النّار)) ، رواه عنه البخاري ومسلم والتّرمذي (1) ، وهو حديث متواتر مستغن عن ذكر الشّواهد.
الخامس عشر: حديث: ((من نيح عليه فهو يعذّب بما نيح عليه)) ، وهو طرف من الحديث قبله، وله شواهد كثيرة: فرواه البخاري ومسلم والتّرمذي والنّسائي عن عمر بن الخطّاب (2) ، ورواه النّسائي عن عمران ابن حصين (3) ، ورواه التّرمذي عن أبي موسى (4) ، /وله شواهد غير هذه، وقد ذكرنا وجهه فيما تقدّم.
السّادس عشر: حديث: ((فرض الجدّة السّدس)) ، وقد رواه محمد بن مسلمة رواه عنه البخاري (5) وأبو داود والتّرمذي (6) ، ورواه التّرمذي (7) عن ابن مسعود (8) ، وأبو داود عن بُريدة (9) ، وهو إجماع.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ((الفتح)): (3/ 191) ، ومسلم برقم (933) ، والترمذي: (3/ 325).
(2) أخرجه البخاري ((الفتح)): (3/ 191) ، ومسلم برقم (927) ، والترمذي: (3/ 326) ، والنسائي: (4/ 16).
(3) ((السنن)): (4/ 17).
(4) ((الجامع)): (3/ 326).
(5) كذا في (الأصول)! وهو وهم، وانظر: ((تحفة الأشراف)): (8/ 488).
(6) أخرجه أبو داود: (3/ 316) ، والترمذي: (4/ 366) ، وأخرجه أيضاً النسائي في ((الكبرى)): (4/ 73) وابن ماجه: (2/ 910).
(7) ((ورواه الترمذي)) سقطت من (س).
(8) ((الجامع)): (4/ 367).
(9) ((السنن)): (3/ 317).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 564)
السّابع عشر: [للبخاري ومسلم] (1) حديث: ((ما سأل أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدّجّال أكثر ممّا سألته، يقولون: إنّ معه جنّة وناراً، فقال: هو أهون على الله من ذلك (2))) ، وله شواهد، ومن العجب أنّ من النّاس من يتوهّمها معارضات له، وذلك [أنّ] جميع ما ورد في ((الصحيحين)) وغيرهما من دواوين الإسلام عن غير واحد من الصّحابة رضي الله عنهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ ناره جنّة وماءه (3) نار)) وهذا يعضد حديث المغيرة فإنّها متّفقة على نفي أن يكون مع الدّجال جنّة ونار على الحقيقة، وإنّما أوردت هذا الحديث وإن لم يكن تحته شيء من الأحكام، للتنبيه على هذه النّكتة اللطيفة، ففيها جمع بين الأحاديث (4) ، والله أعلم.
الثّامن عشر: [لمسلم والبخاري] (5) حديث: ((لا يزال أناس من أمّتي ظاهرين على الحقّ حتّى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون (6))) وقد وقد مرت شواهده في أحاديث معاوية (7).
التّاسع عشر: حديث: ((إنّ المرأة يعقل عنها عصبتها ويرثها بنوها))--------------------------------------------
(1) زيادة من (س).
(2) أخرجه البخاري ((الفتح)): (13/ 96) ، ومسلم برقم (2939).
(3) في (س): ((وجنّته)) ، وهو الأولى، فلو اختار المؤلف لفظ: ((إنّ ناره جنّة، وجنّته نار)) أو ((إنّ ناره ماء، وماءه نار)) لكان أولى. فقد جاء الحديث باللفظين معاً. انظر ((الفتح)): (13/ 97) ، ومسلم برقم (2934).
(4) وانظر ((الفتح)): (13/ 99 - 100).
(5) زيادة من (س).
(6) أخرجه البخاري ((الفتح)): (13/ 306) ، ومسلم برقم (1921).
(7) (ص/524 - 525).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 565)
رواه عنه أبو داود (1) ، وله شواهد منها: عن أبي هريرة رواه الجماعة إلا ابن ماجه (2) ، وهو مثل حديث المغيرة، وذكر الدّية فيه فقط فيما تقدّم من حديث أبي هريرة، وفي ((الموطّأ)) (3) والنّسائي (4) عن ابن المسيّب مرسل. وفي ((سنن أبي داود)) والنّسائي عن ابن عبّاس (5).
الموفّي عشرين: حديث: ((ترك الوضوء مما مسّت النّار)) رواه عنه مسلم وأبو داود والنّسائي (6) ، وله شواهد: فرواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عبّاس (7) ، وعمرو بن أميّة (8) ، وميمونة (9). ورواه مسلم عن أبي رافع (10) ، ومالك في ((الموطّأ)) (11) ، وأبو داود والتّرمذي عن جابر (12).--------------------------------------------
(1) ((المراسيل)): (ص/159).
