الجنس من أهل الأثر، وهذا قبيح ممّن فعله؛ لأنّ البحث عن هذا وإن كان من جليّات علم المعقول، فإنّه لا يجب البحث عنه على كلّ مسلم، بل ترك البحث عنه سنّة عند أهل الحديث، داخلة في عموم ما ورد من [الحثّ] (1) على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه -رضي الله تعالى عنهم- والوقف في التّأويل مع عدم العلم بالموجب له هو الواجب، ومن فعل الواجب لا تحلّ غيبته، ولا تسقط حرمته، بل من اعتقد الظّاهر لأنّه يظنّ ذلك، وقدّرنا أنّه أخطأ لم يأثم ولم تحل غيبته؛ لأنّ المسلم قد يخطىء، وليس كلّ أمر جليّ في العقل يجب على المسلمين النّظر فيه، فإنّ من الجليّات عند أهل علم المعقول صحة قولنا: إذا صدق أنّ كلّ (ألف باء) وجب بالضّرورة أنّ بعض (الباء ألف) ، وهذا وإن كان علماً ضروريّاً عند من عرف مقصدهم؛ فإنّه لا يلزم المسلمين أن يعرفوه، ولا يستحق جاهله الاستهانة والسّخرية، فقد جهله خير أمّة أخرجت [للنّاس] (2) ، وقد قدّمنا أنّ أهل علم الأثر لم يتركوا الخوض في ذلك لتبلّد (3) أذهانهم عن فهمه، ولا لقصور عقولهم عن علمه -فهم أهل الفطن الوقّادة والفكر النقّاد- ولكنهم كرهوا الابتداع ورغبوا إلى الاتباع، وعضّوا النّواجذ على الاقتداء بالخلفاء الرّاشدين كما أوصاهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أوضحت هذا في (الوهم الثّاني عشر) فخذه من هنالك (4).--------------------------------------------
(1) في (أ): ((البحث)). والمثبت من (ي) و (س).
(2) سقطت من (أ).
(3) في (أ): ((لا لتبلد)).
(4) (ص/326).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 424)
المقدّمة الخامسة: في ذكر ترجيح التّأويل على التّكذيب فيما وجب تأويله من أحاديث الصّحاح التي ذكرها المعترض، وترجيح ذلك يظهر بذكر مرجّحات:
المرجّح الأوّل: أنّ القطع أنّهم تعتمدوا الكذب [فيها] (1) يؤدّي إلى بطلان أمر مجمع على صحّته، وكلّ ما أدّى إلى ذلك فهو باطل، وقد تقدّم الكلام على إجماع طوائف الإسلام على الرّجوع إلى المحدّثين في علم الحديث، والاحتجاج بما رواه أئمتهم في مصنّفاتهم، فلا حاجة إلى إعادة ذلك.
المرجّح الثّاني: قوله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم)) [الإسراء/36]. والقول بأنّ ثقات الرّواة قد تعمّدوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم /مما ليس لأحد به علم، ومن قطع بذلك؛ فقد قطع بغير تقدير، ولا هدى، ولا كتاب منير، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب أهل الكتاب في حديثهم خوفاً من تكذيب الصّدق وردّ الحقّ، فإنّ الكافر قد يصدق، فهذا في حقّ اليهود القوم البهت، فكيف بثقات المسلمين وأئمة الدّين؟!
المرجّح الثّالث: أنّ الخطأ في القبول أهون من الخطأ في الرّدّ والتّكذيب؛ لأنّا متى أخطأنا في القبول كان تصديقاً للنّبي صلى الله عليه وسلم موقوفاً على شرط صحّة الحديث عنه، ومتى أخطأنا في التّكذيب كان تكذيباً لكلامه متى صحّ أنّه كلامه، والتّصديق الموقوف بالضّرورة، أقصى ما في الباب: أن يكون الخطأ في القبول--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((فيما)) ، والتصويب من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 425)
كذباً عليه والخطأ في الرّدّ تكذيباً لكلامه، لكن عمد الكذب عليه فسق وعمد التّكذيب كفر، والخطأ فيما عمده كفر، وهذا من ألطف المرجّحات وخفيّات المدارك النّظريّات.
المرجّح الرّابع: أنّ القطع على الرواة بتعمّد الكذب تفسيق لهم، والتّأويل تصديق لهم، وتصديق المسلمين أولى من تفسيقهم لوجهين:
أحدهما: أنّ الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة.
وثانيهما: أنّه يخاف على من فسّق مسلماً أن يرجع الفسق عليه، فقد ورد في ((الصحيح)) (1): أنّ من دعا أخاه بالفسق وليس كذلك، [حار] (2) عليه، أو كما ورد.
