فليس. بل ثبت أن أخاه متمم بن نويرة (1)
اعترف بارتداده في حضور عمر مع عشقه له ومحبته فيه محبة تضرب بها الأمثال، وفيه قال:
وكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصعدها
فلما تفرقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (2)
ثم إن عمر ندم على ما كان من إنكاره زمن الصديق. (3) والله ولي التوفيق.
ومنها أنه تخلف عن جيش اسامة المجهز للروم مع أنه صلى الله عليه وسلم أكد غاية التأكيد عليه حتى قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف. (4)
وجوابه: إن كان الطعن (5) من جهة عدم التجهيز فهذا افتراء صريح لأنه جهز وهيأ. وإن كان من جهة التخلف (6) فله عدة أجوبة:
الأول أن الرئيس إذا ندب رجلا مع جيش ثم أمره بخدمة من خدمات حضوره فقد استثناه وعزله. (7) والصديق لأمره بالصلاة كذلك، فالذهاب إما ترك الأمر أو ترك الأهم وهو محافظة المدينة المنورة من الأعراب.
الثاني أن الصديق قد انقلب له المنصب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان من آحاد المؤمنين فصار خليفة النبي صلى الله عليه وسلم فانقلبت في حقه الأحكام، ألا ترى كيف انقلبت أحكام الصبي إذا بلغ والمجنون إذا افاق والمسافر إذا أقام والمقيم إذا سافر، إلى غير ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم لو عاش لما ذهب في جيش أسامة، فالخليفة لكونه قائما مقامه يكون كذلك.
الثالث أن الأمر عند الشيعة ليس مختصا بالوجوب كما نص عليه المرتضى في (الدرر والغرر) فلا ضرر في المخالفة. (8) وجملة "لعن الله من تخلف" مكذوبة لم تثبت في كتب السنة. (9)
الرابع أن مخالفة آدم ويونس لحكم الله تعالى بلا واسطة قد ثبت عند الشيعة، فالإمام لو خالف أمرا واحدا لاضير، فتدبر.
ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكر قط أمرا مما يتعلق بالدين فلم يكن حريا بالإمامة.
الجواب أن هذا كذب محض تشهد على ذلك السير والتورايخ. فقد ثبت تأميره-----------------------------------
(1) أسلم هو وأخوه وكان حسن الإسلام وله شعر في مراثي أخيه. الاستيعاب: 4/ 1455؛ الإصابة: 5/ 763 ..
(2) الأغاني: 15/ 299.
(3) لأن عمر تاثر أولا بمبالغات أبي قتادة ثم استوعب الحقيقة فندم على ما كان من تعجله.
(4) ليست العبارة الآخيرة في كتب أهل السنة رغم دعاوى الإمامية، ينظر ابن حيوان، دعائم الإسلام: 1/ 40؛ المجلسي، بحار الأنوار: 27/ 324. والحلي، نهج الحق: ص 263.
(5) يتصور الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أمره ربه بقوله تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} إنما بعث جيش أسامة ليهيء الأجواء لاستخلاف علي.
(6) لو كان اللعن عاما على من تخلف فهو على علي والنساء والأطفال ولا يخفى فساد هذا.
(7) لم يكن أبو بكر من الجيش بل أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالمسلمين، ولو فرض جدلا فهذا لن يمنع من الإمامة فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغزو ويترك المدينة وأصحابه.
(8) قال: «إن مجرد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام لا يقتضي الوجوب». الأمالي: 1/ 55
(9) بل ليس لها أصل حتى في كتب الشيعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
لمقاتلة أبي سفيان بعد أحد، وتأميره أيضا في غزوة بني فزارة كما رواه الحاكم عن سلمة بن الأكوع، وتأميره في العام التاسع ليحج بالناس أيضا ويعلمهم الأحكام من الحلال والحرام، (1) وتأميره أيضا بالصلاة قبيل الوفاة، (2) إلى غير ذلك من مما يطول.
ويجاب أيضا - على فرض التسليم - بأن عدم ذلك ليس لعدم اللياقة بل لكونه وزيرا ومشيرا على ما هي العادة. روى الحاكم عن حذيفة بن اليمان أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني أريد أن أرسل الناس إلى الأقطار البعيدة لتعليم الدين والفرائض كما كان عيسى أرسل الحواريين. فقال بعض الحضار: يا رسول الله مثل هؤلاء الناس موجودون فينا كأبي بكر وعمر، قال: إنه لا غنى لي عنهما، إنهما من الدين كالسمع والبصر. (3) وأيضا قال صلى الله عليه وسلم: أعطاني الله أربعة وزراء وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر. (4)
وأيضا لو كان عدم الإرسال موجبا لسلب اللياقة يلزم عدم لياقة الحسنين - معاذ الله تعالى من ذلك.
ومنها أن أبا بكر ولّى عمر أمور المسلمين، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ولاه على أخذ الصدقات سنة ثم عزله، فالتولية مخالفة.
ويجاب بأن محض الجهالة أن يقال لانقطاع العمل عزل. وعلى تقدير العزل فأين النهي عن توليته كي تلزم المخالفة بالتولية؟ فافهم.
ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله وعمر وتابعين لعمر بن العاص وأسامة أيضا، ولو كانا لائقين لأمّرهما.
ويجاب بأن ذلك لا يدل على الأفضلية ونفي اللياقة، (5) إذ المصلحة ربما اقتصت ذلك، فإن عَمرا كان ذا خديعة في الحرب ودهاء وحيلة عارفا بمكايد الأعداء، ولم يكن غيره فيها كذلك، كما يولى مثل هذا لقمع السارقين وعسس الليل ونحوهما من لا يولى لذلك من الأكابر. وأسامة استشهد أبوه على أيدي كفار الشام والروم فكان ذلك تسلية له وتشفية. وأيضا مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك إطلاع أبي بكر وعمر على حال التابع والمتبوع كما هو شأن تربية الحكيم خادمه، فلا تغفل.-----------------------------------
(1) روى أبو هريرة: «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره النبي صلى الله عليه وسلم عليها، قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان» متفق عليه.
(2) عن إبراهيم عن الأسود قال: «كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة، فأذن فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقيل له إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له فأعاد الثالثة فقال: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه، قيل للأعمش وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر فقال برأسه نعم». متفق عليه
(3) الحاكم في المستدرك والطبراني في الأوسط؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «وفيه حماد بن عمر النصيبي وهو متروك»: 9/ 156.
(4) الترمذي والحاكم؛ وضعفه في ضعيف الجامع: رقم 1972.
(5) هذا لو فرض أن أبا بكر من الجيش، وقد تقدم نفيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
ومنها أن أبا بكر استخلف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، (1) فقد خالف. (2)
ويجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بالاستخلاف، والإشارة إذ ذاك كالعبارة. وفي زمن الصديق كثر المسلمون من العرب، وهم حديثو عهد بالإسلام وأهله فلا معرفة لهم بالرموز والإشارات، فلا بد من التنصيص والعبارات، حتى لا تقع المنازعات والمشاجرات. وفي كل زمان رجال، ولكل مقام مقال. وأيضا عدم استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعلمه بالوحي بخلافة الصديق كما ثبت في صحيح مسلم، ولا كذلك الصديق إذ لا يوحى إليه ولم تساعده قرائن فعمل بالأصلح للأمة، ونعم ما عمل، فقد فتح الفاروق البلاد، ورفع قدر ذوي الرشاد، وأباد الكفار (3) وأعان الأبرار.