(2) أخرجه البخاري ((الفتح)): (12/ 263) ، ومسلم برقم (1681) ، وأبو داود: (4/ 703) ، والترمذي: (4/ 371) ، والنسائي: (8/ 47).
(3) (2/ 854).
(4) ((السنن)): (8/ 49).
(5) أخرجه أبو داود: (4/ 698) ، والنسائي في ((الكبرى)): (4/ 218 - 219).
(6) أخرجه أبو داود: (1/ 132) ، والنسائي في ((الكبرى)): (4/ 153).
وقول المصنف: أخرجه مسلم وهم، انظر ((تحفة الأشراف)): (8/ 492).
(7) أخرجه البخاري ((الفتح)): (1/ 371) ، ومسلم برقم (354).
(8) أخرجه البخاري ((الفتح)): (1/ 372) ، ومسلم برقم (355).
(9) أخرجه البخاري ((الفتح)): (1/ 373) ، ومسلم برقم (356).
(10) برقم (357).
(11) (1/ 27).
(12) أخرجه أبو داود: (1/ 133) ، والترمذي: (1/ 116).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 566)
الحادي والعشرون: [للبخاري ومسلم] (1) حديث سعد بن عبادة وفيه: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ إنّه لغيور)) وفيه: ((ما أحد أغير من الله (2))) ، ولهذا المعنى المتعلّق بأحاديث الصفّات شاهد في ((الصّحيحين)) عن عائشة (3).
الثّاني والعشرون: حديث: نهي آكل الثّوم من دخول المسجد (4) ، وقد مرّت شواهده في أحاديث معاوية (5).
الثّالث والعشرون: حديث: مشي الرّاكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها (6) ، وفيها وجهان:
أحدهما: أنّه مما لا يتعلّق به تحليل محرّم ولا تحريم محلّل، وإنّما هو في آداب المشيّع للجنازة.
وثانيهما: أنّه مما لم يصححه إلا بعضهم كالحاكم وابن السّكن، وقد ضعّفه غير واحد من أهل النّقد، ولم يصححوه عن المغيرة.
فقال الإمام المجتهد أبو الوليد المالكي في كتابه ((نهاية--------------------------------------------
(1) زيادة من (س).
(2) أخرجه البخاري ((الفتح)): (12/ 181) ، ومسلم برقم (1498).
(3) مثل حديث الرجل الذي كان يختم صلاته بـ ((قل هو الله أحد)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك))؟ فسألوه فقال: لأنّها صفة الرحمن … )) الحديث، أخرجه البخاري في ((الفتح)): (13/ 360) ، ومسلم برقم (813).
(4) أخرجه أبو داود: (4/ 172).
(5) (ص/534).
(6) وهو قطعة من الحديث الثاني من أحاديث المغير رضي الله عنه تقدّم تخريجه (ص/558).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 567)
المجتهد)) (1). وقد ذكر هذا الحديث وغيره من أحاديث المشي خلف الجنازة ما لفظه: ((وهي أحاديث يصحّحونها -يعني أهل الكوفة- ويضعّفها غيرهم)).
وقد أشار إلى تضعيفه الإمام أبو عمر بن عبد البرّ (2) ، والقاضي ابن العربي (3) المالكيّان فإنّهما أشارا إلى ضعف أحاديث الباب كلّه إلا حديث ابن عمر مع أنّه مرسل من مراسيل الزّهري على الصّحيح عند أكثر الحفّاظ، فإذا كان أصحها مع تعليله بالإرسال فما ظنّك بغيره؟
ولهذا ترك الشّيخان تخريج شيء من هذه الأحاديث في كتابيهما، مع خلوّ كتابيهما عمّا يقوم مقامهما، وذلك نادر فيهما، ومع عدم الصّحّة عن المغيرة لا يلزم ذكر الشّواهد في رعاية ما قصدته من مراعاة ما يتفق الشّيعة وأهل السّنة عليه، من وجوب العمل بأحاديث ((الصحيحين)) وما حكم الأئمة بصحّته من أحاديث دواوين الإسلام السّتّة.
ومن العجب أنّ الحاكم هو المصحّح لحديث المغيرة هذا على تشيّعه (4) ، وكلامنا إنّما هو في دفع اعتراض بعض الشّيعة، فهذا شاهد على المعترض من أصحابه ودليل على أنّ أهل السّنة لم /يختصّوا بذلك.
الرّابع العشرون: حديث: ((كان إذا ذهب المذهب أبعد)). رواه--------------------------------------------
(1) (1/ 274) ، واسم الكتاب: ((بداية المجتهد ونهاية المقتصد)).
(2) انظر ((التمهيد)): (12/ 83 - 100).
(3) ((القبس)): (2/ 443). في شرح الموطأ لابن العربي.
