الدّليل. أمّا الأوّل فقد ذهب قوم إلى ذلك، وممّن قال به ابن الصّلاح /وحكى عن إجماع الفقهاء أنهم أفتوا من حلف بطلاق امرأته إن لم يكن [ما] (1) بين دفّتي ((صحيح البخاري)) قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ امرأته لا تطلق. وليت شعري كيف كان هذا الإجماع؟ أكان بأن طاف هذا السّائل جميع البقاع، أم بأن جُمع له علماء الأمّة في صعيد واحد وأذّن فيهم بهذا السّؤال، وأجابوه جميعاً بأنّ امرأته له حلال؟ وأيّ إجماع صحيح بغير علماء أهل البيت الأطهار، وشيعتهم الأخيار؟
أقول: الجواب على هذا الكلام يظهر بإيراد مباحث:
البحث الأوّل: أنّ المعترض روى عن ابن الصّلاح، وعن قوم مجاهيل القول بأنّ جميع ما في هذه الكتب صحيح، والظّاهر أنّه أراد بهذه الكتب (2): الكتب السّتّة؛ لأن الرّجل نصّ في كتابه ((علوم الحديث)) (3) أنّ كتب (السّنن الأربعة) يدخلها ما هو ضعيف، وإنّما تكلّم الرّجل في صحّة المسند من البخاري ومسلم دون التّعاليق (4)
كما--------------------------------------------
(1) سقطت من (أ).
(2) في (أ) و (ي): ((هي الكتب الستة)) والمثبت من (س).
(3) (ص/163).
(4) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((بل نصّ ابن الصّلاح في كتابه ((علوم الحديث)): (ص/169): أنّ في البخاري ما ليس بصحيح. قال: ((إن كون ذلك فيه معلوم، وذكر من ذلك حديث: ((الفخذ عورة)) ، وحديث ((الله أحقّ أن يُستحى منه)) فإن هذا ونحوه ليس من شرطه، ولهذا لم يروه الحميدي في ((جمعه بين الصحيحين)) ، فاعلم ذلك فإنه مهم خافٍ)) انتهى بلفظه. تمت السيد العلاّمة محمد بن إسماعيل الأمير)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
سيأتي بيانه -إن شاء الله-، فالمعترض إن كان جهل الفرق بين السّتّة والاثنين، فليس من العقلاء، وإن كان حسب أنّ مثل هذا التّجاهل يمضي على أهل الحديث فليس من الفطناء.
وأمّا القوم المجاهيل الذين نسب هذا المذهب الغريب إليهم: فإن كان يريد أنّهم أهل الحديث (1)؛ فنصوصهم على خلاف ذلك تشهد بتكذيب المعترض عليهم، وتكفي في تسويد وجه المعترض نسبة (2) ذلك إليهم، فإنّهم قد نصّوا في كتب علوم الحديث، وذِكر شروط الأئمّة على خلاف ذلك، وإن كان يريد أنّ أولئك القوم من غير أهل الحديث؛ فما الموجب للاعتراض على أهل الحديث بذلك؟!.
البحث الثاني: أنّه حكى عن ابن الصّلاح: أنّه الذي روى الإجماع على أنّ الحالف بصحّة ما في البخاريّ لا تطلق زوجته، والذي روى الإجماع على ذلك هو الحافظ أبو نصر السّجزيّ، وإنّما روى ابن الصّلاح ذلك عنه (3) ، وهذا يدلّ على عدم تثبّت المعترض في النّقل، وبناءه لكثير من كلامه على الوهم والجهل، ومن كان كذلك لا يصلح منه مناظرة الفطناء ومعارضة العلماء.
البحث الثالث: أنّه أثبت في كلامه سائلاً سأل الأمّة، والرّجل لم--------------------------------------------
(1) في (ي): ((الحديث الصحيح))!.
(2) في (س): ((لنسبة))!.
(3) ((علوم الحديث)): (ص/168).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
يقل إنّ أحداً سأل الأمّة، وإنّما قال: لو أنّ رجلاً سأل الفقهاء، فلو كان يلزمه ثبوت ما بعد ((لو)) لزم مثله (1) في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، والمعترض من المتصدّرين للتّدريس في غوامض العربيّة؛ فكيف نسي أنّ ((لو)) تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره؟.
البحث الرّابع: أنّ كلامه في القدح في الإجماع يلزمه زيادة شروط في صحّة الإجماع لم يشترطها أحد.
أحدها: أنّه يشترط في راوي الإجماع أن يطوف جميع البقاع، أو تجمع له الأمّة (2) في صعيد واحد.
الثّاني: أن يؤذّن فيهم بالحادثة.
الثّالث: أن يجيبوه جميعاً، ولا يكون فيهم من سكت (3) في تلك الحال، ثمّ أجاب بعد ذلك أو روى مذهبه بواسطة.
