وازع المصرّح عن (1) الكذب إنّما هو الحياء عن (2) ظهور هذه الرّذيلة عليه والأنفة من ذلك، وهذا الوازع وإن عظم فإنّه /لا يقوم مقام وازع التّقوى والمراقبة لله تعالى، لأنّ خوف العار وحبّ المحمدة يضعف فيما يخفى ويظنّ صاحبه أنّه لا ينكشف للنّاس، والوازع الأخروي، والحياء من الله، والخوف من غضبه وعقوبته مستو في الباطن والظّاهر، والفاسق المصرّح وإن حصل بخبره ظنّ، فالظّنّ بخبر الثّقة من أهل العدالة أقوى، ولا يمنع أن يرد الشّرع باعتبار ظنّ دون ظنّ في حقوق الله تعالى لزيادة قوّة أحدهما على الآخر، كما ورد باعتبار ذلك في حقوق المخلوقين لهذه العلّة، فوجب الحكم بالظّنّ الصادر عن شهادة عدلين دون الظّنّ الصّادر عن شهادة عدلتين، وكذلك حقوق الله تعالى فلا يمنع وجوب قبول الظّنّ الصّادر عن العدل دون غيره، ولكن هذا خلاف الظّاهر فلا يصار إليه إلا بدليل، وذلك الدّليل هو قوله تعالى: ((شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم)) [المائدة/106] ، وقوله تعالى: ((ممّن ترضون من الشهداء)) [البقرة/282] ونحو ذلك ممّا ورد في السّنّة النّبويّة، فلهذا تركنا الفاسق والكافر المصرّحين.
وأمّا الفرق بين الكافر والفاسق تأويلاً، وقبول الفاسق دون الكافر فضعيف؛ لأنّ التّأويل إن أثّر في القبول لعلّة ظنّ الصّدق اعتبر فيهما معاً، وإلا لم يعتبر، وأمّا من لم يقبل الدّعاة منهم فله وجهان:--------------------------------------------
(1) في نسخة: ((من)).
(2) في (س): ((من)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 504)
أحدهما: أنّهم يتّهمون لشدّة حرصهم على الدّعاء إلى بدعتهم بتدليس خفيّ عن بعض الضّعفاء فيما ينصر مذهبهم، ونحو ذلك، وهذا يضعف فيما لا يتعلّق بمذهبهم، ويوقف فيه فيما يتعلّق بذلك على حسب القرائن.
الوجه الثّاني: للزّجر عن مخالطة الطّلبة لهم خوفاً على الطّلبة من فتنتهم، وهذا نظر مصلحي (1) لا يسقط بمثله وجوب العمل بالحديث الرّاجح المظنون صحّته، ولا سيما وقد بلغنا ما رووه بعد موتهم أو في حياتهم من غير مخالطة لهم، ولم أقف للقائلين بذلك على وجه، وإنّما تكلّفت هذين الوجهين لهم، والعجب من مصنّفي علوم الحديث كيف لم يتعرضوا لذكر وجه ذلك! على أنّ الرّواية عن الدّاعية الثّقة ثابتة في ((الصحيح)) كرواية حديث قتادة مع أنّه كان قدريّاً، روى الذّهبي عنه في ((التّذكرة)) (2) أنّه لم يكن يقنع حتّى يصيح به صياحاً، رواه بصيغة الجزم عن ضمرة بن ربيعة عن (3) عبد الله بن شوذب ثقة عن ثقة، ولنقتصر على هذا القدر من إيراد ما تمسّكوا به وبيان الجواب عليهم، فليس لهم متمسّك أقوى مما ذكرناه.
الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائف خصّهم بالذكر، وأورد في الاحتجاج على جرحهم في الرّواية ما لم يورد في غيرهم:
الطّائفة الأولى المجبّرة: لكنّه أراد بهم من ليس بجبريّ من--------------------------------------------
(1) في (س): ((مصطلحي))!.
(2) (1/ 124).
(3) في (س): ((بن)) وهو تحريف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 505)
الأشعرية وأهل الحديث، وهذا لفظه قال: أمّا المجبّرة فعندهم أنّ الله تعالى يحوز أن يعاقب المطيع وأن يثيب العاصي فلا فائدة في الطّاعة، وأيضاً فعندهم أنّ أفعالهم من الله تعالى، فالإثابة عليها والعقاب لا معنى له، فإن قالوا: هذا من جهة العقل، لكن قد ورد السّمع أنّه يدخل المطيع الجنّة والعاصي النّار، قلنا: إنّه إنّما وعد ذلك مقروناً بمشيئته لقوله: ((يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)) [الفتح/14] وهم لا يعلمون من الذين يشاء الله أن يغفر لهم.