(4) انظر: ((المستدرك)): (1/ 363) ، قال: ((هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري .... )) اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 568)
عنه أهل ((السّنن)) (1) إلا ابن ماجه، وقد رواه النّسائي عن عبد الرّحمن بن أبي قراد (2) ، والعجب أنّ هذا الحديث وحديثاً نحوه من رواية المغيرة أيضاً هما أوّل ما في كتاب ((شفاء الأوام)) (3) من كتب الزّيدية أوردهما مصنّفه ناسباً لهما إلى المغيرة، واحتجّ بهما من غير ذكر غيرهما، وهم ينكرون على المحدّثين مثل ذلك!!
وهذا آخر ما عرفت من أحاديث المغيرة مما يتعلّق بالتّحليل والتّحريم، ولم يبق من حديثه إلا القليل مما يتعلّق بذلك. على أنّ فيها ما يمكن القدح في صحّته عنه: فالذي في ((صحيحي البخاري وملسم)) منها اثنا عشر حديثاً اتّفقا على تسعة وانفرد البخاريّ بحديث (4) ومسلم بحديثين.
وقد عرفت بهذه الجملة بطلان ما توهّمه المعترض من دعوى بطلان أحاديثهم، وسقط قوله على كلّ مذهب، وصحّت أحاديثهم [هذه] (5) على وجه لا شبهة فيه على قواعد الخصوم، والله سبحانه أعلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود: (1/ 14) ، والترمذي: (1/ 31) ، والنسائي: (1/ 18) ، وابن ماجه: (1/ 120). … =
= قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)) اهـ. فقول المصنف: إلا ابن ماجه، وهم والله أعلم، وانظر: ((تحفة الأشراف)): (8/ 499).
(2) ((السنن)): (1/ 17 - 18).
ووقع في (س): ((قرادة)) وهو خطأ.
(3) تقدّم التعريف به.
(4) في (س): ((بتسعة))! وهو تحريف غريب.
(5) زيادة من (ي) و (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 569)
قال المعترض: ويقال: ما تقول إذا وردت شبهات الملحدين ومشكلات المشبّهة والمجبّرة المتمرّدين، وقد ساعدك النّاس إلى إهمال النّظر في علم الكلام؟ وهل هذا إلا مكيدة للّدين؟ إلى آخر ما ذكره.
أقول: لا يخلو الكفرة إمّا أن يطالبوا (1) منّا أدلّتنا حتّى يسلموا أو يوردوا علينا شبههم حتّى نترك الإسلام، فهاتان مسألتان.
أمّا المسألة الأولى: وهي إذا سألونا أدلّتنا حتّى يسلموا، فالجواب من وجوه:
الوجه الأوّل: أن نقول لأهل الكلام: ما تقولون للكفرة إذا قالوا: إنّ أدلّتكم [المحرّرة] (2) في علم الكلام شبهه ضعيفة وخيالات باردة، كما قد قالوا ذلك وأمثاله، فما أجبتم به عليهم بعد الاستدلال (3) والنّزاع والخصومة؛ فهو جوابنا عليهم قبل ذلك كلّه.
فإن قالوا: إنّه يحسن منا بعد (4) إقامة البراهين العقليّة (5) أن نحكم عليهم بالعناد ونرجع إلى الإعراض عنهم وإلى الجهاد، وأمّا أنتم فإنّه يقبح منكم ذلك قبل إقامة البراهين.
قلنا لهم: إنّ الحجة لله تعالى عليهم قد تمت -قبل أن تذكروا--------------------------------------------
(1) في (س): ((يطلبوا)) ، وهو كذلك في نسخة كما في هامش (أ) و (ي).
(2) زيادة من (ي) ، ووقع في (س): ((المحبّرة)).
(3) في (أ) و (ي): ((بعد الاستدلال والقول .... )) ثم وضع الناسخ على كلمة ((القول)) علامة الحذف.
(4) سقطت من (س).
(5) في (س): ((قبل)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 570)
لهم تلك البراهين- بما خلق الله تعالى لهم من العقول، وأرسل إليهم من الرّسل، فكما أنّهم لو ماتوا على كفرهم قبل مناظرتكم لهم حسن من الله تعالى أن يعذّبهم بالنّار، فكذلك يحسن منّا أن نقول لهم قد أقام الله الحجّة عليكم وعرّفكم صحة ما أمركم بالإقرار به من الإسلام، وإنّما كلّفنا … (1أن ندعوكم إلى الإقرار مما قد عرّفكم به وكلّفنا (1) بجهادكم إن لم تجيبوا إلى ذلك، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولنا فيه أسوة حسنة في فعله وقوله؛ أمّا فعله فظاهر فإنّه معلوم من الدّين ضرورة أنّه كان يقاتل الكفّار قبل المناظرة بالأدلّة، وإنّما اختلف في قتالهم قبل الدّعوة وصحّ أنّه صلى الله عليه وسلم قاتلهم قبل الدّعوة، في آخر الأمر.
وأمّا قوله: فإنّه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) (2) الحديث، ولم يقل فيه: أمرت أن أجادل النّاس حتّى يقولوا ذلك، وكذلك قال الله تعالى: ((إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد)) [الرعد/7] وقالت الرسل الكرام عليهم السلام: ((وما علينا إلا البلاغ المبين)) [يس/17].