المرجّح الخامس: أنّا وجدنا في كتاب الله تعالى شواهد لجميع ما أنكرته المبتدعة من أحاديث الصّحاح كما أوضحته في ((الأصل)) (3) كما يأتي فيما نذكر تأويله إن شاء الله تعالى.
المقدّمة السّادسة: في الإشارة إلى مراتب التّأويل والتّصديق،--------------------------------------------
(1) البخاري ((الفتح)): (10/ 531).
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيّما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما)).
(2) أي: رجع.
ووقع في (أ): ((جار)) ، وفي (ي): ((جار)) وفي (س): ((جاز)) والصواب ما أثبته.
(3) (8/ 287).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 426)
وقد ذكرت في ((الأصل)) (1) من ذلك ست مراتب وطوّلت القول فيها، وقد رأيت الاقتصار في هذا (المختصر) على ذكر ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّل وهو رؤية مثال الشّيء في اليقظة، وهو كالمنام، إلا أنّه يكون في اليقظة، والأشعرية يجوّزون هذا، والمعتزلة تنكره إلا في حال النّوم، وعند تغيّر العقل من مرض أو غيره، ومن جوّزه يحتجّ له بأمور:
أوّلها: قوله: ((فلما ألقوا سحروا أعين النّاس واسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم)) [الأعراف/116] وقوله تعالى: ((يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى)) [طه/66] وهذا مع نصّ القرآن عليه معلوم من أحوال السّحرة وخواصّ السّحر، وفيه دليل على صحّة (2) ما أنكرته المعتزلة من رؤية ما لا وجود له في الحقيقة مع صحّة العقل.
وثانيها: أنّ ذلك من العلوم الضّرورية التّجريبيّة المتواترة عن أرباب الرّياضيات وملازمة الخلوات، فإنّهم يرون في اليقظة مثل ما يرى النّاس في النّوم، ويسمعون مخاطبات من غير رؤية مخاطب، وقد ذكر الفخر الرّازي في ((المفاتيح)) أنّ هذا مما اعترفت به الفلاسفة / ولم تنكره، وإنما وقع النّزاع في ماهيّة ذلك، فأمّا جحده فعناد ودفع للضّرورة، وفيه ما يدلّ على بطلان قول المعتزلة.
وثالثها: أنّه قد ثبت بالضّرورة أنّ العاقل المستيقظ قد يتخيّل الشّيء الواحد اثنين، ويتخيّل المستقيم معوجّاً، كما يتخيّل العود في--------------------------------------------
(1) (8/ 290 - 320).
(2) في (س): ((حجة)) وهو تحريف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 427)
الماء، وهذا ممّا وافقت عليه المعتزلة، وهو يدلّ على جواز ما ذكرناه من صحّة تخيّل العاقل لما لا وجود له؛ لأنّ كلّ ذلك بصر كاذب في حال الصّحّة واليقظة؛ وإنّما كذب بخلل وقع وعذر اتّفق.
وهذه المرتبة الأولى من مراتب التّأويل، ذكرها أبو حامد الغزّالي وجعل منها حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وهذا المثال غير مطابق؛ لأنّ الكلام في حال اليقظة غير (1) المنام، وكذلك أهل السّنة فإنّهم قد تأوّلوا أشياء بهذا التّأويل، ولكن بشرط المنام كما قالوا في حديث حمّاد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس في رؤية النّبي صلى الله عليه وسلم لربّه عز وجل على تلك الصّفة المنكرة، وقد ذكره الذّهبي في ترجمة حمّاد في كتاب ((الميزان)) (2) وساق طريقه ثمّ قال: ((فهذه الرّؤية إن صحّت رؤية منام)).
وممّا جاء التّصريح في متن الحديث بأنّه كان في المنام قول أنس مرفوعاً في حديث المعراج: ((ثمّ دنا الجبار تعالى فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى)) (3).--------------------------------------------
(1) في (س): ((دون)).
(2) (2/ 116 - 117) بنحوه.
(3) أخرجه البخاري ((الفتح)): (13/ 486) من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس، وقد خالف شريك في روايته لحديث الإسراء جماعة الحفاظ بأشياء، ذكر الحافظ في ((الفتح)): (13/ 493 - 494) انها تزيد على عشرة أشياء.
منها: أن الإسراء كان مناماً.
