات المستشرقين على غير بصيرة بدسائسهم، فإنها ثالثة الأثافي والعظائم، ولذلك باتت هذه الأمة محرومة أغزر ينابيع قوتها وهو الإيمان بعظمة ماضيها، في حين أنها سليلة سلف لم ير التاريخ سيرة أطهر ولا أبهر ولا أزهر من سيرته.
إلا أن من نعم الله علينا عناية علماء الحديث بتحقيق أحوال رواة الأخبار ومبلغ أمانتهم في حملها وقد صنفوا في ذلك كتبا ومعاجم عظيمة النفع لمن يراجعها عند التأليف، ولهم تحقيقات جليلة في جميع المسائل التي يترتب عليها اتجاه الحق في الحكم على الأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام.
ومع أن كثيرا من أمهات الكتب النفيسة فقدت في كارثة هولاكو، (2) ثم في الحروب الصليبية واكتساح الأندلس، وما تلا ذلك كله من انحطاط المستوى العلمي في القرون الأخيرة، إلا أن كثيرا من تحقيقات المحققين لا تزال منبثة في مطاوي الكتب الإسلامية. والأمل عظيم في قيام نهضة جديدة لبعث ماضي هذه الأمة المجيد على ضوء ما تركه علماؤها من نصوص وتوجيهات.-----------------------------------
(1) ومن أهم هذه المصادر تاريخ ابن جرير الطبري، وقد كتبت في وصفه وتحليله مقاله في المجلد 24 من (مجلة الأزهر) ص 210 - 215 فارجع إليها لتستفيد من هذه المصادر ولتعرف ما تأخذ منها وما تدع.
(2) الذي كان ابن أبي الحديد من أعوان الخائن ابن العلقمي على تمهيد السبيل بين يديه لتقويض دولة الإسلام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)

وأعود بعد هذه الأسئلة التي تقدمت آنفا عن أصل الفتن والتشيع، فقد زعم الزاعمون لعلي - كرم الله وجهه - ما لم يكن له علم به: زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم عينه للخلافة بعده يوم استخلفه على المدينة وهو متجه إلى الشام في غزوة تبوك، وقال له يومئذ «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». ورجال الحديث مختلفون في درجة هذا الخبر من الصحة، فبعضهم يراه صحيحا، وبعضهم يراه ضعيفا، وذهب الإمام أبو الفرج بن الجوزي إلى أنه موضوع مكذوب، ونحن إذا رجعنا إلى الظروف التي قالوا إنها لابست هذا الحديث نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله له أن يتوجه نحو تبوك - أمر عليا بأن يتخلف في المدينة، وكان رجالها والقادرون عل الحرب من الصحابة قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد علي في نفسه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أتجعلني مع النساء والأطفال والضعفة!» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تطيبا لنفسه: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟» أي في استخلاف موسى أخاه هارون لما ذهب إلى الجبل ليعود بالألواح فهذا استخلاف لم يكن له في نظر سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه هذا المعنى الوهمي الذي اخترعه المتحزبون فيما بعد، بل هو على عكس ذلك كان يراه حرمانا له من مكانة أعلى وهي مشاركة إخوانه الصحابة في ثوب الجهاد لتكوين الكيان الإسلامي المنشود. زد على ذلك أن هذا النوع من الاستخلاف لم ينفرد به علي كرم الله وجهه، بل تكرر من النبي صلى الله عليه وسلم استخلاف ابن أم مكتوم على المدينة نفسها، وكان ابن أم مكتوم يتولى الإمامة بالناس في المدينة مدة خلافته عليها، وقد ناظر كبار الشيعة في هذا الحديث علامة العراق السيد عبد الله السويدي عندما جمعه بهم نادر شاه في النجف سنة 1156هـ فأفحمهم السويدي وخذل باطلهم كما ترى ذلك فيما دونه رحمه الله بقلمه عن هذه الواقعة وأثبتناه في رسالة طبعناها بعنوان (مؤتمر النجف).
فالإمام علي كرم الله تعالى وجهه كان يعلم أن الخلافة الحقة هي التي انضوى فيها إلى جماع إخوانه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قدر الله لها بحكمته ما شاء، وقضى فيها بعدله ما أراد وما كان لمسلم من عامة المسلمين - فضلا عن مثل علي في تعظيم مكانته في الأولين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)