وتحقيق هذا الجواب: أنّ أهل الكلام إمّا أن يحكموا على الكفّار قبل المناظرة وفي خلالها بأنّهم معذورون لا إثم عليهم في الكفر، أو لا، فإن قالوا بالأوّل، خالفوا المعلوم من ضرورة الدّين وإجماع المسلمين، وإن قالوا بالثّاني قلنا/ لهم: فالحكم الذي حكمتهم عليهم به بعد المناظرة قد كان حاصلاً قبلها، فإن كان قصدكم--------------------------------------------
(1) ما بينهما ساقط من (س).
(2) تقدّم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 571)
بالمناظرة العلم بعنادهم فهو معلوم قبلها، إذ لو لم يكونوا معاندين كانوا معذورين غير معذّبين عند الله ولا ملومين، لأنّ التّكليف بما لا يعلم ولا يمكن غير جائز ولا واقع، على ما هو مقرّر في مواضعه، وإن كان قصدكم بالمناظرة تمكينهم من معرفة الله فقد مكّنهم الله تعالى من ذلك وهو غير متّهم في إقامة الحجّة وقطع العذر.
وفي ((صحيح البخاري)) (1) مرفوعاً: ((ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرّسل)).
الوجه الثّاني: أنّ الكفّار متى سألونا الدّليل على ثبوت الإسلام، قلنا لهم: انظروا في ملكوت السّماوات والأرض ومعجزات الأنبياء ونحو ذلك من أدلّة الإسلام على الإنصاف وطلب معرفة الحق، فإنّ نظرنا لأنفسنا لا يولّد العلم لكم (2) ، وذكرنا للأدلّة التي نظرنا في صحّتها لا ينفعكم أيضاً، فإنّ ذكرها لكم من غير أن تنظروا في صحّتها لا يولّد العلم لكم، وعلى الجملة؛ فإيجاد العلم بصحة الإسلام في قلوب الكفّار غير مقدور للمسلمين لا بأدلة الكلام، ولا بأدلّة السّلف. لأنّ وجود العلم متوقف إمّا على نظر الكفّار على الوجه الصّحيح أو على خلق الله تعالى له، وكلاهما غير مقدور لنا، فلم يبق إلا أنا نأمرهم بأن ينظروا فيما نظرنا فيه على مقتضى ما خلق الله في عقولهم السّليمة، ومقتضى ما علّمهم الله على ألسنة أنبيائه الكرام عليهم الصّلاة والسّلام، فبمجموع العقل وبعثة الرّسل تمّت الحجّة عليهم بإجماع--------------------------------------------
(1) ((الفتح)): (13/ 411) ، ومسلم برقم (1499) من حديث المغيرة بن شعبة … رضي الله عنه
(2) سقطت من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 572)
المسلمين بل إجماع العقلاء المنصفين، قال الله تعالى: ((لئلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل)) [النساء/165] وأمثال ذلك، وإذا كانت حجّة الله علينا وعليهم إنّما هي العقل، وبعثة الرّسل، ونحن فيهما على سواء في القدر الذي تقوم به الحجّة، ويحصل معه التّمكّن من الإسلام، لم يجب علينا أن نعرّفهم بأمر قد شاركونا في التّمكّن من معرفته بغير علم منّا.
ألم تر أنّه لم يجب على المفتي أن يفتي العامّيّ في حضرة الرّسول، فكذلك لا يجب علينا أن نعرّف الكفّار بمقتضى العقول مع وجود العقول، فإن قال الكافر: إنّي قد نظرت في جميع ما ذكرتم بجهدي فلم أجد شيئاً ممّا ذكرتم يدلّ على الإسلام، فإنا نقطع على أنّه كاذب معاند، مثلما أنّ المتكلّمين يقطعون على ذلك بعد المناظرة، فإنّما علمنا أنّهم معاندون في ذلك -مع أنّه غيب لا سبيل لنا إلى معرفته- لأنّ الله تعالى أخبرنا بذلك حيث يقول: ((قل فلله الحجّة البالغة)) [الأنعام/149] وغير هذه الآية الكريمة. وبمعنى هذا الجواب جاء القرآن صريحاً، قال الله تعالى: ((إنّ الدّين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب، فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمّيين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)) [آل عمران/19 - 20] فما تركت هذه الآية شيئاً مما ذكرناه والحمد لله.