أقول: الجواب عليه من وجوه/:
الوجه الأوّل: أنّا قد بيّنّا غير مرّة أنّ الأشعرية وأهل الحديث لا يقولون بالجبر، وبيّنّا نصوص أئمتهم على ثبوت الاختيار ونفي الإجبار كالجويني والخطّابي والنّووي وابن الحاجب، وغير واحد ممّن قدّمنا ذكره، وهم أعرف بمذاهبهم من غيرهم، والرّجوع إليهم في تفسير مقاصدهم في عباراتهم أولى من الرّجوع إلى من عداهم؛ وإذا جاز أن يُنسب إليهم ما هم مفصحون بالبراءة منه، جاز أن ينسب إلى الشّيعة والمعتزلة مثل ذلك، فوجب اطّراحه والرّجوع إلى العدل والإنصاف، والحكم بما ظهر من أهل الخلاف.
الوجه الثّاني: أنّ المعلوم ضرورة من مذهبهم خلاف ما ذكره، وإنّما ألزمتهم ذلك المعتزلة مجرّد إلزام، كما أنّهم ألزموا المعتزلة القول بأقبح من ذلك في كثير من مسائل الكلام، والفريقان أعقل من أن يرتكبوا من الكذب المعلوم بالضّرورة ما ارتكبه المعترض، فإن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 506)
الكذّاب إنّما غرضه أن يعتقد صحّة باطله وصدق كذبه، فإذا كان معلوماً بالضّرورة لم يستفد بكذبه إلا أن يُعلم أنّه كاذب، فإن كان الذي جرّأه على هذا كراهيته للأشعرية؛ فما أصاب السّنّة، ولا عمل بمقتضى الشّريعة، قال الله تعالى: ((ولا يجرمنّكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتّقوى)) [المائدة/8] وإن كان قال ذلك طمعاً في التّمويه على خصمه، فأدنى العوام (1) يعرف أنّه ليس في أهل القبلة من يعتقد أنّ الله تعالى يعاقب المطيع ويثيب العاصي، بل ما علمنا في ملل الشّرك وعبّاد الأوثان من يعتقد ذلك في معبوده.
الوجه الثّالث: أنّ هذا الاستدلال هو المعروف في علم المنطق بالمغالطة، قال المنطقيّون: والمورد لها إن قابل بها الحكيم فهو سوفسطائي، وإن قابل بها الجدليّ فهو مشاغبيّ. وإنّما قلت ذلك؛ لأنّ المغالطة قياس يتركّب من مقدّمات شبيهة بالحقّ تفسد صورته بألا يكون على هيئة منتجة لاختلال شرط معتبر، وهذا حاصل في كلام المعترض، وبيانه من وجهين:
الوجه الأوّل: قوله عندهم: أنّه يجوز أن يعاقب الله المطيع ويثيب العاصي، فهذه مقدّمة باطلة تشبه الحقّ.--------------------------------------------
(1) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((من خطّ إمامنا المتوكل عليه السلام: ((الظّنّ أنّه أراد فأدنى العوام، والظّنّ ما قال، ويحتمل أنّه أراد ((العموم)) أي: عموم الناس، مع بُعده)).
ثم كتب: قد قوبلت هذه النسخة على نسخة صحيحة، فكان كما ظنه مولانا أمير المؤمنين، حفظه الله، وأصلحت في هذه النسخة، ونسخة الإمام حفظه الله)) اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 507)
أمّا بطلانها؛ فلأنّهم مصرّحون بأنّ ذلك لا يجوز بدليل السّمع القاطع، بل مجوّز ذلك يكفر عندهم بشكّه فيما هو معلوم من الدّين بالضّرورة.
وأمّا شبهها بالحقّ؛ فلأنّ عبارة بعض الأشعرية في علم الكلام توهم أنّ ذلك عندهم جائز في العقل فقط، وقد بيّنا فيما مضى موضع الخلاف بينهم وبين المعتزلة في التحسين والتقبيح، وأنّهم لم يخالفوا في أنّ المستقبح بضرورة العقل صفة نقص، وأنّ الله تعالى منزّه عن صفة النّقص، وإنّما خالفوا في أنّ فاعل صفة النّقص يستحق الذّمّ والعقاب بمجرّد العقل، وعلى كلّ تقدير فإنّهم يمنعون مما ذكر أنّهم يجيزون إمّا عقلاً وسمعاً، وإمّا سمعاً، ومنعهم من ذلك سمعاً كاف في تحريم نسبة تجويز ذلك إليهم (1) ، ألا ترى أنّ المعتزلة والشّيعة يقولون بأنّ نكاح الأمّهات والأخوات حسن عقلاً، لكنّه قبيح شرعاً، لم يلزمهم تجويز ذلك على الإطلاق.
