المحمل الخامس: أن يكون كثير من الأحاديث المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ضعيفة من قبيل ما روى عنه، لا من جهته، ولا من جهة شيوخه ومن فوقهم، كما في كثير من الأحاديث المنسوبة إلى جعفر الصّادق، وكثير من الثّقات.
فقد روى الذّهبي في ((الميزان)) (1) عن الحافظ ابن حبّان (2): أنّ أبّا (3) بن جعفر وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاث مائة حديث، ما حدّث بها أبو حنيفة قطّ، رواه الذّهبي في ترجمة أبّا بن جعفر.
إذا عرفت هذا؛ فاعلم أنّ الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه طلب العلم بعد أن أسنّ. وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا كبر وأسنّ [تناقص] (4) حفظه، فلهذا لم يكن في الحفظ في أرفع المراتب، وكذلك غيره من الأئمة، فقد كان الإمام أحمد بن حنبل أوسع الأئمة الأربعة معرفة بالحديث وحفظاً له، ولم يكن ذلك عيباً فيهم ولا قدحاً في اجتهادهم، وقد كان حديث ابن المسيّب، ومحمّد بن سيرين، وإبرهيم النّخعي: أصحّ وأقوى من حديث عطاء،--------------------------------------------
(1) انظر: ((السير)): (1/ 17).
(2) ((المجروحين)): (1/ 184 - 185).
(3) في (س) في الموضعين: ((أبان)) وهو خطأ.
وأبّا: بالتشديد، قال ابن ماكولا في ((الإكمال)): (1/ 8): ((ذكره الخطيب في باب، (أبا) بالتخفيف … ، ووهم في ذلك، وإنّما هو أبّا التشديد، أجمع على ذلك البصريون .. ووجدت ذلك مستفيضاً بالبصرة … )) اهـ.
(4) في (أ): ((تناقظ)) وهو خطأ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 324)
والحسن البصريّ، وأبي قلابة، وأبي العالية. وكان ابن المسيّب أصح الجماعة حديثاً من غير قدح في علم من هو دونه.
ولهذا السبب تكلّم بعض (1) الحفّاظ في حديث الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه؛ فظنّ بعض الجهّال أنّ ذلك يقتضي القدح في اجتهاده، وإمامته، وليس كذلك، فغاية ما في الباب أنّ غيره أحفظ منه، وذلك لا يستلزم أنّ غيره أفضل منه، ولا أعلم منه على الإطلاق، فقد كان أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن أعلمهم، ولا أفقههم، ولا أفضلهم، وقد كان معاذ أفقههم، وزيد أفرضهم، وعليّ أقضاهم، وأبيّ أقرأهم، والخلفاء أفضلهم.
وبعد؛ فالمناقب مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن يشاء، وقد أشار الذّهبي إلى الاعتذار عن ذكر الإمام أبي حنيفة وأمثاله، وإلى أنّه لا قدح عليه بما ذكر فيه من الاختلاف، فقال في خطبة ((الميزان)) (2): ((وكذا لا أذكر من الأئمة /المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النّفوس، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضرّه ذلك عند الله، ولا عند النّاس، إنّما يضر الإنسان الكذب، والإصرار على كثرة الخطأ، والتّجرّي على تدليس الباطل، فإنّه خيانة وجناية، فالمرء المسلم يطبع على كلّ شيء إلا الخيانة والكذب)). انتهى كلامه.--------------------------------------------
(1) بل أكثرهم على تضعيفه في الحديث، ولا يقدح ذلك في إمامته، وهذا هو الإنصاف، وما سواه خطل واعتساف.
(2) (1/ 2 - 3).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 325)
فانظر كيف تأدّب أبو عبد الله الذّهبي، وذكر جلالة الأئمة المتبوعين في الإسلام، ونصّ على أنّ ذكرهم في كتب الجرح والتعديل لا يضرهم عند الله، ولا عند النّاس. وهكذا فليكن ذكر العالم لمن هو أعلم منه؛ بأدب، وتواضع، وتعظيم، وتوقير، جعلنا الله ممن عرف قدر الأئمة، وعصمنا من مخالفة إجماع الأمّة (1).
وبهذه الجملة تمّ كشف عوار هاتين الشّبهتين الضّعيفتين في علم إمام أكثر أهل الإسلام، الذي أجمع على إمامته العلماء الأعلام. وقد أحببت التّقرّب إلى الله تعالى، والتّشرّف بخدمة مناقبه العزيزة، والذّبّ عن معارفه الغزيرة، بذكر هذه الأحرف الحقيرة اليسيرة، ولم أقصد التّعريف بمجهول (2) من فضائله، ولا الرّفع لمخفوض من مناقبه، فهو من ذلك أرفع مكاناً، وأجلّ شأناّ.