والآخرين - أن يسخط قدر الله، أو يتمرد على قضائه، أو يرضى غير الذي ارتضاه إخوانه من الصحابة، أو يداجي معهم على ما فيه صلاح المسلمين. ومن الافتئات عليه والانتقاص من قدره والتشويه لجمال الإسلام وتاريخه الشك في إخلاص علي أو في اغتباطه بما بايع عليه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق وصاحبيه بعده عمر وعثمان رضوان الله عليهم أجمعين.
ومن المزايا التي تنفرد بها على وطبقته ممن ولي الخلافة أو دخل في بيعتها في الصدر الأول أنهم كانوا يرون ولاية هذا الأمر (واجبا) يقوم به الواحد إذا وجب عليه كما يقوم بسائر واجباته، ولا يرونها (حقا) لأحدهم يعادي عليه المسلمين، ويعرض دماءهم للخطر والشر، ليستأثر بها على غيره.
وجميع الوقائع - إذا جردت من زيادات أهل الأهواء - تدل على هذه المكانة السامية لعلي وإخوانه، فلما شوهت الوقائع وأخبارها بما دسه فيها المتزايدون من أكاذيب لا مصلحة فيها لعلي وآله وبنيه صورة قبيحة لا تنطبق على الحقيقة والواقع وظن المخدوعون بها أن تلك الطبقة - الممتازة على جميع أمم الأرض بعفتها وطهارة نفوسها وترفعها عن الصغائر - إنما كانت على عكس ذلك: تنازع كالأطفال والرعاع على توافه الدنيا وسفاف العاجلة. فالخلافة كانت في نظر الراشدين (عبئا) يتولى الواحد منهم حمله بتكليف من المسلمين أداء الواجب، ولم تكن عند أحد منهم (متاعا) ولا (مأكله) حتى ينازع غيره عليها. ولما تآمرت المجوسية واليهودية على سفك دم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبقى الله من حياته بقية يدبر فيها للمسلمين أمرهم بعده، جعل الأمر شورى، واقترح عليه بعض لصحابة أن يريح المسلمين من ذلك فيعهد إلى ابنه عبد الله بن عمر - ولم يكن عبد الله بن عمر دون أبيه في علم أو حزم أو بعد نظر أو إخلاص لله ورسوله والمؤمنين - رفض عمر ذلك وقال: «بحسب آل الخطاب أن يليها واحد منهم، فإن كان خيرا قد أصبنا منه وإن كان زرءا فقد قمنا بنصيبنا فيه». وعبد الله بن عمر نفسه عرضت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)

عليه الإمامة فيمن عرضت عليهم عند مقتل عثمان في ذي الحجة سنة 35 فهرب منها كما كان يهرب منها طلحة والزبير وعلي، ولم يتولها علي إلا قياما بواجب، ولم يستمدها من خرافات المنحرفين وسخافاتهم، بل من إرادة الأمة في ذينك اليومين (الخميس 24 ذي الحجة، والجمعة 25 منه) كما أعلن ذلك على رءوس الأشهاد وهو واقف على أعواد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعلي إلى تلك الساعة لم تكن له شيعة خاصة به يعرفها وتتصل به، ولم يخطر قط على باله أن يجعل أحدا من الناس شيعة له، لأنه هو نفسه وسائر إخوانه من الصحابة كانوا شيعة الإسلام الملتفة حول خلفاء نبيها صلى الله عليه وسلم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان. ولو حدثته نفسه باتخاذ شيعة خاصة به عند جمهور الأمة الذي يتشيع للبيعة العامة لكان ذلك نقصا منه لما عقد عليه صفقة يمينه لإمامه، وما طوق به من بيعة الإسلام لأصحابها، ولا شك أنه استمر على ذلك إلى عشية الخميس 24 من ذي الحجة سنة 35 للهجرة، كان أهلا لأن يستمر علي ذلك بأمانة وإخلاص. ولو لم يكن علي كذلك لما كان في هذه المنزلة السامية عند الله والناس. ومن الثابت عنه في عشية ذلك اليوم أنه كان يدافع الخلافة عن نفسه، ويحاول أن يقنع أخاه طلحة بن عبيد الله - أحد العشرة المبشرين بالجنة - بأن يتولى هو هذا الأمر عن المسلمين، بينما طلحة أيضا كان يدافعها عن نفسه ويحاول إقناع علي بان يكون هو حامل هذا العبء، القائم عن المسلمين بهذا الواجب. وانظر الحوار بينهما في ذلك كما رواه عالم من كبار علماء التابعين وهو الإمام محمد بن سيرين على ما أورده أبو جعفر الطبري في تاريخه (6: 156 طبعة مصر و 1: 3075 طبعة هولندا) فيقول علي لطلحة «ابسط يدك يا طلحة لأبايعك» فيقول له طلحة «أنت أحق، فأنت امير المؤمنين، فابسط يدك».
وكاد الثائرون من جماعة الفسطاط والكوفة والبصرة يثبون بعلي وطلحة والزبير فيقتلونهم لهربهم من ولاية الأمر وتعففهم جميعا عن قبول الخلافة، فانتهى الأمر بقبول علي، وارتقى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي (الجمعة 25 من ذي الحجة سنة 35) فخطب خطبة حفظ لنا الطبري نصها (6: 157 و 1: 3077) فقال: «أيها الناس عن ملأ وأذن إن هذا أمركم، وليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم. وقد افترقنا بالأمس على أمر (أي على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)

