وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر) قال عيسى للحواريين «وأنا أطلب لكم من أبي أن يمنحكم ويعطيكم فارقليط ليكون معكم دائما إلى الأبد» وفارقليط في اللغة العبرية بمعنى روح الحق واليقين، وهو لقب نبينا صلى الله عليه وسلم. وأما أخبار الأئمة في هذا الباب فأزيد من الحد والإحصاء، وقد تواتر عن الأمير في صفة الصلاة على النبي في كتب الإمامية هذه العبارة «اللهم داحي المدحوات وفاعم المسموكات، اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق»، (1) وأيضا ورد في بعض خطب الأمير المتواترة عند الشيعة هذه العبارة «أرسله على فترة من الرسل، وطول هجعه بين الأمم» (2) إلى أن قال «وأمين وحيه وخاتم وبشير رحمته ونذير نقمته». (3) وهذه الخطبة كما تدل على ختم النبوة كذلك تدل على وقوع الفترة أيضا، ومعنى الفترة إنما هي ان لا يكون نبي ولا قائم مقامه في الزمان، ولو أريد في معنى الفترة عدم نبي في الزمان فقط يلزم أن يكون زمن الأمير بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أيضا زمان الفترة، وأنت تعلم أن حكم زمان الفترة بنبي آخر الزمان لدوام شريعته إلى يوم القيامة فلا يصح أن يقال بالفترة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
العقيدة الثانية: أن الأنبياء أفضل من جميع خلق الله حتى الملائكة المقربين، (4) ولا يمكن أن يستوي غير النبي في الثواب والقرب والمنزلة عند الله تعالى، فضلا عن أن يكون أفضل منه. وهذا هو مذهب أهل الحق وجميع فرق الإسلام إلا المعتزلة في الملائكة المقربين، والإمامية في الأئمة الأطهار. ولهم في هذه المسالة تنازع وتخالف كثير فيما بينهم، ولكنهم أجمعوا على أن الأمير أفضل من غير أولي العزم من الرسل والأنبياء، وليس بأفضل من خاتم النبيين عليه وعليهم السلام. (5) وأما غيره من سائر أولي العزم فقد توقف فيه بعضهم كابن المطهر الحلي وغيره، ويعتقد بعضهم أنه مساو لهم وهذا مخالف لما ورد عن الأئمة، وأن من قال غير ذلك فهو ضال. (6) وروى ابن بابويه عن الصادق ما ينص على أن الأنبياء أحب-----------------------------------
(1) نهج البلاغة
(2) الكافي: 1/ 60؛ نهج البلاغة
(3) نهج البلاغة
(4) ينظر مجموع الفتاوى: 4/ 350.
(5) قال الكراكجي عن عقيدتهم في الأئمة: «وإنهم في كمال العلم والعصمة من الآثام نظير الأنبياء عليهم السلام وأنهم أفضل الخلق بعد رسول الله (عليه السلام) … ». كنز الفوائد: 1/ 245. وقال الخميني: «من ضروريات مذهبنا أنه لا يصل أحد إلى مراتب الأئمة عليهم السلام المعنوية، حتى الملك المقرب والنبي المرسل». ص 85.
(6) الكافي: 1/ 174؛ الطبرسي، الاحتجاج: ص 376.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
إلى الله تعالى من علي. (1) ولكتاب الله لأنه يدل في جميع آياته على اصطفاه الأنبياء وأختيارهم على جميع العالم، والعقل يدل صريحا على أن جعل النبي واجب الإطاعة وجعله أمرا وناهيا وحاكما على الإطلاق والإمام نائبا وتابعا له لا يعقل بدون فضيلة النبي عليه، ولما كان هذا المعنى موجودا في حق كل نبي ومفقودا في حق كل إمام أفضل من نبي أصلا بل يستحيل، لأن النبي متوسط بين العبد والرب في إيصال الفيضان إليهم فالذي يستفيض منه لو كان أفضل منه أو مساويا له لزم أن يكون أرفع منه في إيصال الفيض، ومفيضا له أو مشتركا معه في الإيصال، وهذا خلف.
وهم يقولون إن الإمامية نيابة النبوة، (2) ومعلوم أن مرتبة النيابة لن تبلغ مرتبة الأصالة أبدا فضلا عن أن تفوقها، ومتمسكهم في هذا الباب عدة شبهات واهية ناشئة من عدة أخبار أثبتها متقدموهم في كتبهم فحكموا بموجبها. وقد تبين حال رواتهم ورجالهم وكيفية الحكم بصحة الخبار الصادرة من علمائهم التي لا يستقيم الاحتجاج بها على وفق القواعد الأصولية لأنها معارضة للإجماع القطعي قبل ظهور المخالف، فلا يجوز القول بظاهر تلك الروايات بل يجب أن تؤول. وأيضا هي معارضة للروايات الآخر كرواية الكليني عن زيد بن علي وابن بابويه عن الصادق المذكورة آنفا، وخبر الواحد - وإن كان بلا معارض أيضا - ظني لا يتمسك به في أصول العقائد بل هو عند محققي الشيعة الإمامية كابن زهرة (3) وابن أدريس (4) وابن البراج (5) والشريف المرتضى (6) وأكثر قدمائهم غير صالح للاحتجاج به، (7) وقد اختار متأخروهم هذا المذهب، ولهذا لم يعدوا أخبار الآحاد في الدلائل بل أوجبوا ردها خصوصا في الاعتقادات. قال ابن المطهر الحلي في (مبادئ الوصول إلى علم الأصول): إن خبر الواحد إذا اقتضى علما ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده. (8) وظاهر أن مدلول هذه الروايات ليس موجودا في الدلائل-----------------------------------
(1) روى ابن بابويه عن عمرو بن هارون عن الصادق عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «إن الله تعالى قال لسكان الجنة من الملائكة وأرواح الرسل ومن فيها: ألا إني زوجت أحب النساء إلي إلى أحب الرجال إلي بعد النبيين». الأمالي: ص 559؛ تفسير فرات: ص 413.
(2) قال الشوشتري: «إن الإمامة نيابة عن النبي في أمور الدين والدنيا، فيعتبر فيها ما اعتبر في النبوة، بل الإمام أحوج إلى ذلك؛ لأن النبي مؤيد بالوحي بخلاف الإمام … ». الصوارم المهرقة: ص 203.
(3) حمزة بن علي بن زهرة الحلبي المتوفى سنة 585، وللشيعة علماء آخرون من بني زهرة.
(4) محمد بن إبراهيم الحلي، توفي في شوال 598.
(5) القاضي عبد العزيز بن نحرير، توفي في شعبان سنة 481.
(6) علي بن الحسين الموسوي (355 - 436) وهو أخو الرضي الشاعر.
(7) كما قرره الطوسي في عدة الأصول: ص 10؛ المرتضى في الذريعة إلى أصول الشيعة: 2/ 38؛ الأنصاري، فرائد الأصول: ص 39.
(8) مبادئ الأصول: ص 137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
القطعية، بل خلافه يوجد، ومع قطع النظر عن هذه الأمور كلها لا دلالة أيضا لتلك الروايات على المدعَى.