فإن قلت: قد يكون في النّاس من هو بليد لا يستطيع أن ينظر وحده، ولا يعرف الأدلّة إلا بالتّعليم فيجب تعليمه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 573)
والجواب/ من وجوه:
الأوّل: لا سبيل على قواعدكم إلى العلم القاطع بوجود من هو كذلك. سلّمنا، فإنّ الله تعالى حين يعلم منه النّظر وطلب الحقّ يلهمه ويمكّنه لا محالة. وسلمنا أنّ الله تعالى لم يمكّنه من ذلك لبلادته، فمن أين أنّه مكلّف بالعلم؟ وما المانع من أنّه غير مكلّف عند من لا يجيز التّقليد في هذه المعارف، ويكون لاحقاً بالصّبيان المميّزين العارفين بالعلوم الضّرورية؟ أو يكون مكلّفاً بالتقليد أو ما يقوم مقامه من الظّنّ عند من يجيز ذلك، كأبي القاسم الكعبي من المعتزلة، والمؤيّد من الزّيدية، وغير واحد من أهل السّنة.
الوجه الثّاني: أن نقول: قد يكون في النّاس من لا يفهم الأدلّة المحقّقة بالتعليم -أيضاً- لشدّة بلادته، فما أجبتم به (1) فهو جوابنا. فإن قلتم: الأدلّة تمنع وجود مثل هذا، فإن وجد فغير مكلّف، قلنا: ونحن نقول بمثل هذا فيمن لا يتمكّن من معرفة الإسلام بمجرّد خلق العقل وبعثة الرّسل.
الوجه الثّالث: أنّ الذي يعرفه أهل الجهل من المسلمين يكفي أهل البلادة من الكفّار، فإنّه لا يطالب بالأدلّة الدّقيقة -التي لا يعرفها إلا علماء الكلام- إلا أهل الذّكاء من الكفّار، وأهل الذّكاء منهم قد تمّت عليهم الحجّة ومكّنهم الله من المعرفة، ولا يجب علينا تعريفهم بما هم ممكّنون من معرفته من غير تعريفنا كما تقدّم.--------------------------------------------
(1) في (ي): ((فيه)) وفي هامش (أ) إشارة إلى أن ذلك في نسخة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 574)
الوجه الثالث: من (الأصل) (1) أنّ (2) كلّ مسلم يبذل جهده في دعاء الكفّار إلى الله تعالى بالدّليل والموعظة، على قدر قوّة عقله وبلاغة منطقه، من متكلّم أو محدّث أو عامّيّ، ولا يجب تعلّم الكلام لذلك، فليس كلّ من قرأ الكلام تمكّن من تمييل القلوب المصرّة على الكفر إلى الإسلام، وإنّما يتمكّن من ذلك من أهل الكلام من آتاه الله تعالى صفاء الذّهن، وحسن الفهم، والبراعة في تعليم غوامض العلم، وأهل هذه الصّفة العزيزة قليل من المتكلّمين وغير محتاجين إلى تعلم الكلام، بل في فطرهم ما يكفيهم، كما كان الذين ابتكروا علم الكلام وسبقوا إليه.
الوجه الرابع: سلّمنا أنّه من عرف علم الكلام تمكّن من محاجّة الكفّار وإفحامهم دون غيره، ولكن ذلك لا يجب ولا يستحب، أمّا أنّه لا يجب فلعدم ما يدلّ على وجوبه، وأمّا أنّه لا يستحب فلما يخاف من المضرّة الحاصلة بمعرفته كما تقدّم تحقيق ذلك في (الوهم الثّاني عشر) (3).
فإن قيل: قد ورد في السّمع ما يدلّ على وجوب البيان على العلماء؛ فالجواب من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ المراد بذلك بيان ما لم يبيّنه الله تعالى للعامّة إلا بواسطة علماء الشّريعة، من أحكام الفروع وأركان الشّريعة، وأمّا العلوم العقلية التي ساوى الله تعالى بين الجميع فيها فلا يجب--------------------------------------------
(1) أي: من تحقيق الجواب عن المعترض انظر (ص/570، 572).
(2) سقطت من (س).
(3) (ص/326).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 575)
تعليمها لأنّ ما لم يتعلّق بالإسلام من ذلك لم (1) يجب إجماعاً، وما يتعلّق بالإسلام منه فقد بينه الله تعالى، وما بينه الله لم تجب إعادة البيان، ألا ترى أنّ ما بيّنه بعض العلماء لم تجب إعادة بيانه، مع أنّه ربما ظنّ أنّه قد بيّن للخصم ولم يتبيّن للخصم صحّة ما ذكره، فأولى وأحرى أن لا تجب إعادة بيان ما بينه الله تعالى، لأنّه يعلم البواطن ويعلم أنّه قد أقام الحجّة، وقد أعلمنا بذلك فعلمنا بخبره لنا قيام الحجّة على الكفّار، وكان ذلك أتمّ من مناظرتنا لهم، غاية ما في الأمر أنّ هذا تخصيص للعمومات الموجبة لتعلّم (2) الجاهل، فهو تخصيص صحيح لأنّه تخصيص بالعقل، وتخصيص العموم جائز عند جماهير (3) العلماء بالقياس الظّنّي، كيف بالدّليل العقلي!.