وهذا كلّه مجرّد تشنيع لا يفيد، وتهويل لا يمضي.
البحث الخامس: أن المعترض قد ادّعى في كتابه إجماعات كثيرة ولم يحصل فيها شيء من /هذه الشّرائط، وهذا من الحيف الذي لا يرتضيه أهل التمييز في المباحث العلميّة.
البحث السّادس: أنّه روى عن ابن الصّلاح في أوّل كلامه أنّه--------------------------------------------
(1) تحرّفت هذه الجملة في (س).
(2) في هامش (ي): ((أي علماء الأمة)).
(3) في (س): ((شكك))!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
ادّعى إجماع الفقهاء، ثمّ ألزمه أن يجمع له جميع الأمّة في صعيد (1) ، ومن لم يفرّق بين الأمّة والفقهاء فليس بأهل لمراسلة العلماء، فإن الفقهاء لا تكون جزءاً من ألف جزء من الأمّة ولا ما يقارب ذلك.
البحث السّابع: قال: وأيّ إجماع صحيح بغير أهل البيت وشيعتهم؟!.
قلنا: ومن أين يلزمه دخولهم (2)؟ وأنت إنّما رويت عنه دعوى إجماع الفقهاء، وأهل البيت عندكم لا يدخلون في ذلك عرفاً ولا لغة، فإنّكم تروون الخلاف بين أهل البيت والفقهاء، كما أنّ أهل البيت لا يدخلون في المحدّثين وإن كانوا يعرفون الحديث ولا في القرّاء والنّحاة ونحو ذلك، والفقهاء عندكم اسم مختصّ في العرف بأئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم.
البحث الثّامن: أن الرّجل ادّعى إجماع العلماء لا إجماع الفقهاء، ولكن المعترض لا يدري ما ينقل ولا يعقل ما يقول!.
البحث التّاسع: من أين عرفت أنّ أهل عصر من علماء أهل البيت والشّيعة لم يجمعوا على صحة حديث البخاريّ؟ وما آمنك أنّهم قد أجمعوا على ذلك، وأنّك جهلت إجماعهم عليه؟ ألا ترى أنّ كثيراً--------------------------------------------
(1) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((لم يقل بهذا المعترض فينظر! وأمّا العلماء والفقهاء؛ فمن النقل بالمعنى، فالأولى حذف هذا البحث السادس إذ لا يرد منه على المعترض شيء، فالله أعلم. تمت القاضي العلاّمة محمد بن عبد الملك الآنسي رحمه الله)).
(2) في (س): ((دخولهم به)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
من علماء أهل البيت والشّيعة ادّعوا الإجماع على قبول أهل التّأويل كما سيأتي ذكره، وأنت جهلت ذلك؟.
وأقصى ما في الباب أنّك طلبت فلم تجد، فليس عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود، وأنّك وجدت في ذلك خلافاً فليس ذلك يمنع من ثبوت الإجماع عند كثير من أهل العلم، وذلك حيث يكون المخالف من أهل عصر، والمجمعون أهل عصر آخر، لا سيّما إذا كانوا متقدّمين والمخالف بعدهم، و (1) يكون المخالف شاذّاً نادراً، [أو] يكون ممن لا يعتدّ بخلافه، [أو] (2) ينعقد الإجماع على رأسه لأحد الأسباب المذكورة في كتب الأصول.
ومع هذه الاحتمالات؛ كيف يحسن ممّن يدّعي الذّكاء والمعرفة أن يعترض على من يدّعي (3) الإجماع؟ والاعتراض على هذا الوجه المقتضي لتقبيح الخلاف لا يحسن إلا فيما أدلّته برهانيّة قطعيّة دون المسائل الخلافيّة الظّنيّة.
البحث العاشر: أنّك إمّا أن تقبّح [التّمسّك] (4) بالإجماع السّكوتي وتحرّم الاحتجاج له أو لا، إن حرّمته وقبّحته لزمك تأثيم أكثر الأمّة والأئمّة فإنّهم يقولون بصحّة الاحتجاج به، فقد ذكره الإمام المنصور بالله في: ((الصّفوة)) وغيره من أئمة الشّيعة وعلمائهم،--------------------------------------------
(1) في (س): ((أو)).
(2) في الموضعين: ((و)) في (أ). والمثبت من (ي) و (س).
(3) في (س): ((على مدّعي ذلك)).
(4) سقطت من (أ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وكذلك سائر علماء الفرق (1) ، وأكثر الإجماعات المدّعاة لا تكون إلا منه.
