Arabic source text

📘 আর-রওদুল বাসিম ফীয যাব্বি আন সুন্নাতি আবিল কাসিম - সাল্লাল্লাহু আলাইহি ওয়া সাল্লাম - (ইবনুল ওয়াজীর - মৃত্যু 840 হিজরী)

📘 الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - (ابن الوزير - ت 840 هـ)

📘 আর-রওদুল বাসিম ফীয যাব্বি আন সুন্নাতি আবিল কাসিম - সাল্লাল্লাহু আলাইহি ওয়া সাল্লাম - (ইবনুল ওয়াজীর - মৃত্যু 840 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
التّعمّق في علوم أخر تناسب نوع الكلام، وتبيّن (1) أنّ الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الطريق مسدود. نعم (2) لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على النّدور في أمور جليّة تكاد تفهم قبل التّعمّق في صنعة الكلام)) انتهى كلام الحجّة في ((الإحياء)).
وله [في] (3) كتاب ((المنقذ من الضّلال والمفصح بالأحوال)) (4) مثل هذا في ذمّ الكلام، والقول بأنّ أدلّته لا تفيد اليقين.
وقال أيضاً في كتاب ((التّفرقة بين الإيمان والزّندقة)) (5) وقد ذكر علم الكلام ما لفظه: ((ولو تركنا المداهنة لصرّحنا بأنّ الخوض في هذا العلم حرام)).
فهذه نصوص الغزّالي الذي قيل فيه: لم تر العيون ولا بعده أذكى منه. وذكر شيخ الاعتزال أبو القاسم البلخيّ الكعبيّ [العامّة] (6) في كتابه ((المقالات)) (7) وأثنى على عقيدتهم، وعدّهم فرقة مستقلة وقال: هنيئاً لهم السّلامة، وذكر الإمام المؤيّد بالله -أجلّ علماء الزّيديّة، وشيوخ علم النظر-: كراهة التّعمّق في علم الكلام، ونهى عن ذلك، وحث على الاشتغال بالفقه، وطوّل الكلام--------------------------------------------
(1) في (س): ((وتحقق)).
(2) في (س): ((ولعمري)).
(3) زيادة من (س).
(4) (ص/24).
(5) طبع في القاهرة بعنوان: ((رسالة في الوعظ والعقائد)).
(6) أي: أهل السنة، ((والعامة)) سقطت من (أ).
(7) ذكره في ((كشف الظّنون)): (2/ 1782).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 344)

في ذلك، ذكره في كتاب ((الزّيادات)) (1) ، وكان يحيى بن منصور الحسنيّ (2) من علماء الكلام على مذهب الزّيديّة؛ فرجع عن ذلك وكان ينهى عنه، وله في ذلك أشعار حسنة منها قوله:/
وما الذي ألجأهم إلى الخطر … والخوض في علم الكلام والنظر

وما يقال فيه للمخطي كفر
ومنها قوله من قصيدة طويلة:
ويرون ذلك مذهباً مستعظماً … عن طول أنظار وحسن تفكّر
ونسوا غنى (3) الإسلام قبل حدوثهم … عن كلّ قولٍ حادث متأخّر
ما ظنّهم بالمصطفى في تركه … ما استنبطوه ونهيه المتقرّر
أيكون في دين النّبيّ وصحبه … نقص؟ فكيف به ولمّا يشعر
أو ليس كان المصطفى بتمامه … وبيانه أولى فلم لم يخبر
ما باله حتّى السّواك أبانه … وقواعد الإسلام لم تتقرّر
إن كان ربّ العرش اكمل دينه … فاعجب لمبطن قوله والمظهر
إن كان في إجمال أحمد غنية … فدع التّكلّف للزّيادة واقصر
ما كان أحمد بعد منع كاتماً … لهداية كلا وربّ المشعر
بل كان ينكر كلّ قول حادث … حتّى الممات فلا تشكّ وتمتر (4)--------------------------------------------
(1) لم أجد من ذكره.
(2) لعله: يحيى بن منصور بن العفيف بن المفضّل الحسني المتوفّى سنة (682هـ). انظر: ((فهرس المكتبة الغربية)): (ص/789) ، و ((فهرس مكتبة الأوقاف)): (2/ 738).
(3) في (س): ((وتغزّه)).
(4) وفي هامش (ت) ذكر بقية القصيدة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 345)

وقال أيضاً (1):
طلبتك جاهداً خمسين عاماً … فلم أحصل على برد اليقين
فهل بعد الممات بك اتصال … فاعلم غامض السّرّ المصون
نوى قذف وكم قد مات قبلي … بحسرته عليك من القرون