والشمس في صادع أنوارها … غنيّة عن صفة الواصف
الوهم الثاني عشر: وهم المعترض المسكين أنّ طائفة المعتزلة بالذّكاء مخصوصة، وأجنحة أهل الأثر عن النّهوض لهذه الفضيلة مقصوصة، وصرّح بوصم الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه بالبله، وكذلك أهل الحديث، قال: ((إنّما قالوا بذلك لقلّة ممارستهم بالعلوم، واقتصارهم على فنّ الحديث. وكلامه هذا ذكره في رسالته--------------------------------------------
(1) في (س): ((الأئمة)).
(2) في (س): ((المجهول)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 326)
الثّانية (1) التي أجاب بها على القصيدة التي أوّلها:
ظلّت عواذله تروح وتغتدي … وتعيد تعنيف المحبّ وتبتدي
وهذه قصيدة أنشأتها في الحثّ على اتّباع السّنّة النّبويّة، زادنا الله شرفاً بالحثّ عليها، [والدّعاء إليها] (2) ، وقد أحببت تكميل تشرّفي في الذّبّ عن أئمة الإسلام الأربعة، وسائر أئمة السّنّة في موضع واحد فأقول: كلام المعترض في هذا الموضع من جملة فضلات الكلام، ونزوات الأقلام، التي ليس تحتها أثارة من علم فتعرف، ولا فيها شبهة قادحة فتكشف. ولكن ينبغي تأديبه عليها بذكر تقريعات:
الأوّل: أنّ أهل السنة والبدعة، والخلف والسّلف، والمتكلمين والأصوليين، والنّحاة واللّغويين، وأهل كتب المقالات في الملل والنّحل، كلّهم استمرّت عادتهم على نسبة الأقوال إلى من قالها، وحكاية المذاهب عن أهلها؛ من غير زيادة سخرية، ولا غمص/، ولا أذى ولا استهانة، تنزيهاً لألسنتهم عن خبث السّفه، ولمصنّفاتهم عمّا يدلّ على قلّة التمييز والمناصفة، فترى المتكلّمين، وأهل المقالات ينسبون البدع إلى أهلها [كذلك] (3) ، بل يحكون مذاهب الخارجين عن الإسلام؛ فيقولون: ذهب الثّنوية إلى كذا، وذهب النّصارى إلى كذا، علماً من المحصّلين أنّه لا حاصل تحت السّفه،--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة ((العواصم)): (1/ 32 - 41) للعلامة إسماعيل الأكوع، و (1/ 12) من هذا الكتاب.
(2) زيادة من (ي) و (س).
(3) زيادة من (ي) و (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 327)
وأنّه مقدور لاخسّ السوقة. وإنّما يوجد شيء من ذلك في كلام بعض العلماء عند الانتصاف من المعتدين، والانتصار لأئمة أهل الدين، قال الله تعالى: ((لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلَاّ مَن ظُلِمَ)) [النساء/148].
الثاني: أنّك علّلت بللهم، وجمود فطنتهم بقلّة ممارستهم للعلوم، وعنيت بهذه العلوم: علوم الجدل، والخوض في دقيق النّظر، لأنّه لا يُفهم إلا ذلك، والتّعليل بهذه العلّة هفوة كبيرة، لأنّ هذه العلّة قد شاركهم فيها خيرة الله من خلقه من الأنبياء المرسلين، والأولياء والمقرّبين، والصّحابة والتّابعين، وسائر الصّالحين، فإن كان هذا المعترض يجعل هذه العلّة مؤثّرة صحيحة، ويستلزم ما أدّت إليه من الإزراء على كلّ من ترك الخوض في علم الكلام، والممارسة لأساليب المتحذلقين من أهل الجدل فقد تعرّض للهلاك، وارتبك في البلادة أي ارتباك.
وقد اغترّ بهذه الشّبهة بعينها؛ الحسين بن القاسم بن عليّ العياني (1) ، أحد من ادّعى الإمامة من الزّيديّة، فخرج من مذهب الزّيديّة بل من المذاهب الإسلامية، وادّعى أنّه أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنّ كلامه أنفع من كلام الله عز وجل (2)!!
وتابعه على ذلك طائفة--------------------------------------------
(1) تقدّم شيء من أخباره.
(2) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((قد روي أنّه خولط في عقله آخر مدّته، ولعلّه كذلك؛ فإنّ هذه المقالة لا يتجاسر عليها أحد من المسلمين، فكيف تصدر من أحد أئمة أهل البيت المطهّرين!! تمت. من إفادة السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله)) اهـ.
