لله خليفة في الأرض فاسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) والحديث الذي فيه: ((أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا ويسألونا حقّهم؟ قال: أعطوهم حقّهم، وسلوا الله حقّكم)) (1) ونحو هذا ممّا يطول ذكره، وبقيّة الأحاديث تدلّ على ذلك بإطلاقها، فإنّ المرجع (2) في تفسير السّلطان إلى اللّغة.
وأمّا المعتزلة والشّيعة فاحتجّوا بالسّمع والرّأي؛ أمّا السّمع فبعمومات مثل قوله تعالى: ((قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظّالمين)) [البقرة/124]. وللفقهاء أن يجيبوا في هذه الآية بوجوه:
أحدها: أنّ الإمامة المذكورة في الآية هي النّبوّة؛ لأنّ إبراهيم … عليه السلام سأل لذرّيته الإمامة التي جعلها الله /تعالى له وهي النّبوّة.
وثانيها: أنّ الإمامة التي في الآية مجملة محتملة لإمامة النّبوّة،--------------------------------------------
(1) هذت مركّب من حديثين: 1 - أخرجه مسلم برقم (1846) من حديث سلمة بن يزيد الجعفي قال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقّنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه … ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ((اسمعوا وأطيعوا، إنّما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم)).
2 - ما أخرجه البخاري رقم (3603) ومسلم برقم (1843) من حديث عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها)) قالوا: يا رسول الله! كيف تأمر من أدرك منّا ذلك؟ قال: ((تؤدّون الحقّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)).
(2) في (أ): ((المراجع)) وهو سهو.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 404)
وإمامة خلافة النّبوّة، وأدلّة الفقهاء المتقدمة نصوص في خلافة النّبوّة فكانت أخصّ.
وثالثها: أنّ الآية من شرع من كان قبلنا، وقد ورد في شرعنا ما يخالفها، وليس يجوز العمل بشرع من قبلنا مع مخالفة شرعنا له إجماعاً، وسائر أدلّة المعتزلة والشّيعة من هذا القبيل؛ إمّا دليل صحيح في لفظه لكنّه ليس بنصّ، أو دليل نصّ في المسألة لكن صحته غير مسلّمة.
وأمّا الرّأي فقالوا: الإمام راع منصوب للمصلحة، فإذا كان مهلكاً للرّعيّة، مفسداً في الأرض، كان المسترعي له مثل المسترعي للذئب على الغنم، ومطفي مشبوب النّيران بالضّرم.
وللفقهاء أن يجيبوا عن ذلك بأنّهم لم يخالفوا في جواز اختياره، فقد قدّمنا نصّ القاضي عيّاض على أنّه لا يصح نصب الفاسق ابتداءً، ولا حرّموا الخروج عليه إلا إذا غلب على الظّنّ أنّ المفسدة في الخروج عليه أعظم من مفسدة ولايته، وقد أجمع العقلاء، وأطبق أهل الرّأي على وجوب احتمال المضرّة الخفيفة متى كانت دافعة لما هو أعظم منها، ولذلك وجب قطع العضو المتآكل متى غلب على الظّنّ أنّه إن لم يقطع سرى إلى الجسد، وكان سبب الهلاك، فبان بهذا أنّ الفقهاء -أيضاً- قد تمسّكوا في هذا النًصّ السّمعي والرّأي العقلي، وسيأتي لهذا مزيد بيان في الفصل الخامس -إن شاء الله تعالى-.
الفصل الرّابع: في بيان أنّهم وإن قالوا بصحة أخذ الولاية في المصالح من أئمة الجور؛ فلم يجعلوهم مثل أئمة العدل مطلقاً في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 405)
جميع الأمور، وذلك ظاهر في كتبهم، والذي يدلّ عليه وجوه:
الأوّل: أنّهم نصّوا على اشتراط العدالة والعلم في الإمام.
الثّاني: أنّه يحرم نصب الإمام الجائر عندهم والرّضا باختياره.
الثّالث: أنّه يحرم على الجائر التّغلّب على الإمامة ويأثم بها، نصّ عليه النّووي في ((الرّوضة)).
الرّابع: أنّ الخارج على الجائر لا يكون باغياً كما قدّمنا نصّ النّووي على ذلك في ((الرّوضة)) (1) بل رواه النّووي عن العلماء.