ولابن أبي الحديد المعتزلي في ذلك أشعار جيّدة ذكرها في ((شرح نهج البلاغة)):
سافرت فيك العقول فما … ربحت إلا عناء السّفر
رجعت حسرى وما وقفت … لا على عين ولا أثر (2)
وقال أيضاً من أبيات:
وأسائل الملل التي اختلفت … في الدين حتى عابدي الوثن
فإذا الذي استكثرت منه هو الـ … جاني عليّ عظائم المحن
فضللت في تيه بلا علم … وغرقت في بحر بلا سفن

قال إمام الكلام والمتكلّمين فخر الدّين ابن الخطيب الرّازي في--------------------------------------------
(1) هذه الأبيات في (س) بعد أشعار ابن أبي الحديد، وفي (أ) و (ي) هنا، فتكون على هذا من شعر الحسني، لا من شعر أبي الحديد. ونسبه المؤلف في ((العواصم)): … (4/ 60) لابن أبي الحديد.
(2) عجزه في (ي):
* لا على عين ولا على أثر *
وفي (س):
* منه لا على عين ولا أثر *
في هامش (ي): ((وبعدْ:

فلحى الله الأولى زعموا … أنّك المعلوم بالنّظر
كذبوا إن الذي زعموا … خارج عن قوّة البشر)).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 346)

وصيّته (1) ما لفظه:
((أحمد الله بالمحامد التي ذكره بها أفضل ملائكته في أشرف أوقات معارجهم (2) ، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهداتهم، بل أقول ذلك من نتائج (3) الحدوث والإمكان، فأحمده بالمحامد التي يستحقّها للاهوتيّته، واستوجبها بكمال إلاهيّته، عرفتها أو لم أعرفها، لأنّه لا مناسبة للتّراب مع جلالة ربّ الأرباب -إلى قوله- ولقد اختبرت الطّرق الكلامية، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنّه يسعى/ في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع من التّعمّق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذلك إلا للعلم بأنّ العقول البشريّة تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفيّة)).
وذكر في وصيّته هذه أنّه يدين لله تعالى بدين محمد صلى الله عليه وسلم ، [وسأل] (4) الله تعالى أن يقبل منه هذه الجملة ولا يطالبه بالتّفصيل. ومن شعره في هذا المعنى:--------------------------------------------
(1) أشار إليها المؤلف في ((العواصم)): (4/ 59) ، وأوردها ابن أبي أصيبعة في ((عيون الأنباء)): (2/ 27 - 28) ، والذهبي في ((تاريخ الإسلام)): وفيات (606) (ص/241 - 244) ، والسبكي في ((طبقاته الكبرى)): (8/ 90 - 92).
(2) في (ي): ((في أفضل أشرف الأوقات .. )). وفي (أ): ((في أفضل أوقات أشرف … )) والمثبت من (س) ومصادر الوصيّة.
(3) في (س): ((تاريخ))!.
(4) في (أ): ((ونسأل))!.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 347)

العلم للرّحمن جل جلاله … وسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتّراب وللعلوم وإنّما … يسعى ليعلم أنّه لايعلم

[وله] (1)
نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال (2)

قال القرطبي في ((شرح مسلم)) (3) ما لفظه: ((وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار مديدة وأمداد (4) بعيدة، فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي، فقد حكى عنه الثّقات أنّه قال: ((لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهوا عنه، كلّ ذلك رغبة في طلب الحقّ وهرباً من التّقليد، والآن قد رجعت (1عن الكل (5) إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرّحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الجويني!)).
وكان يقول لأصحابه: ((يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به)).
وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: أتعلمون أحداً أعلم منّي؟ قالوا: لا.--------------------------------------------
(1) زيادة من (ي).
(2) وتمام الأبيات في هامش (ت) ، وترجمات الفخر.
(3) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)): (6/ 692 - 693).
(4) في ((المفهم)): ((وآماد)).
(5) ما بينهما ساقد من (س).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 348)

قال: افتتهمونني؟ قالوا: لا. قال: فإنّي أوصيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أهل الحديث، فإنّي رأيت الحق معهم.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثمّ عدت القهقرى إلى مذهب المكتب.
قال القرطبي: وهذا الشّهرستاني صاحب ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) (1) وصف حاله فيما وصل إليه من الكلام وما ناله، فتمثّل بما قاله:
لعمري لقد طفت المعاهد كلّها … وسيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كفّ حائر … على ذقن أو قارعاً سنّ نادم