البيعة له) فإن شيء تم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد» وبذلك أعلن أنه لا يستمد الخلافة من شيء سبق، بل يستمدها من البيعة إذا ارتضتها الأمة.
ومن مزايا الطبقة الاولى التي صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وتأدبت بأدبه وتشبعت بسنته أنها كانت ترى (الاعتدال) ميزان الدين، (والرفق) جمال الإسلام، لأن نبيها صلى الله عليه وسلم كان يقول لها: «إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» وكان يقول لها: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» ويقول: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق» ويقول: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو فيه». فلما نشأت الطبقة الثانية في حياة الطبقة الأولى أدب الأباء بينهم بهذا الأدب. ولكن أكثر ما كانت هذه الطريقة ناجحة في الحجاز ونجد والشام. وكان في ناشيء ة الكوفة والبصرة والفسطاط من أخذ بهذه الطريقة، كما أن فيهم من شب على العفو في الدين. ومن أكبر المصائب في الإسلام في ذلك الحين تسلط إبليس من أبالسة اليهود على الطبقة الثانية من المسلمين فتظاهر لها بالإسلام وادعى الغيرة على الدين والمحبة لأهله، وبدأ برمي شبكته في الحجاز والشام فلم تعلق بشيء بسبب تشيعهم بفطرة الإسلام في أعتداله ورفقه، وحذرهم من طرفي الإفراط والتفريط. فذهب الملعون يتنقل بين الكوفة والبصرة والفسطاط ويقول لحديثي السن وقليلى التجربة من شبابها: عجبا لمن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع. وقد قال عز وجل {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} فمحمد أحق بالرجوع من عيسى. وكان يقول لهؤلاء الشبان «كان فيما مضى ألف نبي، ولكل نبي وصي، وإن عليا وصي محمد» ويقول لهم: «محمد خاتم الأنيباء، وعلى خاتم الأوصياء» (1) ثم يقول لهم محرضا على عثمان، وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان سنة 30:-----------------------------------
(1) ورواية هذه الحقائق عن الملعون ابن سبأ اتفق عليها أهل السنة والشيعة، وقد نقلنا مثل هذا في هامش ص 299 عن تنقيح المقال للمامقاني كما نقلها المامقاني عن الكشي من كبار أئمتهم. وقد اعترفوا بذلك أن وصف علي بانه «وصي» من اختراع ابن سبا ولا علم للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف لعلى لأنه اختراع في خلافة عثمان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)

«ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله، وممن يثب على علي وصي رسول الله وينزع منه أمر الأمة» ويقول لهم «إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وهنالك علي وصي رسول الله فانهضوا فحركوه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس» … ..
إن هذا الشيطان هو عبد الله بن سبأ من يهود صنعاء، وكان يسمى ابن السوداء وكان يبث دعوته بخبث وتدرج ودهاء. واستجاب له ناس من مختلف الطبقات، فاتخذ بعضهم دعاة فهموا أغراضه وعولوا على تحقيقها. واستنكر أتباعه بآخرين من البلهاء الصالحين المتشددين في الدين المتنطعين في العبادة ممن يظنون الغلو فضيلة والاعتدال تقصيرا. فلما انتهى ابن سبأ من تربية نفر من الدعاة الذين يحسنون الخداع ويتقنون تزوير الرسائل واختراع الأكاذيب ومخاطبة الناس من ناحية أهوائهم، بث هؤلاء الدعاة في الأمصار - ولا سيما الفسطاط والكوفة والبصرة - وعنى بالتأثير على أبناء الزعماء من قادة القبائل وأعيان المدن الذين اشترك آباؤهم في الجهاد والفتح، فاستجاب له من بلهاء الصالحين وأهل الغلو من المتنطعين جماعات كان على رأسهم في الفسطاط الغافقي بن حرب العكي وعبد الرحمن بن عديس البلوي التجيبي الشاعر وكنانة بن بشر بن عتاب التجيبي وسودان ابن حمران السكوني وعبد الله بن زيد بن ورقاء الخزاعي وعمرو بن الحمق الخزاعي وعروة بن النباع الليثى وقتيرة السكوني. وكان على رأس من استغواهم ابن سبأ في الكوفة عمرو أبن الأصم وزيد بن صوحان العبدي والأشتر مالك بن الحارث النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم. ومن البصرة حرقوص بن زهير السعدي وحكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي وابن المحرش ابن عبد عمرو الحنفي. أما المدينة فلم يندفع في هذا الآمر من أهلها إلا ثلاثة نفر وهم: محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وعمار بن ياسر. ومن دهاء ابن سبأ ومكره أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعلي (وعلي لا يعلم ذلك)، وفي جماعة الكوفة الدعوة لطلحة، وفي جماعة البصرة الدعوة للزبير. وليس هنا موضع

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)

تحليل نفسيات المخدوعين بدعوة هذا الشيطان، ولا نريد أن ننقل ذم علي وطلحة والزبير لهم وما قالوه فيهم يوم نزل الثائرون في ذي خشب والأعوص وذي المروة، وكيف زور ابن سبأ وشياطينه رسالة على لسان علي بدعوة جماعة الفسطاط إلى الثورة في المدينة، فلما واجهوا عليا بذلك قالوا له: أنت الذي كتبت إلينا تدعونا، فأنكر عليهم أنه كتب لهم، وكان ينبغي أن يكون ذلك سببا ليقظتهم ويقظة علي أيضا إلى أن بين المسلمين شيطانا يزور عليهم الفساد لخطة مرسومة تنطوي على الشر الدائم والشر المستطير، وكان ذلك كافيا لإيقاظهم إلى أن هذه اليد الشريرة هي التي زورت الكتاب على عثمان إلى عامله بمصر بدليل أن حامله كان يتراءى لهم متعمدا ثم يتظاهر بأنه يتكتم عنهم ليثير ريبتهم فيه، فراح المسلمون إلى يومنا هذا ضحية سلامة قلوبهم في ذلك الحين. إن دراسة هذا الموضوع الآن على ضوء القرائن القليلة التي بقيت لنا بعد مضي ثلاثة عشر قرنا تحتاج إلى من يتفرغ لها من شباب المسلمين، وسيجدون مستندات الحق في تاريخهم كافية لوضع كل شيء في موضعه إن شاء الله.
فأول فتنة وقعت في الإسلام هي فتنة المسلمين بمقتل خليفتهم وصهر نبيهم الإمام العادل الكريم الشهيد ذي النورين عثمان بن عفان رضوان الله عليه. وقد علمت أن الذين قاموا بها وجنوا جنايتها فريقان: خادعون ومخدوعون. وقد وقعت هذه الكارثة في شهر الحج، وكانت عائشة أم المؤمنين قد خرجت إلى مكة مع حجاج بيت الله ذلك العام، فلما علمت بما حدث في مدينة الرسول أحزنها بغي البغاة على خليفة نبيهم. وعلمت أن عثمان كان حريصا على تضييق دائرة الفتنة، فمنع الصحابة من الدفاع عنه، بعد أن أقام الحجة على الثائرين في كل ما دعوه عليه وعلى عماله، وكان الحق معه في كل ذلك وهم على الباطل، وكان هو المثل الإنساني الأعلى في العدل وكرم النفس والنزول على قواعد الإسلام واتباع سننه وكان في مدة خلافته أكرم وأصلح وأكثر إنصافا وقياما بالحق واتباعا للخير مما كان هو عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. واجتمعت عائشة بكبار الصحابة، وتداولت الرأي معهم فيما ينبغي عمله - وقد عرف القراء ما كانوا عليه من نزاهة، وفرار من الولاية، وترفع عن شهوات النفس - فرأوا أن يسيروا مع عائشة إلى العراق ليتفقوا مع أمير المؤمنين علي على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)