الخامس: أنّهم منعوا من جواز تسليم بيت المال إليه على سبيل الاختيار؛ فإنّ الإمام النّووي لما ذكر في ((الرّوضة)) (2) عن الإمام الشّافعي رحمه الله أنّه يقول بميراث ذوي الأرحام، ولا يقول برد ما بقي من مال الميراث على ذوي السّهام، ذكر أنّ ذلك على الصّحيح إنّما يكون مع استقامة بيت المال بولاية العادل، وأنّه متى ولي بيت المال جائر ردّ بقية المال على الورثة، وورث ذووا الأرحام، ولم يعط الإمام الجائر، قال النّووي: وبه أفتى أكثر المتأخرين، وهو الصّحيح والأصح /عند محقّقي أصحابنا ومتقدميهم، قال ابن سراقة (3): وهو قول عامّة مشايخنا، وعليه الفتوى اليوم في الأمصار، ونقله صاحب--------------------------------------------
(1) (10/ 50).
(2) (6/ 6).
(3) هو: العلامة محمد بن يحيى بن سراقة العامري، أحد الحفّاظ، من فقهاء الشّافعيّة، له تصانيف، ت (بعد 400هـ).
انظر: ((طبقات الشافعيّة)): (4/ 211) ، و ((السير)): (17/ 281).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 406)
((الحاوي)) عن مذهب الشّافعي، قال: ((وغلط الشيخ أبو حامد في مخالفته)) هذا كلّه لفظ الإمام النّووي رحمه الله.
وهو دالّ على أنّهم لا يعتقدون أنّ للجائر من الحقوق مثل ما للعادل، وكذا قال النّووي في ((الرّوضة)) (1) عن الماوردي أنّه قال (2): ((إذا كان العامل جائراً في أخذ الصّدقة عادلاً في قمستها جاز كتمها عنه … (1ودفعها إليه، وإذا كان عادلاً في الأخذ جائراً في القسمة وجب كتمها عنه (3) وإنّما اختصّ بهذا الماورديّ لأنّ المسألة مفروضة في جور العامل، لا في جور الإمام، ولأنّ الامتناع من تسليم الصّدقات إليهم غير مقدور؛ لأنّ ذلك يكون سبباً في فساد عظيم كما قدّمنا.
الفصل الخامس: في بيان عظيم غلط المعترض على الفقهاء، حيث ظنّ أنّهم يصوّبون أئمة الجور في قتلهم الذين يأمرون بالقسط من النّاس (2وبيان أنّ الفقهاء إنّما قصدوا حقن دماء الذين يأمرون بالقسط من النّاس (4) ، بل نظروا في مصالح الجميع في الخاصّة والعامّة، وعملوا بمقتضى قواعد الشّريعة في رعاية المصالح، وذلك أنّه لا يشكّ من تأمّل أنّ أكثر الأقطار الإسلامية قد غلب عليها أئمة الجور من بعد انقراض عصر الصّحابة؛ فإنّ الشّام ومصر والغرب والهند والسّند، والحجاز والجزيرة، والعراقين واليمن، وسائر أقطار المملكة--------------------------------------------
(1) (2/ 336).
(2) سقطت من (س).
(3) ما بينهما ساقط من (س).
(4) ما بينهما ساقط من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 407)
الإسلامية ما استدامت فيها دولة حقّ منذ قرون عديدة، ودهور طويلة، فلا شك أنّ في هذه الأقاليم من عامّة أهل الإسلام عوالم لا يخصون، وخلائق لا ينحصرون، ولا شكّ أنّهم في هذه القرون العديدة، والدّهور الطّويلة لو تركوا هملاً لا يقام فيهم حدّ، ولا يقضى فيهم بحقّ، ولا يجاهد فيهم الطّغاة، ولا يؤدّب منهم العصاة: لفشا الفساد، وتظالم العباد، ومرج أمر المسلمين، وتعطّلت أحكام ربّ العالمين.
وقد علمنا على الجملة أنّ الله تعالى ما أراد بإقامة الحدود إلا زجر أهل المعاصي، ولا أراد بالجهاد إلا حفظ حوزة الإسلام وإرغام أعاديه من أهل الإجرام؛ فمتى توقّفت هذه المصالح على شرط وتعذّر تحصيله لم يعتبر ذلك الشّرط، وقد ذكر العلماء لذلك نظائر:
منها: نكاح المرأة بغير إذن وليّها متى غاب وليّها، أو بَعُد مكانه، أو جهلت حياته، فقد ترك كثير من العلماء شرط العقد المشروع -وهو رضا الولي- لأجل مصلحة امرأة واحدة، وخوف مضرّتها!.
ومنها: /نظرهم في تزويج امرأة المفقود، فكيف بمصلحة عوالم من المسلمين وخوف مضرّتهم؟!.