ثمّ قال: ((عليكم بدين العجائز، فإنّه أسنى الجوائز)). انتهى ما حكاه القرطبي.
فانظر إلى أمر [أعلام] (2) البرهان، وفرسان هذا الشأن، كيف رجعوا القهقرى إلى ما قاله علماء الأثر وأئمة السّنّة، فإذا عرفت هذا تبيّن لك أنّ اختيار أهل /الحديث لترك الكلام والتّأويل ليس يلازم البله وجمود الفطنة، وأنّه ربما ذهب إلى ذلك من هو ألطف منك طبعاً، وأصلب نبعاً، وأحسن فهماً، وأغرز علماً.
‌‌الرّابع عشر: أنّ ذلك إنّما يلازم البله وجمود الفطنة، لو كانوا قد بذلوا جهدهم في تفهّم علم الكلام، وتعلّم أساليب أهل الجدال، فكلّ منهم الجدّ، ولم يساعدهم الجدّ، ليس كذلك الأمر، فإنّهم إنّما تركوه--------------------------------------------
(1) انظر: (ص/3).
(2) في (أ) و (ي): ((أعلم)) والتصويب من (س).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 349)

لما ورد في القرآن من الأمر بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك يقتضي الاقتداء في فعل ما كان يفعله وترك ما كان يتركه، ولما ورد في ((الصّحيح)) (1) من النّهي عن البدع، والأمر بالاقتداء بالخلفاء الرّاشدين، كما روى التّرمذي (2) وحكم بصحّته عن النّبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ)) الحديث. وكذلك روى التّرمذي (3) مرفوعاً: ((ما ضلّ قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال)) ، وفي ((صحيح مسلم)) (4) ((إنّ أبغض الرّجال إلى الله تعالى الألدّ (5) الخصم)).
قال [القرطبي] (6): ((وهذا الخصم المبغوض عند الله هو الذي يقصد بمخاصمته: مدافعة الحقّ، وردّه بالأوجه الفاسدة، والشّبه الموهمة، وأشدّ ذلك الخصومة في أصول الدّين، كخصومة أكثر المتكلّمين المعرضين عن الطرّق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة نبيّه، وسلف أمّته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدليّة وأمور صناعيّة، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية ومناقشات--------------------------------------------
(1) مثل حديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ)) أخرجه مسلم برقم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) (5/ 43) وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)) اهـ.
(3) (5/ 353) وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)) اهـ.
(4) برقم (2668) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(5) سقط من (س).
(6) في (أ): ((الترمذي))! وهو خطأ. وانظر كلام القرطبي في ((المفهم)): (6/ 690).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 350)

لفظية، يرد بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالاً عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشّبهة لا يقوى على حلّها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها.
ثمّ إنّ هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعاً من المحال، لا يرتضيها البله ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيّز الجواهر والأكوان والأحوال، لأنّهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السّلف الصّالح، ولم يؤخذ عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلّقات صفات الله تعالى وتعديدها وإيجادها في أنفسها، وأنّها هي الذّات أو غيرها؟)).
إلى قوله: إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر صاحب الشّرع بالبحث عنها، وسكت أصحابه ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها، لعلمهم أنّها بحث عن كيفية ما لم يعلم كيفيّته، فإنّ العقول لها حدّ تقف عنده وهو: العجز عن التّكييف لا تتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفيّة الذّات وكيفيّة الصّفات، ولذلك قال العليم الخبير: ((ليس كمثله شيءٌ وهو السميع العليم)) [الشورى/11] ، ولا تبادر بالانكار فعل الأغبياء الأغمار، فإنّك قد حُجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها، وعن كيفيّة إدراكاتك مع أنّك تدركها، وإذا عجزت عن إدراك كيفيّة ما / بين جنبيك؛ فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز.
وغاية علم العلماء، وإدراك عقول العقلاء الفضلاء؛ أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزّه عن صفاتها، مقدّس عن

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 351)

أحوالها، موصوف بصفات الكمال الّلائق به بتمامها، فما (1) أخبرنا الصّادقون عنه بشيء من أسمائه وصفاته قبلناه واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له؛ سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه.
هذه طريقة السّلف (2وما سواها مهاوٍ وتلف)) ، ثم أورد ما جاء عن الأئمة والسّلف (2) من النّهي عنه.
والقصد بإيراد هذا الكلام أن يظهر لك أنّ القوم لم يتركوا علم الكلام لدقّته وغموضه، وإنّما تركوه لما نصّوا عليه من ثبوت النّهي عنه عندهم، وكونه غير مفيد اليقين في الخفيّات، ولا يحتاج إليه في الجليّات. وقد نصّ على هذه العلّة كثير من المتكلّمين كما قدّمنا. وقد خاض في علم الكلام غير واحد من المحدّثين كابن تيمية، والشّيخ تقي الدّين (3) ، فبلغوا في التّدقيق وراء مدارك الفطناء من أئمة الكلام كما يعرف ذلك من رأى كلامهم، وردّوا على المتكلّمين ودقّقوا مع المدقّقين، وإنّما أوّل القرطبي النّهي عن الجدال؛ لأنّ الموجب لتأويله نصّ القرآن في قوله تعالى: ((وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل/125] وقوله تعالى في الحكاية عن قوم نوح عليه السلام: ((يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا)) [هود/32] ونحو ذلك. وإنّما يكون المكروه منه نوعان:--------------------------------------------
(1) في (س): ((ثم مهما)) ، وكذا في ((المفهم)).
(2) ما بينهما ساقط من (س).
(3) لعلّه ابن دقيق العبد ت (702).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 352)