ومنها أن أبا بكر كان يقول «إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني». (4) ومن هذا حاله لا يليق للإمامة. (5)
ويجاب بأن هذا غير ثابت عندنا، فلا إلزام. بل الثابت أنه أوصى عمر قبل الوفاة فقال: «والله ما نمت فحلمت، وما شبهت فتوهمت، وإني لعلى السبيل ما زغت، ولم آل جهدا. وإني أوصيك بتقوى الله تعالى» (6) الخ. نعم قال في أول خطبة خطبها على ما في مسند الإمام أحمد: «يا أصحاب الرسول أنا خليفة الرسول فلا تطلبوا مني الأمرين الخاصين بالنبي صلى الله عليه وسلم: الوحي والعصمة من الشيطان» … وفي آخرها: «إني لست معصوما فإطاعتي فرض عليكم فيما وافق الرسول وشريعة الله تعالى من أمور الدين، ولو أمرتكم بخلافها فلا تقبلوه مني ونبهوني عليه». وهذا عين الإنصاف. ولما كان الناس معتادين عند المشكلات الرجوع إلى وحي إلهي وإطاعة النبي صلى الله عليه وسلم كان لازما على الخليفة التنبيه على الاختصاص بالجناب الكريم. وأيضا روي في الكافي للكليني في رواية صحيحة عن جعفر الصادق أن لكل مؤمن شيطانا يقصد إغواءه. (7) وفي الحديث المشهور ما يؤيد هذا أيضا فقد قال صلى الله عليه وسلم «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن» فقالت الصحابة: حتى أنت يا رسول الله؟ قال «نعم، ولكن الله غلبني عليه لأسلم وآمن من شره». (8) فأي طعن فيما ذكروه؟ والمؤمن يعتريه الشيطان بالوسوسة-----------------------------------
(1) وهل يعترف الشيعة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف؟
(2) ابن المطهر الحلي، نهج الحق: ص 354.
(3) {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد وتاريخ الطبري. ورواية ابن سعد عن الواقدي وهو ضعيف بإجماع المحدثين، أما الطبري فرواها عن شعيب بن إبراهيم كاتب سيف بن عمر قال الذهبي عنه: (فيه جهالة). ميزان الاعتدال: 3/ 377؛ أما سيف بن عمر فحاله ليس بأحسن من حال الواقدي. فهذه رواية لا تصلح للاحتجاج ضعيفة الإسناد.
(5) الحلي في نهج الحق: ص 264.
(6) ابن عساكر في تاريخ دمشق: 30/ 415.
(7) ولفظه: «ما من مؤمن إلا وقد وكّل به أربعة شيطانا يغويه يريد أن يضله، وكافرا يغتاله، ومؤمنا يحسده وهو أشدهم عليه، ومنافقا يتتبع عثراته». الكافي: 2/ 251.
(8) صحيح مسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
فينتبه، قال تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}. نعم إن النقصان في اتباع الشيطان، وهو بمعزل عنه. (1)
ومنها أنه روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقي الله المؤمنين شرها، فمن عاد بمثلها فاقتلوه» (2) قالوا: ويؤيد هذه الرواية رواية البخاري في صحيحه فقد دلت صراحة على بيعة أبي بكر قد وقعت بغتة بلا تأمل ولا مشورة، وإنها غير تمسك بدليل، فلم يكن إماما بحق.
والجواب أن هذا الكلام صدر من عمر في زجر رجل كان يقول إن مات عمر أبايع فلانا وحدي أو مع آخر كما كان في مبايعة أبي بكر ثم استقر الأمر عليها، فمعنى كلام الفاروق في رده لهذا القول أن بيعة رجل أو رجلين شخصيا من غير تأمل سابق ومراجعة أهل الحل والعقد ليست بصحيحة، وبيعة أبي بكر وإن كانت فجأة بسبب مناقشة الأنصار وعدم وجود فرصة للمشورة فقد حلت محلها وصادفت أهلها للدلائل على ذلك والقرائن على ما هنالك كإمامة الصلاة ونحوها. وهذا معنى «وقي الله المؤمنين شرها» فلا يقاس غيره به. (3) وفي آخر هذه الرواية التي رواها الشيعة «وأيكم مثل أبي بكر» أي في الأفضلية والخبرية وعدم الاحتياج إلى المشورة. على أنه قد ثبت عند أهل السنة وصح أن سعد بن عبادة وأمير المؤمنين عليا والزبير قد بايعوه بعد تلك المناقشة واعتذروا له عن التخلف أول الأمر.
ومنها أن أبا بكر كان يقول للصحابة: «إني لست بخير منكم وعلي فيكم». (4) فإن كان صادقا في هذا القول لم يكن لائقا للإمامة البتة، إذ المفضول لا يليق مع وجود الفاضل. وإن كان كاذبا فكذلك إذ الكاذب فاسق والفاسق لا يصلح للإمامة.
والجواب على فرض التسليم بما يجاب من قبلهم عما يثبت في الصحيفة الكاملة (5) وهي من الكتب الصحيحة عندهم من قول الإمام السجاد رضي الله عنه «أنا الذي أفنت الذنوب عمره» … الخ. فإن كان صادقا بهذا الكلام لم يكن لائقا للإمامة أن الفاسق المرتكب للذنوب لا يصلح للإمامة، وكذا إن كان كاذبا لما مر. فما هو جوابهم فهو جوابنا.
وزاد بعض الشيعة-----------------------------------
(1) قال ابن الجوزي: «إن الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف اللمة والوسوسة وروي عن ابن عباس أنه قال الطائف اللمة من الشيطان والطيف الغضب». زاد المسير: 3/ 310.
(2) ليس في الصحيح اقتلوه؛ فالحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال: « … ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا … »
(3) قال الحافظ ابن حجر: «وقى الله شرها إيماء إلى التحذير من الوقوع في مثل ذلك، حيث لا يؤمن من وقوع الشر والاختلاف قوله: ولكن الله وقى شرها: أي وقاهم ما في العجلة غالبا من الشر؛ لأن من العادة أن من لم يطلع على الحكمة في الشيء الذي يفعل بغتة لا يرضاه، وقد بين عمر سبب إسراعهم ببيعة أبي بكر لما خشوا أن يبايع الأنصار سعد بن عبادة». فتح الباري: 12/ 150.
(4) ليست في كتب السنة بل من موضوعات الشيعة: أوردها ابن شاذان، الفضائل: ص 132؛ المفيد، الفصول المختارة: 1/ 246؛ ابن طاوس، الطرائف: 2/ 402؛ ابن مطهر الحلي، نهج الحق: ص 264.
(5) الصحيفة السجادية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
على قول «إني لست بخير منكم» لفظ «أقيلوني أقيلوني» (1) فاعترض على هذا البهتان بأن أبا بكر قد استعفى عن الإمامة فلا يكون قابلا لها. (2)
والجواب - على فرض تسليمه - بما يجاب عما صح في كتب الشيعة من أن الأمير لم يكن يقبل الخلافة بعد شهادة عثمان إلا بعد أن كثر إلحاح المهاجرين والأنصار، (3) على أنه لو صح ذلك عن أبي بكر لكان دليلا على عدم طمعه وحبه للرياسة والإمامة بل إن الناس قد أجبروه على قبولها. (4)
ومنها أن أبا بكر لم يعط فاطمة رضي الله عنها من تركة أبيها صلى الله عليه وسلم حتى قالت: يا ابن قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي؟ (5) واحتج أبو بكر على عدم توريثها بما رواه هو فقط من قوله صلى الله عليه وسلم «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» مع أن هذا الخبر مخالف لصريح قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} فإنه عام للنبي وغيره، ومخالف أيضا لقوله تعالى {وورث سليمان داود} وقوله تعالى {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} (6)
وجوابه أن أبا بكر لم يمنع فاطمة من الإرث لعداوة وبغض، بدليل عدم توريثه الأزواج المطهرات حتى ابنته الصديقة، بل السبب في ذلك سماعه للحديث بأذنه منه صلى الله عليه وسلم، وقد روى علماء السنة هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبي الدرداء وأبي هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص، فقولهم إن هذا الحديث رواه أبو بكر فقط غير مسلم عند أهل السنة. وروى الكليني في الكافي عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال «إن العلماء ورثة الأنبياء لم يرثوا ولم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر» (7) وكلمة «إنما» تفيد الحصر لما هو مسلم عندهم، فثبت المدعى برواية المعصوم عندهم.
