المعتزلة، والإجماع منعقد قبلهم وبعدهم على بطلان قولهم؛ فقد تبيّن بهذا أنّ المعترض شكّك في رجوع المسلمين إلى القرآن العظيم والسّنة النبوية، والله تعالى جعل الكتاب والسنّة النبويّة عصمة لهذه الأمّة، ولم يجعلهما عصمة للقرن الأوّل ولا للثّاني، فالمشكّك في هذا يجب عليه أن ينظر في الجواب حتّى على مذهب المعتزلة والزّيدية، فليس هذا يخصّ أهل الحديث، [لكن في إيراد المعترض لهذا الإشكال عليهم أعظم شهادة لهم بأنّهم أهل القرآن والحديث] (1) ، الذين يذبّون عنهما ويحامون عليهما، والحمد لله والمنّة.
الوجه التاسع: قال الله تعالى في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، /إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4] وقال فيما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] ، وهذا يقتضي أنّ شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال محفوظة، وسنته لا تبرح محروسة، فكيف ينكر هذا المعترض على أهل السّنة، ويشوّش قلوب الرّاغبين في حفظها، ويوعّر الطّريق على السّالكين إلى معرفة معناها ولفظها؟
فإن قال: فإنّه قد ورد على رفع العلم في آخر الزّمان، وذلك في حديث ابن عمرو بن العاص: ((إن الله لا يرفع العلم انتزاعاً ينتزعه، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يبق عالماً اتّخذ النّاس رؤوساً جهّالاً فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا)) (2).--------------------------------------------
(1) ما بين المعقوقين ساقط من (أ) ، وهو انتقال نظر.
(2) أخرجه البخاري (الفتح): (1/ 243) ، ومسلم برقم (2673).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
والجواب من وجهين:
الأول: أنّ هذا غير مذهب الزّيدية والمعتزلة، فإنّهم لا يجيزون خلوّ الزّمان عن مجتهد.
الثّاني: أنّ الحديث محمول على وقت مخصوص لم يأت بعد، وهو بعد نزول عيسى عليه السلام وموته وموت المهديّ المبشّر به، وذلك مبيّن في أحاديث صحيحة، وقد ورد في ((الصّحيح)) (1): ((لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق حتّى يقاتل آخرهم الدّجال)) ، وهذا يفسّر ذاك، لأنّه خاصّ وذلك عامّ، ولا يمكن أن يكون ذلك الضّلال العامّ مع وجود هذه الطائفة الموصوفة بالظّهور على الحقّ،--------------------------------------------
(1) ليس هو في ((الصحيح)) بهذا اللفظ، ولكنه بلفظ:» لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك «.
بألفاظ متقاربة من حديث جماعة من الصحابة عند البخاري (الفتح): (6/ 731) ، ومسلم برقم (1920 - 1925).
واللفظ الذي ذكره المصنّف أخرجه أحمد: (4/ 429) ، وأبو داود: (3/ 11) ، والحاكم: (4/ 450) وغيرهم.
كلّهم من طريق حمّاد بن سلمة، عن قتادة عن مطرّف عن عمران بن حصين رضي الله عنه به.
وفي الإسناد مقال من جهة الكلام في حفظ حمّاد بن سلمة، وكذا عنعنة قتادة، وهو مدلّس.
إلاّ أن للحديث متابعات، وشواهد.
انظر: ((صفة الغرباء)): (ص/148 - 165) للشيخ سلمان، و ((الصحيحة)) برقم (1959).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
فدلّ على أنّه بعد انقراض هذه الطائفة.
ولا يعترض على هذا بأدلّة عصمة الأمة عن الضلالة لأنّه يحتمل أنّ هذا يكون بعد موت الأمّة، بل قد ورد معنى ذلك منصوصاً في الحديث الصحيح الذي فيه: ((إنّ الله يبعث ريحاً ألين من الحرير، لا تترك أحداً ممن في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان إلا توفّته)) (1) أو كما ورد، وذلك بعد ظهور المهدي ونزل عيسى، وأدلّة المعتزلة على ما يخالف هذا عامّة، وهذه الأدلّة أخصّ فوجب المصير إليها.