أحدهما: المراء به واللّجاج (1) الذي يعرف صاحبه أنّه غير مفيد، وربما عرف أنّه مثير للشّرّ، والفرق بينه وبين الجدال بالتي هي أحسن: أن يكون المجادل بالتي هي أحسن قاصداً لإيضاح الحقّ، أو طامعاً في اتّباع خصمه لا يقبل، ولم يكن له مقصد إلا غلبة الخصم، ومجرّد الظّهور عليه، ملاحظة لحظّ النّفس في ذلك فقد صار ممارياً وداخلاً في المنهيّ عنه.
وثانيهما: أن ينتصر للحقّ بالخوض في أمور يستلزم الخوص فيها الشّكوك والحيرة والبدعة، ولا يقتصر -في الانتصار للحقّ- على أساليب القرآن والأنبياء عليهم السلام والسّلف الصّالح رضي الله عنهم، وإنّما كره الانتصار للحقّ بتلك الطريقة لما أشار إليه كثير من محقّقي علم الكلام: من أنّها خوض في محارات العقول، وبحث في غوامض تلتبس العلوم فيها بالظّنون، وسير في متوعّرات مسالك تزلّ فيها أقدام الحلوم.
ألا ترى أنّهم قد خاضوا في الرّوح مع قوله تعالى: ((ويسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)) [الإسراء/85] مع عدم الحاجة إلى الخوض فيه؛ لأنّ معرفته غير واجبة كمعرفة الله تعالى، وقد حاولوا تأويل الآية ليتنزّهوا عن دعوى ما لا يعلمون، فجمعوا بين خطر تأويل القرآن بغير قاطع، ولغير موجب، وبين خطر دعوى علم ما لم يثبت على دعواه برهان قاطع، وقد قال الله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم/ إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك--------------------------------------------
(1) في (س): ((المراد به اللجاج))!.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 353)

كان عنه مسئولاً)) [الإسراء/36].
فهذا وأمثاله هو الذي كره أهل الحديث الخوض فيه، رغبة في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأصحابه والتّابعين لهم رضي الله عنهم، وأمساكاً عن التّهوّر في مهاوي دعاوى العلوم في مواضع الظّنون، لا لما وصمهم به المعترض من البله وجمود الفطنة، ولهذا الكلام تتمّة تأتي في آخر الكتاب أن شاء الله تعالى تشتمل على معرفة كيفيّة النّظر في معرفة الله تعالى عند المحدّثين، وبماذا يعامل به أهل الفلسفة وأمثالهم متى (1) أوردوا الشبه الدّقيقة على المسلمين.
الوهم الثّالث عشر: أراد المعترض أن يحتجّ على أنّ الأشعرية وأهل الحديث كفّار تصريح لإنكارهم ما هو معلوم من ضرورة الدّين، وذكر أشياء: منها: زعم أنّهم ينكرون أنّ لنا أفعالاً وتصرّفات.
الجواب: أنّ هذا مجرّد دعوى عليهم من غير بيّنة، بل بهت لهم ومصادمة لنصوصهم. ولنا في بيان براءتهم في ذلك طريقان:
‌‌الطّريق الأولى: نقل براءتهم عن ذلك من أشهر كتب الزّيديّة، وهو ((شرح الأصول)) الذي هو مدرس الزّيديّة، ومدرس هذا المدّعي لهذه الدّعوى الفريّة فنقول:
قال السّيّد أحمد بن أبي هاشم -مصنّف الشّرح في أوائل--------------------------------------------
(1) في (س): ((حتى)) .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 354)

