Arabic source text

📘 আর-রওদুল বাসিম ফীয যাব্বি আন সুন্নাতি আবিল কাসিম - সাল্লাল্লাহু আলাইহি ওয়া সাল্লাম - (ইবনুল ওয়াজীর - মৃত্যু 840 হিজরী)

📘 الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - (ابن الوزير - ت 840 هـ)

📘 আর-রওদুল বাসিম ফীয যাব্বি আন সুন্নাতি আবিল কাসিম - সাল্লাল্লাহু আলাইহি ওয়া সাল্লাম - (ইবনুল ওয়াজীর - মৃত্যু 840 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم فقال: ((أوصيكم بأصحابي، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد)) (1) ، الحديث رواه أحمد والتّرمذيّ.
وقد رواه عن شعبة: أبو داود الطّيالسيّ، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر ابن سمرة، عن عمر، وله طرق أُخر، وهو حديث مشهور جيّد، قال ذلك الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) (2).
قلت: وفيه ما يدلّ على أنّه أراد بأصحابه أهل زمانه، يفهم (3) من قوله: ((ثمّ الذين يلونهم)) ، فإنّه جعل أهل زمانه طبقة، ثمّ الذين يلونهم، فلم يكن ليخرج من لم يره ممن أدرك زمانه، مع دخول من لم يره من التّابعين الذين لم يدركوا زمانه.
الأثر الثاني: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال -يعني رمضان- فقال: ((أتشهد أنّ لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله؟)) قال: نعم. /فقال: ((يا بلال أذّن في النّاس أن يصوموا غداً)) رواه أهل السّنن (4) ، وابن حبان--------------------------------------------
(1) رواه الشافعي في ((الرسالة)): (ص/473 - 474) ، وأحمد: (1/ 18، 26) ، والتّرمذيّ: (4/ 404) ، والحاكم في ((المستدرك)): (1/ 113) ، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد صححه الترمذي، والحاكم، والذّهبيّ، وابن كثير، وأحمد شاكر.
(2) (2/ 401).
(3) في (س): ((وفهم))!.
(4) أخرجه أبو داود: (2/ 754) ، والترمذيّ: (3/ 74) ، والنّسائي: (4/ 131 - 132) ، وابن ماجه: (1/ 529).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

صاحب ((الصحيح)) (1) والحاكم أبو عبد الله (2)
وقال: ((حديث حسن صحيح)).
وذكره الحاكم أبو سعد (3) في ((شرح العيون)) واحتجّ به أبو الحسين في ((المعتمد)) واحتجّ به: عبد الله بن زيد العنسيّ.
الأثر الثالث: حديث أبي محذورة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمه الأذان عقيب إسلامه، واتّخذه مؤذناً (4) من ذلك الوقت، وذلك يدلّ على عدالته من قبل الخبرة؛ لأنّ العدالة معتبرة في المؤذن [إذ] (5) هو مخبر بدخول وقت الصلاة (6) معتمد عليه في تأدية (7) الفرائض وإجزائها.--------------------------------------------
(1) ((الإحسان)): (8/ 229 - 230) ، وكرر الناسخ في (أ) ذكر ابن حبّان!.
(2) ((المستدرك)): (1/ 424) ، من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال أبو داود: ((رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلاً)) اهـ.
وقال التّرمذيّ: ((حديث ابن عباس فيه اختلاف، وروى سفيان الثوري وغيره عن سماك عن عكرمة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً … )) اهـ.

وله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه أبو داود: (2/ 756) ، وابن حبان ((الإحسان)): (8/ 231) ، والحاكم: (1/ 423) وغيرهم.
والحديث صحّحه ابن حبان، وقال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)) اهـ. وهو كذلك.
(3) في (س): ((أبو سعيد صاحب العيون))! وفي (ي): ((أبو سعيد))!.
(4) أخرجه مسلم برقم (379) من حديث أبي محذورة رضي الله عنه.
(5) في (أ): ((و)) ، والمثبت من (ي).
(6) ما بينهما ساقط من (س).
(7) في (س): ((في تأدية أداء))!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