وإن كنت لا تنكر التّمسّك بالإجماع السّكوتي، ولا تحرّمه، فالظّاهر من [أقوال] (2) أئمّة الزّيديّة من أهل البيت وشيعتهم؛ موافقة سائر العلماء من المحدّثين والفقهاء وأهل السّنّة على ما /ادّعوه من صحّة الصّحيح من حديث هذه الكتب، وإنّما قلنا: إنّ الظّاهر إجماعهم على ذلك، لأنّ الاحتجاج بما صحّحه أهل هذه الكتب ظاهر في كتبهم، شائع بين علمائهم من غير نكير، فقد روى عنهم الإمام أحمد بن سليمان (3) في كتابه ((أصول الأحكام)) (4) على وجه يوجب القول بصحّتها، فإنّه صنّف كتابه في أحاديث الأحكام، وصرّح في خطبته بالرّواية منها، ولم يميّز حديثها من حديث أهل البيت، فتأمّل ذلك.
وكذلك الإمام المنصور بالله في كثير من مصنّفاته، منها كتاب: ((العقد الثمين)) (5) ، ونصّ فيه على صحّة أسانيدها.--------------------------------------------
(1) في (س): ((العراق))!.
(2) في (أ): ((قول)).
(3) أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر المتوكل على الله، أحد أئمة الزّيديّة ت (566هـ). انظر: ((الأعلام)): (1/ 132) ، و ((مصادر الفكر)): (ص/588 - 591).
(4) منه سبع نسخ خطية بالمكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء، متأخرة النسخ، أقدمها كتبت سنة (1054هـ). انظر ((الفهرس)): (ص/50 - 52).
(5) ((العقد الثمين في تبيين أحكام الأئمة الهادين ورد شبه الروافض الغالين)) منه نسخة في (المتحف البريطاني). وأخرى بالجامع الكبير برقم (662هـ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وكذلك الأمير العلاّمة الحسين بن محمد (1) في كتابه ((شفاء الأوام)) (2)
الذي لم يصنّف أحد من الزّيديّة في الحديث مثله، فإنّه صرّح فيه (3) بالرّواية منها على سبيل الاحتجاج بحديثها، وكذلك صاحب ((الكشّاف)) فإنّه روى من ((صحيح مسلم)) وسمّاه: صحيحاً، وفي ((تعليق اللّمع)) الذي هو (4) مدرس الزّيديّة أنّه يكفي المجتهد في معرفة الحديث: ((الموطأ)) أو ((سنن أبي داود)) ، ذكره الفقيه علي بن يحيى الوشلي (5) في تعليقه (6) ، وكذلك قال القاضي العلاّمة عبد الله بن--------------------------------------------
(1) الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى اليحيوي، من ذريّة الهادي، من علماء الزّيديّة ت (662هـ). انظر: ((الأعلام)): (2/ 255) ، و ((مصادر الفكر)): (ص/120).
(2) ((شفاء الأوام المميز بين الحلال والحرام)) توفي المؤلف قبل تمام أبواب من منتصف الكتاب، تمّمه ابن اخته، وللكتاب عدة نسخ خطيّة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير.
وخرّج أحاديث الكتاب القاضي عبد العزيز الضمدي في مجلد كبير، منه نسخة بخط المؤلف اقتناها الزركلي: ((الأعلام)): (2/ 255) ، ومنه عدة نسخ في الجامع الكبير ((مصادر الفكر)): (ص/61).
وألّف العلاّمة الشوكاني حاشية على الكتاب سمّاها: ((وبل الغمام على شفاء الأوام)) طبعت في مجلدين، وكان الكتاب قد سجّل رسالة دكتوراه في جامعة الإمام بالرياض! ونوقشت.
(3) ((فيه)) ليست في (س).
(4) ((هو)) سقطت من (س).
(5) علي بن يحيى بن حسن بن راشد الوشلي من فقهاء الزّيديّة ت (777هـ) انظر: ((مصادر الفكر)): (ص/209).
(6) وهو: تعليقه على ((اللمع)) منه نسخة في مكتبة الجامع (1009 - فقه).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
حسن الدّوّاري (1) في تعليقه على ((الخلاصة)) (2): إنه يكفي المجتهد ((أصول الأحكام)) ، وأحد الكتب الصّحيحة المشهورة، وكذا قال علاّمة الشيعة: علي بن عبد الله بن أبي الخير (3) في تعليقه على ((الجوهرة)) (4): إنه يكفي المجتهد كتاب جامع لأكثر الأخبار الشّرعيّة كـ ((سنن أبي داود)) وغيره.
فهذه كتب الزّيديّة المشهورة المتداولة بين علمائهم الأفاضل المدروسة على محقّقيهم الأواخر منهم والأوائل قد صرّحوا فيها بما يقتضي صحّة ((سنن أبي داود)) وأمثالها من كتب السّنن، فكيف بصحيحيّ البخاري ومسلم؟! وشاع ذلك وذاع ولم ينكره منهم أحد، فكيف تنكر على مدّعي الإجماع على صحّة مسند حديث البخاري ومسلم، وتقدح فيه بمخالفة أهل البيت وشيعتهم؟!.--------------------------------------------
(1) من أبرز علماء عصره في اليمن، كان عظيم الجاه، زاهداً متقللاً من الدنيا، من شيوخ ابن الوزير، ت (800هـ). ((البدر الطالع)): (1/ 381) ، و ((مصادر الفكر)): (ص/213).