ونسبة الدّنو والتدلي إلى الله عز وجل، والمشهور في الحديث أنه جبريل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 428)
ومنه ما رواة التّرمذي (1) من حديث عبد الرّحمن بت عائش رضي الله عنه عن النّبي صلى الله عليه وسلم: ((أتاني ربّي في هذه اللّيلة فقال لي: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى)) ، فقد جاء في الحديث ما يدلّ على أن هذا كان في المنام، فهذا كلّه متعلّق بالمنام.
وأمّا ما ورد من ذلك عن النّبي صريحاً في اليقظة، وهو على سبيل التّخيّل؛ فلا أعلم أهل الحديث ذكروا من ذلك شيئاً، إلا ما ذكره ابن قتيبة في حديث موسى عليه السلام وأنّه فقأ عين ملك الموت عليه السلام كما سيأتي تحقيقه. قال ابن قتيبة (2): ((أذهب موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست حقيقة خلقته، (2وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقته (3) الرّوحانية كما كان لم ينقص منه شيء)) فهذا أكثر ما وجدت لأهل الحديث من التّأويل بهذا الوجه، مع أنّه لم يجعله من صريح هذا الوجه ولو جعله منه لقال: إن موسى في الحقيقة ما فقأ عيناً قط، وإنّما خيل إليه ذلك، فإن كان قصد هذا فقصرت عبارته عن مراده.
وقد جاء في الأحاديث ما هو صريح في جواز وقوع هذا الوجه، ولكنّه ورد على جهة التّصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا على جهة التّأويل--------------------------------------------
(1) ((الجامع)): (5/ 343) ، وقال عقبه: ((هذا حديث حسن صحيح. سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح .... )) اهـ.
(2) ((تأويل مختلف الحديث)): (ص/187).
(3) ما بينهما ساقط من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 429)
من المحدّثين، /فلهذا لم أعدّه من التّأويل.
وكذلك حديث: رؤية النّاس للنّار والماء مع الدّجال، وأنّ ناره ماء وماءه نار، وهو حديث صحيح متّفق على صحّته من غير طريق.
وفي حديث حذيفة المتّفق على صحّته (1): ((فأمّا الذي يرى النّاس أنّه نار فماء بارد، وأمّا الذي يرى النّاس أنّه ماء فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي هو نار فهو ماء عذب بارد)).
وكذا في الحديث الطّويل الثّابت صفة القيامة: ((فيتمثّل لكلّ فرقة معبودها فتتبعه حتّى يقدم بها في النّار ويتمثّل لمن كان يعبد عيسى فيتبعها حتّى تقذفه في النّار)) وهو ثابت في ((الصّحيح)) (2).
وقد جعل الغزّالي من هذا القبيل حديث رؤية النّبي صلى الله عليه وسلم للجنّة والنّار وهو يصلّي بأصحابه صلاة الكسوف، وهو متفق على صحّته (3) ، ولكن الغزّالي بنى تأويله على أنّه ورد في الحديث: أنّ الجنّة والنّار عرضا على رسول صلى الله عليه وسلم في عرض حائط، قال: وهو يستحيل أن يتّسع الحائط لهما على تقدير الوجود الحقيقي.
قلت: ولم أجد هذه الزّيادة التي ذكرها في الكتب السّتّة--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ((الفتح)): (13/ 97) ، ومسلم برقم (2934).
(2) أخرجه البخاري ((الفتح)): (11/ 453) ، ومسلم برقم (182) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) البخاري ((الفتح)): (2/ 627) ، ومسلم برقم (907) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 430)
(1) ، ولكن ذكرها ابن الأثير في ((النهاية)) (2) ، ولا شكّ أنّه قد يذكر الحديث الضّعيف في ((النّهاية)) (3) فإذا صحّت فهي مثال حسن في هذا المعنى، وإذا لم تصح فلا مانع على قواعد أهل الحديث من رؤيتها على الحقيقة، وهذا باب واسع يتركّب عليه في التّأويل أمور كثيرة عند من يرغب إلى التّأويل، والله سبحانه أعلم.
المرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغوي، وأكثر التّأويل يدور عليه، وفيه: الجلي (4) والدّقيق والقريب والعميق، والمجاز: مرسل واستعارة، فالمرسل: الذي علاقته غير المشابهة كاليد في القدرة والنعمة، وله أقسام كثيرة، والاستعارة: حيث تكون العلاقة هي المشابهة، وهي مطلقة ومجرّدة ومرشّحة، فالمطلقة: التي لا تتبع بصفات المشبّه ولا بصفات المشبّه به، والمجرّدة: التي تتبع بصفات المشبّه مثل: أسد شاكي السّلاح، والمرشّحة: التي تتبع بصفات المشبّه به مثل قوله (5):
* له لبد أظفاره لم تقلّم *
وقرائن المجاز ثلاث: عقلية وعرفية ولفظية، كما مرّ تمثيلها في--------------------------------------------
(1) هو كما ذكر المصنف، فيما يتعلّق بحديث الكسوف؛ إلا أنّ هذه اللفظة جاءت في حديث أنس عند البخاري ((الفتح)): (13/ 279) كتاب الاعتصام، ولفظه: ((والذي نفسي بيده، لقد عرضت عليّ الجنّة والنّار آنفاً في عرض هذا الحائط وأنا أصلّي، فلم أر كاليوم في الخير والشّر)).