الأثر الرّابع: وهو أثر صحيح، ثابت في دواوين الإسلام، بل معلوم، متواتر النّقل، وهو حجّة قويّة، وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى اليمن عليّاً ومعاذاً رضي الله عنهما، واليين قاضيين ومفتيين (1) ، ولا شكّ أنّ القضاء بين النّاس، متركّب على عدالة الشّهود، ومعرفة الحاكم عدالتهم أو عدالة معدّليهم، وهما غريبان في أرض اليمن، لا يعرفان عدالتهم، ولا يخبران أحوالهم، وهم لا يجدون شهوداً على ما يجري بينهم من الخصومات إلا منهم، فلولا أنّ الظّاهر العدالة في أهل الإسلام ذلك الزّمان؛ وإلا لما كان إلى حكمهما بين أهل اليمن على الإطلاق سبيل.
وهذا يدلّ على عدالة أهل الإسلام ذلك الزمان، لا على عدالة من صحب النّبيّ صلى الله عليه وسلم دون غيره، وهذا أوسع من مذهب المحدّثين، ولأمر ما أشار أبو الحسين إلى إجماع الصّحابة عليه مع ذكاء أبي الحسين، فقد قال الذّهبيّ -مع كراهته للمعتزلة-إنّها كانت لأبي الحسين شهرة بالذّكاء والدّيانة (2) ، فتأمّل أحوال الصّحابة رضي الله عنهم تعلم صحّة ما قاله، وحُسن استخراجه.
الأثر الخامس: ما ثبت عن عليّ رضي الله عنه أنّه ((كان يستحلف من اتّهمه من الرّواة، فإن حلف له صدّقه)) رواه الذّهبيّ في--------------------------------------------
(1) إرسال عليّ أخرجه البخاري (الفتح): (7/ 663) ، وإرسال معاذ أخرجه البخاري (الفتح): (7/ 657) ، ومسلم برقم: (1733).
(2) ((الميزان)): (5/ 101).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

((تذكرة الحفّاظ)) (1) وحكم بحسنه.
وقد احتجّ به غير واحد من أئمة الزّيديّة -منهم الإمامان أبو طالب، والمنصور بالله- ووجه الحجّة فيه: أنّ التّحليف والتّهمة إنّما يكون لمجهول الحال، أو من هو شرّ منه من المخبورين بقلة أهل الإسلام في ذلك الزّمان.
الأثر السادس: حديث الجارية السّوداء راعية الغنم التي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعرّف إيمانها، ويختبر إسلامها، فقال لها: ((من ربّك)) فأشارت، أي: ربها الله. فقال لها: ((من أنا؟)) قال: رسول الله. قال عليه السلام: ((هي مؤمنة)) ، والمؤمن مقبول. وقد وصف الله رسوله بتصديق المؤمنين في قوله تعالى: … {وَيُؤمِنُ لِلْمُؤمِنِينَ} [التوبة:61].
وحديث الجارية هو ثابت في ((صحيح مسلم)) (2) رواه الشّافعيّ (3) عن مالك (4) ذكر ذلك ابن النّحويّ في ((البدر المنير)) و ((الخلاصة)) (5).
الأثر السابع: حديث عقبة بن الحارث المتفق على صحّته وفيه--------------------------------------------
(1) (1/ 11).
(2) برقم (537) واللفظ في المصادر:» أين الله؟ قالت في السماء «.
(3) في ((الرسالة)): (ص/75).
(4) في ((الموطأ)): (2/ 776 - 777).
(5) (2/ 231).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

أنّه تزوج أمّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء وقالت: قد أرضعتكما، فذكرتُ ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فأعرض عنّي، فتنحّيتُ فذكرت ذلك له فقال: ((وكيف وقد زعمت أن قد أرضعَتُكُما)) هذا لفظ البخاري (1) ومسلم (2).
/وفي رواية التّرمذيّ (3) بإسناد حسن صحيح: ((أنه زعم أنّها كاذبة)) وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهاه عنها، فدلّ على اعتبار قولها مع الجهالة وتكذيب المدّعى عليه، ولو لم يعتبر قولها لم ينهه (4) ، ولا أمره بالطّلاق، لعدم [تحقّق] (5) انفساخ النّكاح، ولخيّره بين الإمساك مع الكراهة، أو الطّلاق [للحيطة] (6) ، فإنّ التّفريق بين الزّوجين من مؤكّدات الأمور، وقد قال بمقتضى ذلك مع يمين المرأة: ابن عبّاس وأحمد وإسحاق (7) ، وإنّما ترك العمل بظاهره بعض أهل العلم لتعلّقه بحقوق المخلوقين التي ورد الشّرع باعتبار الشّهادة فيها.--------------------------------------------
(1) البخاري (الفتح): (5/ 316).
(2) الصواب أنه من أفراد البخاري، كما في ((تحفة الأشراف)): (7/ 299).
(3) ((الجامع)): (3/ 459) ، أقول: وهي إحدى روايات البخاري (الفتح): … (9/ 56).
(4) في (أ): ((لم يتهمه في القول … )) ، وفي (س): ((ولم يتهمه، ولا أمره .. )) ، والمثبت من (ي).
(5) في (أ) و (ي): ((تحقيق)) ، والمثبت من (س).
(6) في (أ) و (ي): ((للحيضة))! وهو خطأ، والمثبت من (س).
(7) وهذه إحدى الروايات عن أحمد، والأخرى: أنها تقبل إذا كانت مرضيّة، والثالثة: لا تقبل، ولابدّ من شهادة امرأتين. انظر: ((المغني)): … (9/ 222).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