أقول: وفي كلام الأمير ما لا يخفى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 328)
مخذولة من الزّيديّة، وقد انقرضت بعد الانتشار، وخملت بعد الاشتهار، وهذه العلّة العليلة كانت سبب اغتراره من نفسه؛ فإنّه كان يناظر أهل العلم بها، ويقول في مناظرته:
قد ثبت أنّ الأعلم أفضل، وأن علم الكلام أفضل العلوم. ثمّ يقول لمن يوافقه من الزّيديّة والمعتزلة على هاتين المقدّمتين:
إنّه يلزم منهما أنّه أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّه يقطع أنّه أعلم منه بعلم الكلام، وانّ مصنّفاته قد اشتملت على (1) الرّدّ على الفلاسفة، وسائر أهل الملل والنّحل على ما ليس في كتاب الله ما يقوم مقامه، فتصانيفه أنفع للمسلمين من القرآن العظيم!!
فإن كان المعترض قد اختار هذا المذهب، وأراد أن يحيي منه ما مات، ويستدرك على صاحبه من الكفر ما فات؛ فليس بمستنكر له بعد ذلك أن يستهزيء بأهل الحديث، ويسخر من علماء الأثر، وإن كان يأبي منه إباء المسلمين، ويأنف منه أنفة المؤمنين؛ فقد تبيّن له أنّ من كان له أسوة -في ترك علوم الأوائل وتحذلق الجدليّين- بالأنبياء والمرسلين، والصحابة والتّابعين، وسائر الصّالحين، فهو حريّ بالتّبجيل والتّعظيم، والتّوقير والتّكريم.
فياسيّال الذّهن، ووقّاد القريحة، من الأبله الآن!؟ أمن علّل بهذا التّعليل العليل، وقال: إنّ معرفته بالله/ مثل معرفة جبريل، بل--------------------------------------------
(1) كذا في الأصول، ولعل الأولى: ((من)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 329)
قال: إنّ الله لا يعرف من ذاته أكثر منه بكثير ولا قليل، أم من آمن بالله (1) وكتبه ورسله وتأدّب بآداب التّنزيل، واقتدى بسيّد المرسلين في ترك التّعمق في الدّين والمماراة للجاهلين؟.
الثّالث: البله وجمود الفطنة من أفعال الله تعالى التي أجرى العادة أن لا يخلى عنها الطّائفة العظيمة الذين لا يحصرهم عدد، ولا يجمعهم نسب ولا بلد، وهو كالطّول والقصر، والسّواد والبياض، وحسن الصوت (2) ، وجمال الخلق، فالقول بذلك عليهم من قبيل التّجرّي على البهت الذي هو عادة البطّالين.
وكلّ منصف يعلم أنّ في كلّ طائفة عظيمة -لا يجمعهم إقليم ولا نسب ولا طبيعة- فطناء وبلداء، وكرام وبخلاء، وشجعان وجبناء، وقد خاطب الله عبّاد الحجارة الذين لم تكن عندهم من العلم أثارة بمثل قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تعقلون) (3) ، ((وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة22].
الرّابع: أنّ رسالة المعترض منادية عليه نداء (4) صريحاً بجمود الفطنة، وكثرة البله، وكلّ إناء بالذي فيه يرشح. ولو كان من أهل المغاصات الغامضة، والأذهان السّائلة والقرائح الوقّادة؛ لظهر لذلك--------------------------------------------
(1) في (ت): ((ملائكته)).
(2) في (س): ((الصور)).
(3) هذا وهم من المصنف، ولا توجد آية بهذا اللفظ. وفيه: ((أفلا تعقلون)) ، ((لعلكم تعقلون)).
(4) ساقطة من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 330)
أثر في أساليبه، ولاحت من ذلك مخايل على رسائله، فلا مخبأ بعد بوس، ولا عطر بعد عروس. فيا هذا!! ما حملك على عيب الخصوم بعيب أنت به موصوم؟!.