الوجه الثّاني: في بيان سلوكه مسلك المغالطة قوله: فلا فائدة في الطّاعة، فإنّه أوهم أنّ هذا من جملة مذهبهم ليتمّ له ما قصد من الاستدلال على تجرّئهم على الكذب/ على الله تعالى ورسوله، فهذا باطل من هذا الوجه، وهو شبيه بالحقّ لأنّه يوهم الجاهل أنّ مذهبهم--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي) بعد هذه الكلمة بياض بمقدار ثلاث كلمات، ثم كتب في هامش النسختين إكمالاً للفراغ: ((على حدّ ما لو منعوه عقلاً. ظ)) ثم عُلّق بما يأتي: ((لم نجد في نسخة صحيحة هذا البياض، ولا التظنين)) وهو كذلك في (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 508)
في نفي التحسين والتقبيح عقلاً يوجب ذهابهم إلى ذلك.
الوجه الرّابع (1): أنّهم لو ذهبوا إلى ذلك؛ لوجب تكفير المعتزلة والزّيدية وسائر الشّيعة إلا أبا الهذيل، وبيان ذلك: أنّ في المعتزلة والزّيدية من لا يقول بتكفيرهم، وبقيّتهم لا يكفّرون من لم يكفّر الجبرية من شيوخهم إلا رواية عن أبي الهذيل، ولو كانوا يجوّزون تعذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنّ أبا لهب يكون صاحب الشّفاعة يوم القيامة؛ لكان كفرهم معلوماً من ضرورة الدّين وكفر من لم يكفّرهم كذلك، وكان يلزم كفر المعتزلة والزّيديّة، أمّا من لا يكفّر [هم] (2) مثل السّيد الإمام المؤيّد بالله، والإمام يحيى بن حمزة وغيرهما فظاهر لأنّهم حينئذ يكونون بمنزلة من شكّ في كفر المشركين واليهود، والنصارى، وأمّا سائر المعتزلة والزّيدية فلأنّهم لا يكفّرون أئمتهم وشيوخهم الذين منعوا من تكفير الأشعرية، ولا شكّ أن من شكّ في كفر عابد الأصنام وجب تكفيره، ومن لم يكفّره، ولا علّة لذلك إلا أنّ كفره معلوم من الدّين ضرورة، فثبت بهذه الوجوه أنّ المعترض كاذب بالضّرورة. وقد طوّلت في الرّدّ عليه في ((الأصل)) (3) على سبيل التوبيخ له، وإن كان مثل هذا غير محتاج إلى الجواب. وبقيّة كلامه في المجبّرة على هذا الأسلوب كما أوضحته في ((الأصل)) ولم يبق في كلامه ما يحسن إيضاح بطلانه إلا قوله:--------------------------------------------
(1) من الرد على المعترض في المجبّرة، انظر الثالث (ص/507).
(2) سقطت من (أ).
(3) (2/ 276 - 290).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 509)
فإن قالوا هذا من جهة العقل، لكن قد ورد السّمع بأنّه يدخل المطيع الجنّة والعاصي النّار. قلنا: إنّه إنّما وعد ذلك مقروناً بمشيئته لقوله: ((يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)) [المائدة/18] وهم لا يعلمون من يشاء الله أن يغفر لهم.
والجواب عليه: أنّه جحد للضّرورة، فإنّهم يعلمون أنّ الذين يشاء الله أن يغفر لهم هم من أهل الإسلام دون المشركين، وأنّ أهل الكبائر من أهل الإسلام قد توعّدهم الله بالعقاب، وأنّ وعيد الله تعالى لهم صادق، لكنّه عموم يجوز تخصيصه بالمغفرة لبعضهم من غير تعيين، وبهذا يبقى الخوف والرّجاء مع كلّ مؤمن، وهذا مذهبهم معلوم بالضّرورة، لا يمكن التّشكيك فيه، والآية وإن كانت مجملة، فقد ورد بيانها، وقد أجمع أهل ملّة الإسلام على وجوب العمل ببيان المجمل، فإمّا أن يقول المعترض: إنّه لم يرد لهذه الآية بيان في السّمع، أو يقول: إنّ مذهبهم العمل بالمجمل وطرح المبيّن، وأيّ هذين ارتكب لم يزد على أنّه عرّف خصمه بجرأته على البهت، وقلّة حيائه من أهل العلم.
* فاختر وما فيهما حظ لمختار *
ومن العجائب الدّالّة على إسراف المعترض، وغلوّه: أنّه احتجّ بما ذكره على أنّ الجبرية لا يتنزهّون عن الكذب، وقد قال في البراهمة: إنّهم يتحرّزون عن الكذب أشدّ التّحرّز، ويتنزّهون عنه أعظم التّنزّه، مع أنّ البراهمة يصرّحون بتكذيب جميع كتب الله المنزّلة، ويفصحون بتضليل جميع الأنبياء والرّسل الكرام، وينسبونهم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 510)
إلى السّحر وطلب العيش في الدّنيا بالكذب على الله تعالى، ويسخرون منهم سخر الله منهم، ولهم عذاب أليم، ولا يعتقدون ثبوت النّار، ولا يخافون العقاب على ذنب من الذنوب، فهؤلاء نصّ المعترض على تنزيههم عن الكذب! وبالغ في المنع من ذلك في حقّ من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وجميع ما جاءوا به، وأقام أركان الإسلام وأحلّ الحلال وحرّم الحرام!! فهذا هو الكلام على الطّائفة الأولى من المتأوّلين الذين خصّهم بالذّكر، وتجاهل في رميهم بالجبر.