الفصل الثّاني في العدل (1) -ما لفظه-: ((يبيّن ما ذكرناه ويوضّحه أنّ أحدنا لو خيّر بين الصّدق والكذب، وكان النّفع بأحدهما كالنّفع بالآخر، وهو عالم بقبح الكذب، مستغن عنه، عالم باستغنائه عنه فإنّه قطّ لا يختار الكذب على الصّدق)). إلى قوله ما لفظه: ((فإن قالوا هذا بناءً على أنّ الواحد منّا مخيّر في تصرّفاته، ونحن لا نسلّم ذلك، فإنّ من مذهبنا أنّه مجبر عليه في هذه الأفعال، وأنّها مخلوقة)). ثم أجاب بأربعة وجوه: قال في الثّالث منها ما لفظه: ((وبعد فلا خلاف بيننا وبينكم في أنّ هذه التّصرفات محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا وأنّا مختارون فيها، إنّما الخلاف في جهة التّعلّق: أكسب أم حدوث؟)).
فهذا نصّ صريح لا يحتمل التّأويل في (مدرس الزّيديّة) يدلّ على أنّ القوم يقولون: بأنّا مختارون في أفعالنا، وقد تأوله بعض من لا يدري بمذهبهم بأنّه أراد بالاختيار هنا: الإرادة فقط مع وقوع الإرادة من غير اختيار، وهذا جهل بقصد المصنّف وبمذهب القوم، أمّا المصنّف؛ فإنّه قصد نقض جوابهم علينا في التّحسين والتّقبيح بالجبر وبخلق الأفعال، وبيّن أنّ الحجّة لازمة على مقتضى مذهبهم، لأنّهم لا ينكرون تعلّق الأفعال بنا ووقوعها باختيارنا، ألا ترى أنّه قال: فإن قالوا هذا بناءً على أنّ الواحد منّا مخيّر في تصرّفاته ونحن نسلّم ذلك إلى آخر كلامه، ثم نقض هذا عليهم وبيّن أنّه ليس بمذهبهم، فكيف يمكن تأويل هذا على أنّه ما روى عنهم القول بالاختيار، وهل هذا إلا محض الجهل أو التّجاهل؟ ولو سلّمنا أنّ مقصد هذا المصنّف:--------------------------------------------
(1) في (س): ((في أول العدل)).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 355)

التبيين، أو أنّه لم ينص على ذلك لم يخف مذهب القوم على طالبه، فالقوم مصرّحون بمذهبهم في مصنّفاتهم كما ترى الآن من‌‌ الطريق الثّانية، والطّمع في تعمية مذهبهم ورميهم بما لم يقولوا يزري بصاحبه ولا يضر من رمي به.
/الطريق الثّانية: وهي المعتمدة المفيدة لمن يحبّ العلم المتواتر بمقصدهم في مذهبهم، وهي نقل نصوصهم من مصنّفات محقّقيهم الحافلة وتواليفهم الممتعة، فمن ذلك ما ذكره الفخر الرّازي في ((كتاب الأربعين في أصول الدين)) وفي كتابه ((نهاية العقول)) فإنّه ذكر ما معناه: إنّهم أربع فرق، فذكر في الكتابين أنّه يجمعهم القول بأنّ العبد غير مستقل بفعله، وذكر في ((النّهاية)) أيضاً أنّه يجمعهم القول بأنّ الاختيار للعبد في فعله كما سوف نوضح ذلك بالكلام على كلّ فرقة منهم فنقول:
‌‌الفرقة الأولى منهم: هم الجبرية الخلّص، وهم الذين يقولون: إنّه لا تأثير لقدرة العبد في الفعل ولا في صفة من صفاته، بل الله تعالى يخلق الفعل بقدرته، ويخلق [العبد] (1) قدرة متعلقة بفعله، مقارنة في حدوثها لحدوثه، غير متقدّمة عليه، ولا مؤثّرة فيه ألبتة، وهذا قول الأشعري وأتباعه، وجماهير المحقّقين من المتأخرين على خلاف هذا، قال الرّازي في ((النهاية)) ما لفظه: ((قالت المعتزلة: لو كان فعل العبد موجوداً بقدرة الله تعالى ما حسن المدح والذّمّ والأمر والنّهي. ثمّ قال: اختلفوا في الجواب على طريقين:--------------------------------------------
(1) في (أ): ((للفعل)) والتصويب من (ي) و (س).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 356)