(2) له على ((الخلاصة)) كتابان هما: ((جوهرة الغواص في شرح خلاصة الّرصاص)) ، و ((شريدة القناص على خلاصة الرّصاص)) ، انظر نسخهما في ((مصادر الفكر)): (ص/128).
(3) علي بن عبد الله بن أبي الخير الصائدي ت (793هـ). انظر: ((مصادر الفكر)): (ص/176، 311).
(4) ((جوهرة الأصول وتذكرة الفحول)) من أشهر كتب الأصول في اليمن، لأحمد بن محمد الرّصّاص ت (656هـ) ، منها عدة نسخ في الجامع الكبير باليمن.
انظر: ((مصادر الفكر)): (ص/173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وأقصى ما في الباب: أن ينقل إنكار ذلك عن بعض النّاس في بعض الأعصار، فذلك النقل في نفسه ظنّيّ نادر، واعتبار القدح بالنّادر الظّنّي في بعض الأعصار لا يقدح في إجماع أهل عصر آخر، فلا طريق إلى تكذيب مدّعي هذا الإجماع على اعتبار كثير من أهل العلم في طريق الإجماع، وقد رأينا كثيراً من أهل العلم يثبتون الإجماع السّكوتي بمثل هذا وبأقلّ من هذا.
البحث الحادي عشر: أنّ الظّاهر إجماع الشّيعة من الفقهاء أن من حلف بالطّلاق على صحّة أمر، وهو يظنّ صحّته، ولم ينكشف بطلانه لم يحنث، لأنّ الأصل بقاء الزّوجيّة، فلا تبطل (1) بمجرّد الاحتمال المرجوح، كما لو حلف بطلاقها إن (2) خرجت من بيته، ولم يعلم خروجها، ولا علمت هي أنها خرجت، ولا ظنّا ذلك فإنّها لا تطلق.
ولهذا تأوّل النّواويّ تخصيص ((البخاري)) /بذلك بأنّ المراد: أنّه لا يحنث باطناً ولا ظاهراً، ولا يستحب له الاحتياط؛ لأنّ الأمّة تلقته بالقبول فهو معلوم الصّحّة بطريق نظريّ، هذا تأويل النّوويّ لمدّعي الإجماع (3) ، وليس هذا اختياره، فإنّ اختياره واختيار المحققين: أنّ ما تلقته الأمّة بالقبول يفيد الظّنّ ما لم يتواتر، وقد حكى النّواويّ القول الأوّل عن ابن الصّلاح ثمّ قال: ((وخالف ابن الصّلاح--------------------------------------------
(1) في (س): ((وتبطل)) وهو خطأ.
(2) في (س): ((وإن))!.
(3) ((شرح مسلم)): (1/ 20 - 21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الأكثرون والمحققون)) (1).
قلت: حجّة الجمهور أنّ الأمّة إنّما تلقّت الحديث الصّحيح بالقبول؛ لأنّهم ظنّوا صحّته، والعمل بالظّنّ واجب عليهم، والظّنّ قد يخطيء (2).
قال ابن الصّلاح: ((وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويّاً، ثمّ بان لي (3) أنّ ظنّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء)) (4).
قلت: فتبيّن أنّ موضع النّزاع هو: أنّ ظنّ المعصوم هل يجوز أن يخطىء أم لا، وفيه دقّة، ويلزم منه أن لا يكون الإجماع حجّة في المسائل الظّنيّة، والحجج من الجهتين ظنّيّة، وقد بسطت القول فيها في ((العواصم)) (5) وإنّما قصدت عنا بيان ظهور ما أنكره المعترض من قول العلماء: إنّ الحالف بصحّة البخاري لا يحنث، فنحبّ منه أن ينقل لنا مذاهب العلماء الذين قالوا بحنث الحالف، وطلاق زوجته، ويعيّن من قال بذلك من أهل العلم حتّى يظهر المحقّ من المبطل.
وهذا الموضع يحتمل ذكر فوائد ذكرتها في ((الأصل)) (6) منها ما--------------------------------------------
(1) ((الإرشاد)): (1/ 133) ، و ((شرح مسلم)): (1/ 20).
(2) وانظر: ((تنقيح الأنظار)): (ق/9ب) للمؤلف.
(3) في (س) و (ت): ((لي يعني .... ))!.
(4) ((علوم الحديث)): (ص/170) ، ونصّه فيه: ((قد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويّاً، ثمّ بان لي أنّ المذهب الذي اخترناه أولاً هو الصّحيح؛ لأنّ ظنّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء)) اهـ.