الخامس: أنّ الفلاسفة تدّعي من الذّكاء والفطنة مثل ما أنت مدّع، وتعتقد في المسلمين كلّهم مثل ما أنت معتقد في المحدّثين، فإنّهم يعتقدون أنّ المتكلّمين من المسلمين غير ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي. ولا منصفين في متابعة (1) محض العقل، لمراعاتهم في كثير من المواضع لقواعد الإسلام، وتعصبهم لمذاهب الآباء والمشايخ، وخوف (2) ما تقرّر في نفوسهم من الصّغر من (3) خوف عذاب الاخرة، وعندهم أنّهم السُّبَّاق إلى تأسيس قواعد العلوم العقليّة، والقوانين المنطقيّة، وأنّهم استبدّوا باستخراج علم المنطق، وميزان البرهان، بصفاء أذهانهم في النظر في الحقائق، وشدة غوصهم على لطائف الغوامض، فكما أنّ ذلك -وإن صدقوا في بعضه- لا يدلّ على صحة ما هم عليه من الكفر، ولا يرجح ما فرحوا به من الضلال والخسر (4) ، فكذلك ما احتجّ به المعترض على اختصاصه وأصحابه بالذّكاء والفطنة، بسبب ما استعاروه من علم الأوائل، وشمّوا من رائحة الحذق في بعض المسائل، لا يوجب له صحّة دعواه، ولا يستحق به الاختصاص بالنّجاة؛ هذا إن سلّم المعترض أنّ المدقّق قد يضلّ في--------------------------------------------
(1) في (س): ((ولا متّصفين بمتابعة)).
(2) العبارة في (س) محرّفة.
(3) سقطت من (س).
(4) في (س): ((الخسّة))!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 331)
تدقيقه ويزلّ عن تحقيقه، وأمّا إن لم يسلّم ذلك فليتخذهم أئمة، وينسلخ عمّا عليه الأمّة، وفي هذا أكبر دليل على فساد ما توهّمه المعترض من تعليل صفاء الأذهان، /والرّجوع في صحّة الإيمان إلى ممارسة تواليف اليونان في علم البرهان، فقد ضلّ سقراط المعلّم الأوّل، واهتدى من الأعراب كثير، وما مارس أحد منهم تلك العلوم ولا تأوّل.
فيا هذا! من أكثر ممارسة للعلوم العقليّة، وأهدى إلى العقائد الإسلامية: أمّ الدرداء، وأمّ سُليم، وخديجة بنت خويلد، أمْ أرسطاطاليس، وأفلاطون، وابن سينا؟ وانظر بعد هذا في ميزانك الذي وزنت به أهل العلم والذّكاء، وأهل الجمود والبله، هل تجده مع مراعاة الإسلام عادلاً، أو تراه إلى تعظيم الفلاسفة مائلاً؟.
السّادس: كان المسلمون أمّة واحدة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيّام الخلفاء الرّاشدين رضي الله عنهم، ليس بينهم خلاف في أمر العقيدة، وعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن الخلفاء الرّاشدين والسّلف الصّالحين أن الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو: سبيل الهدى ومنهج الحقّ وطريق السّلامة، حتّى مارستم هذه العلوم، وتركتم الجمود، وسالت أذهانكم بالحقائق، وغصتم على هذه الدّقائق، وضلّت اثنتان وسبعون فرقة من ثلاث وسبعين، ولم يبق من الأمّة على الحقّ بتركه (1) هذه الممارسة عُشْرها، ولا نصف عشرها!!.--------------------------------------------
(1) في (س): ((ببركة)) ولها وجه ظاهر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 332)
والمعتزلة تدّعي أنّها الفرقة النّاجية: دعوى ممزوجة بعجب كثير، واستحقار لكلّ من خالفهم من صغير وكبير! وهم مع ذلك مختلفون غاية الاختلاف، مفترقون عشر فرق في مسائل عقلية قطعية، لا يمكن عندهم فيها تصويب الجميع ولا رفع الإثم عن المخطىء، ولا القطع بانتفاء الفسق بإجماعهم!! ومنهم من يجيز في ذلك الاختلاف الواقع بينهم أن يكون فسقاً فلا خلاف بينهم فيه (1) ، ومنهم من يصرّح بتكفير مخالفه، وبين أصحاب أبي الحسين، وأصحاب أبي هاشم في ذلك ما ليس بين فرق أهل الضلال أكثر منه، من قدح كلّ في علم الآخر، والقطع ببطلان ما هو عليه، وهذا الاضطراب العظيم، والخلاف الشّديد بين المعجبين بدعوى الاختصاص بعلم الحق، والاعتصام بالميزان العدل الذي يرفع الخلاف، ويظهر معه ما خفي من الحقّ، وكلّ هذا حصل بسبب (2) ممارسة العلوم التي عبتم على المحدّثين الغفلة عنها، فلا عدمكم المسلمون، زيدوا في هذه الممارسة فما يحصل منها غداً إلا (3) ما حصل منها أمس: تباغض وافتراق، وجدال وشقاق، وتكفير وتفسيق، وهوى من الضّلال إلى مكان سحيق.
فإنْ كان المحدّثون ما استحقوا منك السّخرية والإستهانة إلا--------------------------------------------
(1) ليست في (س).