الطّائفة الثانية: المرجئة، وهذا لفظه فيهم قال: ((ولأنّ المرجئة والمجبّرة لا يرتدعون عن الكذب وغيره من المعاصي، أمّا المرجئة: فعندهم أنّهم مؤمنون، وأنّ الله لا يدخل النّار من في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان، وإن زنا وإن سرق، وإن قتل، والكذب أخفّ من ذلك.
أقول: حلّ هذه الشّبهة التي أوردها المعترض /في هذا الموضع متوعّر المسالك، بعيد الأغوار، دقيق المأخذ، ولم يورد في رسالته أعوص منها، وما أعدّ ما ألهمني الله تعالى إليه من الجواب فيها إلا من الفتوحات الرّبانية والألطاف الخفيّة، وإنّما قدّمت هذا قبل ذكر الجواب؛ لتكون معرفة الجواب عندك أيّها السّنّي بالمحل السّنِي (1) ، وإنّما استوعرت مسلك الجواب عنها؛ لأنّ ما نسبه إليهم من المذهب حقّ، واستلزامه لعدم خوف الله تعالى أشبه شيء بالحقّ، ولا يميّز بين الحقّ، وما يعظم شبهه به إلا من أمدّه الله تعالى بألطافه، وبصّره من--------------------------------------------
(1) في (س): ((بالمحمل السّنّي)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 511)
الحقّ مطالع أنواره. وتحرير الجواب على ما ذكره يتمّ بذكر وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ قوله: ((إن المرجئة لا يرتدعون عن الكذب وغيره من المعاصي)) مباهتة عظيمة وإنكار للضّرورة، فإنّ كلامنا إنّما هو فيمن عرف منهم بالدّيانة والأمانة وأداء الواجبات وترك المحرّمات، والمعلوم بالضّرورة أنّ في المرجئة من هو من أهل العبادة والزّهادة، والعلم والإفادة، والمراتب الشّريفة والخصال الحميدة، والمحافظة على النّوافل على ما هو أشق من المفروضات، وأصعب من ترك المقبّحات؛ من إطعام الطعام، وسرد الصيام، والصّلاة والنّاس نيام، والبكاء العظيم من التقصير في حقّ الملك العلام. فقول المعترض: إنّهم لا يرتدعون عن الكذب وسائر المعاصي باطل بالضّرورة؛ لأنّه إمّا أن يدّعي أنّ فعل المعاصي يقع من عبّادهم وثقاتهم في الباطن قطعاً، وإن أظهروا الصّلاح فهذا من علم الغيب المحجوب عن الخلق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما علم هذا في حق من عاصره إلا بالوحي في بعضهم، والحكم بهذا حرام بإجماع المسلمين، فلا نطوّل في الكلام عليه.
وإمّا أن يدّعي أنّ فعل الطّاعة وترك المعصية غير واقع منهم ظاهراً لبطلان خوف العقوبة من الله تعالى؛ فذلك لا يصحّ لأمرين:
أحدهما: أنّه استدلّ على بطلان أمر معلوم بالضّرورة، وذلك لا يصحّ، وبيانه: أنّ فعلهم للطّاعة معلوم بالضّرورة، فالاستدلال على أنّهم لا يفعلون الطّاعة لا يصحّ.
وثانيهما: أن نقول: إمّا يسلم المعترض أنّ فعل الطّاعة وترك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 512)
المعصية مقدور لهم أو لا، إن قال: إنّه غير مقدور لهم، وجاز وقوعه منهم؛ فلا وجه لقطعه بأنّهم لا يفعلون أحد الجائزين. وهلا ذكر قوله في رسالته: إنّه لا يجوز للإنسان أن يخبر بخبر يجوّز أنّه كذب؟ فكيف أخبر عن جميع المرجئة بارتكاب الكذب وغيره من المعاصي!؟ وليس يجوز [مثل] (1) هذا في حقّ الفسّاق المصرّحين إلا فيما شوهد من معاصيهم، فليس لك أن تقول في قاطع الصّلاة: إنّه يشرب الخمر، ولا في الزّاني: إنّه مُربِ، ولا في المربي: إنّه يقتل النّفس التي حرّم الله، وأمثال ذلك، فكيف قلت فيمن أرجأ ولم يعرف منه إلا معصية الإرجاء: إنّه يفعل غيرها من المعاصي؟ وهلا قلت: إنّ قوله هذا يضعف الظنّ بقيامه بالواجبات واجتنابه للمحرّمات حتّى تجاب بما يجاب به من أورد الشّبهات، وتميّز نفسك عن منكري الضّرورات؟
والعجب من المعترض أنّه نزّه البراهمة عن الكذب مع إنكارهم للنبوّات، وجحدهم لجميع الشّرائع الإسلامية، وقد تقدّم تقرير هذا في آخر الجواب عما أورده في حقّ الجبرية، فهذا الوجه الأول من وجوه الجواب عن المرجئة يصلح (2) جواباً على ما أورده في حقّ الجبرية فإنّه قال فيهم الجميع: إنّهم لا يرتدعون عن الكذب وسائر المعاصي.