ولنذكر عدة من شبهاتهم ونبين عدم دلالتها على مدعاهم فنقول:
(الشبهة الأولى) أن الأئمة كانوا أزيد من الأنبياء علما فيكونون أفضل منهم رتبة أيضا، لأة الله تعالى يقول: {قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون} وقد روى الراوندي عن أبي عبد الله قال: إن الله فضل أولي العزم من الرسل على الأنبياء بالعلم، وورثنا علمهم وفضلنا عليهم، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يعلمون، وعلمنا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا الآية المذكورة. (1)
(الجواب) عن هذه الشبهة بأن هذا الخبر بعد تسليم صحته يدل على زيادة الأئمة في العلم واستيعابهم علوم المرسلين لأن المتأخر يكون مطلعا على علم المتقدم وناظرا فيه فيحيط بعلمه، بخلاف المعاصر والمتقدم فإنه لا يمكن له ذلك، مثاله أن النحوى في هذا العصر يكون مطلعا على مسائل (اللباب) (2) و (الوافي) (3) وتصانيف ابن مالك (4) وابن هشام (5) والأزهري (6) وغيرهم ممن سبقوا من النحاة، ويكون بلا شبهة علمه بمسائل النحو أزيد من علم كل هؤلاء المذكورين، لأن كل واحد منهم لم يكن مطلعا على المسائل المستخرجة لغيره والأفكار الناشئة من طبعه البتة، وقد تقرر أن الصناعات إنما تتكامل بتلاحق الأفكار، وهذا النحوي المتأخر حصل له الوقوف على كل منها، ومع هذا لا تكون رتبته في النحو مساوية لرتبة أحد من أولئك العلماء فضلا عن أن يتقدم عليهم، لأن الرسوخ في العلم وتعمق النظر والغوص والفكر ومعرفة المسائل بدلائلها ودراية المآخذ لكل دقيقة واستخراج المسائل النادرة بقوة الفحص والتتبع في كلام العرب بالأصالة فضيلة لا يبلغها أصلا الاستيعاب والغوص بتلك المسائل. وكذا المنطقي في هذا الزمان لا يكون مساويا في المرتبة للمعلم الأول والمعلم الثاني والشيخ الرئيس فضلا عن أن يقال إنه أفضل منهم وسابقهم في الدرجة، مع أنه يعلم مستخرجات كل منهم بحيث لم يكن لكل منهم الاضطلاع بها أصلا. والذي قرأ العروض لا يفوق الخليل بن أحمد. سلمنا لا يلزم من كثرة العلم كثرة الثواب، ومدار الفضل عند الله على كثرة-----------------------------------
(1) الخرائج والجرائح: 2/ 796؛ ورواها أيضا الصفار، بصائر الدرجات: ص 229.
(2) كتاب (اللباب في علل البناء والإعراب) لأبي البقاء محب الدين عبد الله بن الحسين العكبري (ت 616هـ)،
(3) (الوافي في النحو) تصنيف محمد بن عثمان بن عمر البلخي
(4) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني، ولد بالأندلس، وانتقل إلى دمشق وفيها توفي سنة 672هـ. بغية الوعاة: 1/ 130؛ نفح الطيب: 2/ 222.
(5) جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام، النحوي، قال عنه ابن حجر: «انفرد بالفوائد الغربية والمباحث الدقيقة والاستدراكات العجيبة والتحقيق البالغ والإطلاع المفرط والاقتدار على التصرف في الكلام»، توفي سنة 762هـ. الدرر الكامنة: 3/ 93؛ شذرات الذهب: 3/ 191.
(6) أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، من أئمة الأدب واللغة، توفي سنة 370هـ. معجم الأدباء: 6/ 297؛ البلغة: ص 186.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
الثواب لا على كثرة العلم، وإلا فيلزم تفضيل الخضر على موسى وهو خلاف الإجماع. سلمنا ولكن كثرة العلم الموجبة لكثرة الثواب هو العلم الذي يكون مدار الاعتقاد والعمل عليه لا العلوم الزائدة، وذلك العلم هو المراد في الآية المذكورة، وكل نبي كان ذلك العلم حاصلا له بوجه أتم. ولو كان للأئمة أو لغيرهم من العلماء فضل وزيادة في العلم يكون ذلك في العلوم الاخر. والدليل على هذا المدعى أن كل نبي لو لم يكن العلم الذي عليه مدار الاعتقاد والعمل حاصلا له بوجه أتم يخرج عن عهدة التبليغ وبيان الأحكام، وكيف يتم غرض البعثة.
ومع قطع النظر عن هذه الأمور كلها لا يذهب عليك ما في هذه الرواية من الخلل والفساد، فإن توريث الأئمة علم الأنبياء وتفضيلهم عليهم بذلك التوريث كما ذكر فيها يلزم منه أن يكون الأئمة أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم أيضا، إذ وجه التفضيل وهو توريث العلم ههنا أيضا، وهو فاسد البتة بالإجماع. (1)
وثانيا علم الأئمة لتعلمهم علم رسول الله صلى الله عليه وسلم تابع وفرع لعلمه، وعلم الأنبياء أصل وأول وبالذات، وما بالتبع لا يبلغ درجة ما بالذات، وحيث قال تعالى {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسوله} وقال أيضا {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} الآية. يتبين منه أن غير الأنبياء ليس لهم علم مثل علم الأنبياء، فبطل عنه التساوي والزيادة بالطريق الأولى. ومع هذا فالاستشهاد بالآية المذكورة أغرب لأن معناها عدم الاستواء بين العالم والجاهل كما هو الظاهر، والأنبياء ما كانوا جاهلين بالإجماع، وغاية ما في الباب تسليما أن الأئمة كان علمهم زائدا على علم الأنبياء، لا أن الأئمة علماء والأنبياء جهال، معاذ الله من ذلك.
(الشبهة الثانية) أنهم تمسكوا برواية الحسن بن كبش عن أبي ذر قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب وقال: هذا خير الأولين والآخرين من أهل السماوات والأرضين. (2) وأيضا برواية عن أبي وائل عن عبد الله بن عباس قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال لي جبريل: علي خير البشر، من أبى فقد كفر». (3)
الجواب عنها بأن هذه الروايات قد تفرد-----------------------------------
(1) أخرج الكليني عن ضريس الكناسي قال: «كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده أبو بصير فقال أبو عبد الله: إن داود ورث علم الأنبياء وإن سليمان ورث داود وإن محمدا e ورث سليمان وإنا ورثنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وإن عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى … ». الكافي، باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم: 1/ 225.
(2) ابن طاوس، التحصين: ص 605؛ ابن شاذان، مائة منقبة: ص 88.
(3) لا يوجد هذا الحديث في كتاب معتبر من كتب أهل السنة،، وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: 1/ 347؛ وقال عنه الذهبي: «بعض الكذابين يرويه مرفوعا»: ميزان الاعتدال: 3/ 374؛ وقال في مكان آخر: «حديث علي خير البشر وهذا كذب»، المغني في الضعفاء: ص 155؛ وقال الحافظ ابن حجر عنه: «وهذا باطل جلي». لسان الميزان: 2/ 252. وقد أورده من الإمامية: ابن بابويه، الأمالي: ص 76؛ عماد الدين الطبري، بشارة المصطفى: ص 246.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الإمامية بها، وحال رواتهم قد اتضح سابقا، (1) ومع هذا هاتان الروايتان ساقطتان من الاعتبار عند الإمامية أيضا وليس لهما سند صحيح، لأن الحسن بن كبش ومن بعده من الرواة كلهم مجاهيل وضعفاء كما نص عليه علماء رجالهم، (2) ومع هذه كلها لا تنطبق على المدعى لأن التخصيص بغير الأنبياء في مثل هذه العمومات شائع في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو لم يذكر في موضع واحد اعتمادا على غيره مما ذكر فيه فيكون ذلك التقيد ملحوظا فيه أيضا قياسا على ذلك الغير، والعام المخصوص لا يكون حجة في القطعيات لكونه ظنيا فلا يعبأ به في الاعتقادات. سلمنا العموم في الأشخاص، ولكن لا نسلم العموم في الأوقات، لأن الأمير لم تكن هذه الخيريات العامة حاصلة له في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بلا نزاع، لكون النبي أفضل منه البتة، ولكونه داخلا في البشر الأولين والآخرين، فالمراد غير ذلك الوقت، والمراد من الأولين والآخرين والبشر من كانوا في وقته، وهو صحيح عند أهل السنة لأنه أفضل البشر في زمن خلافته ولا نزاع لا حد فيه ولا محذور.