(5) (3/ 85 - 88).
(6) (3/ 89 - فما بعدها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ذكره النّوويّ في ((شرح مسلم)) ، ومنها ما لم يذكره، ثمّ اختصرتها لأنّها لا [تتعلّق] (1) بنقض كلام المعترض.
قال: والذي يذهب إليه علماؤنا ويجري على أصولهم أنّ في أخبار هذه الكتب: الصّحيح، والمعلول، والمردود، والمقبول.
أقول: الجواب: أنّ حديث هذه الكتب منقسم إلى أقسام:
أحدها: ما بيّنوا أنّه صحيح، وأجمعوا على صحّته، وهذا القسم العمل بمقتضاه واجب بلا خلاف بينهم، وإنّما اختلفوا في أنّه هل يفيد العلم القاطع، أو الظّنّ الرّاجح على ما مضى؟ ومن نازع في الإجماع فلمدّعي الإجماع أن يبحث عليه بأحد تلك الوجوه المتقدّمة، وهذا القسم هو أرفع أقسام الصّحيح السّبعة على ما بيّنه العلماء في كتب ((علوم الحديث)) (2).
القسم الثّاني: ما اختلفوا في صحّته من أحاديث هذه الكتب، فيرجع فيه إلى كتب الجرح والتعديل، ثمّ يوزن عند التّعارض بميزان التّرجيح.
القسم الثّالث: ما نصّ (3) علماء الحديث -أو أحدهم- على ضعفه، ولم يعارضهم من يقول بصحّته، فهذا لا يؤخذ به في الأحكام--------------------------------------------
(1) في (أ): ((تعلق)).
(2) انظر: ((علوم الحديث)): (ص/169 - 170) ، و ((التقييد والإيضاح)): (ص/28) ، و ((فتح المغيث)): (1/ 48 - 50) ، و ((تدريب الراوي)): (1/ 131 - 132).
(3) في (أ) و (ي): ((ما نص عليه)) ، والمثبت من (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
ويؤخذ به في الفضائل، فلا يخلو المعترض إمّا أن يريد أنّ المردود والمعلول في القسمين الأخيرين؛ فذلك مسلّم ولا خلاف فيه، أو يريد أنّه في القسم الأوّل؛ فذلك ممنوع، لأنّ المخالف إمّا أن يقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد، أو لا:
إن لم يقرّ بذلك فليس ينبغي أن يراجع في هذا المقام، لأنّه فرع لذلك الأصل، ومن جحد الأصل لم يراجع في الفرع.
وإن أقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد والعمل فيها بأقوى الظّنون /فلا يخلو: إمّا أن يقرّ أنّ أهل كلّ فنّ أعرف به، وأنّ المرجع في كلّ فنّ إلى أهله أو لا؛ إن لم يعترف بذلك؛ فهو معاند غير مستحق للمناظرة؛ لأنّ المعلوم من الفرق الإسلامية على اختلاف طبقاتها: الاحتجاج في كلّ فنّ بكلام أهله، ولو لم يرجعوا إلى ذلك لبطلت العلوم، لأنّ غير أهل الفنّ إمّا ألا يتكلموا فيه بشيء البتّة أو يتكلموا فيه بما لا يكفي ولا يشفي، ألا ترى أنّك لو رجعت في تفسير غريب القرآن والسّنّة إلى القرّاء، وفي القراءات إلى أهل اللّغة، وهي المعاني والبيان والنّحو إلى أهل الحديث، وفي علم الإسناد وعلل الحديث إلى المتكلمين، وأمثال ذلك لبطلت العلوم، وانطمست منها المعالم والرّسوم، وعكسنا المعقول، وخالفنا ما عليه أهل الإسلام.
وإن اعترف المعترض بالحقّ، وأقرّ أنّ كلام أهل كلّ فنّ مقدّم في فنّهم على غيرهم، معتمد فيه على تحقيقهم، فلا شكّ أنّه قد اشتهر عند كل منصف ما لأهل الحديث من العناية التّامّة في معرفته، والبحث عن علله ورجاله وطرقه، والاختلاف الكثير الواقع بينهم كثير منه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
الدّال على عدم تقليد بعضهم في الحديث لبعض، وعدم المتابعة لمجرّد (1) العصبيّة، بحيث لو كانوا في القلّة في حدّ يمكن تواطؤهم على التّعصّب؛ لوجب ترجيح كلامهم، وقبول قولهم في فنّهم، كيف وهم من الكثرة في حدّ لا يمكن معه تواطؤهم على ذلك؛ لاختلاف أزمانهم وبلدانهم وأغراضهم وأديانهم! ومع ذلك فقد اشتهر عن أئمتهم القول بصحّة مسند ((صحيحي البخاري ومسلم)) ، وادّعى غير واحد من ثقاتهم انعقاد الإجماع على ذلك؛ وخبر الثّقة في رواية الإجماع واجب القبول، كما هو المنصور المصحّح في موضعه من كتب الأصول (2).