(2) في نسخة: ((ببركة)) كذا في هامش (أ) و (ي).
(3) في (س): ((الآن)) وهو خطأ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 333)
لعدم دخولهم معكم في هذه الممارسة؛ فالأمر [في ذلك] (1) مجبور، ولهم أسوة يعزّون بها أنفسهم فيمن فاتته هذه الممارسة من الأنبياء والمرسلين، والصّحابة والتّابعين، والأولياء والصّالحين.
السّابع: أخبرنا ما هذه العقائد التي اختصصتم باعتقادها؟ (4وتميزتم على المحدثين (2) ، وعيّرتم على المخلّين بمعرفتها، ولم تكن معرفتها إلا بممارسة العلوم التي لم يمارسها الصّحابة والسّلف الصّالح، فإنّا رأينا الأمّة قد أجمعت على صحّة عقائد الصّحابة قبل هذه الممارسة، فَمُنّ علينا بالتّعريف بما استفدتموه بذلك.
فإن قلت: إنّ هذه العقائد هي اعتقاد وجود الله عز وجل، وأنّه عالم قادر، موصوف بجميع صفات الكمال /غير ممثّل بمثال، فقد أمكن الصّدر الأوّل معرفة هذا وأمثاله من الحقّ من غير ممارسة لعلومكم، ولم يصمهم أحد بالبله وجمود الفطنة ممن هو أذكى منك قلباً، وأرجح لبّاً، وأصلب ديناً، وأتمّ يقيناً. وإن كانت العقائد التي لا تدرك إلا بالممارسة هي قول شيوخكم: إنّ الله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمونه، وقولهم: إنّ الله لا يقدر على هداية أحد من المذنبين، وقولهم: إنّ الله لم يخلق شيئاً على الحقيقة قطّ، لأنّ الأشياء ثابتة فيما لم يزل، وتذويت الذّات محال، وإنّما الذي هو فعل الله اكتساب (3)--------------------------------------------
(1) زيادة من (ي) و (س).
(2) ما بينهما ليس في (س) ، ووضع على هذه العبارة في (ي) خط، وكأنه لم يرها في إحدى النّسخ.
(3) كذا في الأصول، وكتب فوق هذه الكلمة في (أ): ((إكساب. ظ)) ولعله الأصوب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 334)
الذّوات الثّابتة في القدم صفة الوجود، وليس لله تعالى عندهم فعل إلا صفة الوجود، لكن صفة الوجود عندهم وسائر الصفات ليست بشيء، فحصل من هذا أنّ الله تعالى لم يخلق شيئاً قطّ، وإنّما يقال: إنه خالق كلّ شيء مجازاً. وقولهم: إنّ الله تعالى غير قادر على إعدام الألوان كلّها وكذلك الطّعوم فلا يقدر على قلب الأسود أغبر لأنّه إنّما يزيل الصّفة بواسطة طروء ضدّها عليه، وأنّ الله تعالى يريد بإرادة محدثة موجودة على حدّ (1) وجود عرض مستقل بنفسه غير حالّ في ذاته تعالى، ولا في غيره ولا داخل في العالم ولا خارج عنه، وأنّ أوّل الواجبات النّظر في الله، وأنّ النّظر فيه لا يتمّ إلا بالشّكّ فيه فوجب الشّكّ في الله تعالى، بل كان أوّل الواجبات، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به يجب كوجوبه، بحيث يحصل الثّواب على الشّكّ في الله والعقاب على تركه، ويستمرّ وجوب الشّكّ في مهلة النّظر، ويقبح فيها تعظيم الله تعالى لأنّه عندهم في تلك الحال لا يؤمن أن لا يستحق التّعظيم، فتحرم فيها لذلك الصلوات، وسائر العبادات، تحلّ جميع المحرّمات الشّرعيّات (2) ، ويجب فيها استحلال جميع الحرام، وترك جميع الواجب. وقولهم: إنّ جميع الواجبات وجبت لأنفسها، وجميع المحرّمات كذلك من غير إيجاب موجب، ولا تحريم محرّم، وأنّ الله تعالى غير مختار في التّحليل والتّحريم، وإنّما هو حاكٍ فقط، فالله تعالى عندهم -في ذلك-، والرّسول والمفتي سواء.--------------------------------------------
(1) كذا في (أ) و (ي) و (ت) ، وفي (س): ((حدة)).