أما كون هذا الحديث مخالفا للآيات فجهل عظيم، لأن الخطاب في {يوصيكم} لما عدا النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الخبر مبين لتعيين الخطاب لا مخصص، بل لو كان مخصصا للآية فأي ضرر فيه، فقد خصص من الآية الولد الكافر والرقيق والقاتل. ومما يدل على صحة هذا الخبر لدى أهل البيت أن تركة النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت في أيديهم أخرجوا العباس وأولاده-----------------------------------
(1) الرواية عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف قال: «لما بويع أبو بكر أغلق بابه ثلاثا يقول: أيها الناس أقيلوني بيعتكم، كل ذلك يقول له علي: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم». فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: 1/ 151 ووردت في كتاب الإمامة والسياسية المنسوب لابن قتيبة، وهو ليس له كما أثبت المحققون، وفي سندها تليد بن سليمان، قال عنه ابن معين: ليس بشيء كذاب، وقال أبو داود: رافضي خبيث يشتم أبا بكر وعمر (ميزان الاعتدال: 2/ 77). فالرواية من وضعه. أما زيادة: «وعلي فيكم» فليست في شيء من كتب أهل السنة
(2) الحلي، نهج الحق: ص 264.
(3) يدل عليه أن عمرا وأبا عبيدة قالا له: «أنت خيرنا وأفضلنا»، فلم ينكر عليهما أحد من المهاجرين والأنصار. تاريخ الطبري: 2/ 134؛ البداية والنهاية: 5/ 246.
(4) ورووا عن علي رضي الله عنه أنه قال للناس بعد أن قتل عثمان رضي الله عنه: «دعوني والتمسوا غيري فأنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا»، ثم قال: «اتركوني فأنا كأحدكم، بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم فأبوا عليه وبايعوه». نهج البلاغة (بشرح ابن أبي الحديد): 1/ 169 - 170.
(5) الرواية من وضع الإمامية فليست في مصدر تاريخي ولا في أي من كتب أهل السنة. وأخرجها من الإمامية: ابن رستم الطبري، دلائل الإمامة: 34؛ المفيد رسالة حول حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث: ص 25؛ الطبرسي، الاحتجاج: 1/ 102
(6) ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 266.
(7) الكافي: 1/ 32؛ المفيد، الاختصاص: ص 5؛ العاملي، وسائل الشيعة: 27/ 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
ولم يورثوهم مما ترك صلى الله عليه وسلم، وكذا لم يورثوا أمهات المؤمنين. (1)
وأما قوله تعالى {ورث سليمان داود} (2) فالمراد النبوة. فقد روى الكليني عن أبي عبد الله «أن سليمان ورث داود وأن محمدا ورث سليمان»، (3) فقد علم أن هذه وراثة العلم والنبوة، وإلا فوراثة نبينا مال سليمان لا يتصور لا شرعا ولا عقلا، ولو كان المراد وراثة سليمان مال داود فما وجه تخصيصه بالذكر مع أنه كان لداود عليه السلام تسعة عشر ابنا (4) بإجماع المؤرخين، وعلى ما ذكرنا يحمل قوله تعالى {يرثني ويرث من آل يعقوب} إذ لا يتصور أن يكون يحيى وراثا لجميع بني إسرائيل بل هو وارث زكريا فقط فما فائدة ذكر {ويرث} الخ. (5)
هذا وأما إبقاء الحجرات في أيدي الأزواج المطهرات فلأجل كونها مملوكة لهن لا لكونها ميراثا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بنى كل حجرة لزوجة من أزواجه ووهبها لهن فتحققت الهبة بالقبض وهي موجبة للملك كحجرة فاطمة وأسامة، ولذا أضاف الله تعالى البيوت لهن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز اسمه {وقرن في بيوتكن}.
ومنها قولهم أن أبا بكر لم يعط فاطمة رضي الله تعالى عنها فدكا (6) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهبها لها ولم يسمع دعواها الهبة ولم يقبل شهادة علي (7) وأم أيمن (8) لها فغضبت فاطمة رضي الله عنه وهجرته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقها: (9) من أغضبها أغضبني. (10)
الجواب أن ليس له أصل عند أهل السنة، بل ذكر البخاري في رواية عروة بن الزبير (11) عن عائشة رضي الله عنها: طلبت فاطمة رضي الله عنها فدكا من أبي بكر لا بطريق دعوى الهبة بل بطريق الميراث، (12) وعلى تقدير تسليم روايتهم فإن الهبة لا تتحقق إلا بالقبض، ولا يصح الرجوع عنها بعد تصرف المتهب في الموهوب، ولم تكن فدك في عهده صلى الله عليه وسلم في تصرف فاطمة رضي الله عنها، بل كانت في يده صلى الله عليه وسلم يتصرف فيها تصرف المالك فلم يكذبها أبو بكر في دعوى الهبة ولكن بين لها أن الهبة لا تكون سببا للملك ما لم يتحقق القبض فلا حاجة حينئذ إلى شهود، وما زعموا أنه صدر من علي كرم الله تعالى وجهه وأم أيمن محض إخبار، وأبو بكر لم يقض، لا أنه لم يقبل شهادتهما. على انه لو لم يقبلها وردها لكان له وجه، فإن نصاب الشهادة في غير الحدود والقصاص رجلان-----------------------------------
(1) فعندما تولى علي الخلافة ترك فدك على ما تركها عليه الصديق، ولم يقسم تركة النبي صلى الله عليه وسلم على العباس وأولاده أو على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) وهل يظن بالله أنه يخبرنا أن سليمان ورث حطام الدنيا عن أبيه! ومعلوم كثرة ولد داود لكن سليمان وحده ورث النبوة.
(3) الكافي: 1/ 224؛ الصفار، بصائر الدرجات: ص 135.
(4) نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 13/ 164. وروى الكليني وغيره عن الصادق أنه قال: « … وكان لداود أولاد عدة … ». الكافي: 1/ 278؛ الجزائري، قصص الأنبياء: ص 343.
(5) قال ابن كثير: «يرثني على ميراث النبوة، ولهذا قال: (ويرث من آل يعقوب) كقوله: (وورث سليمان داود) أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة». التفسير: 3/ 112.
(6) قال ياقوت الحموي: «فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع صلحا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلا ثلث، واشتد بهم الحصار راسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن ينزلهم على الجلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة». معجم البلدان: 4/ 238.
(7) ليس في شيء من كتب أهل السنة بل من اختراع الشيعة.
(8) روى ابن سعد عن عمر قال: «لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله، بويع لأبي بكر في ذلك اليوم، فلما كان من الغد جاءت فاطمة إلى أبي بكر معها علي، فقالت: ميراثي من رسول الله أبي، فقال أبو بكر: أمن الرثة أو من العقد، قالت: فدك وخيبر وصدقاته بالمدينة أرثها كما يرثك بناتك إذا مت، فقال أبو بكر: أبوك والله خير مني وأنت والله خير من بناتي، وقد قال رسول الله: لا نورث ما تركنا صدقة، يعني هذه الأموال القائمة فتعلمين أن أباك اعطاكها، فوالله لئن قلت نعم لأقبلن قولك ولأصدقنك، قالت: جاءتني أم أيمن فأخبرتني أنه أعطاني فدك، قال: فسمعته يقول: هي لك؟ فإذا قلت قد سمعته فهي لك فأنا أصدقك وأقبل قولك، قالت: قد أخبرتك ما عندي». الطبقات: 2/ 315 - 316. فقد أخبرها الصديق حسب هذه الرواية بأنه يقبل شهادتها إن كانت قد سمعت ذلك بنفسها رضي الله عنها، رغم أنه لم يقبل شهادة أم أيمن لوحدها.
(9) روى البخاري عن المسور بن مخرمة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها
(10) ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 263.
(11) في المطبوع (عروة عن ابن الزبير) والتصحيح من البخاري.