الأولى: طريقة الأشعري: أنّ قدرة العبد غير مؤثّرة، وأمّا الأمر والنّهي؛ فلأنّ الله أجرى العادة بأنّ العبد متى اختار الطّاعة فإنّه تعالى يخلق الطّاعة فيه عقيب اختياره إيّاها، وكذلك إن اختار المعصية. وإذا كانت المكنة بهذا المعنى حاصلة لا جرم حسن الأمر والنّهي. إلى قوله: إذا كان الأمر كذلك؛ كان التّكليف والأمر والنّهي إنّما كان لأنّه [متمكّن] (1) من اختيار أحد مقدوريه دون الآخر، وإن لم يكن متمكناً من الإيجاد، لا يقال: ترجيحه أحد تعلّقي الإرادة على تعلّقها.
الثّاني: إن وقع بالعبد فقد اعترفتم بتأثير قدرة العبد، وإن وقع بالله فلا يكون ذلك التّرجيح مضافاً إلى العبدأصلاً، لأنّا نقول: إنّ ترجيح أحد التّعلّقين على الآخر ليس أمراً ثبوتياً أصلاً لا في حق الله تعالى، ولا في حق العبد حتّى يلزم من إسناده إلى العبد ما يلزم من الاعتراف بكون قدرته مؤثّرة، فإنّ ذلك لو كان أمراً ثبوتياً لكان وقوعه أيضاً بالاختيار فيلزم التّسلسل.
فهذا صريح منهم في كتبهم مبيّن (2) معلّل لا يمكن تأويله، وقد أفصحوا بأن مذهب الجبريّة الخلّص أنّ العبد مختار، وأنّه إنّما يستحق الذّمّ والعقاب والأمر والنّهي بسوء اختياره، وبهذا يتخلّص (3) من قول المعتزلة: إنّهم يجوّزون على الله العبث والقبيح والظلم لقولهم بخلق الأفعال، وهذا من وجه مثل قول الجاحظ وثمامة بن الأشرس: إنّه لا--------------------------------------------
(1) في (أ): ((ممكن)) ، والمثبت من (ي) و (س).
(2) في (س): ((معيّن)) .
(3) في (س): ((يتخلصون)).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 357)

فعل للعبد إلا الإرادة، وهما من أجلاّء شيوخ الاعتزال.
وذكر الرّازي في هذا الموضع: (3أنّ العبد (1) يفعل الاختيار عند الدّاعي الرّاجح وجوباً كما يفعل الله الواجب في حكمته، ويترك القبيح في علمه وجوباً عند المعتزلة، ولا ينافي ذلك /الوجوب ثبوت الاختيار، قال: ولا يصح للمعتزلة أن يلزموهم نفي الاختيار بذلك لوجهين:
أحدهما: أنّ الدّاعي عند المعتزلة غير موجب، وثانيهما: أنهم يقولون بمثل ذلك في حقّ الله تعالى في أفعاله الواجبة عندهم، ولم يقتض ذلك أنّه تعالى عندهم (2) غير مختار.
قلت: بل يقولون بذلك في حق العبد في غير موضع: منها في احتجاجهم على ثبوت التّحسين والتّقبيح عقلاً، وقولهم: إذا خيّر العاقل بين الصّدق والكذب وكان النّفع فيهما سواء اختار الصدق وجوباً، بل يقولون بذلك في جميع أفعال العباد كما أشار إليه الرّازيّ في احتجاجهم على أنّ لنا أفعالاً وتصرّفات، فإنّهم احتجوا على ذلك بأنّها تقع عند [وجود] (3) دواعينا أو تنتفي عند وجود صوارفنا.
وقد ذكر الرّازي أنّ هذا هو مقصود القائلين بأنّ الدّاعي موجب لأنّه لو لم يكن موجباً لم يكن ما ذكروا دائماً، ولكان اتفاقيّاً أو أكثريّاً، ولو كان كذلك لم يكن حجة لهم. وأمّا قولهم: إنّه وجوب استمرار لا--------------------------------------------
(1) ما بينهما ساقط من (س).
(2) سقطت من (س).
(3) في (أ): ((وجوب)) ، والتصويب من (ي) و (س).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 358)