الوجه العاشر: لو فرضنا - والعياذ بالله- خلوّ الزّمان عن الحفّاظ الثّقات، والرّواة الأثبات لما تعذّر الرّجوع إلى السّنة العزيزة، وذلك لأنّ الكتب الصحيحة المتقنة موجودة في المدارس الإسلامية، والعمل بما في الكتب -التي عليها خطوط الثّقات الحفّاظ شاهدة بالصّحة- جائز عند كثير من أهل العلم، وهو الذي يقوى في النّظر ويظهر عليه الدّليل، بل هو الذي أجمع على جوازه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، والعجب من المعترض كيف غفل عن ذلك! وهو قول أئمة الزّيدية والمعتزلة كما سيأتي، والعمل بهذا هو المعروف في علم الحديث بـ ((الوجادة)) (2) ، وهو أحد أنواع علوم الحديث، وقد ذكرها--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم برقم (2137) مطوّلاً من حديث النّواس بن سمعان رضي الله عنه
(2) عرّفها ابن الصلاح بقوله: ((أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه … )) اهـ
((علوم الحديث)): (ص/358) مع ((المحاسن)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
ابن الصّلاح في ((علوم الحديث)) (1) وطوّل الكلام فيها، وحكى القول بوجوب العمل بها عن الإمام الشّافعي، وطائفة من نظّار أصحابه في [أصول] (2) الفقه.
قال ابن الصّلاح رحمه الله: ((وما قطع به هو الذي لا يتّجه غيره / في الأعصار المتأخرة، فإنه لو توقّف العمل فيها على الرّواية لانسدّ باب العمل [بالمنقول] (3) لتعذّر شرط الرّواية فيها على ما تقدّم في النّوع الأوّل)) (4).
قلت: الذي تقدّم في النّوع الأوّل أنّه لا يجوز للمتأخرين تصحيح الحديث إذا لم ينصّ أحد من المتقدمين على صحّته لعدم خلوّ الإسناد في هذه الأعصار ممن يعتمد على كتابه من غير تمييز لما فيه، هذا كلام ابن الصّلاح (5) ، وقد خالفه النّووي (6) ، وزين الدين بن العراقي، ذكر ذلك زين الدين في ((تبصرته)) (7) وقال: ((هو الذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحّح غير واحد من المعاصرين لابن الصّلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدّمهم فيها تصحيحاً كأبي--------------------------------------------
(1) (ص/358 - 360).
(2) في (أ): ((علوم)) ، والتصويب من (ي) و (س) ، و ((علوم الحديث)).
(3) في (أ) و (ي): ((بالقول))! والتصويب من (س) ، و ((علوم الحديث))
(4) ((علوم الحديث)): (ص/360)
(5) ((المصدر نفسه)): (ص/159 - 160).
(6) ((الإرشاد)): (1/ 135).
(7) (ص/22 - 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
الحسن بن القطان (1) ، والضّياء المقدسيّ (2) ، والزّكي عبد العظيم (3) ، ومن بعدهم.
قلت: فالأولى ألا يحتج على جواز العمل بـ ((الوجادة)) بما ذكره ابن الصلاح، ألا ترى أنّ الشّافعي جوّز العمل بها مع أنّ زمانه كان زمان إمكان العمل بغيرها، بل سوف يأتي أنّ الصّحابة رضي الله عنهم عملوا بها، والدّليل على ذلك حديث: عمرو بن حزم، وقد ذكر طرقه الحافظ ابن كثير في ((إرشاده)) (4) ، وقال بعد ذكر الاختلاف في بعض طرقه:
((وعلى كلّ تقدير؛ فهذا الكتاب متداول بين أئمة الإسلام قديماً وحديثاً، يعتمدون عليه، ويفزعون في مهمّات هذا الشأن إليه، كما قال يعقوب بن سفيان (5): ((لا أعلم في جمع الكتب كتاباً أصحّ من كتاب عمرو بن حزم؛ كان الصّحابة (6) والتّابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم)).
وصحّ عن ابن المسيّب: أنّ عمر ترك رأيه ورجع إليه. قال ابن كثير: ((رواه الشّافعي و [النّسائي] (7) بإسناد صحيح إلى ابن المسيب)).--------------------------------------------
(1) الفاسي ت (628هـ) ، صاحب كتاب ((بيان الوهم والإيهام)).
(2) صاحب ((المختارة)) ت (643هـ).
(3) المنذري ت (656هـ) ، صاحب ((الترغيب والترهيب)) وغيره.
(4) ((إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلّة التنبيه)): (2/ 275 - 278).
(5) في ((الإرشاد)): ((الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي)).
(6) في ((الإرشاد)): ((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(7) تحرّفت في الأصول إلى ((التابعون))! والتصويب من ((الإرشاد)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
ونحن نبيّن للمعترض أنه غفل عن مذاهب أسلافه في هذا فنقول:
ممّن أجاز هذا ونصّ عليه من الزّيدية والمعتزلة الإمام المنصور في كتاب: ((صفوة الاختيار)) في أصول الفقة، [و] (1) ادّعى إجماع الصّحابة على ذلك لرجوعهم إلى كتاب عمرو بن حزم، وصرّح أنّهم عوّلوا على مجرّد الخطّ لما غلب على ظنّهم صحّته.