ومنها: الانتفاع باللّقطة بعد تعريف سنة لأن المال مخلوق للمنفعة غالباً، فلمّا تعذّر انتفاع صاحبه به انتفع به غيره كي لا يبقى هملاً لا نفع فيه، ولهذا قال عليه السلام في ضالّة الغنم: ((إنّما هي لك أو لأخيك أو للذئب)) (1) فزال شرط حلّ المال، وهو رضا المالك--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ((الفتح)): (5/ 100) ، ومسلم برقم (1722) من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 408)
لما تعذّر، فهذه مصلحة شخصيّة غير ضرورية، فكيف بالكليّة الضّروريّة!.
ومنها: ما أجمع عليه الصّحابة رضي الله عنهم من الزّيادة في حدّ الخمر، ففي ((الصّحيح)) عن أنس - رضي الله عنه قال: ((جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بالجريد والنّعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلمّا ولي عمر دعا النّاس فقال لهم: إنّ النّاس دنوا من الرّيف، فما ترون في حدّ الخمر؟ فقال عبد الرحمن: نرى أن تجعله كأخف الحدود فجلد فيه ثمانين)).
أخرجه مسلم (1) وأبو داود (2) ، وأخرج البخاري (3) وابن ماجه (4) بعضه.
وعن حُضين بن المنذر عن عليّ رضي الله عنه: ((جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين -وأحسبه قال: وجلد أبو بكر أربعين- وجلد عمر ثمانين وكلّ سنّة وهذا أحبّ إليّ)) أخرجه مسلم (5) ، وأبو داود (6) ، وابن ماجه (7).--------------------------------------------
(1) برقم (1706).
(2) ((السنن)): (4/ 621).
(3) ((الفتح)): (12/ 64).
(4) ((السنن)): (2/ 858).
(5) برقم (1707).
(6) ((السنن)): (4/ 622).
(7) ((السنن)): (2/ 859).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 409)
فجلد الثمانين في الخمر قد شاع في الصّحابة واستمرّ عليه عمل الأمّة إلى هذا العصر، مع أنّه غير منصوص في كتاب ولا سنّة، وإنّما عمل به للمصلحة، فدلّ على إجماع الصّحابة ومن بعدهم على جواز العمل بالمصالح ما لم تصادم النّصوص.
ومن المعلوم أنّ أخذ الولاية من أئمة الجور في ممالك الإسلام، وإقامة الحدود، واستخراج الحقوق، والقضاء بين الخصوم: من أعظم المصالح العامّة، وآكد الفرائض المهمّة، وقد ورد القرآن الكريم بقتل النّفس لمصلحة غير كلّية، وذلك في قصّة يونس عليه السلام قال تعالى: ((فساهم فكان من المدحضين)) [الصافات/141] فألقى بنفسه الكريمة لأجل مصلحة أهل السفينة، وإن كان هذا من شرع من قبلنا؛ فالصّحيح: أنّ ما حكاه الله تعالى في كتابنا من ذلك فهو حجّة لقوله صلى الله عليه وسلم في قصّة كسر سنّ الرّبيع بنت معوّذ: ((القصاص كتاب الله)) ، وهو في ((الصحيح)) (1) ولم يرد السنّ بالسّنّ في كتاب الله إلا حكاية عن شرع من قبلنا في قوله تعالى: ((وكتبنا عليهم فيها)) الآية [المائدة/45].
وكذا في ((الصّحيح)) (2) مرفوعاً: ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها)) ثمّ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأقم الصلاة لذكري)) [طه/14] فاحتج عليه السلام بالآية وهي في خطاب--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ((الفتح)): (12/ 223) ، ومسلم برقم (1675) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) أخرجه مسلم برقم (680) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 410)
موسى عليه السلام ، وفي هذا دليل على أن المصلحة يجوز أن تكون جزئية؛ لأنّ أهل السّفينة بعض المسلمين، ويجوز أن تكون ظنّيّة؛ لأنّه لا سبيل إلى العلم بما يقع فيه أهل الإسلام في المستقبل، وقد تكلّم غير واحد من العلماء في المصالح /وهذا (المختصر) لا يحتمل التّطويل بذكر ذلك، وأحسن من تكلّم في ذلك العلامة الكبير عزّ الدّين بن عبد السّلام في كتابه ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)).
الوهم الثّامن عشر: قدح المعترض على المحدّثين بالرّواية عن الزّهري، وجرح الزّهري بمخالطته للسّلاطين وإعانتهم على الظلم.
فأمّا مخالطة السّلاطين فقد كانت منه، ومن غير واحد ممّن أجمع أهل العلم على عدالتهم وفضلهم، ونبلهم، مثل: الإمام عليّ بن موسى الرّضى، والقاضي أبي يوسف -رحمهما الله تعالى-، ومن لا يأتي عليه العدّ.