فأمّا قبول الخبر النّبويّ في الأحكام؛ فمقبول من المرأة الصّحابيّة وإن لم تعرف، بدليل هذا الحديث وغيره.
الأثر الثامن: أنّ الكافر كان يأتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيسلم، فيأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم[أن يذهب] (1) إلى [قومه] (2) داعياً لهم إلى الإسلام ومعلّماً لهم ما علّمه النّبيّ صلى الله عليه وسلم من شرائع الإسلام، وهذا موجود في السّيرة، لكنّها لم تحضرني فأنقله بلفظه (3).
ومثل هذا له شواهد كثيرة يعرفها من طالع السّيرة النّبويّة، وفيه دلالة على عدالة الدّاخل في الإسلام، وإلا لوجب أن يبين له النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه لا يحل لقومه أن يتعلّموا منه شيئاً حتّى يختبروه بعد إسلامه، وفي هذا الأثر وفي السابع إشارة إلى آثار كثيرة، والله أعلم.
وأما النظر: فلأنّ العدل من ظهر عليه من القرائن ما يدلّ على الدّيانة والأمانة دلالة ظنّية. [إذ] (4) لا طريق إلى العلم بالبواطن؛ وهذا ظاهر في الصّحابة، فإنهم كما قال المنصور بالله: ((لولا ثقل موازينهم في الشّرف والدّين ما تبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومالوا عن إلف دين الآباء، والأتراب والقرباء إلى أمرٍ شاقّ على القلوب، ثقيل على النّفوس، لا سيّما وهم في ذلك الزّمان أهل الأنفة العظيمة والحميّة الكبيرة،--------------------------------------------
(1) ما بين المعكوفين سقط من (أ) و (ي) ، والمثبت من (س).
(2) في (أ) و (ي): ((قوم)) ، والتصويب من (س).
(3) كما في قصة الطّفيل بن عمرو الدّوسي في ((الصحيح)) ، وقصة إسلام أبي ذرّ الغفاري في ((الصحيحين)) وغيرها.
(4) من (ي) و (س) ، وفي (أ): ((و)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

يرون أن يقتل جميعهم وتستأصل شأفتهم حذراً من أيسر عار يلم بساحتهم أو ينسب إلى قرابتهم، ولا أعظم عاراً عليهم من الاعتراف بضلال الآباء، وكفرهم، وتفضيل الأنعام السّائمة عليهم، فلولا صدقهم في الإسلام ومعرفتهم لصدق الرّسول عليه السلام ، ما لانت عرائكهم [لذلك] (1) ولا سلكوا في مذلّلات المسالك.
وممّا يدلّ على صحّة ذلك ويوضّحه: أنّ أكثرهم تساهلاً في أمر الدّين: من يتجاسر على الإقدام على الكبائر، لا سيما معصية الزّنا، فقد علمنا أنّ جماعة من أهل الإسلام في ذلك العصر من رجال ونساء وقعوا في ذلك، فهم (2) فيما يظهر لنا أكثر أهل ذلك الزّمان تساهلاً في الوقوع في المعاصي، وذلك دليل خفّة الأمانة ونقصان الدّيانة، لكنّا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله المتأخرين إلا أهل الورع الشّحيح، والخوف العظيم، ومن يُضرب بصلاحه المثل، ويتقرّب بحبه إلى الله عز وجل، وذلك أنّهم بذلوا أرواحهم في مرضاة ربّ /العالمين، وليس يفعل هذا إلا من يحقّ له منصب الإمامة في أهل التّقوى واليقين، وذلك كثير في أخبارهم، مشهور الوقوع في زمانهم.
من ذلك حديث المرأة التي [زنت] (3) فجاءت النّبيّ صلى الله عليه وسلم مقرّة بذنبها، سائلة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقيم الحدّ عليها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستثبت في ذلك، فقالت: يا رسول! إنّي حبلى به، فأمر أن تُمهل--------------------------------------------
(1) من (ي) و (س) ، وفي (أ): ((لتلك))!.
(2) أي: من وقع في الكبائر يومئذ.
(3) سقطت من (أ) ، والمثبت من (ي) و (س).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