وعلى تسليم أنّه ليس بمقبول (3) ، وأنّ ذلك الإجماع غير صحيح؛ فلا أقلّ من أن يكون ما ادّعي الإجماع على صحّته قول جماهير نقاد علم الحديث، وأئمة فرسان علم الأثر، وهذا من أعظم وجوه التّراجيح، بل أئمة علماء الأصول، والغوّاص على الدقائق والحقائق من أهل علوم المعقول، يقضون بوجوب التّرجيح بأخفّ أمارة، وأخفى دلالة تثير أقلّ الظّنّ، وتثمر يسير القوّة، فكيف بما نقّحه، وصحّحه (4) إمام الحفّاظ الثّقات، والنّقّاد الأثبات: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجّاج النّيسابوريّ، وانتقياه من ألوف أحاديث صحاح، مع تواتر إمامتهما وأمانتهما ونقدهما ومعرفتهما،--------------------------------------------
(1) في (س): ((مجرّد))!.
(2) انظر: ((الإحكام)): (1/ 212) للآمدي، ((شرح الكوكب)): (2/ 224).
(3) في (س): ((بمنقول))!.
(4) في (س): ((ووضّحه))!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
فلو لم يتابعهما غيرهما لكان التّرجيح بهما كافياّ، والتّعويل على قولهما واجباً، كيف وقد خضعت لهما رقاب النّقّاد! وأطبق على تصحيح دعواهما أئمة علماء الإسناد!.
فإن قلت: أليس قد اختلف في توثيق بعض رواتهما، وعلّل بعض الحفّاظ شيئاً من حديثهما، وصنّف الدّارقطنيّ في ذلك كتاب ((الاستدراكات والتّتبّع)) (1) وصنّف في ذلك أبو مسعود الدّمشقي (2) وأبو علي الغسّاني الجيّانيّ (3)
، فكيف يصحّ مع ذلك دعوى الإجماع؟!.
قلنا: قد ذكر العلماء في علوم الحديث، وشروح الصّحاح جميع ذلك، واستوعبوا الجواب عليه وبيّنوا القول فيه، ولابدّ من ذكر /نكتة يسيرة من ذلك على قدر هذا (المختصر) فأقول:
اعلم أنّ المختلف فيه من حديثهما هو اليسير، وليس في ذلك--------------------------------------------
(1) هما كتابان، الأول: ((الإلزامات)) ، والآخر: ((التّتبّع)) طبعاً بتحقيق الشيخ مقبل الوادعي، في مجلد واحد.
(2) هو إبراهيم بن محمد بن عبيد، أبو مسعود الدّمشقي، الحافظ ت (401هـ).
وكتابه هو: ((أطراف الصحيحين))
انظر: ((تاريخ بغداد)): (6/ 172) ، و)) السير)): (17/ 227).
(3) هو الحسين بن محمد بن احمد الغسّاني الجيّاني ت (498هـ) من الحفّاظ المجوّدين.
وكتابه هو: ((تقييد المهمل وتمييز المشكل)) طبع قطعة منه، والباقي لا يزال مخطوطاً.
انظر: ((الصلة)): (1/ 142) ، و ((السير)): (19/ 148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
اليسير ما هو مردود بطريق قطعيّة ولا إجماعيّة، بل غاية ما فيه أنّه لم ينعقد عليه الإجماع، وأنّه لا يعترض على من عمل به، ولا على من توقّف في صحّته، وليس الاختلاف يدلّ على الضّعف ولا يستلزمه، فقد اختلف في الرّاشدين الذين هم أفضل الصّحابة، وكفّرتهم طوائف الرّوافض والنّواصب والخوارج، وسلم من التّكفير والاختلاف من هو دون الخلفاء رضي الله عنهم من صغار الصّحابة، فليس مجرّد ذكر الاختلاف بضائر للثقات من رجال الصّحيحين، ولا مشعر بضعف حديثهم، وإنّما الحجّة في الإجماع لا في الخلاف، والإجماع لم ينعقد على ضعف شيء فيهما، وإنّما انعقد على صحّتهما إلا ما لا نسبة له إلى ما فيهما من الصّحيح، فإنّه وقع فيه الاختلاف الذي هو ليس بحجّة على الضّعف ولا على الصّحّة، إذ لو دلّ على شيء (1) لم يكن بأن يدلّ على الضّعف أولى من أن يدلّ على الصّحّة، إذ كلّ منهما قد قال به قائل، بل يكون القائل بالصّحّة أولى لأنّه مثبت، والمضعّف للحديث إذا لم يبيّن سبب التّضعيف ناف والمثبت أولى من النّافي.