وأمّا الإعانة على الظّلم فدعوى على الزّهري غير صحيحة، وقد ذكر العلماء رضي الله عنهم ما يجوز من مخالطة الظّلمة، وفرقوا بين المداراة والمداهنة. قال القاضي عياض و [المازري] (1) في ((شرح مسلم)): المداهنة: بما كان من أمر الدّين، مثل أن يفتيه بغير حقّ، والمداراة: ما كان من أمور الدّنيا.
قلت: الحجج على جواز المخالطة إذا لم يكن معها معصية ظاهرة، ولنذكر منها وجوهاً.--------------------------------------------
(1) تحرّفت في (أ) و (ي) إلى ((المارودي)). والتصويب من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 411)
الوجه الأوّل: الحديث الصّحيح، والنّصّ الصّريح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في أئمة الجور: ((فمن غشي أبوابهم فصدّقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس منّي، ولست منه، وليس بوارد عليّ الحوض يوم القيامة، ومن غشيها أو لم يغشها، فلم يصدّقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض يوم القيامة)) رواه التّرمذي في موضعين من ((جامعه)) (1) بإسنادين مختلفين، أحدهما: صحيح وعليه الاعتماد، والثّاني: معلول (2).
ومن ذلك ما روى أبو داود (3) عن النّبي صلى الله عليه وسلم: ((أنّه نهى عن المسألة إلا أن يسأل الرّجل ذا سلطان)) والمسألة لا تمكن إلا بضرب من المخالطة.--------------------------------------------
(1) (2/ 513) ، (4/ 455).
(2) الإسناد الأوّل: من طريق عبيد الله بن موسى حدّثنا غالب أبو بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن كعب بن عجرة، الحديث.
قال التّرمذي: ((هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى)) اهـ.
الإسناد الثاني: من طريق محمد بن عبد الوهّاب عن مسعر، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن عاصم العدوي عن كعب بن عجرة، الحديث.
قال التّرمذي: ((هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه)) اهـ.
(3) ((السنن)): (2/ 289 - 290). قال الخطّابي: ((هو أن يسأله حقّه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي السّلاطين من غصب أملاك المسلمين)) اهـ. ((المعالم)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 412)
الوجه الثّاني: قوله تعالى: ((لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين)) الآية [الممتحنة/8] ، وعمومها وسبب نزولها يستلزم جواز المخالطة ونحوها، وقد بيّنت ذلك في ((الأصل)) (1).
الوجه الثّالث: قصّة يوسف عليه السلام ومخالطته لعزيز مصر وقوله: ((اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)) [يوسف/55] وقد تقدّم الكلام على ما يتعلّق بشرع من قبلنا (2) ، وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في ((الأصل)) (3) في قدر كرّاس ونصف أو يزيد، وأوضحت غلط المعترض في هذه المسألة، وبيّنت جلالة الزّهري واجتهاده واعتداد العلماء بخلافه، وقبول أصحاب المعترض لحديثه، واحتجاجهم بروايته ولله الحمد.
الوهم التّاسع عشر: روى قصّة ليحيى بن عبد الله بن الحسن … رضي الله عنهم مع أبي البختري وهب بن وهب القاضي المدني، والقصة مشتملة على شهادة /زور وقعت بأمر هذا القاضي مع جماعة كثيرين، وقدح (4) بذلك في المحدّثين وفي صحة حديثهم، وهذا غلوّ وإسراف في التّهويل والإرجاف، لأنّه لا ملازمة بين رواة الحديث وبين جماعة شهدوا زوراً في واقعة معيّنة، إلا أن يذكر المعترض من--------------------------------------------
(1) ((العواصم)): (8/ 201).
(2) (ص/405).
(3) (8/ 187 - 255).
(4) في (س): ((وقد جرح)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 413)
شهد تلك الشّهادة من رواة الحديث، مع أنّ في كلام المعترض ما ينقض حجّته، فإنّه ذكر أنّهم خافوا من هارون الرّشيد إن لم يشهدوا، والخوف من سطوة أئمة الجور يبيح كلمة الكفر، كيف شهادة الزور؟! قال الله تعالى: ((إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان)) [النحل/106] على أنّ هذه القصّة التي أشار إليها غير معلومة الصّحة، ولا رواها بإسناد صحيح، وهي أحقر من أن تجاب، لولا محبّة الذّبّ عن أهل السّنّة (1) ، وهداية من يغترّ بمثل هذه الشّبهة.