حتّى تضع، فلمّا وضعت جاءت بالمولود وقالت: يا رسول الله هو هذا قد ولدته، فقال: ((أرضعيه حتّى يتمّ رضاعه)) ، فأرضعته حتّى أتمّت مدة الرّضاع، ثمّ جاءت به في يده كسرة من خبز، فقالت: يا رسول الله! هو هذا يأكل الخبز، فأمر بها فرجمت (1). رواه الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) (2).
فانظر إلى عزم هذه الصّحابية رضي الله عنها على أصعب قتلة على النّفوس، وأوجع ميتة للقلوب، وبقاء عزمها على ذلك هذه المدّة الطّويلة، ومطالبتها في ذلك غير مكرهة ولا متوانية، وهذا -أيضاً- وهي من النّساء الموصوفات بنقصان العقول والأديان، فكيف برجالهم رضي الله عنهم!؟.
ومن ذلك حديث الرّجل الذي أتى إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنّه سرق، فأمر بقطع يده، فلما قطعت قال: الحمد لله الذي خلّصني منك، أردت أن تدخليني النّار (3) ، أو كما قال.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم برقم (1695) من حديث بُرَيدة بن الحصيب رضي الله عنه.
(2) (2/ 364).
(3) أخرجه ابن ماجه: (2/ 863) ، والطبراني في ((الكبير)): (2/ 86).
من طريق سعيد بن أبي مريم، ثنا ابن لهيعة، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه: أنّ عمرو بن حبيب بن عبد شمس، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني سرقت جملاً لبني فلان، فأرسل إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنّا افتقدنا جملاً لنا، فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقطعت يده.
قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهّرني منك، أردت أن تُدخلي جسدي النّار)).
قال البوصيري في ((مصباح الزُّجاجة)): (2/ 75): ((هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة)) اهـ.
وفيه أيضاً: عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، قال الذهبي في ((الكاشف)): (2/ 159): ((يجهل)) ، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((مجهول)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

وحديث المجامع في رمضان (1).
وحديث ماعز بطوله (2).
وحديث الذي قال: إنّي أتيت امرأة فلم أترك شيئاً مما يفعله الرّجال بالنّساء إلا أتيته، إلا أنّي لم أجامعها (3)؛ وغير ذلك مما لا يحضرني الآن الإشارة إليه.
فأخبرني على الإنصاف: من في زماننا، وقبل زماننا من أهل الدّيانة قد سار إلى الموت نشيطاً، وأتى إلى ولاة الأمر مقرّاً بذنبه، مشتاقاً إلى لقاء ربّه، باذلاً في مرضاة الله لروحه، ممكّناً للولاة والقضاة من الحكم بقتله؟
وهذه الأشياء تنبّه الغافل، وتقوّي بصيرة العاقل، وإلا ففي قوله تعالى: {كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]. كفاية وغنية، مع ما عضدها من شهادة المصطفى عليه السلام بأنهم خير القرون،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (الفتح): (4/ 193) ، ومسلم برقم (1111) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري (الفتح): (12/ 138) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ومسلم برقم (1695) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.
(3) أخرجه البخاري (الفتح): (2/ 12) ومسلم برقم (2763) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

وبأنّ غيرهم لو أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه، إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشّريفة ومراتبهم المنيفة.
وقد ذكر ابن عبد البرّ في ديباجة ((الاستيعاب)) (1) جملة شافية ممّا يدلّ على فضل أهل ذلك الزّمان، [وذكر في ذلك أحاديث كثيرة] (2).
منها الحديث الصّحيح الشّهير أنه ((لا يدخل النّار أحد شهد بدراً والحديبية)) (3) رواه من طرق كثيرة.
وروى الحديث المشهور من طريق أبي الزّبير عن جابر مرفوعاً ((لا يدخل النّار أحد بايع تحت الشجرة)) (4) ثمّ روى أنّ أهل الحديبية كانوا ألفاً وأربع مائة، وأهل بيعة الرضوان ألفاً وخمس مائة، وأهل بدر ثلاث مئة وبضعة عشر، وذكر الحديث ((ألا إنّكم توفّون /سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على الله)) (5) والحديث الذي فيه: ((إنّ الله نظر إلى قلوب العباد فوجد قلوب أصحاب محمد خير قلوب العباد)) (6) ،--------------------------------------------
(1) (1/ 2 - 5) بحاشية ((الإصابة)).
(2) النّص مضطرب في (أ) ، وتصويبه من (ي) و (س).
(3) أخرجه مسلم برقم (2495) من حديث جابر رضي الله عنه.
(4) أخرجه مسلم برقم (2496) من حديث أم مبشر رضي الله عنها يرويه عنها جابر.
(5) أخرجه أحمد: (5/ 3) ، ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات)): (1/ 29) ، وأخرجه ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)): (1/ 5) من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وهذا إسناد حسن.
(6) رواه أحمد: (1/ 379) ، والطّيالسي في ((مسنده)): (ص/33) ، والطّبراني في ((الكبير)): رقم (8582) ، و ((الأوسط)): (4/ 367) ، والحاكم: (3/ 78) ، والبيهقي في ((المدخل)): (ص/114) ، من قول ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً. وصححه الحاكم والذهبي، وقال الحافظ في ((الدراية)): (2/ 187): ((أخرجه أحمد موقوفاً على ابن مسعود بإسناد حسن)) اهـ، وكذا حسّنه السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): (ص/367).
وجاء مرفوعاً من حديث أنس رضي الله عنه أخرجه الخطيب في ((التاريخ)): (4/ 165) ، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)): (1/ 281) ، وقال: ((تفرّد به النخعي -أي أبا داود- قال أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث، وهذا الحديث إنّما يعرف من كلام ابن مسعود)) اهـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