(2) في (س): ((بالشرعيات)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 335)
وقولهم: إنّ الله تعالى يقبح منه أن يتفضّل على أحد من خلقه بغفران ذنب واحد، وأنّه لا يغفر إلا ما وجب عليه غفرانه وجوباً يقبح خلافه، حتّى لو زادت سيّئات المسلم مثقال حبّة من خردل قبح من الله تعالى مسامحته في ذلك، ووجب على الله تعالى تخليده في النّيران كتخليد فرعون وهامان وعبدة الصّلبان، وأنّه لو فعل لاتّصف بصفة الكاذبين، واستلزم ذلك بطلان هذا الدين، وأنّ من جوّز عليه ذلك فإنّه عند كثير منهم قد صار من المرجئة، وخرج من الفرقة النّاجية، وأنّ من لم يعرف الله تعالى بأحد الأدلّة التي حرّروها فهو جاهل بالله كافر، وهذا يستلزم تكفير السّواد الأعظم /من المسلمين الأوّلين والآخرين، والأنصار والمهاجرين.
وقول شيوخكم البغداديّة: إنّ الله تعالى ليس بسميع، ولا بصير، ولا مريد حقيقة، وإنّما ذلك مجاز، معناه وحقيقته (1): أنّه عالم، وأنّ التقليد في الفروع حرام على العامّة من النّساء والعبيد والإماء وأهل الغباوة، وأنّ الاجتهاد في الحوادث ومعرفة أدلتها واجب عليهم مع ترخيص إمام البغداديّة أبي القاسم البَلخِي (2)
في التّقليد في معرفة الله تعالى، فهذا عجيب من ممارسيّ علوم النّظر الدّقيقة أن يجيزوا التّقليد في أصل الدّين ويحرّموه في فرعه! والأصل--------------------------------------------
(1) في (ي): ((معناه)) وضرب على ((حقيقته)) ، وفي (س): ((وحقيقته)) فقط.
(2) هو: عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي المعتزلي، ن (319) هـ وقيل غير ذلك.
انظر: ((تاريخ بغداد)): (9/ 384) ، و)) وَفَيَات الأعيان)): (3/ 45).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 336)
أقوى من الفرع بالإجماع من العقلاء!.
وقولهم: إنّ تفضّل الله على عباده بالعفو قبيح عقلاً وشرعاً، إلا أن يجب عليه وجوباً يقبح معه تركه، وسواء كان العفو قبل الوعيد أو بعده، وهذا هو الفرق بين مذاهب البغداديّة والبهاشمة، فإنّ البهاشمة لا يقبّحون العفو قبل الوعيد عقلاً، وقول البغداديّة: إنّه يقبح عقلاً وشرعاً العمل بجميع أخبار الثّقاب من الصّحابة والتّابعين، وأئمة المسلمين، وأنّ العمل بالقياس حرام، وبجميع الأدلّة الظّنيّة. ومن العجب استحقارهم الظّاهرية وتعظيمهم البغداديّة، والظّاهرية إنّما أنكرت القياس فقط، والبغداديّة أنكرت القياس والأخبار معاً، فهذه العقائد يذهبون إليها ويناظرون عليها، وليست من قبيل الإلزام، فإن كانت هذه العقائد وأمثالها من الأباطيل هي التي اختصصتم بها على المحدّثين، وتميّزتم بمعرفتها (1) على كثير من بله المسلمين، فلعمري إنّه لم يصر إلى هذه العقائد أحد من المسلمين إلا بعد ممارسة علومكم هذه التي سيّلت أذهانكم إلى هذا الحدّ، وخلصتم به (2) من عار جمود المحدّثين والسّلف الصّالحين من الصّحابة والتّابعين.
فإن قلت: إنّ أهل الحديث فرق كثيرة ويوجد لهم مثل ما يوجد للمتكلمين من الأقوال النّكيرة.
فالجواب من وجوه:
الأول: أنّ تلك الفرق المبتدعة ممن ينسب إلى السّنة فرق شاذّة--------------------------------------------
(1) في (س): ((وعسر معرفتها)).
(2) ليست في (ي) و (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 337)
منكرة، قد ردّ عليهم أئمة السّنّة، ونصّوا على ضلالهم، كالمرجئة والنّواصب والحشويّة والكرّامية والمشبهة والجبرية، إنّما كلامنا فيما عليه الجمهور، وما هو المصحّح المنصور عند المعتزلة وأهل السّنة، ولم نذكر الفرق الشّاذّة من المعتزلة والشّيعة، ولو تعرّضنا لذكر ذلك لذكرنا فضائح وقبائح تتنزه عنها المعتزلة والزّيديّة ويضلّلون من قال بها، مثل قول الحسينيه من الزّيديّة: إنّ الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقول الإمامية: إنّ شرط الإمام أن يكون يعلم الغيب، وقول بعض البغدادية من المعتزلة -وهم المطرفية- باستقلال الطبائع بالتّأثير في العالم بعد خلق الله تعالى لها /ونُسِب هذا إلى البغدادية من المعتزلة، وقول بعض المعتزلة: إنّ الله تعالى غير قادر على المقدورات القبيحة عقلاً، وأنّ الأطفال والبهائم لا تدرك شيئاً من الآلام، لأنّ إيلامها قبيح، والله تعالى لا يفعله فأنكر الضّرورة، فهذه المذاهب الشّاذّة لا يشنّع بها على المعتزلة، وكذلك المذاهب الشّاذّة لا يشنّع بها على أهل الحديث.