(الشبهة الثانية) أنهم تمسكوا برواية لسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي في كتاب (القصاص) عن أبي جعفر عليه السلام، وبرواية الكليني في (الكافي) عن أبي عبد الله عليه السلام أنهما قالا في تفسير قوله تعالى {قل الروح من أمر ربي} هو خلق أعظم من جبريل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد، وهو مع الأئمة يوفقهم ويسددهم. (3)
الجواب عنها بأن الحديث الأول قد وقع في سنده هشام بن سالم ومعلوم أنه كان مجسما وملعونا من حضرات الأئمة. وفي سند الحديث الثاني أبو بصير وهو قد اعترف بكذبه على الأئمة وإفشاء أسرارهم. سلمنا الصحة ولكن فحوى هذا الحديث منافية لعصمة النبي والأئمة، لأن المحتاج إلى المؤدب والناصح إنما هو من لا يكون معصوما، ولهذا ليست الملائكة محتاجة إلى المؤدب فلزم من تلك الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة كان لهم نقصان-----------------------------------
(1) الباب الثاني
(2) لا توجد له ترجمة في كتبهم، ولا جرح أو تعديل
(3) الكافي: 1/ 273؛ رجال الكشي: ص 604 الصفار، بصائر الدرجات: ص 460؛ العياشي، التفسير: 2/ 317. وروها الكشي عن الرضا: رجال الكشي: ص 604
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
ظاهر في العصمة بالنسبة إلى الأنبياء السابقين حاصلا فإنهم كانوا كاملين في العصمة موفقين مسددين من أنفسهم غير محتاجين في ذلك إلى من سواهم من المخلوقات، وما كان للنبي والأئمة افتقار إلى من يؤدبهم في كل وقت وينبههم ويسدد بالصواب، معاذ الله من هذا الاحتمال الفاسد في جنابه.
وأيضا نقول كون الروح مع النبي هل هو شرط لعصمته أو لا؟ فعلى الأول يلزم أن لا يكون الأنبياء السابقون الذين لم يكن الروح معهم معصومين، وهو باطل بالإجماع. وعلى الثاني يلزم أن لا يكون النبي والأئمة معصومين في حد أنفسهم فإنهم كانوا محتاجين إلى تأديب الروح إياهم ولزم تفضيل الأنبياء على النبي والأئمة إذ كانوا معصومين بلا مصاحبة الروح وهؤلاء بمعيته. ولقد تناقض شيخهم ابن بابويه فقال في كتاب (الاعتقاد): إن الله لم يخلق افضل من محمد والأئمة، وهؤلاء أحب أحباء الله، وإن الله يحبهم أكثر من غيرهم من جميع خلقه وبريته. (1) ثم هو قد روى في كتاب (الأمالي) برواية صحيحة في ضمن خبر طويل في قصة تزويج سيدتنا فاطمة بالأمير رضي الله عنهم اعن الصادق عن آبائه أن الله تعالى قال لسكان الجنة من الملائكة وأرواح الرسل ومن فيها: ألا إني زوجت أحب النساء إلى من أحب الرجال إلي بعد النبيين. (2) وهذه الرواية تنادى بأعلى صوت: إن الأنبياء أحب إلى الله من الأمير لكونه أحب إليه بعدهم. ولا عذر لابن بابويه في هذا التناقض الصريح والتهافت القبيح إلا أن يقول «ليس للكذاب حفظ» (3) لا غير.
العقيدة الثالثة: أن الأنبياء معصومون من التقول وقول الكذب والبهتان مطلقا عمدا كان أو سهوا، قبل النبوة أو بعدها. وقال الإمامية: يجوز لهم ذلك من البهتان وقول الكذب، بل يجب عليهم تقية، (4) مع أن الكذب لو جاز على الأنبياء ولو تقية لم يبق الوثوق والاعتماد على قولهم وانتفض غرض البعثة. ولو كانت التقية جائزة للأنبياء لما أمكن تبليغ أحكام الله تعالى للناس بالضرورة، لأن الاحتياج إلى التقية في أول الأمر الذي لا يكون لهم فيه ممد وناصر أكثر وأمس، ولو أظهروا في ذلك الوقت خلاف حكم الله تعالى-----------------------------------
(1) الاعتقادات له: ص 66.
(2) تقدمت
(3) من أقوال علماء الحديث
(4) رووا: «قال رجل للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله إنه يروى عن عروة بن الزبير أنه قال توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تقية؟ فقال: أما بعد نزول قوله عز وجل: {والله يعصمك من الناس} فإنه أزال كل تقية بضمان من الله عز وجل … ». عيون أخبار الرضا: 2/ 130؛ المجلسي، بحار الأنوار: 16/ 221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
مخافة إيذاء القوم متى يعلم حكم الله بعد ذلك؟ وكيف يتصور علمه؟ فيجب عليهم أن يبلغوا كل ما أمرهم بتبيلغه لقوله تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} الآية ولو لحقهم مخافة، كما قال تعالى {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} ولو كان الأنبياء فعلوا بالتقية لما عاداهم الكفار وكذبوهم وآذوهم وجادلوا قومهم ليلا ونهارا وصبروا على ما أصابهم من القتل والضرب والشتم وغير ذلك، فثبت أن التقية ليست جائزة لهم أصلا.
العقيدة الرابعة: أن الأنبياء لابد لهم من معرفة الواجبات الإيمانية قبل البعثة وبعدها بالضرورة، لأن الجهل بالعقائد موجب للكفر، ومعاذ الله أن يكون هذا الجهل لجنابهم الأقدس. نعم إنهم لا يحصل لهم علم بوجود الحكام الشرعية بدون ورود الوحي إليهم، وقد ورد باعتبار عدم هذا العلم قوله تعالى {وعلمك ما لم تكن تعلم}، وقد أجمع على هذه العقيدة جماهير المسلمين واليهود والنصارى، إلا الإمامية فإنهم قالوا لا تكون معرفة أصول العقائد حاصلة للأنبياء حين البعثة بل وقت المناجاة والمكالمة، (1) معاذ الله من هذا الاعتقاد الباطل الذي بطلانه بديهي لا يحتاج إلى دليل.