الوجه الثّاني: اعلم أنّ الحامل على المحافظة على الخيرات--------------------------------------------
(1) زيادة من (ي) و (س).
(2) في (س): ((يصح)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 513)
والمجانبة للمكروهات ليس مجرّد اعتقاد أنّ الله تعالى يعاقب على الذّنب، وإنّما هو شرف في النّفوس وحياء في القلوب من مبارزة المنعم /بجميع النّعم بالمعاصي، ولهذا فإنّ أكثر الخلق محافظة على الخير ومجانبة للمكروه أشدهم حياء من الله تعالى وإجلالاً له، وأمّا مجرّد الاعتقاد فهو واحد لا يزيد ولا ينقص؛ ولهذا تجد الوعيديّة مختلفين مع اتحاد معتقدهم، ولكن تفاضلوا في شرف النّفوس وأنفتها من دناءة المعاصي، ومذلّة كفران المنعم (1) ، وتفاوتت مراتبهم في شدّة الحياء من ملك الملوك وربّ الأرباب، وتباينت هممهم في التعظيم والإجلال لمن بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير، ولهذا فإن أقرب الخلق إلى الله أخوفهم منه وآنسهم به وأطوعهم له.
ولهذا اشتدّ خوف الأنبياء والأولياء من الله تعالى وعظم أنسهم به، وكانوا أطوع خلقه لو وأرغبهم إليه، وقد كان كثير من الصّالحين لا يرضى أن يعبد الله تعالى خوفاً من العذاب ولا رغبة في الثّواب. وقالت المعتزلة (2): إن نوى ذلك بعبادته لم تصح، ولهذا اختلفت حال (3) الكفّار المنكرين للمعاد من المشركين والفلاسفة: فكان منهم--------------------------------------------
(1) في (س): ((النعم)).
(2) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((في شرح ابن النحوي ((للمنهاج)) في باب صفة الصلاة: ((فرع منقول عن الإمام فخر الدين الرّازي، عن المتكلّمين أنّه لا يصح عبادة، ولم يخص بالمعتزلة فينظر. تمت من خطّ القاضي العلامة محمد بن عبد الملك رحمه الله)).
(3) في نسخة: ((أحوال)) كذا في هامش (أ) و (ي) وهو كذلك في (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 514)
المتلطّخون بالرّذائل، ومنهم المتحمّلون لأثقال المكارم والفضائل، وكان فيهم السّادة والأتباع، وكان في سادتهم المخذول والمطاع، على قدر (1) تفاضلهم في الصّبر على المكاره، واحتمال مشاقّ المكارم، وقالوا في أمثالهم: ((تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها)) (2) وقالت هند: أو تزني الحرّة (3)؟ وقال
حاتم (4):
وإنّك إن أعطيت بطنك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا
وهذا كلّه من غير خوف العقاب ولا رجاء الثّواب، فكيف يقال: إنّ من لم يخف العقاب قال الزّور وارتكب الفجور؟ هذا كلام من لم يتأمّل، فقد علمنا بالضّرورة أنّ في المرجئة عبّاداً خاشعين ورهباناً--------------------------------------------
(1) سقطت من (س) ، وفي (أ) و (ي): ((وعلى قدر .... )) والصواب حذف الواو. وهو كذلك في ((العواصم)): (2/ 267).
(2) ((مجمع الأمثال)): (1/ 251) ، وأوّل من قال ذلك: الحارث بن سليل الأسدي في قصّة له.
(3) في قصّة مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)): (12/ 74) ، وابن مردويه كما في ((الدر المنثور)): (6/ 312) عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.
وأخرجه سعيد بن منصور، وابن سعد عن الشعبي مرسلاً كما في ((الدّرّ)): (6/ 312).
وذكره الزيلعي في ((تخريج أحاديث الكشّاف)) ولم يتكلّم فيه بشيء! وكذا الحافظ في ((الكافي الشاف)): (4/ 169). … =
= أقول: وسند ابن جرير مسلسل بالعوفيين؛ من محمد بن سعد بن محمد إلى عطية العوفي. وليس فيهم إلا ضعيف أو متكلّم فيه.