وقد ألف زين الدّين كتاباً في الجواب عن ذلك (2) ، وذكر--------------------------------------------
(1) ((على شيء)) سقطت من (س).
(2) ذكره في ((التبصرة)): (ص/25).
قال السخاوي عن هذا الكتاب في ((فتح المغيث)): (1/ 60): ((عدمت مسوّدته قبل تبييضها)) ثمّ قال: ((وتكفّل شيخنا في مقدمة ((شرح البخاري)) بما يخصه منه، والنووي في ((شرح مسلم)) بما يخصّه منه، فكان فيهما -مع تكلّف في بعضه- إجزاء في الجملة)) اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
النّووي في ((شرح مسلم)) (1) أنّه قد أجاب عن ذلك، أو عن أكثره في شرحه، على أنّ الأمر قريب في ذلك الخلاف، وهو ينحصر في نوعين:
النّوع الأوّل: تعليل بعض أحاديثهما، ومثاله: أن يرفع الحديث بعض الثّقات ويقفه الباقون، أو يسنده ويرسلوه، ونحو ذلك من العلل، وهذا النّوع مما اختلف في القدح به، وأكثر علماء الأصول على أنّه لا يقدح في صحّة الحديث ولا في الرّاوي، وأكثر المحدّثين على القدح به في الحديث إذا غلب على الظّنّ وقوع الوهم فيه، وفي الرّاوي إذا أكثر من ذلك، ومذهب المعتزلة والزّيديّة: أنّه لا يقدح بهذا النّوع في الحديث ولا في الرّاوي.
ومثال ما وقع في البخاري منه: ما أخرجه البخاري (2) عن الشّعبيّ عن جابر مرفوعاً: ((لا تنكح المرأة على عمّتها)) هذا حديث رواته ثقات، لكن له علّة وهي: أنّ المشهور عن الشّعبيّ أنّه رواه عن أبي هريرة لا عن جابر، وقد خرّجه البخاريّ كذلك أيضاً، لكنّه رأى أنّه لا مانع من كون الشّعبيّ يرويه عن جابر وأبي هريرة [معاً] (3) فرواه [عنه] (4) عنهما.--------------------------------------------
(1) (1/ 27).
(2) مع (الفتح): (9/ 64) ، وانظر ما أجاب به الحافظ عن هذا الاعتراض: (9/ 65)
(3) زيادة من (ي) و (س).
(4) من (س) ، وإثباتها هو الأنسب ومعنى الكلام: فروى البخاري الحديث عن الشعبي عن ابي هريرة وجابر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
والمحدّثون يرون أنّه لو كان يحفظه عنهما معاً لرواه كذلك لتلامذته وطلبة العلم منه، ولمن يقبل ذلك أن يقول: يحتمل أنّه ذكر تلك الطّريق الثّانية بعد نسيان، أو استفادها بعد جهل، أو تذكّرها بسبب سؤال عنها، أو ذكرها بحسب الدّاعي إلى ذكرها أو نحو ذلك، فمع هذه التّجويزات لا يحسن طرح مثل ذلك، فإن ترجّح طرحه لأحد؛ فلا وجه للاعتراض على من قبله، فبان لك أنّ الأمر في مثل هذا قريب النظر إلى الحديث في نفسه، وكذلك النّظر إلى راوي الحديث؛ لأنّه إنّما يدلّ على أنّ الثّقة وهم في روايته، والوهم جائز على الثّقات، /ولايقدح بمطلقه إجماعاً، بل ادّعى عبد الله بن زيد العنسي الإجماع على قبول حفظه أكثر من وهمه، ذكره في ((الدّرر المنظومة)) ، وذلك هو المشهور في كتب الأصول، ولكن لم يصرّحوا بدعوى الإجماع عليه.
وأمّا إذا استوى وهمه وحفظه؛ فاختلفوا: فالمشهور ردّ حديثه ببطلان رجحان صدقه، ومنهم من قال: لا يجوز ردّ حديثه لأنّ الأدلّة الموجبة لقبوله تعمّ هذه الصّورة، واستواء حفظه ووهمه لا ينتهض مخصّصاً مانعاً من العمل بالعام مسقطاً للتّكليف بقبوله، وممّن اختار هذا من الزّيديّة: عبد الله بن زيد في ((الدّرر)) ، والإمام المنصور بالله في ((الصّفوة)) وإنّما أجمع العلماء على ردّ حديث من (1) وهمه أكثر من إصابته.