العقيدة الخامسة: أن الأنبياء معصومون من صدور ذنب يكون الموت عليه هلاكا خلافا للإمامية فإنهم رووا في حق بعض الأنبياء صدور هذا الذنب منه. روى الكليني عن أبن أبي يعفور أنه قال سمعت أبا عبد الله يقول وهو رافع يده إلى السماء: رب لا تكلني إلى نفسى طرفة عين ولا أقل من ذلك، فما كان بأسرع من أن تحدر الدمع من جوانب لحيته، ثم أقبل علي فقال: يا ابن أبي يعفور إن يونس بن متى وكله الله إلى نفسه أقل من طرفة عين فأحدث ذلك، قلت: فبلغ به كفرا أصلحك الله؟ فقال: ولكن الموت على تلك الحال كان هلاكا. (2)
واعلم أن ما يظهر من نص الكتاب في أمر يونس أنه ذهب عن قومه بلا إذن ربه فعوتب على هذا الامر، وأيضا تعجل في الدعاء على قومه ولم يتحمل شدائد إيذائهم وتكذيبهم كما ينبغي لأولي العزم. وظاهر أن هذين الأمرين ليسا بذنب فضلا-----------------------------------
(1) روى الكليني عن أبي عبد الله أن يونس أنه كان يقول في سجوده: «أتراك معذبي فقد عفرت لك بالتراب وجهي، أتراك معذبي وقد أظمات لك هواجري، أتراك معذبي وقد أسهرت لك ليلي، أتراك معذبي وقد اجتنبت لك المعاصي، قال فأوحى الله عز وجل إليه أن أرفع رأسك فإني غير معذبك، فقال: إن قلت لا أعذبك ثم عذبتني، قال: فإني غير معذبك إني إذا وعدت وعدا وفيت». الكافي، باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب المنزلة: 1/ 227.
(2) الكافي، باب الدعوات الموجزة: 2/ 581.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
عن أن يكونا كبيرة فلأن يونس قد قامت عنده قرائن قوية على أن قومه لن يؤمنوا به فدعا عليهم، وأيضا خاف بعد انكشاف العذاب عنهم أن يؤذوه إيذاء شديدا ويكذبوه تكذيبا صريحا حيث لم يلحق العذاب على وفق وعده فلهذا هرب وفر منهم ولم ينتظر حكم الله فيه. ولما كان منصب الأنبياء أعلى وأرفع عوتب على هذا القدر عتابا شديدا وأدب ونبه، وما ورد في القرآن المجيد في حقه {فظن أن لن نقدر عليه} فهو مشتق من القدر بمعنى التضييق والأخذ الشديد من قبيل قوله تعالى {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} لا من القدرة حيث يثبت فساد عقيدته. (1) والدليل الصريح على هذا ما وقع بعده {فنادى في الظلمات} إذ لن يصح تخريج الدعاء والنداء على معنى القدرة، بخلاف ذلك المعنى المذكور فإنه ألصق به. فحاصل المعنى على ما قلنا أنه ظن أنا لن نضيق عليهم ولن نأخذهم أخذا شديدا في العقاب فتاب واستغفر لما فعله رجاء للقبول، واعتراف يونس بالظلم على نفسه حيث قال {إني كنت من الظالمين} إنما هو لهضم النفس والتضرع في جنابه تعالى والعلم القليل كثير كما هو دأب الصالحين أو لأجل ترك الأولى فانه في حق الأنبياء في حكم المعصية والظلم في حق عوام الناس.
العقيدة السادسة: أن آدم ابو البشر كان صفي الله بريئا من الحسد والبغض معصوما من الإصرار على معصية الله تعالى. وهذا مذهب أهل السنة لقوله تعالى {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} وقوله تعالى {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} وقوله تعالى {إن الله اصطفى أدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}. وقد وصفه الشيعة بالحسد والبغض وسائر الخصال الذميمة وأنه مصر على عصيان الله تعالى، وما ثبت لإبليس من القبائح كالحسد وترك امتثال الأمر بالسجود وغير ذلك مما حصل له بسبب آدم يثبته الشيعة لآدم بسبب الأئمة، فإنه حسدهم ولم يقر بولايتهم.
روى ابن بابويه في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا أنه قال إن آدم لما أكرمه الله بسجود الملائكة له وإدخال الجنة قال في نفسه أنا أكرم الخلق، فنادى عز وجل: ارفع رأسك يا آدم فانظر-----------------------------------
(1) في التفسير: بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى فدعاهم إلى الله عز وجل، فكذبوه وتمردوا وعاندوا، فلما طال ذلك خرج بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث، قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما: «فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان من نبيهم فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب، ولهذا قال تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}.» ابن كثير، قصص الأنبياء: ص 295 وما بعدها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
إلى ساق عرشي، فرفع رأسه فوجد فيه مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك وما خلقت الجنة والنار ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد فسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى الله تعالى عنها.
وروى ابن بابويه أيضا في عيون الأخبار عن المفصل بن عمر أبي عبد الله قال: لما أسكن الله عز وجل آدم وزوجته الجنة قال لهما {وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم فوجداها أشرف المنازل التي في الجنة فقالا: ربنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله عز وجل: ارفعوا رءوسكم إلى ساق عرشي، فرفعا رأسهما فوجدا أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار جل جلاله، فقالا: يا ربنا ما أكرم هذه المنزلة عليك، وما أحبهم إليك، وما أشرفهم لديك. فقال الله تعالى: لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمي وأمنائي على سرى إياكم أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنيا منزلتهم عندي ومحلهم من كرامتي فتدخلا من ذلك في نهيى وعصياني فتكونا من الظالمين. فوسوس إليهما الشيطان فدلاهما بغرور وحملهما على تمني منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد فخذلا.
لذلك ينبغي للعاقل أن يتامل في مدلول هذين الخبرين فإنهما - كما ذكر - فيهما ما فيهما من إهانة آدم وتحقيره، إذ الحسد مطلقا من المذمومات والقبائح وأمراض القلب وأسقام الروح بإجماع جميع أهل الملل والنحل، خصوصا حسد الأكابر والأخيار من عباد الله فإنه كبيرة من عمدة الكبائر، وهم ينسبونه إلى آدم خاصة بعد تقييد الله وتأكيده التام له في منعه. ففي مذهبهم لم يبق فرق بين آدم وإبليس، فإن ما فعله إبليس في حقه فعله آدم في حق أولاده، بل إن فعل آدم صار أقبح من فعل أبليس، فإن إبليس لم يكن له علاقة بآدم من وجه بل كانت المباينة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
بينهما بالكلية بخلاف آدم فإنه كان بينه وبين هؤلاء الكبار علاقة الأبوة والنبوة، فلزم أن قطيعة رحم القريب وحسد الأولاد الذي هو من المحالات العادية في سلامة الفطرة قد نسب إلى نبي هو أول الأنبياء وكان قبلة الملائكة وساكن الجنة، معاذ الله من ذلك. فهذا هو حال آدم وفعله في حق العباد عند الإمامية، وأما معاملته في حق الله تعالى فنشرحها على طبق ما عندهم من الرواية الأخرى: روى محمد بن الحسن الصفار عن أبي جعفر: قال الله تعالى لآدم وذريته التي أخرجها من صلبه: ألست بربكم وهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة امري، وأن المهدي أنتقم به من أعدائي وأُعبد به طوعا وكرها؟ قالوا اأقررنا وشهدنا، وآدم لم يقر ولم يكن له عزم على الإقرار به. ولا يخفى أن هذا الخبر قد ذكر فيه كفر آدم صريحا، إذ لزمه كفر الجحود، وهو نوع أشد من أنواع الكفر الأربعة. وتكفير نبي قد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وقال في حقه {إن الله اصطفى آدم} وأمر الملائكة بالسجود له، كم له بعدٌ عن الدين والإيمان؟ وقد أنكر الشريف المرتضى خير الميثاق في كتابه بالدرر والغرر حمية للإسلام في الجملة، وحكم بوضع ذلك الخبر واختراعه، وأخرج ابن الصفار وشيوخه عن دائرة الإيمان، ولله الحمد.