(4) ((ديوانه)): (ص/69).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 515)
خاضعين، وكثير منّا إذا تأملّنا وأنصفنا يقصر عن كثير منهم في الأعمال لا في العقيدة ولله الحمد والمنّة، وذلك لأنّ من صبر على مشاقّ الطّاعات وترك الشّهوات من غير خوف العذاب؛ فهو شريف النّفس، حرّ الطّبيعة، عزيز الهمّة، عظيم المروءة، كثير الحياء من الله تعالى، ومن لا يقوم إلى الطّاعة حتّى يخاف العذاب من النّار؛ فطبعه طبع شرار العبيد وخساس الهمم، وما أحسن قول ابن دريد (1) في هذا المعنى:
واللّوم للحرّ مقيم رادع … والعبد لا تردعه إلا العصا
وإنّ كثيراً من المتحابّين من المخلوقين لا يعصي محبوبه ولا يغضبه، وإن كان لا يخاف منه مضرّة، ولهذا قال بعض الظّرفاء في المعنى:
أهابك إجلالاً وما بك قدرة … عليّ ولكن ملء عين حبيبها (2)
فإن كان هذا ما بين الأحباب من عبيد الله؛ فالذين آمنوا أشدّ حبّاً لله، وفي الحديث المرفوع: ((نِعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه)) (3) وفي هذا الجواب موعظة لأهل الحقائق والأحوال. وقد--------------------------------------------
(1) ((ديوانه)): (ص/133).
(2) اختلف في نسبته، فقيل: لنصيب بن رباح الأكبر، وقيل: لمجنون بني عامر.
(3) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): (ص/449): ((اشتهر في كلام الأصوليين، وأصحاب المعاني، وأهل العربية من حديث عمر، وذكر البهاء السبكي أنه لم يظفر به في شيء من الكتب … ثم رأيت بخط شيخنا أنه ظفر به في ((مشكل الحديث)) لأبي محمد بن قتيبة، لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسناداً)) اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 516)
أجاد من قال (1):
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه … هذا محال في العقول بديع
/لو كنت تضمر حبّه لأطعته … إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع (2)
وقد ظنّ المعترض أنّ من لم يكن من أهل مقام الخوف فليس من أهل الطّاعة، ولم يعرف المسكين أنّ مقام المحبّة فوق مقام الخوف عند العارفين، ولهذا قال الشّيخ أبو عمر بن الفارض (3) -وما أنفع قوله هذا لأهل القلوب-:
فدع عنك دعوى الحبّ وادع غيره
فؤادك وادفع عنك غيّك بالتي
وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن
وها أنت حيّ إن تكن صادقاً مت
ولهذا قالت الحكماء: المرء أسير أكبر (4) ما في قلبه، ولا شكّ أنّ أكثر ما في القلب هو المحبوب لا المخوف، فإن المخوف قد يكون عدوّاً بغيضاً بخلاف المحبوب، وقد نظم ابن الفارض هذا المعنى فقال وأجاد: (5)--------------------------------------------
(1) في (س): ((من نظم هذا المعنى فقال)) ، وهو كذلك في نسخة كما في هامش (أ) و (ي).
(2) البيتان لمحمود بن حسن الورّاق المتوفى نحو (225) ، انظر ((بهجة المجالس)): (1/ 395).
(3) ((ديوانه)): (ص/29).
(4) في (س): ((أثير أكثر)).
(5) ((ديوانه)): (ص/90).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 517)
أنت القتيل بأيّ من أحببته … فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
الوجه الثّالث: أن نقول: ما سبب تخصيص المرجئة بالذكر؟ هل تجويزهم لدخول أهل الكبائر من المسلمين الجنّة، وتجويزهم لنجاتهم من النّار، أو قطعهم بذلك؟ الثّاني: وهو القطع بذلك ممنوع، لأنّهم يجوّزون أن يموت صاحب الكبيرة المسلم كافراً، ويخافون من كبائر الذّنوب أن يكون ارتكابها سبباً للوقوع في ذنب الكفر الذي لا يغفر إلا بالتّوبة، وأمّا الأوّل وهو: تجويزهم لدخول أهل الكبائر من المسلمين الجنّة، فقد شاركهم في ذلك سائر الفرق، ولكنّ المعتزلي يجوّز ذلك بشرط التّوبة أو المغفرة.
فإن قلت: إنّ المرجىء يقطع بأنّ من مات مسلماً وهو مصرّ على الفسق لم يعذّبه الله تعالى، والسّنّي والمعتزلي لا يقولان بذلك.
قلت: ذلك مسلّم؛ ولكنّه لا يقطع بأنّه يموت مسلماً مثلما أنّ المعتزلي لا يقطع بأنّه يموت تائباً، بل هذا الإشكال لا يلزم المعتزلة ولا يلزم المرجئة، وذلك لأنّ المعتزلة فريقان:
أحدهما يقول: إنّ من مضى له وقت أدّى فيه جميع ما كلّفه الله تعالى علم أنّه من أهل الجنّة؛ لأنّ الله تعالى لو علم أنّه يموت على حال يستحق فيه النّار؛ لقبح منه تبقيته، ووجب عليه أن يميته في ذلك الوقت الذي أتى فيه بالطّاعة، وهذا هو قول من يوجب الأصلح على الله تعالى، كأبي القاسم الكعبيّ إمام البغدادية من المعتزلة ومن يقول بقوله، وهذا الإشكال يتّجه عليهم أكثر من المرجئة لأنّهم يجيزون أن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 518)
يأتي المكلّف في بعض الأوقات بجميع تكليف ذلك الوقت، وأن يعلم المكلّف إتيانه بذلك، وحينئذ يقطع بأنّه من أهل الجنّة.