الوهم الموفّي عشرين: وهم المعترض أنّ أبا البختري وهب بن وهب ابن [كبير] (2) القاضي القرشي المدني، من رواة الصّحاح، وقد ذكرت في ((الأصل)) (3) اتفاق علماء الحديث على جرحه، وتصريحهم في كتب الرّجال بتكذيبه، ونقلت كلام العلامة أبي عبد الله الذّهبي فيه في كتاب ((ميزان الاعتدال، في نقد الرّجال)) (4) وقد وهم المسكين أنّه من رواة التّرمذي، وليس كذلك، وإنّما روى الجماعة عن أبي البختري سعيد بن فيروز الطّائي التّابعي الجليل الرّاوي عن عليّ رضي الله عنه وهما مختلفان نسباً واسماً، وصفة وزماناً، كما--------------------------------------------
(1) في (س): ((وهي أصغر من أن يجاب عليها، لولا محنة الذب عن السنة)).
(2) تحرّفت في ((الأصول)) ، و ((العواصم)) و ((السير)): (9/ 374) ، و ((الميزان)) ، إلى ((كثير)). والتصويب من ((توضيح المشتبه)): (7/ 296) لابن ناصر الدين.
(3) (8/ 258).
(4) (6/ 27 - 28).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 414)
أوضحته في ((الأصل)) (1).
قال: ((الوجه الرّابع: ممّا يدلّ على أنّ في أخبار كتبهم التي يسمّونها الصّحاح ما هو مردود: أنّ في أخبار هذه الكتب ما يثبت التّجيسم والجبر والإرجاء ونسبة ما لا يجوز إلى الأنبياء، ومثل ذلك يضرب به وجه راويه، وأقلّ أحواله أن يكذّب فيه)) إلى آخر كلامه في هذا الفصل.
أقول: هذا مقام وعر قد تعرّض له المعترض وأبدى صفحته، ورام أن يكذّب الرّواة فيما (2) لم يفهم تأويله، وهذا بحر عميق لا يمكن (3) ركوبه إلا في سفين البراهين القاطعة، وليل بهيم لا يحسن مسراه إلا بعد طلوع أهلّة الأدلّة السّاطعة، وسوف أجيب على ما ذكره، وأذكر من حججه ما سطّره، وقد استوفيت الجواب في ((الأصل)) (4) وأشبعت الكلام في هذا الفصل، وذكرت من المقدّمات ومراتب التّأويل ما لا يسع الخائض في علم الحديث جهله، وسوف أشير إلى عيون يسيرة من ذلك:
المقدّمة الأولى: كلّ ما خالف الأدلّة القاطعة العلمية من الأحاديث الظّنّيّة في متنها، أو في معناها وجب العمل بالقطعيّ دون الظّنيّ إجماعاً، وفيه تنبيهان:--------------------------------------------
(1) (8/ 259).
(2) في هامش (أ) و (ي): ((في كل ما)) في نسخة، وكذلك هو في (س).
(3) في (س): ((لا يصلح)).
(4) (8/ 261 - 323).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 415)
الأوّل: أنّ كثيراً من المتكلّمين يظنّ في بعض الشّبه دليل قطعي، فيخالف الحديث الصّحيح لذلك، معتقداً فيمن عمل بالحديث أنّه يقدّم الظّنّ على العلم، وهذا جهل مفرط، فليس في العقلاء -دع عنك المسلمين- من يقدّم المظنون على المعلوم.
الثّاني: أنّ كثيراً ممّن لا يعرف الحديث ويمارس علومه يظنّ في بعض الأحادث أنّها ظنّية وهي متواترة تواتراً (1) لفظيّاً /أو معنوياً، فليحترز الحاذق من الوقوع في ذلك.
المقدمة الثّانية: أنّ التّأويل المتعسّف مردود، وفيه تنبيهان:
أحدهما: أنّ الحكم بأنّه متعسّف صعب لا يتمكّن من معرفته إلا الرّاسخون في العلم.
وثانيهما: أنّه لا يلزم من ردّ بعض التّأويلات القطع بأنّه لا تأويل للحديث غير متعسّف، فإنّه قد يأتي بعض البلداء فيتعرّض للتّأويل؛ [فيقع] (2) ذهنه على تأويل رديء مردود فيحسب (3) هو أو غيره ممّن يقف على تأويله أنّه لا تأويل للحديث إلا ذلك، فإذا انكشف بطلان ذلك التأويل تطرّقوا في ذلك إلى القدح في الحديث، وهذا باطل! فإنّ أقصى ما في الباب: أن يطلب المتأوّل تأويلاً صحيحاً فلا يجد، لكن عدم الوجدان في النّظر لايدلّ على عدم المطلوب من الوجود، وذلك--------------------------------------------
(1) سقطت من (س).
(2) في (أ) و (ي): ((فيقطع)) ، والمثبت من (س).