والعجب من علماء هذه الفرقة أنهم لا يتأملون في نظم الكتاب ولا يجدون أن محل العتاب على آدم ليس إلا أكل الشجرة المنهي عنه فقط، وما هو كبيرة بالإجماع، ولو أن هذه الأمور وقعت منه لكان على الله أن يجعل تلك الأمور محل العتاب لا أكل الشجرة المنهي عنه، وكان يخبر بها دونه، ليكون لأبي بكر وعمر وعثمان عبرة في ذلك فيجتنبوا أمثال هذه القبائح. (1)
وقد لوحظ في كتبهم رواية أخرى أيضا عن الإمامية في ترك العهد الذي كان على آدم. وروى ابن الصفار المذكور في قوله تعالى {ولقد عهدنا إلى آدم} قال عهد الله إلى آدم في محمد والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم أنهم كذا.-----------------------------------
(1) لعل القارئ قد لاحظ من أول الكتاب إلى الآن أن المؤلف يخاطب الشيعة بعقليتهم ويحتج عليهم برواياتهم وأساليبهم، مبالغة منه في سد أبواب المراء في وجوههم، وليقنع أتباعهم بأن ما هم عليه يناقض دعاويهم وينقضها من أصولها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
وأصل الحقيقة أن ابن الصفار هذا كان رجلا علجا من علوج المجوس، وكان اسم جده فرخ، وهو كان يعد من موالي موسى بن عيسى الأشعري، وقد بقى في طينته الخبيبثة المجوسية، غاية الأمر أنهم كانوا يتسترون بالتشيع. والدليل الصريح على هذا أن ابن الصفار يروي عن الأئمة روايات تقدح بالحقيقة في الأئمة أيضا كالأخبار المذكورة، لأن كل طائفة من طوائف المليين من اليهود والنصارى والمسلمين قد أجمعوا على فضيلة أبي البشر آدم وكرامته على الله تعالى واصطفائه على العالمين. وإذا انتشر مثل هذه الروايات عنه في العالم يعتقد الناس قاطبة في حق الأئمة بطلان إمامتهم وعدم حقيتها، بل عدم ديانتهم، وينفرون عنهم بهذه الكلمات، ويحدث في الإسلام ابتلاء عظيم، ويحصل للمجوس مدعاهم وأماني قلوبهم من زوال نور الإسلام. وبحمد الله قد أطلع أهل السنة على خباثة هؤلاء القوم وطرحوا رواياتهم، ولكن الشيعة لما اضلهم الشيطان عن طريق الصواب وتركهم تبعا لهؤلاء الشيوخ المضلين، جعلوا دينهم وإيمانهم على رواية هؤلاء الكفرة، وبدلوا إيمانهم في سبيل متابعة أولئك الأبالسة، ومن يضلل فما له من هاد.
العقيدة السابعة: أن أحدا من الانبياء لم يستعف عن الرسالة قط ولم يعتذر في أداء أحكام الله تعالى أصلا، وهذا هو مذهب أهل السنة. وقال الإمامية إن بعض أولي العزم من الرسل استعفوا عن الرسالة وأظهروا الاعتلال وعدم الموافقة وبينوا العذر، منهم موسى - على نبينا وعليه السلام - فإنه لما قال له تعالى وناداه بلا واسطة أحد يا موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون، قال موسى في جوابه: أعفني من هذا الأمر إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري من المباحثة ولا ينطلق لساني أيضا لكونه العقدة فيه فيقصر في تقرير المطلب، ولهم علي ذنب بما قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني بدله، فأرسل هرون أخي هو أفصح مني لسانا واجعله رسولا إلى فرعون. والإمامية يخرجون هذه المعاني من آيات الكتاب ويفهمونها من كلام الله تعالى، مع أن الاستعفاء عن الرسالة متضمن لرد الوحي ومستلزم لعدم الانقياد وترك الامتثال لأمر الله تعالى، والأنبياء معصومون عن مثل هذه الأمور. وأنت تعلم أنهم لا محل لهم بالتمسك في آيات الكتاب الوادرة في أحوال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
موسى، بل تلك الآيات عند التأمل معَجزة لهم ومكذبة لدعواهم هذه، لأن موسى لم يقل عنه فيما حكي عنه في القرآن المجيد هذا القول ولو بمعناه «اعفني من هذا الأمر» أصلا، ولم يذكر من قبله فيه قط، وكذا هذا القول «أرسل هرون بالرسالة إليهم بدلا مني». وهذه كلها ناشئة من سوء فهم علماء هذه الفرقة وشدة وقاحتهم. نعم قد بين سخافة تكذيب قوم فرعون وخوف قتلهم إياه قبل أداء الرسالة وضيق صدره وقصور لسانه ولكن لا من جهة الاستعفاء والاعتلال بل لطلب العون على امتثال الأمر وتمهيد العذر في طلب المعين، وهذا عين الحجة لقبوله لا على رده ودفعه. وفي آية {واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري} ورد تفسير هذا بأن غرض موسى كان اشتراك أخيه بنفسه في أمر الرسالة لا المدافعة عن نفسه ولا جعل هرون في مكانه. وكذا قوله أخاف أن يكذبون وأخاف أن يقتلون إنما كان لمحض استدفاعه البلاء عن نفسه واستجلابه الحفظ من رب الأرض والسماء لا دفع هذا المنصب العالي عن نفسه. نعوذ بالله تعالى من سوء الفهم والظن لا سيما في حق الأنبياء وخصوصا أولي العزم.
العقيدة الثامنة: أن المبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق كافة هو محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وسلم لا على بن أبي طالب بن عبد المطلب وأن جبريل أمين الله على وحيه الذي جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه لا من نفسه ولم يخن في أداء الرسالة قط. وخالفت الغرابية إحدى فرق الشيعة في ذلك، ولا يمكن الاحتجاج عليهم بالكتاب لأنه وصل النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبرائيل وهو غير مقبول عندهم، ولا بقول الأئمة لأن شهادتهم لجدهم وشرفه يعود إليهم، بل لا بد من أن يحتج عليهم بالتوراة لأنها نزلت دفعة واحدة في الطور بلا واسطة أحد مكتوب على الألواح ولم يكن فيها دخل لجبريل. قال الله تعالى في سفر التكوين من التوراة لإبراهيم: إن هاجر تلد، ويكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
من ولدها من يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع (1) ولم يكن ذلك الولد إلا محمد صلى الله عليه وسلم وحده لأن عليا كرم الله وجهه كان في زمن الخلفاء الثلاثة مغلوبا خائفا مظلوما. (2) وفي سفر التثنية منها: يا موسى إني مقيم لبني إسماعيل نبيا وأجرى قولي في فيه ويقول لهم ما آمره به. (3) وهذا النبي لا بد أن يبعث في بني إسماعيل، وعلي بن أبي طالب لم يبلغ قط ما أمر الله تعالى بل هو من أتباع نبي وقته فليس ذلك النبي إلا محمد بن عبد الله. وفي الزبور: يا أحمد فاضت الرجمة على شفتيك من أجل ذلك أبارك عليك فتقلد السيف فإنه بهاؤك وحمدك الغائب وبوركت كلمة الحق فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك سهامك مسنونة والأمم يجرون تحتك كتاب حق الله من اليمن والتقديس من جبل فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه وملك الأرض ورقاب الأمم. (4) وفي موضع آخر منه لقد انكسفت السماء من بهاء أحمد وامتلأت الأرض من حمده. (5) إلى غير ذلك من نصوص الإنجيل مما هو مذكور في الترجمة. وعندي أن هذا مما لا حاجة إلى إقامة الحجة على بطلانه ومن أنكر شمس الضحى فليترك مع شيطانه. (6)-----------------------------------
(1) في سفر التكوين المتداول 16: 10 - 12 «وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابنا وتدعين اسمه إسماعيل … يده على كل واحد ويد كل واحد عليه وأمام جميع إخوته يسكن … . إلخ» وفي الاصحاح 17 منه 20 «وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا، اثني عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة».