وأمّا الفرقة الثّانية: وهم الذين لا يوجبون على الله الأصلح للعبد فإنّهم يوجبون على الله -سبحانه- أن يبقى العاصي بعد المعصية وقتاً يتمكّن فيه من التّوبة، وبهذا قال شيخ الاغتزال أبو عليّ الجُبّائي وأصحابه، ووافقه عليه أبو القاسم الكعبيّ -أيضاً- فلو كان ما ذكره المعترض في حقّ المرجئة يدلّ على الكذب في الحديث، لدلّت مذاهب المعتزلة هذه على مثل ذلك، فيقول من يوجب الأصلح للعبد على الله تعالى: المعاصي لا تضرّني لعلمي أنّي من أهل الجنّة بسبب طاعتي لله تعالى يوماً أو ساعة أو لحظة، /ويقول من لا يرى ذلك: أنا أقدم على هذه المعصية وأتوب عقيبها، ولا أخشى (1) مفاجأة الموت قبل التمكّن من التّوبة.
ولكن ليس وقوع المعاصي على حسب الاعتقاد، وإنّما ذلك على حسب شرف الطّباع، وارتفاع الهمم، وشهامة النّفوس، كما قدمنا في الوجه الأوّل، ولو كان السبب في العصيان هو تجويز النّجاة من عذاب الله؛ إمّا اتكالاً على التوبة أو اتكالاً على الرّحمة، لم توجد فرقة من فرق الإسلام إلا وهي مجروحة، ولكان العدل من اعتقد أنّ الله لا يقبل التّوبة ولا يقيل العثرة، ولا يغفر الخطيئة، لكن الذّاهب إلى هذا كافر بالإجماع، خارج عن ملّة الإسلام.
الوجه الرّابع: أنّ من اعتقد أنّ الله تعالى يتفضّل على أهل--------------------------------------------
(1) في (س): ((أخاف)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 519)
الإسلام بمغفرة جميع الذّنوب من غير توبة، لم يلزم من ذلك أن يتعمّد الكذب على الله تعالى ويجاهر بجميع المعاصي، ودليل ذلك: أن عبداً من عبيد المخلوقين لو اعتقد في سيده أنّه في غاية الحلم، ونهاية الجود والسماحة (1) ، لم يدلّ ذلك على أنه كثير العصيان لسيّده والكذب عليه، بل قد يكون في غاية الإجلال لسيّده والطّاعة له، مع اعتقاد حلمه ومسامحته والأمان من عقوبته، محبة منه لسيّده ورغبة في شكر نعمة وارتفاع المنزلة عنده، وكذلك عمل النّاس مع إخوانهم وأهل الحلم والكرم منهم، ولم يكن أصحاب الأحنف وعشيرته يعصونه ويكذبون عليه ويعفّون رحمه لأجل حلمه، وكم من مهيب يعصى وتتحمّل عقوبته لأجل بغضه ومساوىء أخلاقه! وكم من حليم يطاع وكريم يمتثل (2) وتفنى الأموال والأرواح في طاعته! فمن أين للمعترض أنّ المرجئة لما اعتقدوا أنّ الله تعالى يغفر لأهل الإسلام استهانوا بجلال الله وانهمكوا في معاصي الله وصار دأبهم الكذب على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولقد رأينا في الصّالحين من يزداد عملاً ونشاطاً مع الرّجاء، ويزداد ضعفاً وفتوراً مع الخوف، وهذا معروف عند أهل الذّوق، وأنشدوا في ذلك:
لها بوجهك نور يستضاء به … ومن أياديك في أعقابها حادي
لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن المنام وتلهيها عن الزّاد--------------------------------------------
(1) في (س): ((المسامحة)).
(2) هكذا استظهرت قراءتها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 520)
الوجه الخامس: أنّ القول بالإرجاء وإن كان حراماً فليس بكفر ولا فسق، وكلّ بدعة محرّمة تأوّل فيها صاحبها، ولم تكن كفراً، ولا فسقاً فصاحبها مقبول بالإجماع. أمّا أنّ الإرجاء ليس بكفر ولا فسق؛ فذلك مقتضى الدّليل، ومذهب أصحاب الخصم.
أمّا الدّليل: فلأنّ التّكفير والتّفسيق يحتاج إلى دليل سمعي وهو مفقود، ومخالفتهم للنّصوص تأويلاً لا يكفي في [الكفر] (1) ، على أنّ ابن الحاجب اختار عدم التّأثيم لمن خالف القطعي مجتهداً وهو قوي، والموضع يضيق عن ذكر الحجج في المسألة.