الوجه الثّاني: أنّا نخصّص تلك العمومات بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنّه عليه السلام لم يشتغل ببيان كيفية النّظر وتعليم العقلاء ذلك، بل دعا النّاس إلى الإسلام، وقاتلهم عليه وبلّغ ما أوحي إليه، والعلماء ليسوا أبلغ من الأنبياء، وقال تعالى في حقّ الأنبياء: ((وما علينا/إلا البلاغ المبين)) [يس/17] كذلك العلماء فإنّما هم ورثة الأنبياء، وأهل السّنة قد قاموا بحقّ الوراثة للعلم النّبوي، وقد علمنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بالمناظرة قبل قتال الكفّار، وإنّما أمرنا بالدّعاء قبل القتال حتّى اشتهرت الدّعوة النبوية وقاتل عليه السلام قبل الدّعوة.
ومن المعلوم أنّ الكفّار لو اعتذروا بالشّبه وجاءوا بفيلسوف--------------------------------------------
(1) في (س): ((لا)).
(2) في (س): ((لتعليم)).
(3) سقطت من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 576)
يجادل عنهم، وطلبوا من النّبي صلى الله عليه وسلم ترك الجهاد حتّى يتعلّموا أدلّة علم الكلام، ويجيب النّبي صلى الله عليه وسلم على (1) جميع شُبه الفلاسفة القادحة في العلم حتّى يؤمنوا على يقين، ما عذرهم النّبي صلى الله عليه وسلم في الكفر يوماً واحداً، وكيف يمهلهم ويترك جهادهم حتّى يتعلّموا ذلك! وتعلّم ذلك على الوجه المرضيّ لم يحصل لأهل الّدربة في النّظر إلا في مدّة طويلة، وإذا جازت المهلة في مدّة النّظر حتّى يحصل للنّاظر العلم بما ذكره المعتزلة، وجب الرّجوع في معرفة مدّة المهلة إلى النّاظر، لأنّ النّاس يختلفون في سُرعة حصول العلم بالنّظر على حسب فطنهم، ومعرفة ذلك بالوحي بعد انقطاعه غير ممكنة، فلزم الخصم أمهال من اعتذر بذلك حتّى يقرّ بحصول العلم له وأنّه معاند، أو الرّجوع إلى ما بدأ به أهل الحديث من الدّعاء والجهاد والاكتفاء ببيان الله تعالى.
الوجه الخامس: أنّها وردت نصوص تقتضي العلم أو الظّنّ أنّ الخوض في الكلام على وجه التحكيم للأدلّة العقلية في المحارات الخفيّة، وتقديمها على النّصوص السّمعية مضرّة عظيمة، ودفع المضرّة المظنونة واجب عقلاً بإجماع الخصوم ودليل المعقول.
فإن قالوا: وفي ترك علم الكلام خوف مضرّة أيضاً.
فالجواب: أنّ تسمية المرجوح خوفاً غيرُ مسلّم، وإلاّ لسُمّينا خائفين لسقوط الأبنية القائمة الصّحيحة علينا.
وسلّمنا أنه يسمّى خوفاً. لكن دفع المضرّة الموهومة أو المجوّزة لا يجب، لا سيما إذا لم يندفع إلا بارتكاب ما فيه مضرّة--------------------------------------------
(1) في (س): ((عن)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 577)
مظنونة فإنّ ذلك قبيح بالضّرورة مع تساوي المضرّتين أو احتمال تساويهما.
الوجه السّادس: من قبيل المعارضة لبعض المتكلّمين، وذلك أنّ في المتكلّمين من المعتزلة طائفتين عظيمتين لا توجبان النّظر:
أحدهما: من يُجيز التقليد في أصول الدّين مثل شيخ البغدادية أبي القاسم الكعبى وأتباعه، وإمام الزّيدية المؤيّد بالله وأتباعه.
ثانيهما: من يقول: بأنّ المعارف ضرورية من المعتزلة وعلماء الزّيدية، والمعتزلة مطبقون على تعظيم هاتين الطّائفتين منهم، وإن قطعوا ببطلان ماقالاه فنقول لهم: جواب المحدّثين على أهل الفلسفة والكفر مثل جواب هاتين الطّائفتين وقد قال بهما جلّة من شيوخهم (1) النظّار المتحذلقين (2) الكبار، فلا تسرفوا في التشنيع على أهل الأثر، فقد شاركهم في ذلك جماعة من أهل (3) النّظر.
ويتعلّق بهذا بحثٌ وجوابه تركتهما اختصاراً.
وأمّا المسألة الثّانية: وهي قولهم: ما يصنع المحدّثون/ عند ورود الشّبه الدّقيقة من الفلاسفة وغيرهم، وذكرهم لحكاية ملك الرّوم، وإرساله إلى الرّشيد يطلب المناظرة، وإنّ الرشيد أمر بمحدّث فسألوه عن الدّليل على ثبوت الصّانع فاحتجّ عليهم بقول النّبي صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس دعائم)) (4) الحديث فكتبوا إلى الرّشيد في--------------------------------------------
(1) في (س): ((قال بها جملة شيوخهم))
(2) في (س): ((المتحزلقين))!.