وأمثال ذلك.
وقد ظهر بهذه الجملة بيان قوّة ما أنكره المعترض على أهل الحديث، وأنّه مذهب العلماء الجلّة، من أهل الملّة، قويّ الموادّ، منصور الأدلّة. والحمد لله.
المسألة [الثانية] (1): ممّا اشتمل عليه كلامه، إنكاره لقول أهل الحديث: إنّ الصّحابيّ من رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، وقوله: إنّ هذا باطل، وأنّه يبطل ببطلانه كثير من حديث الصّحاح.
وقد تحامل المعترض على أهل الحديث في هذه المسألة، وأطلق عليها اسم ((الباطل)) الذي لا يطلق على أمثالها من المسائل الظّنّيّة المحتملة، والخلاف في هذه المسألة مشهور في الأصول، وعلوم الحديث، وقد ذكر ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (2): أنها--------------------------------------------
(1) في (أ): ((الثالثة)) وهو سبق قلم.
(2) (1/ 714) مع شرح الأصفهاني ((بيان المختصر)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

لفظيّة؛ لأنّ النّزاع فيها راجع إلى من يصدق عليه إطلاق هذا القول (1) ، وهذا مدرك ظنّيّ لغويّ، أو عرفي لا يدخله التّأثيم، ويستحق اسم الباطل، وذلك يظهر بالكلام في فصلين:
‌‌الفصل الأوّل: في بيان ما يستغربه المعترض من تسمية يسير المخالطة: ((صحبة)) ، وبيان ظهور ذلك في الكتاب والسّنّة والإجماع، ولنقدّم قبل ذلك مقدّمة، وهي: أنّ ((الصّحبة)) في اللّغة تطلق كثيراً في الشّيئين إذا كان بينهما ملابسة، وسواء كانت كثيرة أو قليلة، حقيقيّة أو مجازيّة، وهذه المقدّمة تبيّن ما نورده من كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما أُجمع على صحّته من العبارات في هذا المعنى.
أما القرآن: فقال الله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف:34] و {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [بالكهف:37] ، فقضى بالصّحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من الخطاب المتقدّم، وقد أجمعت الأمّة على اعتبار الإسلام في اسم الصّحابيّ، وقد ثبت بالنًصّ القرآني أنّ الله تعالى سمّى الكافر صاحباً للمسلم، فيجب أن يكون اسم الصّحابيّ عرفيّاً اصطلاحياً، ويكون لكلّ طائفة أن تصطلح فيه على عرف كما سيأتي تحقيقه.
وقال تعالى: {وَالصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ} [النساء:36]. وهو المرافق في السّفر، ولا شكّ أنّه يدخل في إطلاق هذه الآية الملازم--------------------------------------------
(1) في (س): ((اللفظ)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