(2) أي حسب مزاعم الإمامية.
(3) في سفر التثنية من التوراة (18: 15): يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي، له تسمعون» (18: 18): «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به».
(4) ينظر المزموز 45
(5) ينظر حبقوق 3: 3
(6) وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
العقيدة التاسعة: أن معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات بشخصه حق، وليس لأحد من أهل عصره مشاركة له في ذلك لقوله تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} وقوله تعالى {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى - إلى قوله تعالى - لقد رأى من آيات ربه الكبرى}. وكتب الامامية مشحونة من كلام الأئمة في ذلك. وخالفت أكثر فرق الشيعة في هذه المسألة فبعضهم أنكر - وهم الإسماعيلية والمعمرية والذمية - أصلَ المعراج مستدلين بشبهات الفلاسفة من استبعاد الحركة السريعة وخرق السماوات وقد برهن عليها في كتاب الكلام. وبعضهم، وهم المنصورية، أنكر الاختصاص وقالوا إن أبا منصور العجلي قد صعد أيضا بجسده في اليقظة إلى السماوات وشافه الله تعالى وكالمه ومسح الله تعالى بيده فوق رأسه، والعجلي هذا هو الذي أخرجه الإمام الصادق من بيته وطرده ثم ادعى الإمامة لنفسه. ومن الإمامية من يقول بمشاركة الأمير في المعراج ومنهم من قال لا لكن رأى وهو في الأرض ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على العرش - سبحانك هذا بهتان عظيم! إذ لو كانت تلك الرؤية ممكنة من الأرض لم كلف النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصعود؟ فيلزم على هذا تفصيل الأمير على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تبين بطلانه.
العقيدة العاشرة: نصوص الكتاب وسنن النبي صلى الله عليه وسلم كلها محمولة على معانيها الظاهرة وأن التكاليف لم ترتفع. وذهب فرق كثيرة من الشيعة كالسبعية والخطابية والمنصورية والمعمرية والباطنية والقرامطة والرزامية إلى أن كل ما ورد في الكتاب والسنة من الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة والحشر ونحوها غير محمولة على ظاهرها بل هي إشارات إلى أشياء أخر لا يعلمها إلا الإمام المعصوم، كقول السبعية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
إن الوضوء موالاة الإمام، والتيمم الأخذ من المأذون في غيبة الإمام، والصلاة عبارة عن الرسول الناطق بالحق بدليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والغسل عبارة عن تجديد العهد للإمام، والجنة هي سقوط التكاليف الشرعية، والنار مشقة حمل التكاليف والعمل بالظواهر. وأما القائلون بارتفاع التكاليف الشرعية بالكلية فهم المنصورية القائلون من لقي إمام الوقت سقط عنه جميع التكاليف بنفسها فيفعل حينئذ ما يشاء، لأن الجنة عبارة عن الإمام، وبعد الوصول لا يبقى تكليف. والحميرية (1) القائلون إن أمر الشيعة مفوض إلى حجة الوقت، فإن شاء أو زاد أو نقص.
العقيدة الحادية عشرة: أن الله تعالى لم يرسل ملكا إلى أحد في الأرض من البشر بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. وقالت الإمامية كان الأمير يوحى إليه، والفرق بين وحي الرسل وبين وحي الأمير أن الرسول كان يشاهد الملك والأمير يسمع صوته فقط. روى الكليني في الكافي عن السجاد أن علي بن أبي طالب كان محدثا وهو الذي يرسل الله إليه الملك فيكلمه ويسمع الصوت ولا يرى الصورة. (2) وهذه الرواية كذب مع أنه يناقضها الروايات الأخر الثابتة عندهم عن الأئمة. منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات. ومنها ما كان الباري تعالى أنزله من الكتاب المختوم بخواتم الذهب إلى نبي الزمان وهو أوصله إلى الأمير والأمير أوصله إلى الإمام الحسن وهكذا إلى المهدي وكان السابق يوصى اللاحق أن يفك خاتما واحدا من ذلك الكتاب ويعمل بما فيه، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن حاجة إلى إرسال الملك والإيحاء. وذهبت طائفة من الإمامية إلى-----------------------------------
(1) نسبة إلى الحسن بن صباح الحميري، وهم النزارية من الإسماعيليين
(2) وانظر ص 41 من الكافي للكليني طبعة سنة 1278. وضلالة سماع الصوت ادعاها غاندي لنفسه ووافقه عليها قاديانية لاهور في مجلة light الجزء 19 بتاريخ 16 يوليو 1933 ورد عليهم الدكتور تقي الدين الهلالي في مجلة (الفتح) ثم نشر في رسالة مستقلة بعنوان «سب القاديانيين للإسلام». فالإمامية سبقوا القاديانيين وعباد البقر إلى هذه الخرافة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
أن سيدة النساء فاطمة غلبها السلام كان يوحى إليها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جمع ذلك الوحي وسماه (مصحف فاطمة) (1) وأكثر الوقائع الآتية وفتن هذه الأمة مذكورة فيه والأئمة إنما يخبرون الناس بأخبار الغيب من ذلك المصحف، سبحانك هذا بهتان عظيم وقول وخيم.