(2) (3/ 212).
(3) بل هو من مظانّ الأحاديث الضّعاف والغرائب ونحوها.
(4) في (ي): ((الجملي))!.
(5) عجز بيت لزهير بن أبي سلمى من معلّقته. ((ديوانه)): (ص/45).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 431)
المقدّمة الرّابعة.
فإذا عرفت هذا؛ فاعلم أنّ القرينة متى (1) كانت معروفة عند المتخاطبين، [أو] (2) عليها دليل قاطع يوجب اليقين حسنت المبالغة في التّجوّز ولم يدخل في باب التّعمية للمراد والإلغاز في الخطاب، هذ عند المتكلّمين، وسواء كان القاطع جليّاً أو خفيّاً، وعند أهل الحديث: متى كانت القرينة معروفة عند المتخاطبين حسن /التّجوّز وزال الإشكال. والسّرّ كلّه في هذه النّكتة هي: ظهور القرينة وخفاؤها، وعلى ذلك يدور الخلاف بين المتكلّمين والمحدّثين في كثير من التّأويل، فإنّ المتكلّمين يجعلون قرينة التّجوّز في كثير من آيات الصّفات وأحاديثها عقليّة، وإذا سألتهم عنها أحالوا في ثبوت تلك القرينة العقلية على النّظر في دقائق معارف علم المعقول التي نازعهم في صحتها من شاركهم في المعرفة بالعقليّات لدقّتها وغموضها، فكيف يتقدّر أنّ الصحابة ومن عاصرهم من العرب عرفوها؟
ومن مارس علم النّظر وعلم التّاريخ حصل له من مجموعهما علم ضروري بخلو أهل ذلك العصر الأوّل عن تلك المعارف، فأشكل الأمر حينئذ على المتكلّمين، لأنّهم إن قالوا: إنّ أهل ذلك العصر الأوّل تأوّلوا من غير دليل، وقالوا بالتّجوّز من غير قرينة فهذا لا يجوز، وهو يفتح باب القرمطة ومذهب الباطنية المجمع على بطلانه، وإن--------------------------------------------
(1) في (س): ((التي))!.
(2) في (أ): ((و)) والمثبت من (ي) و (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 432)
قالوا: إن أهل ذلك العصر يعرفون هذه الأدلّة التي ألجأت أهل الكلام إلى التّأويل فذلك عناد يعلمه الخاصّة من أهل ذلك العصر، وهذا الثّاني هو الذي يركبه المتكلّمون، فإنّهم يدّعون مشاركة الصّحابة في المعارف العقلية على سبيل الجملة، وقد تكلّم الرّازي في ردّ ذلك بأنّ المعرفة الجملية غير صحيحة؛ لأنّ البرهان متى تركّب من عشر مقدّمات استحال من العارف أن يزيد في مقدّماته مقدّمة واحدة، واستحال من القاصر أن ينتج له العلم بمعرفة تسع مقدّمات، وكلامه هذا حقّ لا محيص عنه، فأمّا أن يدّعي المتكلّمون مشاركة الصّحابة في علم الكلام على سبيل التفصيل فهذا عناد عظيم، أو يدّعون المشاركة فيه على سبيل الجملة فهذا عذر غير مستقيم (1) ، فلهذا التجأ أهل الحديث إلى الإيمان الجملي، وترك الخوض مع الخائضين في بحار التّأويل، وسيأتي لهذه النّكتة مزيد من بيان، وقد مرّ من ذلك طرف صالح أيضاً.
وفائدة هذا الكلام: أن تعرف أنّ القرينة متى ظهرت وعرفها المتكلّم والسّامع لم يختلف أهل اللّغة في حسن التّجوّز، وهنا يتوافق المحدّث والمتكلّم، بل يكون تناسي التشبيه أبلغ وأفصح، فإذا وصفت زيداً بأنّه أسد، جاز أن تنسب إليه جميع صفات الأسد كما في قوله:
لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف … له لبد أظفاره لم تقلّم (2)--------------------------------------------
(1) في (ي): ((فهذا غير مستقيم)) وأشار إلى أن ما أثبته في نسخة، وفي (س): ((فهذا عذر سقيم)).