(3) في (ي) و (س): ((فيجيب)) ، وكتب في هامش (ي): ((في نسخة: فيحسب)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 416)
لأنّ الباحث عن التّأويل إمّا أن يكون من العلماء أو لا. والثّاني: ليس له أن يتأوّل قطعاً، والأوّل: إمّا أن يكون من الرّاسخين في العلم أو لا. الثّاني: ليس له أن يتأوّل ظاهراً؛ لأنّ الله تعالى لم يجعل ذلك له، في جميع أقوال المفسرين لقوله تعالى: ((وما يعلم تأويله إلا الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنا به)) [آل عمران/7] وأمّا الأوّل -وهم الرّاسخون في العلم- فأمّا أن يكون الجاهل بالتّأويل بعضهم أو كلّهم؛ إن كان بعضهم فلا مانع منه؛ لأنّ لم تثبت العلم بالتّأويل لبعضهم بنصّ ولا ظاهر، كما أنّ آيات الإجماع لم تثبت حرمة مخالفة بعض الأمّة (1).
ويدلّ عليه أنّ الرّاسخين من جميع الفرق يختلفون في التّأويل على وجوه متنافية، فلو كان الواحد منهم لا يجوز عليه الخطأ في التّأويل لم يصح ذلك، ولم يكن لمن بعده مخالفته، ويدلّ عليه: أنّ موسى الكليم من الرّاسخين إجماعاً مع أنّه ما عرف تأويل ما احاط الخضر بتأويله، فكيف يحيط غير الكليم بعلم الله؟ مع أنّ علم الكليم والخضر في علم الله تعالى، كما يأخذ الطّائر بمنقاره من البحر، كما قال الخضر عليه السلام (2) ، وإن كان الجاهل بالتّأويل كلّهم فههنا يظهر الخلاف في معنى الآية، والظّاهر أنّه لا يعلمه إلا الله تعالى، لقوله تعالى في هذه الآية في ذمّ الذين في قلوبهم زيغ: ((ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) [آل عمران/7] وقد تأوّلها المخالفون بأنّ المراد ابتغاء تأويله الذي يوافق أهوائهم، فجعلوها من المتشابه، مع أنّ المرجع--------------------------------------------
(1) في (س): ((الأئمة)).
(2) البخاري ((الفتح)): (1/ 263).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 417)
إليها في الفرق بين المتشابه والمحكم وهذا بعيد، وهو أيضاً تأويل بغير دليل قاطع، فلا مانع من ورود السّمع بالنّهي عن تأويل المتشابه، سواء كان الرّاسخون متمكنين (1) من معرفته أو لا.
وأمّا قولهم: إنّه يلزم من ذلك نسبة العبث إلى الله تعالى؛ فغلط واضح، فإنّ العبث ما لاحكمة فيه، وليس الحكمة مقصورة على معرفة التّأويل، فإنّ الإيمان بالتّنزيل، والتّعظيم له والتّجليل، حكمة بالغة، وكذلك الإيمان بمراد الله تعالى على سبيل الجملة فيه تكليف. مع أنّه يقال لهم: إمّا أن توجبوا على جميع المكلّفين بذلك فهذا باطل بالقرآن والاتفاق، أمّا القرآن فالآية المقدّمة، وأمّا الإجماع فهو منعقد /على سقوط ذلك عن العامّي والعجميّ، بل على تحريمه عليهما، وإذا كان علم البعض بالتأويل يكفي فلعلّ علم الملائكة والأنبياء بذلك كافّ، فمن أين يلزم ما زعم بعض المعتزلة من استلزم ذلك للعبث في حقّه جلّ وعلا، وقد حكى القاضي عياض في كتابه ((المعلم بفوائد شرح مسلم)) (2): أنّ قوله تعالى في هذه الآية: ((والرّاسخون في العلم)) من المتشابه المحتمل؛ وهذا أيضاً بعيد لما قدّمنا ذكره ولنقل الفرّاء للوقف على اسم الله تعالى، ولأنّ قوله تعالى في الثّناء عليهم: ((يقولون آمنا به كلّ من عند ربّنا)) ، مناسب لإيمانهم بمراد الله تعالى على سبيل--------------------------------------------
(1) في (س): ((يتمكنون)).
(2) كتاب القاضي اسمه: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ، أمّا كتاب: ((المعلم بفوائد)) فهو لأبي عبد الله المازري (536) ، طبع من الأوّل أجزاء، وطبع الثاني كاملاً، ولم ينقل هذا النّووي في ((شرح مسلم)): (16/ 217) عند شرحه لهذه الآية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 418)
الجملة، وليس فيه مناسبة لمعرفتهم للتّأويل على التّفصيل، والعمدة في ذلك ما قدّمنا من ذمّه تعالى لمن ابتغى تأويله ونصّه (1) على أنّه صفة الذين في قلوبهم زيغ، والله أعلم.