(12) نقله الآلوسي بالمعنى وهو في صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس: 2/ 1126.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
أو رجل وامرأتان. وأما إغضابه إياها فلم يتحقق منه، إذ الإغضاب إنما هو جعل أحد غضبانا بالفعل أو القول قصدا، وكيف يقصد الصديق إغضاب تلك البضعة الطاهرة وقد كان يقول لها مرارا «والله با ابنة رسول الله إن قرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي» وليس الوعيد على غضبها، كيف لا وقد غضبت على الأمير زوجها مرارا كغضبها يوم سمعت بخطبة الأمير بنت أبي جهل لنفسه حتى أتت أباها صلى الله عليه وسلم باكية فخطب إذ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «ألا إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويربيني ما رأبها، فمن أغضبها أغضبني». (1) وكغضبها يوم ذهب الأمير إلى المسجد ونام على التراب ولذلك لقب بأبي تراب، فقد أتاها النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها: أين ابن عمك؟ قالت: غاضبني فخرج ولم يقل عندي. (2)
ومع ذلك فقد ثبت عند الفريقين أن غضب فاطمة قد شق على الصديق حتى رضيت عنه، فقد روى صاحب (محجاج السالكين) وغيره من الإمامية أن أبا بكر لما رأى أن فاطمة انقبضت عنه وهجرته ولم يتكلم بعد ذلك في أمر فدك كبر ذلك عنده فأراد استرضاءها فأتاها فقال لها صدقت با ابنة رسول الله فيما ادعيت، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم والصانعين بها. فقالت: افعل فيها كما كان أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فيها. فقال: ولك الله على أن افعل ما كان يفعل ابوك. فقالت: والله لتفعلن؟ فقال: والله لفعلن ذلك. فقال: اللهم اشهد. فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه. وكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي على من ذكر. انتهى والله الهادي للصواب. (3)
ومنها أن أبا بكر ما كان يعلم بعض المسائل الشرعية، فقد أمر بقطع يد السارق اليسرى، وأحرق لوطيا، ولم يعلم مسألة الجدة والكلالة، فلا يكون لائقا للإمامة إذ العلم بالأحكام الشرعية من شروط الإمامة بإجماع الفريقين. (4)
الجواب عن الأمر الأول أن قطع يد السارق اليسرى في السرقة الثالثة موافق للحكم الشرعي. فقد روى الإمام محيي السنة البغوي في (شرح السنة) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق السارق «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده،-----------------------------------
(1) وهذه المناسبة التي قال بها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث توضحه، أخرج البخاري عن المسور بن مخرمة قال: «إن عليا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد فترك علي الخطبة».
(2) وهو في صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة، فلم يجد عليا في البيت فقال: أين بن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب قم أبا تراب» ..
(3) وذكر ابن المطهر الحلي في كتابه (منهاج الكرامة) أنه لما وعظت فاطمة أبا بكر في فدك ردها عليها، فسقط الطعن كله من كلامهم. منهاج السنة النبوية: 6/ 30
(4) هذه من مطاعن الإمامية في الصديق. ينظر: البياضي، الصراط المستقيم: 2/ 305؛ المجلسي، بحار الأنوار: 30/ 510.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
ثم إن سرق فاقطعوا رجله». (1) قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن السارق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى، ثم إذا سرق ثالثا تقطع يده اليسرى بناء على قول الأكثر، ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس. والذى قطع أبو بكر يده اليسرى كان في المرة الثالثة فحكمه موافق لحكمة صلى الله عليه وسلم. (2)
والجواب عن الثاني أن الصديق لم يحرق أحدا في حال الحياة، لأن الرواية الصحيحة إنما جاءت عن سويد عن أبي ذر أنه أمر بلوطي فضربت عنقه ثم أمر به فأحرق، (3) وإحراق الميت لعبرة الناس جائز كالصلب، ولذلك فإن الميت لا تعذيب له بمثل هذه الأمور لعدم الحياة. وعلى فرض تسليم روايتهم فالذى يجيبون به عن إحراق علي بعض الزنادقة فهو جوابنا، وقد ثبت ذلك في كتبهم، فقد روى المرتضى الملقب عندهم بعلم الهدى في كتاب (تنزيه الأنبياء والأئمة) أن عليا أحرق رجلا أتى غلاما في دبره. (4)
والجواب عن الثالث أن هذا الطعن لا يوجب إلزام أهل السنة، إذ العلم بجميع الأحكام بالفعل ليس شرطا في الإمامة عندهم، بل الاجتهاد. ولما لم تكن النصوص مدونة في زمنه ولا روايات الأحاديث مشهورة في أيام خلافته استفسر من الصحابة. قال في (شرح التجريد) أما مسألة الجدة والكلالة فليست بدعا من المجتهدين، (5) إذ يبحثون عن مدارك الأحكام ويسألون من أحاط بها علما، ولهذا رجع علي في بيع أمهات الأولاد إلى قول عمر، (6) وذلك لا يدل على عدم علمه، بل هذا التفحص والتحقيق يدل على أن أبا بكر الصديق كان يراعي في أحكام الدين كمال الاحتياط ويعمل في قواعد الشريعة بشرائط الاهتمام التام. ولهذا لما أظهر المغيرة مسألة الجدة سأله: هل معك غيرك؟ (7) وإلا فليس التعدد شرطا في الرواية، فهذا الأمر في الحقيقة منقبه عظمى له. وقد روى عبد الله بن بشر أن عليا سئل عن مسألة فقال «لا علم لي بها». (8) جازى الله تعالى هذه الفرقة الضالة بعدله حيث يجعلون المنقبة منقصة.
فرصاص من أحببته ذهب كما … ذهب الذي لم ترض عنه رصاص-----------------------------------
(1) روي عن الحارث بن حاطب قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص، فقال اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: اقتلوه، قالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: اقطعوا يده، قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق أيضا الخامسة فقال أبو بكر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال اقتلوه ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: أمروني عليكم فأمروه عليهم فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه». أخرجه النسائي في السنن، كتاب قطع السارق والطبراني في الكبير والحاكم.
(2) والحكم نفسه ثبت عن علي رضي الله عنه في كتب الإمامية، فقد روى ابن بابويه وغيره عن الباقر قال: «كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا سرق الرجل أولا قطع يمينه، فإن سرق ثانيا قطع رجله اليسرى، فإن سرق الثالثة خلده في السجن، فإن سرق في السجن قتله». من لا يحضره الفقيه: 4/ 64؛ ابن حيوان، دعائم الإسلام: 2/ 470؛ النوري، مستدرك وسائل الشيعة: 18/ 126.
(3) واتفقت روايات أهل السنة والشيعة الإمامية بأن من أشار على الصديق رضي الله عنه بحرق اللوطي هو علي رضي الله عنه، فعن صفوان بن سليم: «أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في خلافته له أنه وجد رجلا في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، وأن أبا بكر رضي الله عنه جمع الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار». سنن البيهقي: 8/ 232. وأخرج النوري من الإمامية بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: «أن أبا بكر أوتي برجل ينكح في دبره، فقال: يا علي ما الحكم فيه؟ فقال: أحرقه بالنار، فإن العرب تأنف من المثلة، فأحرقه أبو بكر بقوله عليه السلام». مستدرك الوسائل: 18/ 79.
(4) تنزيه الأنبياء: ص 159.
(5) ابن المطهر الحلي، شرح التجريد: ص 402.
(6) روى الشافعي عن عبيدة قال: «قال علي - رضي الله تعالى عنه -: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وهو أنها عتيقة فقضى به عمر حياته وعثمان بعده فلما وليت رأيت أنها رقيق ولسنا ولا إياهم نقول بهذا نقول بقول عمر لا تباع». الأم: 7/ 175؛ ابن أبي شيبة، المصنف: 4/ 88.
(7) عن قبيصة بن ذؤيب قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، قال فقال لها: ما لك في كتاب الله شيء وما لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فقال: المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها». أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. قال ابن حجر: (وإسناده صحيح). تلخيص الحبير: 3/ 82
(8) روى عبد الله بن بشر أن علي بن أبي طالب سئل عن مسألة فقال: «لا علم لي بها، ثم قال: وأبردها على كبدي إن سئلت عما لا أعلم فأقول: لا علم لي بها». عزاها المناوي إلى (مسند الدارمي). فيض القدير: 4/ 278
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
المطاعن الثانية في حق الفاروق رضي الله عنه
فمنها وهو عمدة مطاعنهم ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام للصحابة الحاضرين في حجرته المباركة: «ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا» فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه. فقال: «ذروني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه» فأمرهم بثلاث قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». والثالثة إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها. (1)
وهذه رواية أهل السنة الصحيحة وزعموا أنه يستفاد منها الطعن على عمر بوجوه:
الأول أنه رد قول النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله كلها وحي لقوله تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ورد الوحي كفر لقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (2)
والجواب على فرض تسليم أن هذا القول صدر من الفاروق فقط أنه لم يرد قوله صلى الله عليه وسلم بل قصد راحته ورفع الحرج عنه صلى الله عليه وسلم في حال شدة المرض، إذ كل محب لا يرضى أن يتعب محبوبه ولا سيما في المرض، مع عدم كون ذلك الأمر ضروريا، ولم يخاطب بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بل خاطب الحاضرين تأدبا. وأثبت الاستغناء عن ذلك بقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} وقد نزلت الآية قبل هذه الواقعة بثلاثة أشهر، وقد انسد باب النسخ والتبديل والزيادة والنقصان في الدين، فيتمنع إحداث شيء. وتأكيد المتقدم مستغني عنه لا سيما في تلك الحالة. ولو كان بيان المصلحة رد الوحي وقول الرسول للزم ذلك على الأمير أيضا، فقد روى البخاري الذي-----------------------------------
(1) قال سفيان بن عيينة: هذا (أي قوله فنسيتها) من قول سليمان (أي الأحوال، هو راوي الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس).