وجوب اضطرار فقد صرح القوم (1) بمعنى ذلك، فإنّهم صرّحوا بأنّ معنى ذلك الوجوب لا ينافي الاختيار، بل قال الرّازيّ: إنّ القول بأنّه ينافي الاختيار خروج من الإسلام، لأنّه يستلزم ذلك في حقّ الله تعالى، وينبغي معرفة هذه النّكتة فعليها المدار، وقد قال الرّازيّ: إنّ الجبر حقّ، وفسّر الجبر بوجوب وقوع فعل العبد عند رجحان الدّاعي لانتفاء الاختيار، وصرّح في غير موضع بأنّ القول بوجوب الفعل عند رجحان الدّاعي لا يوجب نفي الاختيار. فثبت بهذه الجملة أنّ الجبريّة ما أرادوا بالجبر وخلق الأفعال ما فهمته عنهم المعتزلة، ومع تصريحهم بمقصدهم يحرم نسبتهم إلى غيره.
‌‌الفرقة الثانية: أهل القول بالكسب من الأشعرية ورئيسهم القاضي أبو بكر الباقلاني، ومعنى الكسب عندهم: أنّ قدرة الله تعالى مستقلة بإيجاد ذوات أفعال العباد التي لا توصف بحسن ولا قبح، ولا يستحق عليها ثواب ولا عقاب، وقدرة العبد مستقلة بصفات تلك الأفعال التي توجب وصفها بالحسن والقبح، ويستحق عليها الثواب والعقاب.
مثال ذلك: أنّ أصل الحركة عندهم من الله، وأمّا كون تلك الحركة متّصفة بصفة مخصوصة مثل كونها صلاة أو زنا؛ فذلك أثر قدرة العبد، وهو أقرب الأقوال (2) إلى قول المعتزلة من الطّائفة الأولى، لأنّ أكثر المعتزلة يقولون: إنّه لا تأثير لقدرة العبد إلا في صفات الفعل، لكن المعتزلة يقولون أيضاً بمثل ذلك في قدرة الله--------------------------------------------
(1) في (س): ((القول)) .
(2) في (س): ((وهؤلاء أقرب إلى قول)).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 359)

تعالى، فإنّها عندهم لا تؤثّر إلا في الصّفات، فإنّ الذّوات عندهم ثابتة في العدم (1) والقدم، غير موجودة (2) ويفرّقون بين الثّبوت والوجود، بل المعتزلة يقولون: إنّ الصفة بنفسها غير مقدورة، بل المقدور جعل الذّات /عليها، والقصد: [بيان] (3) أنّ المعتزلة قد شاركوا هذه الفرقة في القول بأنّ ذوات أفعال العباد غير مقدورة لهم، فالذي قالت هذه الفرقة من الأشعرية: إنّه مخلوق من أفعال العباد، وهو الذي قالت المعتزلة: إنّه ثابت في العدم والقدم، وإنّه غير مقدور لا للخالق ولا للمخلوق.
قالت هذه الفرقة من الأشعرية: ونحن نقول ببعض ما قالت المعتزلة فنقول: إنّ العبد غير مؤثر في ذات الفعل، وهذا صحيح عند المعتزلة. ونقول: إنّ العبد مؤثر في صفة الحسن والقبح، وهذا صحيح عند المعتزلة، ونقول: إنّ العبد مؤثّر في صفة الحسن والقبح، وهذا صحيح عندهم أيضاً، فإنّ جلّة المعتزلة قد أقرّت أنّ الأفعال لا تحسّن وتقبّح لذواتها بل لوقوعها على وجوه (4) واعتبارات، وذلك لأنّ ذوات أفعال العباد واحدة، فإنّها كلّها راجعة إلى كونها حركة أو سكوناً؛ بل عند الفريقين من المعتزلة والأشعرية أنّ الحركة والسّكون راجعان إلى معنى واحد، وهو لبث المتحيّز في الجهة لكون السّكون لبث المتحيّز وقتين فصاعداً، والحركة لبث المتحيّز في جهة عقيب--------------------------------------------
(1) في (ي) و (س): ((القدم)).
(2) في (س): ((موجود)).
(3) زيادة من (ي) و (س).
(4) في (س): ((وجه)).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 360)

لبثه في جهة أخرى، ولهذا سمّوا لبثه في أوّل وجوده إذا انتقل أو عدم في الوقت الثّاني كوناً مطلقاً، ويعنون بذلك: أنّه ليس بحركة لأنّه لم يكن لبث قبل ذلك في جهة أخرى وهذا شرط سميته حركة، وليس بسكون لأنه لبث أقلّ من وقتين، فإذن (1) أفعال العباد كلّها راجعة إلى شيء واحد، وهو اللبث في جهة.
قال الرّازيّ في تلخيص ذلك: إنّ الحركة هي الكون في الجهة الثّانية في الوقت الأوّل، والسّكون هو الكون في الوقت الثّاني في الجهة الأولى، فبهذا تعرف أنّ الأفعال لا تحسّن ولا تقبّح لذواتها، لأنّه يلزم أن تكون (2) حسنة قبيحة معاً، ويلزم أن يقبح غير الأجسام والألوان من أفعال الله تعالى، ويرد على المتكلّمين في قولهم: إنّ المرجع بالحركة إلى اللبث إشكالات صعبة قد أشار الرّازيّ في كتبه إلى بعضها، والذي ألجأهم إلى ذلك: القول بأن الحركة والسكون ثبوتيان، وأنّ واحدهما ليس بعدميّ، كما يعرفه من نظر في كتبهم.
فإذا عرفت هذا عرفت أنّ ما ذكره [القاضي] (3) أبو بكر الباقلاني لازم للمعتزلة ولجميع المتكلّمين، وذلك لأنّ لبث المتحيّز في جهة ما ضروري لا يمكن العبد أن يختار غيره، فثبت أنّه فعل الله تعالى. وقد ثبت عندهم أنّ أفعال العباد كلّها راجعة إلى لبث المتحيّز في جهة، فثبت أنّ ذوات أفعال العباد فعل الله تعالى، وإنّما يقع اختيارهم على--------------------------------------------
(1) في (س): ((فإذا)).
(2) في (س): ((تكون كلها)).
(3) زيادة من (ي) و (س).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 361)