قلت: ظاهر كلام المحافظين: يعقوب بن سفيان، وابن كثير: دعوى إجماع الصّدر الأوّل على قبول حديث عمرو بن حزم، وذلك يقتضي دعوى الإجماع على جواز العمل بـ ((الوجادة)) كما ذكره المنصور.
ومنهم: الإمام يحيى بن حمزة، فإنّه ذكر في ((المعيار)) (2) جواز العمل بذلك مع ظنّ الصّحة، قال: ((وهو قول أبي يوسف ومحمد، واختاره ابن الخطيب الرّازي)) (3).
ولكنّ الإمام يحيى قال: ((يجوز العمل بذلك دون الرّواية، لأنّ العمل إنّما مستنده الظّنّ)).
وقال الإمام محمد بن المطهّر في كتاب ((عقود--------------------------------------------
(1) من (س).
(2) واسمه ((المعيار لقرائح النّظّار في شرح حقائق الأدلة الفقهية وتقرير القواعد القياسية)) ، منه نسختان في مكتبة الجامع برقم (1487 - فقه).
(3) هو: فخر الدين الرازي، المتكلم المشهور ت (606هـ) ، صاحب ((المحصول)) وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
العقيان)) (1): ((إن ذلك جائز عنده وعند والده، وأنه مستند للعمل والرّواية، وحكاه عن الإمام أحمد بن سليمان، والمنصور بالله)). قال: ذكره المنصور بالله في ((الصفوة)) وغيرها.
وقال المحسّن بن كرّامة المعتزلي (2) المعروف بالحاكم في ((شرح العيون)) (3): ((إنه قول الشّافعي وأبي يوسف، ومحمد، وأكثر العلماء: فيما (4) وجد بخطه في كتابه وعلم أنّه سمعه على الجملة ولا يعلم أنه سمعه مفصّلاً؛ [فإنّه يجوز أن يرويه] (5))).
لكنّه قال في ((الاحتجاج)): ((إنّ الصحابة كانوا يروون من الكتب من غير نكير، وكان بعضهم يعمل على كتاب بعض، وكان عمر يكتب إلى عمّاله وقضاته فيعملون بذلك، وكذلك كتب النّبيّ صلى الله عليه وسلم
وروى الشيخ أبو الحسين في كتاب ((المعتمد)) (6) عن الصّحابة مثل ذلك، ذكره محتجاّ به / على جواز مثله.--------------------------------------------
(1) ((عقود القيان في الناسخ والمنسوخ من القرآن)) ، منه نسخة في مكتبة الجامع برقم (192 - تفسير) ، ونسخة في مكتبة الأمبروزيانا برقم (163). ((مصادر الفكر)): (ص/614).
(2) هو المحسن بن محمد بن كرّامة الجُشمي البيهقي أبو سعد، حنفي معتزلي زيدي، له مصنفات كثيرة، ن (494هـ). انظر: ((الأعلام)): (5/ 289).
(3) ((شرح عيون المسائل)) في علم الكلام. مخطوط.
(4) في (أ) و (ي): ((ذكره فيما))! ، والصواب ما أثبت.
(5) ما بينهما ساقط من (أ) و (ي) ، والمثبت من ((العواصم)): (1/ 337) ، و (س).
(6) (2/ 628).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وقال عبد الله بن زيد في ((الدّرر المنظومة)): ((لا خلاف أنّه متى عرف خطّه أو خطّ أستاذه، وعلم أنّه لا يكتب إلاّ ما سمعه قبلت روايته، وإنّما اختلفوا إذا ظنّ أنّه خطّه أو خطّ أستاذه فمذهبناً أنّه تقبل روايته، وهو مذهب طائفة من العلماء)) ، واحتجّ بعمل النّبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، وكذلك الصحابة.
وبهذا الوجه العاشر نجيب على من يجيز خلوّ الزّمان من المجتهدين مع بقاء الأمّة على الهدى، محتجّاً بأنّ طلب الاجتهاد -وإن كان فرض كفاية- فقد سقط عنهم بموت العلماء، فلا يكونون (1) مجتمعين على ضلالة، وكيف يصح هذا العذر وقد استنبط الأوائل العربيّة و [الأصلين] (2) من غير شيوخ، فالحال في هذه الفنون واحدة. بل هي اليوم أيسر قطعاً، كيف لا وقد قطع النّقاد أعمارهم في فنون كثيرة في تسهيل صعبها (3) ، وإيضاح غامضها وجمع متفرّقها؟! وقد أمكن استنباطها قبل ذلك، فكيف بعده؟! وأمّا علوم السّماع فهي أسهل العلوم على مريدها، وإنّما تسهّلت وتمهّدت في هذه الأعصار الأخيرة (4).--------------------------------------------
(1) في (س): ((يكونوا))!.