(2) هذه من أهم المطاعن التي ذكرها الحلي في نهج الحق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
هو أصح الكتب عند أهل السنة بعد القرآن بطرق متعددة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بيت الأمير والبتول ليلة وأيقظها من مضجعها وأمرهما بصلاة التهجد مؤكدا، فقال الأمير: والله ما نصلي إلا ما كتب الله علينا أي الصلاة المفروضة، وإنما أنفسنا بيد الله، يعني لو وفقنا الله لصلاة التهجد لصلينا. فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب على فخذيه ويقول {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} فقد رد الأمير قول الرسول، ولكن لما كانت القرائن الحالية دالة على صدق الأمير واستقامته لم يلمه النبي صلى الله عليه وسلم. وروى البخاري أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تصالح مع قريش في الحديبية كتب الأمير كتاب الصلح وزاد لفظ «رسول الله» فامتنع الكفار عن قبوله وقالوا: لو سلمنا بهذا اللقب لما حاربناه وصددناه عن طواف البيت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يمحو هذا اللفظ وأكد ذلك، فلم يمحه الأمير لكمال الإيمان وخالف الرسول في ذلك حتى محاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة. وقد ثبتت مخالفة الأمير أيضا في كتبهم، فقد روى محمد بن بابويه في (الأمالي) والديلمي (1) في (إرشاد القلوب) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فاطمة سبعة دراهم وقال: أعطيها عليا ومريه أن يشتري لأهل بيته طعاما فقد غلب عليهم الجوع، فأعطتها عليا وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تبتاع لنا طعاما. فأخذها علي وخرج من بيته ليبتاع طعاما لأهل بيته فسمع رجلا يقول: من يقرض الملي الوفي؟ فأعطاه درهم. (2) فقد خالف قول الرسول، وتصرف في مال الغير.
ومع ذلك فأهل السنة لا يطعنون على الأمير بمثل هذه المخالفات، بل لا يعدون ذلك مخالفة. فكيف يطعنون على عمر بما هو أخف منها. (3)
وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله صلى الله عليه وسلم لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى {عفا الله عنك لم أذنت لهم} وقال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيما} وقال تعالى {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر (4) {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} وأيضا يلزمهم أن الأمير أيضا قد رد-----------------------------------
(1) هو أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي، قال عنه الحر العاملي: «كان فاضلا محدثا صالحا»
(2) الأمالي: ص 470؛ إرشاد القلوب: 2/ 221؛ الفتال، روضة الواعظين: 1/ 126.
(3) وهو التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم في شدة مرضه
(4) أخرج مسلم في قصة أسارى بدر عن عمر بن الخطاب قال: «رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى قوله: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} فأحل الله الغنيمة لهم». صحيح مسلم: 3/ 1385، رقم 1762.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
الوحي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتهجد ومحو اللفظ وابتياع الطعام مع أنهم لا يقولون بذلك.
الثاني من وجوه الطعن أنه قال «أهجر» مع أن الأنبياء معصومون من هذه الأمور فأقوالهم وأفعالهم في جميع الأحوال والأوقات كلها معتبرة وحقيقة بالاتباع.
والجواب عن هذا أنه من أين يثبت أن قائل هذا القول عمر؟ مع أنه قد وقع في أكثر الروايات «قالوا» بصيغة الجمع «استفهموه» على طريق الإنكار، فإن النبي لا يتكلم بالهذيان البتة وكانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم ما خط قط بل كان يمتنع صدور هذه الصنعة منه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخط بيمينك} ولذا قالوا فاسئلوه. وتحقيق ذلك أن الهجر في اللغة هو اختلاط الكلام بوجه غير مفهم، وهو على قسمين: قسم لا نزاع لأحد في عروضه للأنبياء عليهم السلام وهو عدم تبيين الكلام لبحة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا صلى الله عليه وسلم كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته صلى الله عليه وسلم. والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشي العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر. وهذا القسم وإن كان ناشئا من العوارض البدنية ولكن قد اختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياسا على النوم، ومنعه آخرون، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول؛ يعني أن هذا الكلام خلاف عادته صلى الله عليه وسلم فلعلنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته، فلا إشكال. (1)
الثالث من وجوه الطعن أنه رفع الصوت وتنازع في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى {يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}. (2)
والجواب أنه من أين يثبت أن عمر أول من رفع الصوت؟ وعلى تقديره فرفع صوته إنما كان على صوت غيره من الحاضرين لا على صوت النبي صلى الله عليه وسلم المنهي عنه في الآية، والأول جائز والآية تدل عليه حيث قال {كجهر بعضكم لبعض}، وقوله صلى الله عليه وسلم في إحدى الروايات «قوموا عني» من قبيل قلة الصبر العارضة للمريض، فإنه يضيق صدره إذا وقعت منازعة في حضوره، وما يصدر-----------------------------------
(1) قال ابن حجر: «قال ذلك لإرادة سكوت الذين لغطوا ورفعوا أصواتهم عنده ، فكأنه قال: إن ذلك يؤذيه ويفضي في العادة إلى ما ذكر ، ويحتمل أن يكون قوله أهجر فعلا ماضيا من الهجر بفتح الهاء وسكون الجيم والمفعول محذوف أي الحياة ، وذكره بلفظ الماضي مبالغة لما رأى من علامات الموت». فتح الباري: 8/ 133.
(2) نهج الحق: ص 333؛ اليقين: ص 522.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
من المريض في حق أحد لا يكون محلا للطعن عليه، مع أن الخطاب كان لجميع الحاضرين المجوزين والمانعين.
الرابع من أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون، ووبال جميع ذلك على عمر. (1)
والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ومنعه عمر. وقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} الاية تدل على عدم الحدوث، بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما بلغه، وإلا فلا يتصور منه صلى الله عليه وسلم أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله قط مع أن زمن نبوته امتد ثلاثا وعشرين سنة. وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع عمر، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر. فإنه صلى الله عليه وسلم قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين. (2)
فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمرا دينيا فلم قال «لن تضلوا بعدي»؟ قلنا: للضلال معان، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة منه، لا الضلالة والغواية عن الدين. فقد تبين لك بطلان ما طعنوا به، وأظهر لك فساده وقبيح كذبه. والحمد لله رب العالمين. (3)-----------------------------------
(1) نهج الحق: ص 332.