وغيره، ولو صحب الإنسان رجلاً (1) ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك، لأنّه يصدق أن يقول: صحبت فلاناً في سفري ساعة من النّهار، ولأنّ من قال ذلك لم ينكر عليه أهل اللّغة، ولا يستهجنون كلامه.
وأما السّنّة؛ فكثير غير قليل، ومن أدلّها على التّوسعة العظيمة في هذا الباب ما ورد في الحديث الصحيح من قوله عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: ((إنّكنّ صواحِبُ يوسف)) (2) ، فانظر ما أبعد هذا السّبب الذي سمّيت به النّساء صواحب يوسف! وكيف يستنكر مع هذا أن يسمّى من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم /ووصل إلى حضرته العزيزة وتشرف برؤية غرّته الكريمة صاحباً له!؟ ومن أنكر على من سمّى هذا صاحباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمّى النّساء كلّهن صواحب يوسف.
ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل المنافق عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال عليه السلام: ((إنّي أكره أن--------------------------------------------
(1) في (س): ((رجل))!.
(2) أخرجه البخاري (الفتح): (6/ 481) و ومسلم برقم (420) ، من حديث عائشة، وأبي موسى رضي الله عنها.
وفي هامش (أ) ما نصّه:
((هو من التشبيه البليغ، أي: كصواحب يوسف، ولعل مراد المصنف بتسمية النساء اللاتي قطّعن أيديهن صواحب يوسف، مع أنه لم يكن منهن إلا رؤيته، وتقطيع أيديهنّ، والله أعلم. تمت. أفاده القاضي العلاّمة محمد بن عبد الملك الآنسي رحمه الله)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

يقال: إنّ محمداً يقتل أصحابه)) فسمّاه صاحباً مع العلم بالنّفاق للملابسة الظّاهرة، مع أنّ النّفاق المعلوم يقتضي العداوة، ويمحو اسم الصّحبة في الحقيقة العرفية، فهذا الذي ذكرته من تسميته في هذا الحديث صاحباً يحتمل في اللّغة، وقد تقدّم أوّل الفصل هذا (1) ، شاهده من القرآن العظيم في قوله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف:34]. وليس في الآية احتمال آخر.
وأمّا هذا الحديث فهو يحتمل احتمالاً آخر تركته استغناء بهذا الاحتمال، بشهادة القرآن له.
وممّا يدلّ على التّوسع الكثير في اسم الصّحبة: إطلاقها بين العقلاء والجمادات، كقوله تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ} [يوسف:39] ، ومثل تسمية ابن مسعود: ((صاحب السّواك)) (2) وصاحب:--------------------------------------------
(1) (ص/115).
(2) في (ت) و ((العواصم)): ((السّواد)) وكلاهما صحيح.
فقد جاء وصف ابن مسعود رضي الله عنه أنه صاحب (السّواك) في حديث أخرجه البخاري (الفتح): (7/ 114) من قول أبي الدرداء رضي الله عنه.
وجاء وصفه بأنّه صاحب (السّواد) في حديث أخرجه مسلم برقم (2169) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
قال الإمام النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)): (14/ 150): ((السّواد: بكسر السين المهملة، وبالدال، واتفق العلماء على أنّ المراد به السّرار -بكسر السين وبالراء المكررة- وهو السّر والمسارر، يقال: ساودت الرجل مساودة إذا ساررته … وهو مأخوذ من إدناه سوادك من سواده عند المساررة، أي: شخصك من شخصه)) اهـ.
وانظر: ((الإصابة)): (2/ 369) ، و ((السّير)): (1/ 469 - 470).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

((النّعلين والوسادة)).
وأما الإجماع: فلا خلاف بين النّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لاقى المشركين في الحرب فقتل ممن معه من المسلمين جماعة، ومن المشركين جماعة أنه يقال: قتل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ومن المشركين كذا وكذا، وبذا جرى عمل أهل السّير (1) والمؤرّخين والرّواة والأخباريين، وكذا يقولون في أيّام صفين: قتل من أصحاب عليّ كذا، ومن أصحاب معاوية كذا، ولا يعنون بأصحاب عليّ من لازمه، وأطال صحبته، بل من قاتل معه، ولو يوماً أو ساعة (2) ، وهذا شيء ظاهر لا يستحق من قال بمثله الإنكار، وهو من أحسن ما احتجّ به أهل الحديث، على أنّ ما ذهبوا إليه حقيقة عرفية.
ومن ذلك أصحاب الشّافعي، يطلق ذلك على من دخل في مذهبه وإن مات عقيب الدّخول فيه من غير مهلة، وكذلك أصحاب الظّاهر وأصحاب الرّأي.
ومن التّوسع في هذا الباب: تسمية النّبيّ صلى الله عليه وسلم صاحب الشفاعة قبل أن يشفع، وهذا أيضاً ممّا لا يشترط فيه الإطالة، بل يسمّى صاحب الشّفاعة، وإن كانت في ساعة واحدة، وهذا كلّه دليل على التّوسعة--------------------------------------------
(1) في (أ): ((المسيرين))! والمثبت من (س).
(2) في هامش (أ) ما نصّه:
((بل وإن لم يره، ولا حضر الواقعة فإنه يقال: قتل من أصحاب السلطان كذا، ولم يحضر ولا رأى من قتل من جنده. تمت السيد الإمام محمد بن إسماعيل الأمير -رحمه الله تعالى-)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