(2) ((ديوان زهير)): (ص/45).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 433)
فوصف الرّجل بصفات الأسد من اللّبد وطول الأظفار، وكذلك لو أنّك وصفت الرّجل الشّجاع بجميع صفات الأسد وأسمائه، وذكرت محلّه وأشباله /ما ازداد المجاز إلا حسناً، ولم يكن ذلك مما يصعب تأويله في لغة العرب أبداً.
قال علماء المعاني: ولأجل البناء على تناسي التّشبيه صحّ التّعجّب في قوله:
قامت تظلّلني من الشّمس … نفس أعزّ عليّ من نفسي
قامت تظلّلني فواعجبا (1) … شمس تظلّلني من الشّمس
ولذلك صحّ النّهي عن التّعجّب في قوله:
لا تعجبوا من بلى غلالته (2) … قد زرّ أزراره على القمر (3)
قالوا: ولهذا يبنى على علوّ القدر ما يبنى على علوّ المكان مثل قوله:
ويصعد حتّى يظنّ الجهول … بأنّ له حاجة في السّماء (4)
كلّ هذا ذكره علماء المعاني والبيان، وقد رأيت تأكيد ما ذكروه--------------------------------------------
(1) في نسخة: ((ومن عجب)) كذا في هامش (أ) و (ي) ، وهو كذلك في (س).
(2) الغلالة بالكسر: شعار يلبس تحت الثوب. ((القاموس)): (ص/1343).
(3) البيت لابن طباطبا العلوي ت (332هـ). انظر: ((معاهد التنصيص)): (2/ 129).
(4) البيت لأبي تمّام. ((ديوانه)): (2/ 200) من قصيدة يرثي بها خالد بن يزيد الشيباني. والبيت في ((الديوان)) هكذا:
ويصعد حتّى لظنّ الجهول … أنّ له منزلاً في السّماء
وذكر التبريزي أنّه في رواية: ((له حاجة)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 434)
بذكر جملة صالحة مما رود في هذا المعنى مطابقة لمقتضى الحال، فإنّ مقتضاه المبالغة في كشف عطاء البيان، لإنكار المعترض إمكان التّأويل في بعض الأحاديث التي لم تبلغ في التّجوّز مرتبة كثير مما نورده من كلام البلغاء، وإنّما وقع التّفاوت في ظهور القرينة الدّالة على التّجوّز في نفس الأمر.
فمن ذلك ما ذكره الزّمخشري رحمه الله في ((كشّافه)) (1) في تفسير قوله تعالى: ((أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم)) [البقرة/16] فإنّه تكلّم في هذا لما يشهد بما ذكرته فقال ما لفظه: ((فإن قلت هب أنّ شراء الضّلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال؛ فما معنى ذكر الربح والتّجارة كأنّ ثمّة مبايعة على الحقيقة؟
قلت: هذا من الصّنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذّروة العليا، وهي: أن تساق كلمة مساق المجاز ثمّ تقفّى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن ديباجة وأكثر ماء ورونقاً منه، وهو المجاز المرشّح، وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاوان (2) ، جعلوه كالحمار ثمّ رشّحوا ذلك روماً لتحقيق البلادة؛ فادّعوا لقلبه أذنين وادّعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة، ونحوه:--------------------------------------------
(1) (1/ 37).
(2) في (س): ((كأنّ باذني قلبه خطلاوان فإنّهم .... ))!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 435)
ولمّا رأيت النّسر عزّ ابن دأية (1) وعشّش في وكريه جاش له صدري
لمّا شبّه الشّيب بالنّسر، والشّعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التّعشيش والوكر)) إلى آخر كلامه في هذا، وأنشد في غير هذا الموضع في [((كشّافه))] (2):
ينازعني ردائي عبد عمرو … رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لي الشّطر الذي ملكت يمين … ودونك فاعتجز منه بشطر
قال: أراد بردائه سيفه (3) ، ثمّ قال: فاعتجز منه بشطر، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار)) انتهى كلامه.
ومن ذلك قوله تعالى: ((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم)) [الصف/8] فذكر الأفواه ترشيحاً لذكر الإطفاء، ومن مطربات التّرشيح قول المعرّي (4):
وسألت كم بين العقيق وبارق … فعجبت من بعد المدى المتطاول
وعذرت طيفك في الزّيارة إنّه … يسري فيصبح دوننا بمراحل
فإنّه لما تجوّز في وصف الطّيف بالزّيادة تناسى التّجوّز حتّى عليه التّأخّر عن الزّيارة فسأل عن محلّ صديقه، فأخبر ببعده--------------------------------------------
(1) ابن دأية: هو الغراب، سمّي بذلك لأنّه يقع على دأية البعير الدبر، وهو موضع الرحل، فيبقرها؛ فنسب إليها. وقيل غير ذلك.