المقدمة الثّالثة: أنّ المتشابه من القرآن ليس هو المجاز. لأنّ المجاز وقت نزول القرآن معروف عند [أجلاف] (2) العرب وعبّاد الأصنام، وكلّ عربيّ اللّغة من مسلم وغيره، والمتشابه بخلافه، ألا ترى أنّ كلّ أحد منهم يعرف معنى قوله تعالى: ((واخفض لهما جناح الذّلّ من الرّحمة)) [الإسراء/24] ونحو ذلك. فإن قلت: فما المتشابه؟ قلت: عندي أنه ما [لا] (3) تدرك العقول معرفته، وهو قسمان:
أحدهما: ما لا تعرفه العقول من حكمة الله تعالى، مثل خلق من المعلوم أنه من أهل النّار، وعنه وقع سؤال الملائكة والإجمال في الجواب عليهم.
وثانيهما: ما لا تدركه العقول إلا بالسّمع، مثل كلام السّماء والأرض والنّملة ونحو ذلك ممّا ورد في السّمع، والقسم الأوّل أصعب، والدّليل على أنّه من المتشابه المحتاج إلى التّأويل: قوله تعالى في قصّة موسى والخضر عليهما السلام: ((سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً)) [الكهف/78] والدّليل في هذه الآية واضح على ما ذكرته. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) تحرّفت في (س) إلى: ((وقصّة)).
(2) تحرّفت في (أ) إلى ((اختلاف))!.
(3) سقطت من (أ) و (ي).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 419)
المقدّمة الرّابعة: في الإشارة إلى القرائن الدّالّة على التّجوز في الكلام وهي ثلاث: عقلية وعرفية ولفظية.
مثال العقلية: قوله تعالى: ((وسئل القرية التي كنّا فيها والعير)) [يوسف/82] فإنّ العقل يدرك أنّ سؤال القرية والعير لا يصح فيفهم أنّ المراد أهلهما.
ومثال العرفيّة: قول القائل: بنى السّلطان سور المدينة، فإنّ مباشرة السّلطان لنقل الحجارة والتّراب غير محال في العقل ولكنّه ممتنع في العادة والعرف، فيفهم من ذلك: أنّ السلطان أمر بذلك. وما يجري مجراه، ومنه قوله تعالى: ((يا هامان ابن لي صرحاً)) [غافر/36] أي مر من يبني، لأنّه لم يكن ممن يباشر مثل ذلك.
وأمّا اللّفظية: فمثل: أسد شاكي السّلاح، أو حسن الثّياب، أو نحو ذلك. ومنه قوله تعالى: ((الله نور السماوات والأرض مثل نوره)) [النور/35] فقوله: ((مثل نوره)) قرينة لفظية تدلّ على أنّه تعالى ليس بنور في ذاته، وإنّما هو خالق النّور، وأنّ معنى ((الله نور السماوات والأرض)) منوّرهما. وكذلك قوله تعالى: ((يهدي الله لنوره من يشاء)) فإنّه قرينة لفظية /تدلّ على أنّ النّور المذكور في الآية نور الهدى والعلم لا نور الشّمس والقمر.
وكلّ مجاز لم يدلّ على المراد منه أحد هذه القرائن الثّلاث، لم يصحّ التّجوّز به في لغة العرب بإجماع علماء المعاني والبيان وأئمة هذ الشأن، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القرينة العقلية إنّما يصحّ الاستدلال
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 420)
[على التّجوّز] (1) بها متى كان العقل يقطع على أنّ المتكلّم ممّن لا يصح منه إرادة ظاهر كلامه، فلهذه النّكتة يختلف الاستدلال بها: فيصح في مواضع فيما بين النّاس ولا يصح مثله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، مثال ذلك: أنّا نفهم التّجوّز في قول الشّاعر:
شكا إلىّ جملي طول السّرى يا … جملي ليس إليّ المشتكى (2)
وذلك لأنّ العادة جرت أنّ العجماوات لا تكلّم النّاس، فأمّا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((إنّ هذا الجمل شكا عليّ أنّك تجيعه وتُدئِبه)) (3) فلا يفهم منه التّجوّز؛ لأنّا لم نعلم ولا نظنّ امتناع الظّاهر في حقّه صلى الله عليه وسلم ، بل يجوز مثل ذلك لكبار أولياء الله تعالى وخواصّ عباده الصّالحين نفع الله بهم. ومن ههنا اختلف كثير من المحدّثين والمعتزلة في تأويل كثير من الأحاديث والآيات مثل قوله تعالى: ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)) [الإسراء/44]. فالمعتزلة حملوه على المجاز لظنّهم أنّ الظّاهر لا يصح، وأهل الحديث لم (4) يتأوّلوه، لقطعهم على أنّه لا مانع من صحّة الظّاهر، بالنّظر إلى قدرة الله تعالى وعلمه، فإنّه تعالى قادر على إنطاق كلّ شيء--------------------------------------------
(1) سقطت من (أ).