(3) في (س): ((من أئمة علم)).
(4) أخرجه البخاري ((الفتح)): (1/ 64)، ومسلم برقم (16) وجاء التصريح بقوله: ((دعائم)) في رواية عبد الرزاق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 578)
ذلك وطلبوا غيره، فأرسل بمتكلّم فدسوا عليه من فهّمه (1) في طريقه فوجدوه كما يحذرون، فسمّوه قبل الوصول إليهم.
والجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأوّل: معارضة وهي أن نقول: أخبرنا ما كان يصنع الصّحابة والتابعون ومن أجاز التقليد في الأصول من المتكلّمين وأهل المعارف الضّرورية منهم، وأوّل من ابتكر علم الكلام، فإنّه لا يمكن من لا يعرف الكلام أن يصنع مثلهم (2)؟ فإن قالوا: إنّه كان في الصّحابة وكّل من ذكرتم من يتمكّن من ذلك من غير تعليم ولا رياضة في الكلام لفرط ذكائه، قلنا: ما المانع أن يكون في كّل عصر من هو كذلك مثل أوائل مشايخ الكلام، بل أوائل أهل الفلسفة والبراهمة، بل الذي يتمكّن من حلّ الشّبه من أهل الكلام وهو من خصّه الله تعالى بالذكاء والفطنة، وليس كل من قرأ الكلام صلح للذّبّ عن الدّين ومناظرة الملحدين، وإذا كانت الصّلاحية لذلك لذلك موقوفة على الذّكاء وحسن الإيراد والإصدار، فذلك موجود في المتكلّمين وغيرهم كما أقرّ المتكلّمون أنه كان في الصّحابة من يعرف ذلك ويتمكن منه من غير رياضة في تعلّم الكلام، وإذا اتفق لبعض أهل الحديث البلداء مالا يخفى على الأذكياء ضعفه، فذلك (3) قد يتّفق لبعض أهل الكلام من الاختيارات الرّكيكة مالا يخفى الأذكياء ضعفه كما قدّمنا في--------------------------------------------
(1) كذا في الأصول.
(2) في (س): ((مثله)).
(3) في (س): ((فكذلك)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 579)
(الوهم الثّاني عشر) (1).
الوجه الثّاني: أن أصولكم تقتضي عدم الخوف من ذلك، لأنّ عندكم أنّ النّظر واجب على العبد، والبيان واللّطف واجبان على الله تعالى، فنقول: لا حاجة على هذا إلى تعلّم الكلام بل نقف حتّى ترد الشّبهة، فإن لم تقدح في أحد أركان الدّليل لم توجب شكّا ولا تستحق جواباً، وإن قدحت فعلنا ما يجب علينا وهو النّظر عند المعتزلة، والله تعالى يفعل عندهم ما يجب في حكمته وهو البيان لنا والهداية واللطف المطلع على أسباب الدّراية، ومع ذلك تجلّى لنا المشكلات، ونسلم من مداحض الشّبهات.
فإن قيل: فهل تقولون بقبح النّظر؟ فقد أبطلتم كلّ النّظر ببعض النّظر، لأنّ أدلّتكم هذه نظرية وهذا متناقض.
والجواب أنّا لا نقبّح النّظر، وكيف وقد أمر الله تعالى به! ونحن إنّما دفاعنا عن الكتاب والسّنة، ولكنّا نبطلُ مبتدع النّظر بمسنونه، فنبطل من الأنظار ما أدّى إلى القدح على الصّحابة رضي الله عنه وإلى تفكير المسلمين، وإلى القطع في صفات الله تعالى بغير تقدير ولا هدى ولا كتاب منير، وقد بيّنّا في (الوهم الثّاني عشر) (2) أنّ الذي يبطله أهل السّنة من النّظر نوعان:
أحدهما: ما كان متوقفاً على المراء واللّجاج الذي لا يفيد اليقين، ويثير الشّرّ.--------------------------------------------
(1) (ص/326).
(2) (ص/236).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 580)
وثانيهما: الانتصار للحقّ بالخوض في أمور يستلزم الخوض فيها الشكوك والحيرة والبدعة لما في تلك الأمور من الكلام بغير علم في محار العقول ومواقفها، وقد أوضحت ذلك في (الوهم الثاني عشر) وذكرت أقوال فحول المتكلّمين فيه واعترافهم بذلك فخذه من هنالك، فقد أبطل أهل الحديث بعض النّظر ببعضه كما فعل أهل الكلام في إبطال أنظار خصومهم بأنظارهم، وهذا صحيح عند/ الجميع.
وأمّا الحكاية الني شنّع بها أهل الكلام على المحدّثين من إرسال ملك الرّوم إلى هارون الرّشيد وطلب المناظرة وعجز المحدّث عنها وسخرية أولئك الفلاسفة به فقد كثر الكلام في التبجّح بذلك وبحكاية أخرى تشبهها.