الثّاني: أنّ ذلك إنّما وقع من (1) بعض أهل الحديث من فيض علومكم هذه التي اقترحتم ممارستها (2) وتميّزتم عليهم بمعرفتها، ومن بقي منهم على ما كان عليه السّلف الصّالح سلم من جميع ما حدث من التّعمّق في الأنظار، والتّكلّف لاختراع ما لم يكن من العقائد.--------------------------------------------
(1) في (ي) و (س): ((مع)).
(2) في نسخة: ((افتخرتم بممارستها)) كذا في هامش (أ) و (ي) وهي كذلك في (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 338)
وبالجملة؛ فمن أحدث عقيدة لم تكن مشهورة وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا النّاس إليها، وحملهم عليها، مع سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وعدم تعرّضه لها؛ فليس بسنّي العقيدة، ولا سالك عند أهل الحديث الطّريق الحميدة.
الثّالث: أنّ كلامنا إنّما هو من (1) فوائد ممارسة العلوم العقليّة النّظريّة التي لم يعرفها السّلف، والمحدّث إذا ابتدع ما لم يكن في زمن الصّحابة فلم يؤت من الجمود وإنّما أتي من سيلان الذّهن، وممارسة هذه العلوم، فَبَانَ لك -أيّها المعترض بهذا- وَبَالَ هذه الفيهقة التي توهّمتها لك، لا (2) عليك.
الثّامن: [من التقريعات] (3) أنّ المحدّثين هم أهل العناية التّامّة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أيّ فرقة كانوا؛ كالنّحاة، والمتكلّمين، وهذه الصّفة شريفة، فقول المعترض: إنّ الجمود وترك التّأويل مذهب بله (4) المحدثين، تعليق للسّخرية والتنقّص (5) بأهل صفة شريفة، وهذا دليل على أنّك متصف بما رميتهم به من البله، لأنّ التعليق للذّمّ على الأوصاف الحميدة تغفيل (6) ، فلا يقول الفطناء متى أرادوا الذّمّ والانتقاص لأحد: إنّه من بُلْه المؤمنين والصّالحين ونحو ذلك.--------------------------------------------
(1) في (س): ((في)).
(2) في نسخة: ((وهي)) كذا في هامش (أ) ، وهي كذلك في (س).
(3) زيادة مهمّة من (س) ، وانظر التقريع السّابع (ص/334).
(4) في (س): ((جله))!.
(5) في (س): ((والنقص))!.
(6) في (س): ((تفضيل))!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 339)
التّاسع: أنّ لأهل كلّ فنّ من الفنون الإسلامية منّة على كلّ مسلم توجب توقير أهل ذلك الفنّ، وشكرهم والدّعاء لهم، والثّناء عليهم، لما مهّدوا من قواعد علمهم وذلّلوا من صعوبة فنّهم، وكثّروا من فوائده وقيّدوا من شوارده، فبئس ما جزيت من أحسن إليك بارتكاب ما لا يحلّ لك، وترك ما يجب عليك.
ومن آداب العلماء: أن يفتتحوا القراءة في مجالس العلم بالدّعاء لمشايخهم (1) ومعلّميهم، وأهل كلّ فنّ هم مشايخ العالم فيه، وأدلّة المتحيّر في خوافيه.
العاشر: العجب من المعترض كيف يذمّهم (2) وهو متحلّ بفرائد علومهم، وكارع في مشارع معارفهم، وتفسيره للقرآن مشحون برواياتهم، ومعرفته بالسّير والتّواريخ مستفادة /من أئمتهم. وما أقبح بالإنسان أن يكون من كفّار النّعم، وأشباه النَعَم! فإنْ كنت لا بد ساخراً منهم، ومستهزئاً [بهم] (3)؛ فهلا استغنيت وأغنيت عنهم، وأنِفت أنَفة الأحرار (4) عن الحاجة إليهم:
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم … من الّلوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا (5)
الحادي عشر: أنّ جميع أئمة الفنون المبرّزين فيها، المقتصرين--------------------------------------------
(1) انظر: ((تذكرة السّامع والمتكلّم)): (ص/35).