وأمّا المحدّثون: فهم أكثر النّاس تشديداً في القدح بالوهم؛--------------------------------------------
(1) ((من)) سقطت من (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
لأنّهم يقدحون به متى كثر، وإن لم يكن أكثر من الصّواب، ولهذا تجد كثيراً من أئمة الجرح والتّعديل يتردّدون في الرّاوي فيوثّقونه مرّة ويضعّفونه أخرى، وذلك لأنّ دخول وهمه حيّز الكثرة مما لا يوزن بميزان معلوم، وإنّما يُظنّ (1) ويرجح فيه التّحرّي والاجتهاد، فصار النّظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظّنيّة، فلذا يكون لابن معين في الرّاوي قولان: التّوثيق والتّضعيف ونحو ذلك.
ومنهم من يغلو و (2) يقدح بالوهم وإن لم يكثر، وإنّما يقدح بهذا من قلّ فقهه وبصره بمعنى العدالة، والاحتراز عن الوهم غير ممكن، والعصمة مرتفعة عن العدول، بل العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التّبليغ، فقد وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه صلّى بعض الفرائض على الكمال، فقال له ذو اليدين: ((أقصرت الصّلاة أم سهوت (3) يا رسول الله؟ فقال: كلّ ذلك لم يكن)) (4) الحديث، وهذا وهم، وبناء على ما اعتقده صلى الله عليه وسلم ، والحديث في ((الصّحيح)) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله فلاناً لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) رواه [مسلم] (5) ، وفي ((الصّحيح)) (6) عن عائشة -رضي--------------------------------------------
(1) في (س): ((ينظر)).
(2) في (س): ((أو))!.
(3) في (س): ((نسيت)).
(4) تقدّم تخريجه (ص/103).
(5) بياض في (أ) و (ي) ، والمثبت من (س) ، والحديث في مسلم برقم … (788) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6) البخاري (الفتح): (3/ 181) ، ومسلم برقم (932) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
الله عنها- أنّها قالت في حق ابن عمر: ((ماكذب ولكنّه وهم)). وقد صحّ عن عمر رضي الله عنه أنّه نسي حديث التّيمّم الذي رواه عمّار (1) ولم يذكره بالتّذكير مع أنّه مما لا ينسى [مثله] (2) ، ونسي أيضاً قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ} [الزمر:30] حتّى ذكّره ذلك أبو بكر رضي الله عنه حين خطب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
بل نصّ القرآن على جواز النّسيان على أهل رتبة النّبوّة الذين هم أعلى طبقات البشر، فقال تعالى: {وَمَا أَرسَلنَا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيِّ/ إِلَاّ إِذَا تَمَنَّى أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج:52].
أي: إذا تلا ألقى الشّيطان في تلاوته على سبيل السّهو، ثمّ ينسخ الله ذلك، يعرّف الله (4) الأنبياء والرّسل به، حتّى لا تبطل العصمة به عن الخطأ في التّبليغ. وقال سبحانه وتعالى في حقّ آدم عليه السلام: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه:115] ، ولو أردنا أن نستقصي ما ورد في هذا الباب لطال الكلام، والمقصود بهذا أن القدح على رواة الصّحاح بالتّهمة لهم (5) بالوهم النّادر مما لا يقتضي جرحهم، ولا يقدح في حديثهم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (الفتح): (1/ 528) ، ومسلم برقم (368) ، من حديث عمار رضي الله عنه.
(2) من (ي) و (س).
(3) أخرجه البخاري (الفتح): (3/ 136).
(4) سقطت من (س).
(5) في (أ) و (ي): ((في)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
النّوع الثّاني: مما قدح به على البخاريّ ومسلم: الرّواية عن بعض من اختلف في جرحه وتوثيقه، وقد ذكر النّووي في ((شرح مسلم)) (1) وذكر الجواب عنه بوجوه قد ذكرها أيضاً ابن الصّلاح (2):
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدّم على التّعديل؛ لأنّ ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتاً مفسّراّ بسبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذلك، وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغداديّ وغيره: ما احتجّ البخاريّ ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطّعن فيهم من غيرهم محمول على أنّه لم يثبت الطّعن المؤثر مفسّر السبب. انتهى كلام النّوويّ.
قلت: فإن قيل: أليس قد ثبت في علوم الحديث أنّ الجرح الذي لم يفسّر سببه، وإن لم يجرح به لكنّه يوجب ريبة، فيجب التّوقّف عن قبول من قبل ذلك فيه، وعن ردّه؟.
فالجواب: أنّ ذلك إنّما يوجب الرّيبة في غير المشاهير بالعدالة والثّقة، وأمّا من وثّقه أهل الخبرة التّامّة من أئمّة هذا الشأن؛ فإنّ الجرح المطلق لا يزيل ظنّ ثقته، ومن زال عنه ظنّ ثقته بالرّاوي كان له ترك حديثه، ولم يكن له الاعتراض على من قبله ممّن لم يؤثّر ذلك في ظنّه لثقة الرّاوي وأمانته.--------------------------------------------
(1) (1/ 25).
(2) ((صيانة صحيح مسلم)): (ص/94 - 95).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)