(2) في (أ) و (ي): ((الأصوليين)) ، والتصويب من (س).
(3) في (س): ((صنعتها))!؟
(4) في هامش (أ) و (ي) كتب ما نصه:
((قوله: في هذه الأعصار الأخيرة؛ لأن الأولين ما كان يجتمع لهم الحديث إلا بالرحلة في السماع، ثم صنفت المسانيد المطولة بشواهدها ومتابعات حديثها، فجاء من بعدهم فحذفوا الشواهد والمتابعات، وأتوا بالأسانيد، فجاء من بعدهم فحذفوا الأسانيد واكتفوا بنسبة الحديث إلى أمهاته، فجاء من بعدهم فحذفوا حتى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكره، وجعلوها متوناّ، واكتفوا بالرموز، كما فعل السيوطي. وهذا الغاية في التقريب، ذكر نحوه صاحب ((المنار)) المقبليّ -رحمه الله تعالى-.
ومنهم من أفرد الصحيح، ومنهم من جمع الأطراف، ومنهم من جمع الحديث، وبيّن صحيحه وسقيمه، كصاحب ((التخليص)) وغيره. تمت مولانا العلاّمة أحمد بن عبد الله الجنداري رحمه الله))
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وإذا كانت الصّحابة عملت بـ ((الوجادة)) -مع قرب عهدهم- واحتاجت إلى ذلك فيكف بنا؟. وأمّا قول قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح مختصر المنتهى)) (1): ((إنه يمكن أن يجاب بمنع كون التّفقّه في الدّين فرضاً مع إمكان معرفة العوامّ أحكام الشّرع بالنّقل المظنون عن العلماء السّابقين، فهو ضعيف جداً؛ لإمكان وقوع حادثة غير منصوصة لمن تقدّم، ووجود من لا يستجيز ويرى الفتوى (2) بأقوال المجتهدين ولإمكان وجود مكلّفين لا يستجيزون تقليد الميّت، ولأنّ حديث ابن عمرو (3) الصّحيح يقتضي أنّ أهل الزّمان الخالي عن العلماء ضالون، المفتي منهم والمستفتي، ولا شكّ أنّ المفتي المقلّد لا يسمّى عالماً، فدلّ هذا على أنّ التّقليد لو كان يقوم مقام العلم ما استحقّ المفتي أن--------------------------------------------
(1) هو شرح لمختصر ابن الحاجب في الأصول، لقطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي ت (710هـ) ، إمام في الأصول والعقليات.
انظر: ((كشف الظنون)): (ص/1853) ، وانظر ترجمته في: ((الدرر الكامنة)): (4/ 339).
(2) كذا بالأصول! ، ولعل صواب العبارة: ((ووجود من لا يستجيز الفتوى .. )).
(3) تقدم: (ص/64).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
يسمّى مُضِلاً والمستفتي مُضَلاً، وقد سمّاها بذلك في الحديث الصّحيح (1). والله سبحانه أعلم.
الوجه الحادي عشر: لو صحّ ما ذكره المعترض -والعياذ بالله- من انطماس معالم العلم، وتعفّي رسوم الهدى، إلا تقليد العلماء -رضي الله تعالى عنهم- يلزم من ذلك أن يبطل الطريق إلى جواز التّقليد، لأنّ تقليدهم لا يجوز إلا بعد معرفة الدّليل، والدّليل لا بد أن يكون مستنداً إلى معرفة الكتاب والسّنة، وهذا ظاهر على أصول المعتزلة والزّيدية، فإنّهم قد شحنوا مصنّفاتهم بتحريم الإقدام على ما لا يؤمن قبحه.
وأمّا أهل السّنّة قد نقل ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (2)--------------------------------------------
(1) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((هذا بناءً على أن المقلد يصدق عليه اسم الجهالة المذكور في الحديث، والظاهر خلافه، فإن فقهاء المذاهب في كل قرن يفتون العوام بمذاهب أئمتهم، والإجماع أنهم ليسوا هم المرادين بالحديث، فتعين أن يكون المراد بالجهال هم الذين لا يميزون بين الحرام من الحلال لا اجتهاداً ولا تقليداً.
من أنظار سيدي العلاّمة هاشم بن يحيى الشامي -رحمه الله تعالى-.
قلت: لا يخلو إمّا أن يقال: لا يفتوا بمذاهب أئمتهم وهو عندهم أرجح من خلافه، فليسوا بمقلدين، وإن أفتوا وهو عندهم مرجوح فهم جهال بل أعظم فتأمل. تمت. شيخنا -حفظه الله-)) يعني: أحمد بن عبد الله الجنداري.