اكتساب /ذلك الفعل بهيئات مخصوصة، وإيقاعه على مقاصد متغايرة هي منشأ الحسن والقبح، والأمر والنّهي، والثّواب والعقاب، والذي اختصّت به المعتزلة دون القاضي [أبي] بكر أنّها قالت: إن قدرة العبد تؤثّر في صفة وجود فعله وفي سائر صفاته، والقاضي قال: تؤثّر في صفة الحسن والقبح دون صفة الوجود، لكن المعتزلة تقول: إنّ صفة الوجود ليست منشأ الحسن والقبح، والأمر والنّهي، وإنّما منشأها صفة الحسن والقبح الذي ذكر القاضي أنّها من آثار قدرة العبد، فثبت أنّهم قد اتفقوا في موضع يوجب الاتفاق فيه ترك التأثيم، فتفهّم ذلك فهو سرّ المسألة.
‌‌الفرقة الثّالثة: من الأشعرية الذين قالوا: قدرة العبد تؤثّر [بمُعين] (1). قال الرّازيّ: ويشبه أن يكون هذا قول أبي إسحاق الإسفرايني، وهو أقرب إلى الاعتزال من الفرقة الأولى، لأنّهم قد أثبتوا لقدرة العبد أثراً في صفة الوجود، وإنّما ينكر المعتزلة من قول هؤلاء تجويز مقدور بين قادرين (2) ، وقد جوّزه شيخ الاعتزال أبو الحسين البصري المتكلّم، وإذا اتّحد الفعل واختلف الفاعلان جاز أن يحسن من أحدهما لإيقاعه على وجه حسن، ويقبح من الآخر لإيقاعه على وجه قبيح، وقد بسطت ذلك في ((الأصل)) (3) ثمّ اختصرته هنا لوضوحه عند أهل التمّييز.--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((لمعنى)). والمثبت من (س).
(2) في (س): ((مقدورين لقادرين)).
(3) (7/ 12 - 47).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 362)

‌‌الفرقة الرّابعة: من الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي الجويني وأصحابه، وهؤلاء يقولون بمثل قول المعتزلة: إنّ قدرة العبد تؤثّر في ذات فعله، وصفاتها كلّها صفة الوجود (1) وصفة الحسن والقبح، بل زادوا على المعتزلة، فإنّ المعتزلة إنّما قالوا بأنّ قدرة العبد تؤثّر في صفة الوجود لا في الذّات نفسها، إلا أبا الحسين البصري، فيقول بمثل قول الجويني سواء، لكن هؤلاء يفارقون المعتزلة لقولهم إنّ العبد غير مستقلّ بفعله بسبب أنّ القدرة عندهم لا تؤثّر إلا بشرط وجود الدّاعي، والدّاعي عند الفرق كلّها وعند المعتزلة من الله تعالى، لكن الدّاعي عند هؤلاء غير مخرج للعبد عن الاختيار، ولكن عندهم أنه يقع الفعل عنده اختياراً قطعاً من غير تردّد كما تقول المعتزلة في أفعال الله تعالى الوجبة، وفي غيرها ما (2) تقدّم بيانه، فهؤلاء قولهم في هذه المسألة [و] (3) قول أبي الحسين البصري من المعتزلة واحد، فإنّه أيضاً يقول في الدّاعي بمثل قولهم، فكيف يحسن من المعتزلة /تقبيح على الجويني ولا يُقبّح على أبي الحسين البصري، وينسب الجبر إلى أحدهما دون الآخر!؟ وهل هذا إلا محض العصبية؟! ولله من قال:
وعين الرّضا عن كل عيب كليلة … كما أنّ (4) عين السّخط تبدي المساويا (5)--------------------------------------------
(1) في (س): ((الموجود)).
(2) في (س): ((مما)).
(3) سقط من (أ).
(4) في (س): ((ولكن)).
(5) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ضمن قصيدة له. انظر: ((الكامل)): (1/ 178) للمبرد.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 363)