انظر: ((المرصّع)): (ص/142) لابن الأثير.
(2) زيادة من (س).
والبيتان فيه: (2/ 346).
(3) تحرّفت في (س) إلى: ((ثوبه))!.
(4) ((سقط الزند)): (ص/127).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 436)
المفرط فعرف الطّيف، وعلم أنه لا يقدر قطع تلك المسافة المتطاولة في ليلة واحدة، وأنّه لا يصحّ في الطّيف أن يأتي نهاراً؛ لأنّه وقت اليقظة، وهذا معنى لطيف يهزّ البلغاء طرباً.
ومما جاوز حدّ الغرابة في هذا قول الزّمخشري كناية عن الجماع:
وقد خطبت على أعواد منبره … سبعاً رقاق المعاني جزلة الكلم
وقد اعترض نفسه باستعارة هذه الأمور الشّريفة لما لا حظّ له في مراتب الشّرف.
وللشّيخ عمر بن الفارض في هذا من الإجادة ما ليس لغيره، من ذلك قوله (1):
كان لي قلب بجرعاء الحمى … ضاع منّي هل له ردّ علي
فاعهدوا بطحاء وادي سلم … فهو ما بين كداء وكدي
فإنّه لما تجوّز في ضياع قلبه، بنى عليه ما يبنى على الضّياع الحقيقي فأمرهم بطلب قلبه، وعيّن لهم الموضع الذي هو فيه، وحدّه بكداء وكدي، وهما موضعان بمكة المشرّفة (2).
ومن أطول ما سمعته في هذا المعنى وأحسنه قصيدة الشّيخ أبي حفص عمر بن الفارض الصّوفي السّعدي نفع الله به (3) ، التي قال فيها (4):--------------------------------------------
(1) ((ديوانه)): (ص/203).
(2) انظر: ((معجم البلدان)): (4/ 439).
(3) انظر التعليق (ص/24، 423).
(4) ((ديوانه)): (ص/179).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 437)
شربنا على ذكر الحبيب مدامة … سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
ولها البدر كأس هي شمس يديرها … هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
ولولا شذاها ما اهتدينا (1) لحانها … ولولا سناها ما تصوّرها الوهم
فإن ذكرت في الحيّ أصبح أهله … نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم
ومن بين أحشاء الدّنان تصاعدت … ولم يبق فيها (2) في الحقيقة إلا اسم
وإن خطرت يوماً على خاطر امرىء … أقامت به الأفراح وارتحل الهم
ولو نظر النّدمان ختم إنائها … لأسكرهم من دونها ذلك الختم
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميّت … لعادت إليه الرّوح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمها … عليلاً وقد أشفى لفارقه السّقم
ولو نال فدم القوم لثم قدامها … لأكسبه معنى شمائلها اللّثم
هنيئاً لأهل الدّير كم سكروا بها … وما شربوا منها ولكنّهم همّوا
ودونكها في ألحان فاستجلها به … على نغم الألحان فهي بها غنم
فما سكنت والهمّ يوماً بموضع … كذلك لم يسكن مع النّغم الغمّ
/يقولون لي صفها فأنت بوصفها … بصير، أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى … ونور ولا نار وروح ولا جسم
إلى آخر ما ذكره الشّيخ. فانظر إلى ما فيها من التّرشيح، وتناسي التّشبيه، فإنّ الشّيخ لما تولّه في حبّ الله تعالى جل جلاله، وارتفعت في منازل المحبّة أحواله، شبّه الحبّ في تلعُّبه بعقول المحبّين بالخمرة--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((اهتديت)).
(2) في نسخة: ((منها)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 438)
فاستعار اسمها للمحبّة، ثم أخذ يفتنُّ في ترشيح الاستعارة بذكر أوصاف الخمرة ومتعلّقاتها متناسياً للتّشبيه، فذكر الشّرب، والسّاقي، والشّذا، والحان، والنّشوة، والدّنان، والفدام، وختم الإناء، والنّضح منها، والكرم الذي منه عنبها، والحائط الذي كانت غروس العنب فيه، والسّكر منها، والدّير الذي شربت فيه (1) ، وهنّأ لأهل الدّير بسكرهم منها، وذكر مزاجها وشربها صرفاً على الألحان التي تصاحبها في العادة، وزوال الهم معها، وشبّه الكأس الذي تشرب فيه بالنّجم، والسّاقي في جماله بالهلال، وأمثال ذلك.