(2) (3/ 350) مع شرحه للأصفهاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
و [شرّاحه] (1) ما يقتضي ذلك، ولم يذكروا فيه خلافاً، ذكره ابن الحاجب في بيان حدّ التّقليد والمقلّد؛ وإنّما قلنا: إنّ ذلك يستلزم بطلان التّقليد لأنّ أدلّته من النّصّ والإجماع مترتبة على ذلك.
وبيانه أنّ الاستدلال بقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُم لَا تَعلَمُونَ} [الأنبياء:7]. يحتاج إلى معرفة أنّها غير منسوخة ولا مخصّصة ولا معارضة، ويحتاج إلى معرفة معنى الآية، فهذان أمران:
أحدهما: معرفة أنّ الآية غير منسوخة ولا معارضة ولا مخصّصة، / وهذا ينبني على أنّ هنا سنّة صحيحة، يخصّص بها، وينسخ بمتواترها أو بها على قول، وعلى أنّ إلى معرفة تلك السّنّة [طريقاً] (2) يمكن معها معرفة ذلك.
وثانيهما: معرفة معنى الآية، ولابدّ فيه من النّظر في قواعد العربيّة واللّغة، إذ ليس معلوماً بالضّرورة، فاحتاج النّاظر في معنى الآية إلى أن يكون من أهل الاجتهاد.
فإن قلت: إن دلالتها على جواز التّقليد جليّة لا تحتاج إلى اجتهاد.
قلت: ليس كذلك، فإن في معناها غموضاً واختلافاً، والذي يدلّ على ذلك أنّ السّؤال من الأفعال التي تُعدّى إلى مفعولين، تارة بواسطة حرف الجرّ مثل: سألت العالم عن الدّليل، وتارة بغير واسطة مثل: سألت الأمير مالاً، وسألت العالم دليلاً. إذا عرفت هذا فاعلم--------------------------------------------
(1) في (أ): ((وشرحه)) ، والمثبت من (ي) و (س).
(2) في (أ): ((طريق))!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
أنّه لابد من مسئول ومسئول عنه، فالمسئول مذكور في الآية، وهم أهل الذّكر، والمسئول عنه محذوف، والقول بأنّ المسئول عنه هو: أقوال المجتهدين، من هذه الأمة مجرّدة عن الأدلة هو [مما] (1) لا يدلّ عليه دليل، وهذا المسئول عنه المحذوف يحتمل أنّه الأدلّة، ويحتمل أنّه (2) المذاهب من غير أدلّة، وقد قال بعض العلماء: هو السّؤال عمّا أنزل الله تعالى، لقوله تعالى: {اتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُم} [الأعراف:3] فلمّا أمر (3) بسؤال أهل الذكر، كان المفهوم أنّه أمرنا بسؤالهم عمّا أمرنا باتّباعه مما أنزله علينا من الشّرائع.
وهذه [الأقوال] (4) كلّها مخالفة للمفهوم على قواعد العربيّة، والمختار: أنّ المراد: السّؤال عن الرّسل هل كانوا بشراً؟ لأنّ ذلك هو المذكور في أوّل الآية، والعرف العربيّ يقضي بأنّ ذلك هو المراد، والقرائن تسوق الفهم إليه.
فإنّه تعالى لما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِم فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ} [الأنبياء:7]. كان السّابق إلى الأفهام؛ فاسألوهم عن كوننا ما أرسلنا إلا رجالاً، كما لو قال القائل: واجهت اليوم الخليفة، وسل وزراءه، كان المفهوم واسألهم عن كوني واجهته. وهذا الذي ذكرت أنّه المحذوف هو الذي اختاره الزّمخشري في ((كشّافه)) (5) ،--------------------------------------------
(1) في (أ): ((ما))!.
(2) في (أ): ((أنه من)) وهو خطأ.
(3) في (ي) و (س): ((أمرنا)).
(4) في (أ): ((الأفعال))! وهو خطأ.
(5) (3/ 4).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
ولكن لم يذكر الوجه في ذلك لجلائه عنده.
والعجب أنّ الأصوليين استدلوا بهذه الآية على جواز التقليد من غير بيان لوجه الدّلالة، ولا ذكر لهذا [الإشكال] (1) مع جلائه!!.
فإنّ قيل: إنّها وإن نزلت على هذا السّبب لم تقصر عليه عند الجمهور، فلذا لم يتعرّض الأصوليين لذلك.
قلنا: ليس هذا من ذاك، فإن ذلك إنّما يقال فيما لفظه عامّ وسببه خاصّ، وهذه الآية لفظها غير ظاهر لما فيه من الحذف، ومعناها خاصّ غير عام، فظهر الفرق.