(2) في هامش (أ) كتب: ((بعده:
* صبر جميل فكلانا مبتلى*))
(3) في (س): ((وتعذّبه))! والحديث أخرجه أبو داود: (3/ 50) ، والحاكم (2/ 100) ، والبيهقي في ((الكبرى)): (8/ 13). وأصله في مسلم برقم (342) بدون القصة.
(4) سقطت من (س)!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 421)
بالإجماع من المعتزلي والمحدّث، وقد ورد في القرآن: ((عُلّمنا منطق الطّير)) [النّمل/16] وكلام الهدهد والنّملة مع سليمان عليه السلام وتسبيح الجبال مع داود … عليه السلام وورد في السّنّة من ذلك ما لا يتّسع له هذا المكان، مثل: حنين الجذع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسبيح الحصى في يده الشّريفة، وقد ذكر القاضي عيّاض -رحمه الله تعالى- جميع ذلك في كتابه ((الشّفاء)) (1) وقسمه في ثلاثة فصول بعضها في كلام الحيوانات من العجماوات، وبعضها في كلام الشّجر، وبعضها في كلام سائر الجمادت.
فإذا تقرّر هذا؛ فاعلم أنّ عامّة أهل الأثر لما رأوا هذا داخلاً في قدرة الله تعالى، لم يتأوّلوا شيئاً مما ورد من ذلك مثل قوله تعالى: ((قالتا أتينا طائعين)) [فصّلت/11] وليس يلزمهم من هذا أن يسبّح كلّ جزء من الأجسام اللّطيفة مثل ورقة التّين والقلم والسّواك، بل إذا سبّحت الأرض والسّماء ونحوهما فقد صدق أنّه يسبح لله تعالى كلّ شيء مثل ما أنّه يصدق أنّه قد سبّح لله تعالى كلّ شيء، من جنس الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وإن لم يسبح منهم كلّ شعرة على انفرادها، على أنّه تعالى قادر على إنطاق كلّ جزء لطيف، فأصل الخلاف في تأويل هذه الآية وأمثالها على هذه النّكتة التي أشرت إليها، وقد يتوقّف المحدّث في استحالة أمور عقليّة وهي ظاهرة الاستحالة عند أهل النّظر في العقليات مثل حديث: ((إنّه يؤتى بالموت--------------------------------------------
(1) (1/ 614 - 627) مع شرح القاري، وانظر: ((الخصائص الكبرى)): (2/ 56 - فما بعدها) للسيوطي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 422)
على صورة كبش يوم القيامة/فيذبح)) (1) فمن لم يكن له أنس بعلم العقل لم يقطع باستحالة ظاهر هذا، فربما أجراه على ظاهره، وربّما توقّف في معناه، وأمّا أهل الكلام فظاهره محال (2) عندهم فيجب تأويله؛ لأنّ الموت عندهم إمّا عرض أو عدم عرض، وكلّ ذلك لا يصح أن ينقلب حيواناً وإنّما تاويله عندهم: أن ذلك يخيل إلى أهل الجنّة كما يخيّل إلى النّائم أشياء لا حقيقة لها، أو يضرب ذكر ذلك مثلاً لثقتهم بالخلود، وأمانيهم من الموت كما يجري مثل ذلك في ألسنة البلغاء، ومن ذلك قول شيخ التّصوّف ابن الفارض نفع الله به (3):
وقالوا جرت حمرّا دموعك قلت عن … أمور جرت في كثرة الشّوق قلّت
نحرت لطيف السّهد في جفني الكرى … قرى فجرى دمعي دمّا فوق وجنتي (4)
والخطر في تأويل مثل هذا والتّوقّف فيه يسير، ولكن قد يعرض من بعض المتكلّمين سخرية واستهانة [بمن] (5) خالفهم في تأويل هذا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ((الفتح)): (8/ 282) ، ومسلم برقم (2849) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) تحرّفت في (س) إلى ((مخالف)).
(3) في هامش (ي) ما نصّه:
((المصنّف رحمه الله محسن الظّنّ بشيخ التصوف ابن الفارض، وكأنّه ما اطّلع على عقيدته! وهو من أهل وحدة الوجود الذي عابهم المصنّف في ((الإيثار)).
قال الذّهبي في ترجمته: ينعق بالاتحاد في أشعاره وانظره في ((العلم)) تمت شيخنا)).
(4) ((ديوانه)): (ص/112).
(5) في (أ): ((لمن)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 423)