فمن زعم أنّ هذا نظم خارج عن طريقة (2) العرب، غير بليغ ولا مستقيم، فهو بهيميّ الطبع جامد القريحة، ومن أقرّ أنّه عربي بليغ في أرفع درجات الصّنعة البديعية عند أهل هذا الشّأن؛ لزمه ألا يقول فيما هو دونه (3) بدرجات كثيرة من القرآن والحديث أنّه يستحيل تأويله على قانون اللغة العربية في التّجوّز، وبطل قول من يدّعي في كثير من ذلك أن التّجوّز فيه داخل في حدّ الإلغاز والتعمية، وما لا يجوز على الله تعالى، وأنّه يتعذّر معرفة الوجه فيه على جميع من أظلّت السّماء من العلماء والبلغاء والفطناء من أوّل الدّهر إلى آخره! وانظر أيّ تجوّز في السّنّة بلغ إلى هذا المبلغ الذي ذكرته لك في البعد عن الحقيقة.
فإن قلت: إنّ هذه المبالغة لا يجوز دخولها في القرآن والحديث لأنّها كذب محض، ولا يجوز ذلك في كتاب الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) في نسخة: ((منه)) كذا في هامش (أ) و (ي) وهو كذلك في (س).
(2) في (س): ((لغة)).
(3) أي: أقل منه مبالغة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 439)
قلت: هذا جهل باللغة والبلاغة، بل جهل بما في الكتاب والسّنة من ذلك. وقد تقدّم شيء من ذلك في هذا النّوع الذي نحن فيه، وفي القرآن العظيم ما هو أعظم ممّا ذكرناه، ولو لم يرد في جواز هذا، والشّهادة بالبراءة له من الكذب (1) إلا قول الله تعالى: ((إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً)) [الإنسان/19] فإنّا نعلم أنّ من رأى الولدان الحسان لا يحسبهم لؤلؤاً منثوراً في صفاء ألوانهم، وحسن منظرهم كالدّرّ. ووصفه للدّرّ بأنّه منثور من جملة ما ذكرنا من ترشيح الاستعارة.
وكذلك قول الكاتب: كلام لو مزج به ماء البحر لَعَذُبَ/ طعمه، ليس بكذب؛ لأنّ المتكلّم به لم يقصد أن يوهم السّامع حقيقة ذلك، ولا خاف من السّامع أن يتوهّم ذلك، وإنّما قصد وصف الكلام بالبلاغة لا غير، وعرف أنّه لا يفهم من عبارته إلا ذلك، فكأنّ أهل اللسان وضعوا لوصف الكلام بالحسن عبارتين:
إحداهما: أن يقول: كلام فصيح أو بليغ، أو نحو ذلك.
وثانيهما: أن يقول: كلام لو مزج به ماء البحر لعَذُبَ ونحو ذلك، وهذا يخالف الكذب القبيح، فإنّ الكذب هو: ما قصد المتكلّم به إيهام السّامع ما ليس بصدق، والمتجوّز لم يقصد ذلك، (2وهذا هو الفرق بين الاستعارة والكذب، كما ذكره أهل البيان (2) ، وقد أكثرت--------------------------------------------
(1) تحرّفت في (س) إلى ((الكتب))!.
(2) ما بينهما ساقط من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 440)
من الاستشهاد على أمر جليّ لمّا ادّعى الخصم أنّ في الحديث ما لم يمكن تأويله، وما يجب تكذيب راويه، وفيما ذكرت ما يردّ عليه على ما سيأتي تفصيله … -إن شاء الله تعالى-.
المرتبة الثالثة في التّأويل: الحكم بالوهم لدليل يوجب ذلك، والوهم أنواع: فمنه الوهم في اللفظ وهو صحيح مأثور، ومنه حديث عائشة الثّابت في البخاري ومسلم (1) وغيرهما: وفيه عن ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما مرفوعاً: ((الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه)) وفيه: قالت عائشة: ((لا والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إنّ الميّت يعذّب ببكاء أحد، ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً، وإنّ الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولكنّ السّمع يخطىء)). هذا لفظ البخاري ومسلم، وفيما ذكرته شهادة لجواز ظنّ الوهم في الرّاوي عند من اعتمد (2) القطع بأنّ الظّاهر لا يصحّ، وأنّه وقع مثل ذلك في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنهم، في حقّ أوثق الرّواة وأفضلهم وأروعهم ممّن يُعتقد تعظيمه وتفضيله، على أنّ المختار صحّة مثل ذلك على أصول الجميع.