وأمّا الاستدلال بالإجماع على جواز التّقليد؛ فلا يصح أيضاً مع فرض عدم المعرفة بالكتاب والسّنّة، لأنّ الأدلّة على كون الإجماع حجة إنّما هي ظواهر تحتاج في معرفة معناها إلى ثبوت اللّغة والعربيّة، وبعد ذلك لابدّ من معرفة عدم النّاسخ والمعارض والمخصّص، والمعترض على أهل الحديث قد منع من معرفة اللّغة، وجزم بتعذّر معرفتها، ومعاني الكتاب والسّنة المستنبط منها جواز التّقليد، وكون الإجماع حجة مما يفتقر إلى ثبوت اللّغة والعربيّة، فإذا بطل معرفة تفسير القرآن، وبطلت طريق معرفة الأخبار، / بطل أيضاً ما هو فرع ذلك وهو جواز التّقليد، فيلزم الخصم أن يبطل التكليف تقليداً واجتهاداً على مقتضى [إشكاله] (2).
الوجه الثّاني عشر: أنّه لو صحّ ما توهّمه من--------------------------------------------
(1) في (أ): ((الإمكان))! والمثبت من (ي) و (س).
(2) في (أ): ((إمكانه))! وكتب فوقها: ((كلامه))! والتصويب من (ي) و (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
بطلان (1) معرفة الكتاب والسّنة، وتعذّر الطّريق إلى ذلك؛ لزم أنّ الله تعالى قد قبض العلم بقبض العلماء، وأنّه لم يبق عالماً، وأنّ النّاس قد اتّخذوا رءوساً جهّالاً، فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا، كما ورد ذلك في حديث ابن عمرو الثّابت في ((الصحيحين)) (2) وغيرهما، وإنّما يلزم ذلك من كلام هذا المعترض على طلبة علم الحديث؛ لأنّ من ليس بعالم بالكتاب والسنّة لا يستحق أن يسمّى في الشّرع عالماً، وإن عرف جميع العلوم ماعدا الكتاب والسّنة، وهذا ظاهر لا نعلم فيه نزاعاً فنطوّل بذكر الحجّة عليه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق حتّى يقاتل آخرهم الدّجال (3) ، وأجمع أهل العلم على ذلك وإن اختلفوا في معناه، فثبت أنّ ما جاء في حديث ابن عمرو لم يأت وقته إلى الآن، وإلا لزم مع وجود هذه الطائفة الظّاهرين على الحقّ: أنّ الله تعالى لم يبق عالماً، وأنّ أهل الفتوى قد ضلّوا في أنفسهم، وأضلّوا العامّة السّائلين لهم، وذلك يستلزم ضلال المسلمين كلّهم، وألا تبقى فيهم طائفة ظاهرة على الحقّ.
وفي هذا القدر كفاية في الجواب على تنفيره عن طلب الحديث والتّفسير، وتوعيره لطريق ذلك، والتّشكيك في دخوله في حيّز الإمكان، والتّشويش على من أراده من أهل الإيمان.--------------------------------------------
(1) في (س): ((إبطال)).
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
ويلحق بهذا تنبيهات (1) حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله، لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة، لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً، وجدلاً قامعاً، أو خطاباً خطابيّاً، أو تنبيهاً أدبياً.
التنبيه الأوّل: المراجعة في أنّ طلب الحديث متيسّر أو متعسّر من الأساليب المبتدعة والأمور المتعسّفة؛ لأنّ مقادير التّسهّل والتّعسّر غير منضبطة بحدّ، ولا واقفة على مقدار، ولا جارية على قياس، ولا يصحّ في [معرفة] (2) مقاديرها برهان العقل، ولا نصّ الشّرع ولا تعرف مقاديرها بكيل ولا وزن ولا مساحة ولا خرص، فإنّ من قال: إن طلب الحديث أو أنّ حفظ القرآن أو الفقه متيسّر عليه أو متعسّر، لم يُعقد له مجلس المناظرة كما يُعقد للمخالفين في العقائد، لأنّ الذي ادّعاه أمر ممكن وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وطلب العلم متسهّل على ذكي القلب، صادق الرّغبة، خليّ البال من الأشغال، واجد الكتب المفيدة، والشّيوخ المبرّزين، والكفاية فيما يحتاج إليه، ونحو ذلك، وطلب العلم متعسّر على من فقد هذه الأمور كلّها، وبينهما في التسهّل والتّعسّر درجات غير--------------------------------------------
(1) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((هذه التنبيهات الآتية نبذة يسيرة من إحدى وعشرين تنبيهاً، وسردها المؤلّف … رحمه الله في ((العواصم)) ، فيها فوائد ونفائس لا توجد في غيرها، وقدمها في ((العواصم)) لا كما هنا. تمت من خط القاضي العلاّمة محمد بن عبد الملك الآنسي رحمه الله)).