الكثيرة في إطلاق اسم الصّحبة على أدنى ملابسة.
وبعد؛ فإنّها لفظة لغويّة ظنّيّة، والاختلاف فيها كالاختلاف في الشّفق، هل هو الحمرة أو البياض، أو مشترك بينهما، ونحو ذلك من الألفاظ اللّغوية التي لا ينكر على من خالفها من أهل العلم.
وبعد؛ فقد قال غير واحد من العلماء: يجوز إثبات اللّغة بالقياس (1) ، واختاره إمام الزّيديّة المنصور بالله في كتابه ((صفوة الاختيار)) ، قال قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح المنتهى)): ((إنّه مذهب القاضي، وابن سريج من الشّافعية، وهو قول كثير من الفقهاء، ومن أهل العربية)) اهـ.
ولم يعلم أنّ أحداً شنّع على /من ذهب إلى ذلك ولا قبّح عليه، فكيف بهذه المسألة المذكورة في الصّحبة! وقد تقدّم لها من الشّواهد اللّغوية ما أقلّ منه يشفي ويكفي، فلو قدّرنا خلوّها عن الشّواهد اللّغوية، ورجوع القائلين بها إلى الأمارات القياسيّة، لم يكن إلى تقبيح ذلك وقطع الخلاف فيه سبيل، ولا على القطع بإبطاله وإبطال ما ترتّب عليه من الحديث دليل.
‌‌الفصل الثّاني: في بيان المختار، والمختار: أنّ ما ذكره المحدّثون جائز بالنّظر إلى وضع اللّغة، وأمّا بالنّظر إلى العرف--------------------------------------------
(1) وهذا القول منقول عن الشّافعي، وهو قول ابن سريج، وأبي إسحاق الشيرازي، والفخر الرازي، وأكثر الحنابلة.
انظر: ((الإحكام)) للآمدي: (1/ 50) ، ((وشرح الكوكب)): (1/ 223).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

وقد ذكر في هذا الموضع ثلاثة أشياء احتجّ بها ولم يُعدها، فرأينا ذكرها في هذا الموضع:
‌‌الحجّة الأولى: خبر الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم ، قال المعترض: يلزم أنّه عدل.
والجواب من وجوه:
الأوّل: من أين صحّ للمعترض أنّه كان في عصره صلى الله عليه وسلم أعرابي بال في مسجده؟ فثبوت هذا مبني على صحّة طرق الحديث وقد شكّ في تعذّرها، فلو صحّت طرق هذا بطل الشّكّ، ومن البعيد أن يصحّ طريق هذا الحديث دون غيره، ومن المعلوم أنّ صحة البعض تستلزم بطلان الشّكّ في استحالة الكلّ.
الوجه الثاني: أنّا قد ذكرنا أنّ كلّ مسلم ممن عاصر النّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنّه عدل ما لم يعلم جرحه، وبيّنّا الحجج على هذا، وأنّه مذهب جلّة علماء (2) الإسلام، وبيّنّا أنّه مما ادّعي فيه الإجماع، وهذا الأعرابي من جملة من دخل تحت عموم تلك الأدلّة، فيسأل المعترض: ما الموجب لتخصيصه بالذّكر؟ فإنّ الخصم ملتزم لعدالته، فيطالب بإبداء المانع منها.
فإن قال: إن بوله في المسجد يمنع العدالة لأنّه محرّم.
فالجواب عليه: /أنّ الجرح بذلك غير صحيح لأنّه لا دليل على--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه: (ص/94).
(2) سقطت من (س)!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

أنه فعله وهو يعلم بالتّحريم، ويقوّي هذا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم منع من قطع درّته، ونهى من نهاه وقال: ((إنّ منكم منفّرين)) ، ولو كان في فعله لارتكاب ما حرّمه الله مجترئاً معانداً لم يكن يستحق هذا الرّفق العظيم، ولكان الأشبه أن يزجر عن الجرأة كما زجر السّائل عن الضّالّة، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا وجدت)) (1) وإنّما ذكرنا هذا الوجه لزيادة قوّة الحجّة على الخصم، وإلا فالأصل جهل الأعرابيّ بالتّحريم والتّمسك بالأصل كافٍ.
فإن قال المعترض: أنّ البول في المسجد يدلّ على الجرح من حيث إنّه يدلّ على الخسّة وقلّة الحياء، إذ البول في حضرة النّاس يدلّ على ذلك كالأكل في السّوق.
قلنا: ليس كما توهّم، فإنّ ما يدل على الخسّة، وقلّة الحياء يختلف بحسب اختلاف عرف أهل بلد الفاعل لذلك وأهل زمانه، والأعراب في ذلك الزّمان وفي غيره لا تستنكر ذلك في باديتها غالباً، وكلّ ما كان أهل الصّيانة يفعلونه من المباحات في بلد أو زمان، لم يقدح في عدالة أحد من أهل تلك البلد وذلك الزمان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في المدينة بغير رداء، ولا نعل، ولا قلنسوة، يعود المرضى كذلك في أقصى المدينة، ذكره ابن حزم في ((سيرته)) (2).
ومثل هذا في بعض الأمصار في هذه الأعصار المتأخّرة مما لا يفعله بعض أهل الحياء، ومما يتكلّم بعض الفقهاء في فاعله،--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم برقم (569) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.
(2) ((جوامع السيرة)): (ص/43).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