أمّا أهل الحديث؛ فقد ذكر الذّهبي (3) في ضمّة القبر أنّها مثل آلام الدّنيا تصيب المطيع والعاصي، وأمّا على أصول المعتزلة فلأنّ كلّ ألم صحّ فيه العِوَض والاعتبار فهو جائز، وكلاهما ممكن في--------------------------------------------
(1) ((الفتح)): (3/ 180) ، ومسلم برقم (929).
(2) في نسخة ((اعتقد)) كذا في هامش (أ) و (ي) ، وهو كذلك في (س).
(3) ((السير)): (1/ 290).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 441)
ذلك: أما العوض فلا إشكال، وأما الاعتبار فاعتبار من يعلم بذلك من المكلّفين، وفي المعتزلة من يجيز الإيلام لأجل العوض فقط، ولكن في الحديث إشارة إلى تعليل استحقاق العذاب بالبكاء، فلذلك تأوّله البخاري (1) والنّووي (2) لمن أوصى أن يبكى عليه، ويكن الجواب بشيء (3) آخر، وهو: أن البكاء جعل سبباً للعذاب لا مؤثراً في استحقاقه، كما تكون أسباب الآلام في الدّنيا /أموراً غير مأثّرة في الاستحقاق.
والحكمة في جعل البكاء سبباً للعذاب: ما في ذلك من الزّجر العظيم عن البكاء. وتسمية الآلام عذاباً كثير في اللّغة شائع، على أنّه قد تقدّم أنّ السّمع قد دلّ على استحقاق كلّ أحد لشيء من العذاب، فمن الجائز أن يكون عذاباً مستحقاً بذنب غير البكاء، وجعل البكاء سبباً على سبيل الزّجر عنه والله أعلم.
فهذه الوجوه كلّها دالّة على سعة وجوه الحكمة الرّبّانية، وعلى أنّه يجب على المسلم ألا يعجل برمي الرّواة الثّقات بالوهم في الحديث ما أمكنه، فإن قال بذلك قائل فلا حرج (4) عليه، ففي عائشة رضي الله عنها أسوة حسنة.
ومن هذا القبيل حديث قيام السّاعة لمقدار مئة سنة، وهو في--------------------------------------------
(1) ((الصحيح)) مع ((الفتح)): (3/ 180).
(2) ((شرح مسلم)): (6/ 229).
(3) في نسخة ((بوجه)) كذا في هامش (أ) و (ي) وهو كذلك في (س).
(4) في (ي): ((فلا يُحرج)) ، وفي (س): ((لم يخرج)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 442)
((الصّحيح)) (1) وليس المراد به القيامة، وذلك لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما قال: ((لا يأتي مئة سنة حتّى أتتكم ساعتكم)) هكذا ورد في بعض ألفاظ ((الصّحيح)) (2) وساعتهم هي الموت، وهو معنى صحيح قرآني.
قال الله تعالى في تسمية الموت بالسّاعة: ((ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتّى تأتيهم السّاعة بغتةً أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، الملك يومئذ لله يحكم بينهم)) [الحج/55 - 56] قال الجوهري في ((صحاحه)) (3) سمّي يوم القيامة عقيماً؛ لأنّه لا موت بعده، قلت: ويدلّ على ما قاله الجوهريّ قوله تعالى: ((الملك يومئذ لله يحكم بينهم)) فدلّ على أنّ السّاعة في الآية هي الموت. وقد ظنّ بعض السّامعين للحديث أنّه أراد القيامة فإنّ في التّرمذي (4) وأبي داود (5) عن--------------------------------------------
(1) البخاري ((الفتح)): (1/ 255) ، ومسلم برقم (2537) من حديث ابن عمر … رضي الله عنهما.
(2) لم أجده بهذا اللفظ، لا في الصحيح ولا في غيره.
ولكن أخرج أحمد: (1/ 93) ، وأبو يعلى: (1/ 245) ، والطبراني في ((الكبير)): … (17/ 693) ، وغيرهم، عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه كان يظن أن قيام الساعة بعد مائة عام، ويفتي الناس بذلك، فبين له عليّ رضي الله عنه خطأه في ذلك.
قال الهيثمي في ((المجمع)): (1/ 203): ((رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات)) اهـ.
وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه في ((المسند)): (2/ 93).
(3) (5/ 1989).
(4) (4/ 451).
(5) (4/ 516).
أقول: وهذا في ((الصحيحين)) من رواية ابن عمر، ولم يختص بذكر ذلك التّرمذي وأبو داود!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 443)