(2) من (ي) و (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
منحصرة ومراتب غير منضبطة، وبين النّاس من التّفاوت ما لا يمكن ضبطه ولا يتهيّأ، وأين الثّريّا من الثّرى؟
وجامد الطّبع بليد الذّهن، إذا سمع [من] (1) يدّعي سهولة ارتجال القصائد والخطب، وتحبير الرّسائل والكتب؛ توهّم أنّه بمنزلة من يدّعي إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، وكذلك الجبان الفشل إذا سمع [من] يدّعي سهولة مقارعة الأقران ومنازلة الشّجعان.
وكم عاصر أئمة العلم والنّحاة والنّظّار وحفّاظ الحديث من طالب للعلم مجتهد في تحصيله؛ فلم يبلغ مبلغهم ولا قارب شأوهم، وإنّما تميّز عن الأقران أفراد من الخلق، وخواصّ منحهم الله الفهم والفطنة وآتاهم الفقه والحكمة، وقد وقع التّفاضل بين الصّحابة رضي الله عنهم: فكان علي رضي الله عنه أقضاهم، ومعاذ أفقههم، وأبيّ أقرأهم، وأبو هريرة أحفظهم، والخلفاء أفضلهم، وزيد أفرضهم (2) ، بل قد فاضل الله تعالى بين الأنبياء عليهم السلام قال الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُم عَلَى بَعْضٍ} [البقرة:253] وقال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:79] ، فهذا تفضيل في الفهم بين داود وسليمان عليهما السلام مع الاشتراك في النّبوّة، والتّقارب ما بين الأبوّة والبنوّة، وكذلك قد فاضل الله بينهم فيما هو دون هذه المرتبة، وذلك في البيان والفصاحة--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((ممن)) ، والمثبت من (س).
(2) انظر رسالة مستقلة في تخريج حديث: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر … )) لمشهور حسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
وضوح العبارة، مثل ما نصّ الله عليه من إيتاء داود فصل الخطاب (1) ، ومثل قوله تعالى في الحكاية لقول موسى في أخيه عليهما السلام: {هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} [القصص:34].
وعموم (2) التّفاوت الذي يدور عليه، وميزانه الذي يعتبر به في أغلب الأحوال هو: التّفاوت في صحّة الفهم، وصفاء الذّهن، واعتدال المزاج، وسلامة الذّوق، ورجحان العقل، واستعمال الإنصاف، فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف، ومباني الفضائل، ولأجلها يكون الرّجل غنيّاً من غير مال، وعزيزاً من غير عشيرة، ومهيباً من غير سلطان، إلى غير ذلك من الصّفات الحميدة والنُّعون الجميلة، ومن ههنا حصل التّفاوت الزائد، حتّى عدّ ألف بواحد، ومما أنشدو في ذلك:
ولم أر أمثال الرِّجال تفاوتاً … لدى المجدِ حتّى عدّ ألف بواحد
وقال ابن دريد (3) في المعنى:
والنّاس ألفٌ مِنهم كواحدِ … وواحد كالألفِ إن أَمرٌ عنى
وأنشدوا في المعنى:
يا بني البُعد في الطّباع … [لا] (4) مع القُربِ في الصّور--------------------------------------------
(1) كما في قوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ} [ص:20].
(2) كذا في الأصول، وفي (س): ((وعمود)).
(3) وهو: محمد بن الحسن بن دريد أبو بكر. ت (321هـ). ترجمته في ((إنباه الرواة)): (3/ 92 - 100) ، و ((بغية الوعاة)): (1/ 76 - 81).
والبيت في ((ديوانه)): (ص/132) ، ضمن ((المقصورة)).
(4) من (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وفي الأخبار: ((النّاس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة)) (1).
وفي الأمثال العربيّة: ((المرء بأصغريه)) (2).
بل في الحديث الصّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) (3).
وليس كلّ من حفظ الحديث كان كالبخاري، ولا كلّ من تفقّه في الدّين كان مثل الشّافعي، ولا كلّ من قرأ النّحو والمعاني صنّف مثل ((الكشّاف)) ، ولا كلّ من درس الأصول والجدل ركب بحر الدّقائق الرّجّاف/.
وما كلّ دارٍ أقفرت دار عَزَّةٍ (4) … ولا كلّ بيضاء التّرائب زينب--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (الفتح): (11/ 341) ، ومسلم برقم (2547) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ مقارب.
وذُكر على أنه مثل كما في ((مجمع الأمثال)): (3/ 384).
(2) انظر: ((مجمع الأمثال)) (3/ 301).