والجوابُ عليهم في ذلك: أنّهم إن أرادوا الاستدلال على أنّهم أجدل من المحدّثين، فذلك مسلّم لهم، بل مسلّم لهم أنهم أجدل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أرادوا بذلك أنّهم أعلم بالله وأفضل عند الله فليس ذلك يدلّ على هذا، لأنّا نعلم وكلّ عارف أنّه لم يصدر شيء من الكلام ومجادلة الفلاسفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من جميع أصحابه رضي الله عنه ولا اشتغلوا بممارستهم لمماراة أهل اللجاج، وارتياضهم على النّظر في شبه أهل الباطل، وليس يلزم من ذلك أنّهم أقلّ معرفة بالله، ولا أقل نصرة لدين الله، ولو أحبوا الخوض في الكلام واشتغلوا بتعلمه وتعليمه لبلغوا فيه ما أرادوا، وعرفوا ما عرف المتكلّمون وزادوا، وكذلك من اقتدى بهم من أهل السّنة وسائر من اشتغل بالعبادة أو الجهاد، ولكنّهم أعرضوا عن هذا الفنّ إعراض مستغن عنه فارغ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 581)
القلب (1) منه، لا يعرفون له مراساً ولا رفعوا إليه رأساً.
وقد عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسباب تقتضي الخوض في ذلك، كذلك أصحابه رضي الله عنهم فلم يخض أحد منهم في ذلك على أساليب أهل الكلام، وقد كان رسول صلى الله عليه وسلم أعلم بالله وأحب للدعاء بالحكمة (2) إلى الله، فأعرض عمن خاض بالباطل في آيات الله ولم يزدهم على تبليغ آيات الله.
كما فعل مع ابن الزّبعرى فإنّه لما نزل قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنّم) [الأنبياء/98] تعرّض المخذول للجدال وزعم أنّ المسيح والملائكة-عليهم السلام ممن يعبدون وأنه يلزم من ذلك أنّهم معذّبون، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجب عليه بشيء حتّى نزل قوله تعالى: (إنّ الذين سبقت لهم مّنّا الحسنى أولئك عنها مبعدون).
وكذلك أبو سفيان فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يشهد له بالنّبوّة فقال: أمّا هذه ففي النّفس منها شيء حتّى الآن، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يضرب عنقه فشهد الشّهادتين.
وكذلك الوليد بن المغيرة فإنّه كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك النّبوّة، وعرض عليه المال والرّياسة، فلم يجب عليه إلا بتلاوة سورة السّجدة، وكذلك نصارى نجران الذين نزلت فيهم آية المباهلة تعرّضوا لمباهلته … -عليه (3) الصلاة والسلام- في أنّ عيسى ابن الله، تعالى الله--------------------------------------------
(1) في (س): ((الطلب)).
(2) في (س): ((بالحكم)).
(3) في (س): ((فعرضوا المباهلة عليه صلى الله عليه وسلم … ))!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 582)
عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيراً، فلم يخض معهم في شيء من أساليب المتكلّمين ودعاهم إلى المباهلة كما ذلك معروف في مواضعه، وهذه الأمور وإن نقل بعضها أو كلّها آحاد فمعناها في الجملة معلوم بالضّرورة لمن طالع السّير والأخبار، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم ألا ترى إلى قصّة جعفر بن أبي طالب، ومهاجرة الحبشة مع النّجاشي، وما راجعه به خطيبهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قيل للنجاشي: إنّهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، وكانت النّصارى يعبدون عيسى، ويستعظمون القول بأنه عبدً من عبيد الله، فلمّا سألهم النّجاشي عن ذلك؟ أجابوا بكلام الله تعالى واحتجّوا به على صحّة عقيدتهم، وتلا جعفر على النجاشي صدر سورة مريم، حتّى بكى النّجاشي وأصحابه، وكان ذلك سبب إسلام النّجاشي، وكلّ هذه المحاجّات التي أشرنا إليها لا تصحّ على قواعد المتكلّمين، ولا تنفق في سوق الجدليين، فإنّه لا يصح عندهم الاحتجاج بالقرآن ولا بالمعجز إلاّ على من قد صحّ له وجود الباري تعالى، وأنّه عالم قادر، عدل حكيم صادق، بالأدلّة المحقّقة في علم الكلام، على ماذلك مقرّرً بأدلته في مصنّفاتهم.
والعجب من تشنيعهم على المحدّث الذي أرسله هارون إلى الرّوم فبلغهم ما عنده من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليت شعري ما الذي أنكروه من ذلك؟ فإن كان المنكر عندهم هو تبليغ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نكارة في هذا، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم /يبلّغ عن الله تعالى من غير زيادة استدلال ولا تجديد احتجاج، وإن كان المنكر عندهم كونهم طلبوا منه الحجّة العقلية فلم يأت وعدل إلى ذكر أركان الإسلام، فغير
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 583)