(2) قال الخطابي: «لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلا إلى الطعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب توقف عمر لا أنه تعمد مخالفة قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلا». فتح الباري: 8/ 134
(3) وقد نبه السيد الحاج عمر نائب القضاء للدولة العثمانية في مدينة بغداد عند طبع هذا المختصر في الهند سنة 1315 على أن جميع روايات هذا الحديث مروية عن ابن عباس، وأنه كان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم صغير السن، ولذلك نقلت عنه الواقعة بألفاظ مختلفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء، وضربها على جنبها الشريف بقبضة سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك. (1)
والجواب أن هذه القصة محض هذيان وزور من القول وبهتان. ولذا قد أنكر صحتها أكثر الإمامية وأن روايتها عندهم غير صحيحة ولا مرضية. (2) مع أن فعل عمر هذا لو فرض وقوعه فهو أقل مما فعله الأمير كرم الله تعالى وجهه مع أم المؤمنين عائشة الصديقة، مع أنه لم يلحقه طعن من ذلك عند الفريقين بناء على حفظ الانتظام في أمور الدنيا والدين:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة … ولكن عين السخط تبدي المساويا (3)
ومنها أن عمر أنكر موت الرسول صلى الله عليه وسلم وحلف أنه لم يمت، حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى {إنك ميت وإنهم ميتون}. (4)
والجواب أن ذلك من شدة دهشته بموت الرسول وكمال محبته له صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشيء، وكثيرا ما يحصل الذهول بسبب تفاقم المصائب وتراكم الشدائد، لأن النسيان والذهول من اللوازم البشرية. ألا ترى أن يوشع - مع كونه نبيا معصوما - نسي أن يخبر موسى بفقد الحوت مع المكتل. بل إن موسى عليه السلام مع كونه من أولي العزم - قد نسي معاهدته مع الخضر على عدم السؤال ثلاث مرات. وقال تعالى في حق آدم {فنسي ولم نجد له عزما}
وقد روى أبو جعفر الطوسي عن عبيد الله الحلبي (5) أن الإمام أبا عبد الله عليه السلام كان يسهو في صلاته ويقول في سجدتي السهو «بسم الله وبالله، وصلى الله على محمد وآله وسلم» (6) فأي ذنب لابن الخطاب بدهشته من هذا الأمر العظيم وأي طعن عليه بسبب ما حصل له من فقد محبوبه صلى الله عليه وسلم؟ فتبا لكم أيها الفرقة الضالة فقد نال الشيطان من عقولكم حتى صرتم شياطين أمثاله.
ومنها أن عمر كان لا يعلم بعض المسائل الشرعية التي هي شرط في الإمامة والخلافة؛ كأمره برجم الحامل من الزنا، فرده الأمير وقال له: إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها، فندم حينئذ وقال: «لولا علي لهلك عمر.» (7) وكما أراد رجم أمرأة مجنونة-----------------------------------
(1) هذه القصة ثابتة عند الإمامية وتقول بأن عمر بن الخطاب أراد أن يحرق بيت فاطمة رضي الله عنها، وكان في البيت علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، ولم يحرك علي رضي الله عنه ساكنا بل أخذ مربوطا من رقبته - وفق رواية الإمامية - بحبل أسود كي يبايع أبا بكر الصديق، والذي اشترك في هذه العملية ضده هم خيار الصحابة وكان يترأسهم بزعمهم عمر بن الخطاب، والرواية طويلة ينظر تفاصيها عند المفيد، الاختصاص: ص 185؛ الطبرسي، الاحتجاج: ص 83؛ ابن أبي الحديد في شرحه: 2/ 19؛ العياشي في تفسيره: 2/ 307؛ المجلسي، بحار الأنوار: 53/ 18. وغيرهم.
(2) لأن الرواية تطعن بالأمير بأنه جبان تخاذل في الدفاع عن حرمة أهله - حاشاه من ذلك - فهي لا تطعن بعمر فقط بل بعلي أيضا.
(3) ديوان الشافعي
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 12/ 197.
(5) في الأصل عبد الله
(6) الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/ 196؛ الكليني، الكافي: 3/ 356
(7) لا يصح فليس له سند في كتب أهل السنة: أخرجه ابن قتيبة وابن عبد البر بلا سند، ومع ذلك ذكرها الإمامية كثيرا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
فرده الأمير بقوله صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق»، وكإتمامه عدد الضربات في حد ابنه أبي شحمة بعد أن مات في أثناء الحد، مع أن الميت غير معقول، وكعدم علمه بحد شرب الخمر حتى قرره بمشورة الصحابة ورأيهم.
والجواب عن الأول أن عمر رضي الله عنه لم يكن على علم بحمل المرأة لأن هذا أمر لا يدرك بالبصر إلا بعد تمام مدة الحمل وما يقاربه، والأمير كان مطلعا على ذلك وأخبر بحملها فنبه عمر إلى ذلك فشكره، والقضاء على ظاهر الحال لا يوجب النقص في الإمامة، بل ولا في النبوة. ألا ترى أن موسى عليه السلام أخذ برأس أخيه الكبير ولحيته مع أنه نبي وأهانه حين لم يطلع على حقيقة الآمر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، وإن بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار»، (1) وقد روي عند الفريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا بإقامة الحد على امرأة حديثة بنفاس فلم يقم عليها الحد خشية أن تموت، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنت، دعها حتى ينقطع دمها» (2) فقد تبين أن عدم الاطلاع على حقيقة الحال غير الجهل بالمسائل الشرعية. وعن الثاني أن عمر رضي الله عنه لم يكن واقفا على جنونها أيضا، فقد روى الإمام أحمد عن عطاء بن السايب عن أبي ظبيان الحصين بن جندب الجنبي أن امرأة أتوا بها مأخوذة إلى عمر بجريمة الزنا فحكم برجمها بعدما ثبت، فقادوها للرجم، فإذا علي لاقاهم في الطريق فسألهم: أين تذهبون بهذه المرأة؟ فقالوا: إن الخليفة أمر برجمها لثبوت الزنا عنده، فأخذها الأمير من أيديهم وجاء بها إلى عمر وقال: هذه المرأة مجنونة من بني فلان أنا أعلمها كما هي، وقال «رفع القلم عن المجنون حتى يفيق» فمنع عمر من رجمها. (3) فقد علم أن عمر كان يعلم أن المجنونة لا ترجم، ولكن لم يكن له علم بجنونها.
وعن الثالث: بأنه كذب وبهتان ولم يصح عند الفريقين، بل الثابت في الروايات الصحية أن المحدود بقى حيا بعد الحد، نعم قد غشي عليه أثناء الحد، ولذا توهم الناس موته. (4)
وعن الرابع أن عدم العلم بشيء لم يحدث من قبل ولم يعين في الشرع حكمه ليس محلا للطعن، لأن العلم تابع المعلوم، وحد شارب الخمر لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم معينا ومقررا، بل كانوا يضربون-----------------------------------
(1) متفق عليه
(2) أخرج أحمد عن علي رضي الله عنه: «إن خادما للنبي صلى الله عليه وسلم أحدثت فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقيم عليها الحد، فأتيتها فوجدتها لم تجف من دمها فأتيته فأخبرته، فقال: إذا جفت من دمها فأقم عليها الحد أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» ورواه أبو داود والنسائي؛ ومن الإمامية ابن حيوان، دعائم الإسلام: 2/ 453؛ النوري، مستدرك وسائل الشيعة: 18/ 17.
(3) المسند: 1/ 140، رقم 1183؛ الحاكم، المستدرك: 4/ 430.
(4) فالرواية الصحيحة عن ابن عمر أنه قال: «شرب أخي عبد الرحمن بن عمر وشرب معه أبو سروعة عقبة ابن الحارث وهما بمصر في خلافة عمر، فسكرا فلما أصبحا انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر فقالا: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه، فقال عبد الله فذكر لي أخي أنه سكر فقلت: ادخل الدار أطهرك ولم أشعر أنهما أتيا عمروا فأخبرني أخي أنه قد أخبر الأمير بذلك، فقال عبد الله: لا يحلق القوم على رؤوس الناس ادخل الدار أحلقك، وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحدود فدخل الدار، فقال عبد الله: فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهم عمرو، فسمع بذلك عمر فكتب إلى عمرو: أن أبعث إلي بعبد الرحمن على قتب ففعل ذلك، فلما قدم على عمر جلده وعاقبه لمكانه منه، ثم أرسله فلبث شهرا صحيحا، ثم أصابه قدره فمات فيحسب عامة الناس إنما مات من جلد عمر، ولم يمت من جلد.». أخرجها عبد الرزاق، المصنف: 9/ 232 - 233.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
الشارب بالنعال والجرائد والأسواط، وقد خمن الصحابة ذلك من زمن أبي بكر بأربعين ضربة، (1) وقد تعدد شرب الخمر في خلافة عمر فجمع الصحابة كلهم وشاورهم في ذلك فقال الأمير وعبد الرحمن بن عوف ينبغي أن يكون كحد القذف ثمانين جلدة، لأن السكران يزول عقله بالسكر فربما يسب أحدا ويشتمه، فارتضى جميع الصحابة ذلك الاستنباط وأجمعوا عليه، وقد ذكر هذه القصة ابن المطهر الحلي أيضا في (منهاج الكرامة) (2) وبما ذكرنا من أن عمر زاد حد الخمر بقول الأمير اندفع الخامس.