(3) الحديث أخرجه أحمد: (5/ 183) ، وأبو داود: (4/ 68) ، والترمذي: (5/ 33) ، وابن حبّان ((الإحسان)): (1/ 270) ، وغيرهم، من طرق عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان -وهو ابن عثمان بن عفان- عن أبيه، عن زيد بن ثابت به.
وهذ سند صحيح.
وقد جاء الحديث من رواية جماعة من الصّحابة، منهم: جبير بن مطعم، وابن مسعود، ومعاذ، وأنس رضي الله عنهم بألفاظ متقاربة.
(4) في (س): ((دار البلى)) ، وكانت هكذا في (أ) و (ي) ثم ضرب عليها، وكتب ما هو مثبت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
فإذا نظرت إلى (1) المواهب الرّبانية لا تنتهي إلى حدّ، والعطايا اللّدنيّة لا تقف على مقدار، لم يحسن من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسير ما الله قادر على تيسيره، فَيُقنّط بكلامه طامعاً، ويتحجّر من فضل الله واسعاً، بل يخلّي بين النّاس وبين هممهم وطمعهم في فضل الله عليهم، حتّى يصل كلّ أحد إلى ما قسمه الله تعالى له من الحظّ في الفهم والعلم وسائر أعمال الخير، وهذا مما لا يفتقر إلى حجاج، لولا أهل المراء واللّجاج (2).
التّنبيه الثاني: التّعرض لذكر المشاقّ التي في طلب العلم والحجّ والجهاد وسائر أعمال البرّ على سبيل التّوعير لمسالكها، والإحالة لبلوغ مراتبها عكس ما جاءت به الشّرائع، ودعت إليه الأنبياء عليهم السلام وكان عليه الأئمة والعلماء والوعّاظ، وإنّما السّنّة تيسير الأمور على من عسرت عليه، وتذكير القلوب الغافلة، وتنشيط النّفوس--------------------------------------------
(1) في هامش (أ) و (ي): ((فإذا تقرر أنّ)) في نسخة بدلاً من المثبت.
(2) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((من التنبيهات التي في ((العواصم)) ما لفظه:
التنبيه العشرون: أنّه أيّده الله إما أن يكون يعتقد في نفسه أنه مجتهد أو لا، إن كان يعتقد ذلك في نفسه؛ فقد زال تعذّر الاجتهاد وبقي تعسّره ولكن يسّره له، أو صبّره على طلبه حتى ناله، يهب لغيره مثل ما وهب له، وما كان عطاء ربك محظوراً!!.
وإن لم يكن مجتهداً فهو لا يعرف الاجتهاد، فلا يصح منه الحكم عليه بتعذر ولا بتعسّر، ولا سهولة ولا تيسّر ولا نفي ولا إثبات.
وفي هذا مباحث طويلة قد جمعتها في رسالة مفردة وبعضها أو كلها لا يخفى على الذّكي مع التّأمّل. انتهى من ((العواصم)): (1/ 278 - 279).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
الفاترة (1) ، ولهذا شرعت الخطب، وصنّف الوعّاظ أحاديث الرّقائق، لتسهيل ما يصعب على النّفوس وتقريب ما تباعد على أهل القصور.
وقد تكاثرت الأحاديث النّبويّة في الحثّ على ذلك، وكان … عليه السلام إذا بعث سريّة يقول لهم: ((يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا)) (2). فالمعترض على أهل الحديث، المعسّر لمعرفته، الموعّر لطريقه، مرتق لمرتبة الفتيا، منتصب في منصب التّعليم متمكّن في مكان الدعاء إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، فما [باله] (3) يعكس السّنن، ويستن من البدعة في كل سنن!؟ نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا، ويعلّمنا ما ينفعنا، ويوفقنا للاقتداء بسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
التنبيه الثالث: فرع من فروع الشّجرة النّبويّة على صاحبها السّلام، ونشء من أهل بيته الكرام، تشوّف إلى مرتبة العلم، وتشوّق إلى التشبّه بأهل الفضل، ورغب في اتّباع سنّة جدّه صلى الله عليه وسلم ، فلما شِمتُم (4) بارقة جهده صيّبة، و [شَمِمتُم] (5) رائحة سعيه طيّبة، وتوسّمتم فيه للفائدة سمات، وتوهّمتم أنّه قارب وهيهات، تواترت عليه الرّسائل، وتواردت عليه الدّلائل، تفتّره عن عمله، وتقنّطه من أمله.--------------------------------------------
(1) في (س): ((الفاخرة))!.
(2) أخرجه البخاري (الفتح) (1/ 196) ، ومسلم برقم (1734) من حيث أنس.
(3) في (أ): ((فماله)).
(4) أي: رأيتم.
(5) في الأصل: ((وشمم)) ، والتصويب من (ي) و (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)