العقيدة الثانية عشرة: أن الإمام لا يجوز له أن ينسخ حكما من الأحكام الشرعية ولا يبدله. وذهبت الإمامية إلى جواز ذلك مستدلين بروايات مفتراة على الأئمة، منها مارواه ابن بابويه القمي عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله تعالى آخى بين الأرواح في الأزل قبل أن يخلق الاجسام بألفي عام، فلو قد قام قائم أهل البيت وَرَّثَ الأخَ من اللذين آخى بينهما في الأزل ولم يورّث الأخ من الولادة. ومما يدل على كذب هذه الرواية أن التكاليف الشرعية لما كانت لازمة لعامة الناس لا بد أن تكون منوطة بالعلاقة الظاهرة والأمور الجلية كالتوالد والقرابة ونحوهما مما يدركه البشر، والمؤاخاة الأزلية لا يدركها العقل، ونص الإمام لا يمكن في كل فرد فرد. والحاصل أن هذه العقيدة مخالفة لظاهر العقل لأن الإمام خليفة النبي في ترويج الشريعة وتعليمها، فإن كان له دخل في تبديل الأحكام وتغييرها فقد خالفه، مع أنه ليس بشارع. وكذا النبي لقوله تعالى {شرع لكم من الدين} وقوله تعالى {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}. نسأله تعالى أن يعصمنا من مثل هذا الزلل ويوفقنا إلى ما يحب من القول والعمل.-----------------------------------
(1) في كتاب (الكافي) للكليني ص 57 - وهو عندهم مثل صحيح البخاري عند المسلمين - أن أبا بصير سمع من جعفر الصادق قوله «وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام … . مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم هذا حرف واحد،» وأبو بصير مخترع هذه الأكذوبة هو ليث بن البختري وتقدم التعريف به في هامش ص 65، وقد اعترف علماء الإمامية بأنه مطعون في دينه لكنهم قالوا إنه ثقة والطعن في دينه لا يوجب الطعن! وهكذا قالوا والله حسيبهم … .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الباب الخامس في الإمامة
وفيه ست تنبيهات
التنبيه الأول: اعلم أن أول ما اختلف فيه من مسائل هذا الباب كون نصب الإمام واجبا على العباد أو على الله تعالى. فأهل السنة على الأول، والشيعة على الثاني. (1) والفطرة شاهدة للأول إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيسا من بينهم، وكذا الشرع أيضا إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه بوجه كلي كما هو شأنه في الأمور الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلا. وأيضا لا معنى للوجوب عليه تعالى بل هو مناف للألوهية والربوبية كما هو مقرر في محله. (2) وأيضا كل ما يتعلق بوجود الرئيس من أمور المكلفين - من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش إلى غير ذلك - واجب عليهم، فلا بد وأن يكون نصب الرئيس واجبا عليهم، لأن مقدمة ما يجب على أحد واجبة عليه. ألا ترى أن الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلي كالصلاة، لا عليه تعالى، وهذا ظاهر. (3) وأيضا إن تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الباري يتضمن مفاسد كثيرة، لأن آراء العالم مختلفة وأهواء نفوسهم متفاوتة، ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن، وجر لأمر الإمامة على التعطيل ودوام الخوف والتزام الاختفاء كما وقع للجماعة الذين يعتقد الشيعة إمامتهم، فمع هذا قولهم «نصب الإمامة لطف» في غاية السفاهة يضحك عليه، إذ لو كان لطفا لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين والانتصار، فإذا لم يكن التأييد في البين، لم يكن النصب لطفا كما يظهر لذي عينين.
وما أجاب عنه بعض الإمامية - بأن وجود الإمام لطف، وتصرفه وتمكينه لطف آخر، (4) وعدم تصرف الأئمة إنما هو من فساد العباد وكثرة الفساد، فإنهم خوفوهم ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الأمامة، وإذا ترك الناس نصرتهم لسوء اختيارهم فلا يلزم قباحة-----------------------------------
(1) قال الطوسي: «الإمام لطف فيجب نصبه على الله تعالى تحصيلا للغرض». كشف المراد في شرح صحيح الاعتقاد: ص 367. وقال المجلسي: «إن وجود الإمام لطف باتفاق جميع العقلاء، وأنه لا بد أن يكون معصوما … ». بحار الأنوار: 51/ 213.
(2) قال الآلوسي الجد في نهج السلامة إلى مباحث الإمامة: «إن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - تسارعوا إلى نصب الإمام حتى قدموه على تجهيزه ودفنه عليه الصلاة والسلام، وتبعهم عليه سائر الأمة في كل زمان، عقيب موت السلطان … » وقال «إن نصب الإمام دفع ضرر عام مظنون، وكل ضرر عام مظنون يجب على العباد دفعه إن قدروا عليه إجماعا، ولا يخفى أن بعض هذه الأوجه لا يثبت أكثر من الوجوب».
(3) روى ابن بابويه القمي في باب أن الإمامة عهد من الله تعالى عن علي بن فضال قال: «سأل إسماعيل بن عمار أبا الحسن الأول عليه السلام فقال له: فرض الله على الإمام أن يوصي قبل أن يخرج من الدنيا ويعهد؟، فقال: نعم، قال فريضة من الله؟ فقال نعم». الإمامة والتبصرة: ص 37.
(4) وإليه ذهب ابن المطهر الحلي في كتابه الألفين: ص 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
في كونه واجبا عليه تعالى، والاستتار والخوف من سنن الأنبياء فقد اختفى صلى الله عليه وسلم في الغار خوفا من الكفار (1) - ففيه غفلة عن المقدمات المأخوذة في الاعتراض، إذ المعترض يقول: الوجود بشرط التصرف والنصرة لطف، وبدونه متضمن لمفاسد. فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم المفاسد، ولم يتعرض له كما لا يخفى. وأيضا يرد على القائل بكونه لطفا آخر ترك الواجب عليه تعالى، وهذا أقبح من ترك النصب. وأيضا يقال عليه: هذا اللطف الآخر إما من لوازم النصب أو لا، فعلى الأول لزم من تركه ترك النصب لن ترك اللازم يستلزم ترك الملزوم.
وأيضا ما ذكره من تخويف الناس للأئمة غير مسلم، وهذه كتب التواريخ المعتبرة في البين. وأيضا التخويف الموجب للاستتار إنما هو إذا كان بالقتل، وهذا لا يتصور في حق الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني في الكافي وبوب له. (2) وأيضا لا يفعل الأئمة أمرا إلا بإذنه تعالى، فلو كان الاختفاء بأمره تعالى وقد مضت مدة والخفاء هو الخفاء، فلا لطف بلا امتراء. (3)
وأيضا إن كان واجبا للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك كزكريا (4) ويحيى (5) والحسين، (6) وإن لم يكن واجبا بأن كان مندوبا لزم على من اختفى ترك الواجب الذي هو التبليغ لأجل مندوب، وهو فحش. وإن كان أمر الله تعالى مختلفا بأن كان في حق التاركين بالندب مثلا وفي حق المستترين بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين، وهو باطل. (7) ولا يمكن أن يقال الأصلح في حق كل ما فعل، لأنا نقول إن الإمام بوصف الأمامة لا يصح اختلاف وصفه كالعصمة، لأن اختلاف اللوازم يستلزم اختلاف الملزومات، فيلزم أن-----------------------------------
(1) وهذا ما قاله الطوسي: «أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد، واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تعالى تلك المدة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم. ومتى قالوا: إنما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر. قلنا: وكذلك الإمام لم يستتر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلو عليه، ثم لما خاف عليه أبوه الحسن بن علي … ». كتاب الغيبة: ص 14.
(2) في ص 62 من طبعة إيران سنة 1287 وعنوان الباب «باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم» وكتاب الكافي للكليني عند هذه الطائفة بمنزلة صحيح البخاري عند المسلمين.
(3) وفي بخاريهم الذى يسمونه الكافي للكليني (1/ 279) ص 68 باب مستقل عنوانه «باب أن الأئمة عليهم السلام لم يفعلوا شيئا ولا يفعلونه إلا بعهد من الله وأمر لا يتجاوزونه».
(4) قال ابن كثير عن زكريا: اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا عليه السلام موتا أو قتلا؟ على روايتين … منها قول وهب بن منبه إنه هرب من قومه فدخل شجرة فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أنَّ فأوحى الله إليه: لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنين، وروي عنه ابن منبه أيضا أنه قال: إن الذي انصدعت له الأرض هو أشعيا، فأما زكريا فمات موتا. قصص الأنبياء: ص 549.
(5) قال ابن كثير: ذكروا في مقتل يحيى عليه السلام أسبابا أشهرها: «أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق، كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها، فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك فبقي في نفسه منه، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها، فبعث إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى عندها فيقال: إنها هلكت من فورها وساعتها». قصص الأنبياء: ص 551.
(6) وفي الحديث: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام». المسند: 2/ 148؛ الطبراني، المعجم الكبير: 3/ 36؛ وصححه في صحيح الجامع 3181.