هذا مع أن معرفة جميع الأحكام الشرعية بالفعل ليست شرطا للإمامة، بل ولا النبوة، فقد كانت توحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الأحكام الشرعية على حسب الوقائع، والإمام يعلم بعض الأحكام بالاجتهاد، وربما يخطئ فيه، كما روى الترمذي عن عكرمة أن عليا أحرق قوما ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: «لو كنت أنا لقتلتهم»، فبلغ ذلك عليا فقال: «صدق ابن عباس»، (3) والله تعالى الهادي.
ومنها أن عمر درأ حد الزنا عن المغيرة بن شعبة مع ثبوته بالبينة وهي أربعة رجال، ولقن الرابع كلمة تدرأ الحد فقد قال له لما جاء للشهادة: أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين. (4)
والجواب أن درء الحد إنما يكون بعد ثبوته، ولم يثبت لعدم شهادة الرابع كما ينبغي، وتلقينه الشاهد كذب وبهتان من أهل العدوان، إذ قد يثبت في التواريخ المعتبرة كتاريخ البخاري وابن الأثير وغيرهما أنه لما جاء الرابع وهو زياد ابن ابيه قالوا له: أتشهد كأصحابك؟ قال: أعلم هذا القدر، إني رأيت مجلسا ونفسا حثيثا وانتهازا ورأيته مستبطنها - أى مخفيها تحت بطنه - ورجلين كأنهما أذنا حمار، فقال عمر: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. (5) وقد وقع ذلك بمحضر الأمير وغيره من الصحابة. فأين التلقين يا أرباب الزور المفترين؟ ولفظ «أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين» (6) إنما قاله المغيرة في ذلك الحين كما هو حال الخصم مع الشهود، ولا سيما إذا كان يترتب عليه-----------------------------------
(1) روى البخاري عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين». كتاب الحدود، باب ضرب شارب الخمر
(2) ونقله عنه ابنه المعروف عندهم بفخر المحققين فقال في حد شارب الخمر: «هو ثمانون جلدة، رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا». شرائع الإسلام: 4/ 319.
(3) سنن الترمذي كتاب الحدود، باب المرتد: 4/ 59 رقم 1458.
(4) المجلسي، بحار الأنوار: 30/ 651؛ المشهدي، الصوارم المهرقة: ص 136.
(5) تاريخ الطبري: 2/ 494؛ تاريخ اليعقوبي: 2/ 146؛ ابن الجوزي، المنتظم: 4/ 232؛ البداية والنهاية: 7/ 82.
(6) ليس في كتب أهل السنة بل في كتب الإمامية: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 12/ 227؛ المجلسي، بحار الأنوار: 30/ 648.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
حكم موجب لهلاكه.
على أن عمر لو درأ الحد لكان فعله لفعل المعصوم، (1) فقد روى ابن بابويه في (الفقيه) أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأقر بالسرقة إقرارا موجبا للقطع، فلم يقطع يده، (2) والله تعالى الهادي.
ومنها أن عمر لم يعط أهل البيت سهمهم من الخمس الثابت بقوله تعالى {واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} فقد خالف حكم الله تعالى. (3)
والجواب أن فعل عمر موافق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. وتحقيقه أن أبا بكر وعمر كانا يخرجان سهم ذوي القربى من الخمس ويعطيانه لفقرائهم ومساكينهم (4) كما كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وعليه الحنفية (5) وجمع كثير من الإمامية. (6) وذهب الشافعية إلى أن لهم خمس الخمس يستوى فيه غنيهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون بين بني هاشم والمطلب دون غيرهم. (7) والأمير أيضا عمل كعمل عمر فقد روى الطحاوي والدارقطني عن محمد بن إسحق أنه قال: سألت أبا جعفر محمد [بن علي] بن الحسين [بن علي بن أبي طالب] (8): إن أمير المؤمنين على بن أبي طالب لما ولى أمر الناس كيف كان يصنع في سهم ذوي القربى؟ فقال: سلك به والله مسلك أبي بكر وعمر. (9) إلى غير ذلك من رواياتهم، فإذا كان فعل عمر موافقا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم والأمير كيف يكون محلا للطعن؟ ومن يضلل الله فلا هادي له، نسأله تعالى السلامة من الغباوة والوله.
ومنها أن عمر أحدث في الدين ما لم يكن منه كصلاة التراويح وإقامتها بالجماعة، فإنها بدعة كما اعترف هو بذلك، وكل بدعة ضلالة. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه». (10)
والجواب أنه قد ثبت عند أهل السنة بأحاديث مشهورة متواترة أنه صلى الله عليه وسلم صلة التراويح بالجماعة مع الصحابة ثلاث ليالي من رمضان جماعة ولم يخرج في الليلة الرابعة وقال «إني خشيت أن تفرض عليكم» (11) فلما زال هذا المحذور بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أحيى عمر هذه السنة السنية. (12) وقد ثبت في أصول الفريقين أن «الحكم إذا-----------------------------------
(1) أي في ادعاء الخصوم.
(2) من لا يحضره الفقيه: 4/ 62؛ وأخرجه أيضا الطوسي، تهذيب الأحكام: 10/ 127.
(3) من المطاعن التي ألفها الحلي في نهج الحق: ص 279.
(4) يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «سمعت عليا يقول: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس، فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر وحياة عمر، فأتي بمال فدعاني [أي عمر بن الخطاب] فقال: خذه، فقلت لا أريده: قال: خذه فأنتم أحق به، قلت: قد استغنينا عنه، فجعله في بيت المال». السنن، كتاب الخراج والإمارة، باب قسم الخمس، فكان عليا من يوزع الخمس في عهد الشيخين رضي الله عنهم.
(5) ينظر السرخسي، المبسوط: 10/ 8؛ شرح فتح القدير: 5/ 504.
(6) الكيدري، إصباح الشيعة: ص 127؛ العاملي، اللمعة الدمشقية: 2/ 79.
(7) النووي، روضة الطالبين: 2/ 322؛ الشربيني، مغني المحتاج: 3/ 94
(8) ما بين المعقوفتين زيادة من السيوف المشرقة
(9) شرح معاني الآثار: 3/ 234؛ البيهقي، السنن الكبرى: 6/ 343.
(10) الحديث متفق عليه
(11) أحمد والترمذي وابن ماجه
(12) فهي ليست بدعة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
كان معللا بعلة نص الشارع يرتفع ذلك الحكم إذا زالت العلة» (1) وأعترف عمر بكونها بدعة حيث قال «نعمت البدعة هي» فمراده أن المواظبة عليها بالجماعة شيء حديث لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وما ثبت في زمن الخلفاء الراشدين والأئمة المطهرين مما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم لا يسمى بدعة، ولو سميت بدعة فهي حسنة، والحديث مخصوص بإحداث ما لم يكن له أصل في الشرع. (2)
ومعلوم أن الشيعة لم يعتقدوا بدعية صلاة الشكر يوم قتل عمر رضي الله عنه، وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، وتعظيم النيروز، (3) وتحليل فروج الجواري، وحرمان بعض الأولاد من بعض التركة، (4) إلى غير ذلك من الأمور التي لم تكن في زمنه صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أن الأئمة أحدثوها. أما أن لا يعتقد أهل السنة بدعية ما أحدثه عمر فلأنه عندهم كالأئمة عند الشيعة لقوله صلى الله عليه وسلم «ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» والله سبحانه الهادي.
ومنها أن عمر منع من متعة النساء ومتعة الحج، مع أن كلتا المتعتين كانتا في زمنه صلى الله عليه وسلم، فنسخ حكم الله تعالى وحرم ما أحله سبحانه، بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله «متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا أنهى عنهما». (5)
والجواب أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني أنه صلى الله عليه وسلم قد حرم-----------------------------------
(1) الآمدي، الإحكام: 3/ 256؛ الرازي، المحصول: 3/ 538. ومن كتب الإمامية: أوثق المسائل: ص 148؛ مفاتيح الأصول: ص 314.