وقد ذكر الذّهبي في ((الميزان)) (2) ما معناه: ((إنّ بدعة الإرجاء ليست بكبيرة)).
وأمّا الحديث الذي فيه: ((ليس للمرجئة في الإسلام نصيب (3))) (4)--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((الكير))! والمثبت من (س).
(2) (4/ 224). لعله ما ذكره في هذا الموضع في ترجمة: مشعر بن كدام.
فقال: ((الإرجاء مذهب لعدة من جلّة العلماء، لا ينبغي التحامل على قائله)) اهـ
أي: من حيث قبول روايته.
(3) الحديث أخرجه الترمذي: (4/ 395) ، وابن ماجه: (1/ 24) من ابن عباس رضي الله عنهما قال الترمذي: ((حديث حسن غريب)) كما في تحفة الأشراف: (5/ 169) ، وفي المطبوعة: ((غريب حسن صحيح)).
والحديث جاء من رواية جماعة من الصحابة لا تخلو طرقه من كلام.
(4) كذا في الأصول! والكلام مبتور، ولعلّ المؤلّف أراد أن يتكلّم على الحديث.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 521)
[وأمّا مذهب الخصم: فقد نصّ عليه القاضي شرف الدين في ((تذكرته)) ، وذكر معنى ذلك القاضي العلامة عبد الله بن حسن] (1) … (2الدواري في ((تعليق الخلاصة)) ، والحاكم في ((شرح العيون)) وغيرهم.
وأمّا دعوى الإجماع: فذكرها الأمير علي بن الحسين في ((اللمع)) الذي /هو مدرسهم (2).
وفي هذا القدر كفاية في الذّبّ عن السّنن الصّحيحة المنقولة عن ثقات المرجئة، وقد تركت بعض ما في ((الأصل)) من التّطويل في ذلك، وقد أكثرت من الانتصار لظنّ صدقهم وقبول روايتهم، حتّى ربما توهّم بعض الضعفاء أني أميل رأيهم، ومعاذ الله تعالى من ذلك، فعقيدة أهل السّنّة أصح مباني واوضح معاني، وحسبك أنّها جامعة لمحاسن العقائد؛ من حسن الظّنّ بالله ورجاء مغفرته مع خوف عذابه، والحذر من غضبه، وإن مات العاصي على الإسلام فلابدّ من الخوف والرّجاء لذي الجلال والإكرام، فقد قال الله تعالى في الملائكة مع أمانهم من الموت عن الكفر، ومن ارتكاب الكبائر: ((يخافون ربّهم من فوقهم)) [النحل/50] وقال فيهم: ((هم من خشية ربّهم مشفقون)) [المؤمنون/57] فإذا كان هذا حال الملائكة عليهم السلام، فكيف بحال العبد العاصي!! وفي ((الصّحيح)) (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو--------------------------------------------
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصول، واستدركه من سياق الكلام في ((العواصم)): (2/ 275).
(2) ما بينهما ساقط من (س).
(3) تقدّم تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 522)
تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً وضحكتم قليلاً)) فنسأل الله السّلامة، وأن يجعلنا ممّن يشفق من ذنبه، بل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه، آمين آمين.
الطّائفة الثّالثة: معاوية والمغيرة وعمرة بن العاص، ومن تقدّم ذكره في الأوهام، فإنّ كثيراً من الشّيعة ذكروا أنّها ظهرت على هؤلاء الثّلاثة قرائن تدلّ على التّأويل، وقدحوا بتصحيح حديثهم في حديث الكتب الصّحاح كالبخاري ومسلم.
وأمّا أهل الحديث فمذهبهم أنّهم من أهل التّأويل والاجتهاد والصّدق، لكونهم أظهروا التّأويل فيما يحتمله، وعلم البواطن محجوب عن الجميع، وبين الفريقين في هذا مالا يتسع له هذا ((المختصر)) ، والقصد: مجرّد تصحيح الحديث الصّحيح، والذّبّ عنه لا غيره فيما (1) بين أهل المذهبين، وقد اجتهدت في هذا الكتاب في نصرة الحديث الصّحيح بالطّرق التي يتّفق الفريقان على صحّتها أو يتّفقون على قواعد تستلزم صحّتها، كما يعرف ذلك من تأمّل هذا الكتاب كلّه، وفي هذا الموضع لم أجد طريقاً قريبة مجمعاً عليها إلا طريقاً واحدة، وهي: بيان صدق هؤلاء المذكورين في روايتهم بشهادة من لم تجرحه الشّيعة من الصّحابة لهم بصّحة الرّواية في كلّ حديث على التّعيين، خاصّة في أحاديث الأحكام المعتمدة في معرفة الحلال والحرام.
فأمّا أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص ونحوهم--------------------------------------------
(1) في (ي): ((لا غير فيما)) ، وفي (س): ((مما)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 523)