(7) روى ابن بابويه عن عيسى الخشاب قال: «قلت للحسين بن علي عليه السلام: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: لا ولكن صاحب هذا الأمر الطريد الشريد الموتور بأبيه المكنى بعمه يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر». كمال الدين: ص 318؛ المجلسي بحار الأنوار: 51/ 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
لا يكون أحد الفريقين إماما فلا يكون الأصلح في حقهم إلا أحد الحالين وإلا لزم اجتماع النقيضين كما أن الموضوع إذا كان مأخوذا بالوصف العنواني فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازما ويمتنع حمل نقيضه عليه كما لا يخفى. وأيضا نقول: الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم باختيارهم! وإن كان من خوف إيذاء البدن يلزم أن الأئمة فروا من عبادة المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى وهذا بعيد عنهم ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان بخصوصه (1)
فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله وأنه سيملك الأرض بحذافيرها، (2) فبأي شيء يتخوف ويختفي؟ ولماذا لم يظهر الدعوة ويتحمل المشقة كما فعله سيد الشهداء؟ وما قاله المرتضي في كتابه (تنزيه الأنبياء والأئمة) من أنه فرق بين آبائه الكرام فإنه مشار إليه بأنه مهدي قائم صاحب السيف قاهر للأعداء منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم فله مخافة لا تكون لغيره (3) فكلام لا لب فيه لأن خوف القتل نفسه قد غلب عليه ومع هذا معلوم له باليقين أن أحدا لن يقتله أبدا. وأيضا ألا يعلم أن المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى المهدوية-----------------------------------
(1) صاحب الزمان وقد يسمونه صاحب الدار هو الصبي الذي زعموا أنه إمامهم الثاني عشر ودخل السرداب صبيا في مدينة سر من رأى ومنذ أكثر من ألف سنة يدعون بأن يعجل الله فرجه ويرمزون لهذا الدعاء بهذين الحرفين (ع .. ج) أو (عج)، منتظرين خروجه من السرداب وبيده السيف فيذبح البشر جميعا وفي مقدمتهم المسلمين أهل السنة والجماعة ويمحقهم محقا وليس في الشيعة شاعر إلا له قصيدة في صاحب الزمان ساكن السرداب والدعاء بأن يعجل الله فرجه وحتى البهاء العاملي صاحب الكشكول وخلاصة الحساب له قصيدة يغني فيها على ألحان هذه الموسيقى ولهم في بلدة قم رئيس يزعمون أنه آية الله وهو يمثل خدمة صاحب الزمان ويجمع الصدقات باسمه لا لأن الإمام يحتاج إلى ما في أيدى الناس بل لأن الناس يحتاجون أن تقبل صدقاتهم منه! وقد أراد مندوب جريدة الأخبار المصرية أن يجتمع به فسافر إليه ولقي في ذلك أعظم المشقات، ومع ذلك لم يتوصل إلى رؤية صاحب هذا المقام الرفيع لأن خادم صاحب السرداب يجب أن يكون هو الآخر في سرداب!.
(2) أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يملك سبع سنين». سنن أبي داود، كتاب المهدي: 4/ 107، رقم 4285؛ وحسنه في صحيح الجامع 6736.
(3) تنزيه الأنبياء: ص 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
قبل ألف سنة وأن المهدي يظله السحاب لا سقف السرداب، (1) وأنه يظهر في مكة لا في سر من رأى، (2) ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن الطفولة ولا في الشيخوخة. (3)
على أن السيد محمد الجنفوري (4) في الهند ولم يقتل ولم يخوف وأيضا قد كثر محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية (5) أكثر من رمل الصحارى والحصى، فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة فهلا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر وهلا كان القوم الذين قال الله تعالى فيهم {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين}
ثم ما حكى أولا من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار (6) فكلام واقع في غير موقعه لأن استتاره عليه الصلاة والسلام لم يكن لإخفاء دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه وهذا أيضا كان ثلاثة أيام (7) فقياس ما نحن فيه عليه غاية الحماقة والوقاحة ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان. فالأول تلوح مياه الهمة من أسرته (8) وتتبلج أقمار النصرة من تحت طرته (9) بخلاف الثاني فغبار الجبن يلوح على خده والفرار عن الدعوة موسوم على حده فأي فرقة سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة وأي ملك ملكه؟ ولو ابتغى صاحب الزمان فرصة ثلاثمائة سنة مكان ثلاث ليالي وعوض الغار سرداب سر من رأى وبدل المدينة المنورة دار المؤمنين قم ودار الإيمان كاشان (10) وبدل الأنصار شيعة فارس والعراق قائلا بأني في هذه الصورة أجمع الأسباب وأتخذ الأصحاب ثم خرج لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة لتحمل أهل السنة وغيرهم هذه الشرائط. وأنى ذلك فليست هذه إمامة بل هي لعمرك قيامة.
وقد ترك الشيخ مقداد صاحب (كنز العرفان) من المتأخرين طريق القدماء وقال: كان-----------------------------------
(1) يعتقد الإمامية أن إمامهم الثاني عشر ما زال منذ اختفاءه منذ أكثر من مائتي وألف عام حيا يرزق، قال الكفعمي: «يستحب زيارة المهدي في كل زمان ومكان والدعاء بتعجيل فرجه (صلوات الله عليه) عند زيارته، وتتأكد زيارته في السرداب بسر من رأى … ». البلد الأمين: ص 309.
(2) في رواية نعيم بن حماد عن الزهري أنه قال: «يخرج المهدي من مكة». الفتن: 1/ 351. وعند الإمامية أكثر من رواية في ذلك منها ما رواه محمد بن جمهور عن أبي جعفر أنه قال: «يخرج القائم بمكة» ..
(3) ينظر السنن الواردة في الفتن: 5/ 1092؛ وما أورده نعيم بن حماد، الفتن: 1/ 365.
(4) ذكره القنوجي في أبجد العلوم: 3/ 221.
(5) أسسها إسماعيل الصفوي في إيران (1600 - 1620م)، الذي أظهر عقيدة الإمامية في إيران، وقتل كل من يعارضها من العلماء والعامة، قال الشوكاني: «كاد أن يدعي الربوبية وكان يسجد له عسكره ويأتمرون بأمره»، وقال قطب الدين الحنفي الشوكاني: «قتل ألف ألف نفس بحيث لا يعهد في الجاهلية ولا في الإسلام ولا في الأمم السابقة من قتل من النفوس ما قتل الشاه إسماعيل، وقتل من أعاظم العلماء بحيث لم يبق من أهل العلم أحد في بلاد العجم وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم وكان شديد الرفض»، مات سنة 931هـ/ 1620م. البدر الطالع: 1/ 271؛ أعيان الشيعة: 3/ 321.
(6) إشارة إلى ما قاله المرتضى لتبرير اختفاء الإمام الغائب المزعوم في السرداب تأسيا باختفاء النبي صلى الله عليه وسلم في الغار. تنزيه الأنبياء: ص 184
(7) قال الطوسي: «أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد، واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تعالى تلك المدة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم. ومتى قالوا: إنما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر. قلنا: وكذلك الإمام لم يستتر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلوا عليه، ثم لما خاف عليه أبوه الحسن بن علي … ». كتاب الغيبة: ص 15.
(8) «أسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم». لسان العرب: مادة أسر: 4/ 19.
(9) حاشية الشيء. اللسان: مادة طرر: 4/ 50.
(10) قاشان، تبعد عن قم اثنا عشر فرسخا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)