(2) ينظر ما قاله ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم
(3) عيد مجوسي ليس في شيء من دين الإسلام
(4) تقدم تقرير هذه المسائل
(5) الحديث أخرجه أحمد عن جابر قال: «متعتان ينفذ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنهانا عنهما عمر رضي الله عنه فانتهينا». المسند: 3/ 325، رقم 14519؛ الطحاوي، شرح معاني الآثار: 2/ 146.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
هو المتعة بعد ما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، (1) وجعل تحريمها إذ حرمها مؤبدا إلى يوم القيامة. ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها. (2) فإن ادعت الشيعة أن ذلك كان في غزوة خيبر ثم أحلت في غزوة الأوطاس (3) فمردود، لأن غزوة جيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية لا متعة النساء، فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بتحريم المتعة» (4) فقد علم أن تحريم المتعة كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، فالذى بلغه النهي امتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعها وهدد من كان يرتكبها. وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها وقد سبق ذلك في المسائل الفقهية فتذكر فما في العهد من قدم.
والجواب عن متعة الحج - أعنى تأدية أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته - أن عمر لم يمنعها قط، ورواية التحريم عنه افتراء صريح. نعم إنه كان برى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعها في إحرام واحد وهو القران، أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وغيرهم لقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله - إلى قوله - فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} الآية، فأوجب سبحانه الهدى على المتمتع لا على المفرد جبرا لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص، لأنه صلى الله عليه وسلم حج في حجة الوداع مفردا واعتمر في عمرة-----------------------------------
(1) الحديثان عند مسلم، الأول حديث سلمة بن الأكوع: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة يوم أوطاس ثلاثا ثم نهى عنها به». صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتع؛ والثاني حديث سبرة قال: «أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة، فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا، فقالت: ما تعطي فقلت: ردائي، وقال: صاحبي ردائي، وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشب منه، فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني فمكثت معها ثلاثا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع فليخل سبيلها». صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ
(2) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية». متفق عليه.
(3) قال ياقوت الحموي: «أوطاس: وادٍ في ديار هوزان فيه كانت وقعة حنين للنبي صلى الله عليه وسلم ببني هوزان». معجم البلدان: 1/ 281؛ والغزوة في السنة الثامنة للهجرة.
(4) متفق عليه، وهو في الموطأ والترمذي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
القضاء (1) وعمرة جعرانة (2) كذلك ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة.
وأما ما رووا من قول عمر «وأنا أنهى عنهما» فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} وقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} إلا أن يحكم عليهم الحاكم والسلطان ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم وظهر لك مزيد ضلالهم، والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو.
المطاعن الثالثة في حق ذى النورين وثالث العمرين رضي الله عنه -
فمنها أن عثمان ولى وأمر من صدر منه الظلم والخيانة وارتكاب الأمور الشنيعة كالوليد ابن عقبة (3) الذي شرب الخمر وأم الناس في الصلاة وهو سكران وصلى الصبح أربع ركعات-----------------------------------
(1) في العام السابع للهجرة بعد عام من الحديبية.
(2) الجعرانة: عين ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، نزلها النبي صلى الله عليه وسلم عند عودته من حنين وأحرم منها صلى الله عليه وسلم بعمرة. ابن هشام، السيرة النبوية: 5/ 162؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان: 2/ 142.
(3) الوليد بن عقبة أخو أمير المؤمنين عثمان لأمه، أمهما أروى بنت كريز، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، عمة النبي صلى الله عليه وسلم وتوأمة أبيه. أدرك خلافة الصديق الأكبر في أول شبابه وكان محل ثقته، وموضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة 12. ثم وجهه مددا إلى قائده عياض بن غنم الفهري (الطبري 4: 22). وفي سنة 13 كان الوليد بلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة فكتب إليه وإلى عمرو يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد فسار عمرو بلواء الإسلام نحو فلسطين وسار الوليد إلى شرق الأردن (الطبري 4: 29 - 30). ثم رأينا الوليد سنة 15 أميرا لعمر بن الخطاب على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة يحمى ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم. وكان الوليد أول ناشر لدعوة الإسلام بين نصارى تغلب وبقايا إياد بحماسة وغيرة لا مثيل لها. وبهذه الثقة الكبرى التي نالها الوليد من أبي بكر وعمر ولاه عثمان ولاية الكوفة، وكان من خير ولاتها عدلا ورفقا وإحسانا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة. وانظر في تاريخ الطبري (5: 60) شهادة الإمام الشعبي له في إمارته وفي جهاده وجزيل إحسانه إلى الناس. وقد عزله عثمان رضي الله عنه بعد أن حده في شرب الخمر سنة 29هـ، ويقال إن بعض أهل الكوفة تعصبوا عليه فشهدوا عليه بغير الحق، ولما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة، وكان قد غزا في سنة ثمان وعشرين أذربيجان وهو أمير القوم، مات في خلافة معاوية. الاستيعاب: 4/ 1552؛ الإصابة: 6/ 614.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
ثم قال: هل أزيدكم؟ وولى معاوية الشام التي هي عبارة عن أربع ممالك فتقوى حتى أنه نازع الأمير وبغى عليه في أيام خلافته. (1) وولى عبد الله بن سعد مصر فظلم أهلها ظلما شديدا حتى اضطرهم إلى الهجرة إلى المدينة وخرجوا عليه. وجعل مروان وزيره وكاتبه فمكر في حق محمد بن أبي بكر وكتب مكان اقبلوه اقتلوه. (2) ولم يعزلهم بعد الاطلاع على أحوالهم حتى تضجرت الناس منه فآل أمره إلى أن قتل، ومن كان في هذا حاله فهو غير لائق بالإمامة. (3)
والجواب أن الإمام لابد له أن يفوض بعض الأمور إلى من يراه لائقا لما هنالك بحسب الظاهر، إذ ليس له علم الغيب، فإنه ليس بشرط في الإمامة عند أهل الحق. وقد كان عماله ظاهرا مطيعين له منقادين لأوامره. (4) وقد ثبت في التاريخ أنهم خدموا الإسلام وشيدوا الدين، فقد فتحوا بلادا كثيرة حتى وصلوا غربا إلى الأندلس وشرقا إلى بلخ (5) وكابل، (6) وقاتلوا برا وبحرا، واستأصلوا أرباب الفتن والفساد من عراق العجم وخراسان. وقد عزل بعض من تحقق لديه بعد ذلك سوء حاله كما عزل الوليد. (7) ومعاوية-----------------------------------
(1) قال ابن تيمية في منهاج السنة (2: 219) لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء.
(2) الخبر ليس في كتب التاريخ المعتبرة، ويظهر أنه من وضع الشيعة.
(3) هذه المطاعن من كتاب الحلي منهاج الكرامة، وانظر رد ابن تيمية في منهاج السنة النبوية
(4) وما يقال عن عمال عثمان رضي الله عنه يقال عن عمال علي رضي الله عنه، فقد ظهر الخيانة والفساد من بعض من ولاه، مثل قوله لبعض بني عمه: «فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كَلَبَ والعدوَّ قد حَرِبَ، وأمانة الناس قد خُزِيَت، وهذه الأمة قد فَنَكَتْ (أي بعدت) وشغرت (اشتدت) قلبت لابن عمك ظهر المجن، ففارقته مع المفارقين، وخلته مع الخاذلين، وخُنْتَه مع الخائنين فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أدِّيْتَ». نهج البلاغة (بشرح ابن أبي الحديد): 16/ 167.
(5) بلخ من أشهر مدن خراسان، افتتحها الأحنف بن قيس في أيام عثمان رضي الله عنه. معجم البلدان: 1/ 479.
(6) عاصمة أفغانستان اليوم، افتتحت في زمن بني مروان وأهلها مسلمون منذ ذلك الوقت. معجم ما استعجم: 4/ 1108؛ معجم البلدان: 4/ 426.
(7) ذكر الطبري وغيره من المؤرخين بأن عثمان عزل الوليد بن عقبة بعد هذه الحادثة سنة 30هـ وولى مكانه سعيد بن العاص. تاريخ الطبري: 4/ 271. قال الطبري في حق الوليد: «وكان أحب الناس في الناس وأرفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين وليس على داره باب». تاريخ الطبري: 4/ 252. قال ابن تيمية: «وعثمان رضي الله عنه لما علم أن الوليد بن عقبة شرب الخمر طلبه وأقام عليه الحد، وكان يعزل من يراه مستحقا للعزل». منهاج السنة النبوية: 6/ 241.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)