لعُرف (1) مختصّ بهذه الأزمنة الأخيرة في الأمصار العظيمة، وإلا فمن أشد حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها (2) ، وكان لا يثبت بصره في وجه أحد لكثرة حيائه صلى الله عليه وسلم ، ولكن هذا الذي فعله كان عادتهم في ذلك العصر، وإنّما الحياء يتولّد من مخالفة العادة حتّى إنّ الرّجل الفقير المستمرّ على البذاذة (3) في الملبس، لو لبس في دفعة واحدة لباس الأكابر الذي لا يعتاده قط، وطاف به الأسواق، لكان معدوداً من أهل المجون، وقلّة الحياء لمجاهرة النّاس بمخالفة العادة من غير تدريج، ولا التماس فضيلة، وكذلك قد ورد عنه عليه السلام أنّه أخذ قطعة من لحم وجعل يلوكها في فيه وهو يمشي في السّكة [أو] (4) يمشي بين أصحابه أو نحو ذلك، ذكر معناه أبو داود (5) ، وقد أردف عليه السلام امرأة خلفه في--------------------------------------------
(1) في (س): ((فهو عرف)).
(2) أخرجه البخاري (الفتح): (6/ 654) ، ومسلم برقم (2320) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3) قال ابن الأثير في ((النهاية)): (1/ 110) ((البذاذة رثاثة الهيئة. يقال: بذ الهيئة وباذ الهيئة: أي رثّ اللّبسة)) اهـ. وانظر: ((لسان العرب)): (3/ 477).
(4) في (أ): ((و)).
(5) لعلّ المؤلّف يشير إلى ما أخرجه أبو داود: (3/ 627) كتاب البيوع، وفيه: ((وجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فمه … )) الحديث.
أقول: وليس فيه دلالة على مراد المصنّف. والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

بعض الغزوات (1) ، وربّما كان [هذا] (2) ممّا يتجنّبه بعض أهل الحياء في بعض الأزمان والبلدان لاختلاف العرف.
والقصد الاحتجاج بأفعاله صلى الله عليه وسلم على أنّها ليست في ذلك الزّمان مما يستحيى منه، لا على أنّه كان يفعل ما يُستحيى منه في زمانه عليه السلام ، فتأمّل ذلك ولا تغلط فيه، فإنّ الغلط فيه عظيم.
الوجه الثالث: لو قدّرنا أنّ هذا مما يجرح به لكان مما يحتمل النّظر والاختلاف، ولا يعاب على من جرح به ولا على من لم يجرح.
الوجه الرّابع: سلّمنا تسليم جدل أنّه مجروح فنحبّ (3) من المعترض أن يبيّن لنا أنّ أهل الصّحاح رووا عن هذا الأعرابي، ويبيّن لنا كم رووا عنه لا سيّما من أحاديث الأحكام، فإنّ الحاجة إلى معرفة ذلك ماسّة.
الوجه الخامس: سلّمنا أنّهم رووا عنه وأنّه مجروح، فما وجه الاحتجاج بذلك على الشّكّ في [تعذّر] (4) معرفة السّنن وبطلان العلم؟ وليس هذا يمنع من معرفة الحديث الصّحيح، بل كلّما كثر المجروحون قلّ الصّحيح، وكلّما قلّ سهل حفظه وأمكن /ضبطه،--------------------------------------------
(1) هي امرأة من بني غفار، أخرج حديثها أبو داود في ((السّنن)): (1/ 219 - 220) ، وابن منده في ((معرفة آسامي أرداف النبيّ صلى الله عليه وسلم)): (ص/80 - 82).
(2) من (ي) و (س).
(3) في (س): ((فيحب)) ، وهو خطأ.
(4) من (ي) و (س).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)