(2) في (س): ((يتهم)).
(3) زيادة من (ي) و (س).
(4) في (س): ((الاصرار))!.
(5) البيت للحطيئة. ((ديوانه)) (ص/52).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 340)
على تجويدها، قد شاركوا أهل الحديث في عدم ممارسة علم الكلام، وإن لم يشاركوهم في كراهة الخوض فيه، لكن علّة جمودهم، ورميهم بالبله في (1) عدم الممارسة؛ والممارسة للفنّ لا تحصل بعد كراهته، فأخبرنا هل مارس علم الكلام جميع أئمة الفقه؟ كمالك والشّافعيّ وأبي حنيفة، وأئمة العربيّة كالخليل وسيبويه، وأئمة اللّغة والقراءات والتّفسير، وسائر أئمة الفنون الإسلامية؟.
فإن قلت: كلّ أهل الفنون قد مارس علم الكلام، كانت مباهتة! وإن قلت: بعضهم قد مارس فكذلك بعض المحدّثين (2) قد مارس علم الكلام، ولم ينفعهم ذلك عندك من جمود الفطنة، وداء البله، فلزم ذلك كلّ من شاركهم في هذا من أئمة العلوم الإسلامية، وما أقبح ما يجرّ إليه هذا الكلام من الكبر الفاحش!! فإن الكبر غمص النّاس، كما ورد في ((الصحيح)) (3) وهذا غمص أئمة النّاس، ووجوه الخواصّ!.
الثّاني عشر: تصريك بوصم شيخ الإسلام، وإمام دار الهجرة: مالك بن أنس رضي الله عنه بأنّه جامد الفطنة؛ دليل على أنّك أنت جامد الفطنة، الطّويل البِطنة، وأنّك لا تدري ما يخرج من رأسك، ولا ما يطيش من دماغك، كأنّك لم تعلم أنّ الأمّة أجمعت على أنّه أحد أئمة المسلمين المجتهدين، وشيخ سنّة سيّد المرسلين، وأنّها خضعت--------------------------------------------
(1) في (س): ((هو)).
(2) في (س): ((المحدثون بعض)).
(3) أخرجه مسلم برقم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 341)
بين يديه كراسي [العلماء] (1) التّابعين، وقد جاء في الأثر: ((إنّ الرّجل إذا حفظ الزّهراوين جدّ فينا)) (2).
و (3) جاء في تعظيم العلماء والمتعلّمين ما لا يتّسع له هذا المكان من الآيات القرآنية، والأحاديث النّبويّة، ولو لم يكن من ذلك إلا ما ورد من (4) بسط الملائكة أجنحتها لطالبه (5)؛ لكانت كافية في رفع منار صاحبه، وتعظيم قدر مناقبه، وهذا في حقّ الطّالب المتعلّم؛ فكيف العالم المعلّم؟ فكيف يا سيّال الذّهن بشيخ الإسلام، وإمام دار هجرة المصطفى عليه السلام ؟ الذي قال فيه الشّافعي: ((إذا ذكر العلماء فمالك النّجم)). وكيف لم يهتد ذهنك هذا السّيّال إلى أنّه عار عليك أن تذمّ من لا تستفيد بذمّه إلا كشف الغطاء عن حماقتك، وخلع جلباب الحياء عن وجه خلاعتك، /وما أحسن في جوابك مما قال حسّان بن ثابت … رضي الله عنه: (6)--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي) و (ت): ((علماء)) ، والتصويب من (س) ، لأن مالكاً رحمه الله من اتباع التابعين، فكيف يخضع له علماء التابعين!!.
(2) من قول أنس بن مالك رضي الله عنه أخرجه أحمد: (5/ 120) بإسناد صحيح، وأصل الخبر في مسلم برقم (2781) دون هذه العبارة.
(3) في (ي) و (س): ((وقد)).
(4) في (س): ((في)).
(5) أخرجه أحمد: (5/ 196) ، وأبو داود: (4/ 57) والترمذي: (5/ 47) وأعلّه بعدم الاتصال. وابن ماجه: (1/ 81) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وحسّنه ابن القيم في ((مفتاح دار السعادة)): (1/ 63) ، وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب)): (68).
(6) ((ديوانه)): (1/ 18).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 342)
أتهجوه ولست له بكفءٍ … فشرّكما لخيركما الفداء
الثالث عشر: أنّ أهل الحديث لم يختصّوا بترك تأويل آيات الصّفات، وأحاديث الصّفات، والإيمان بمراد الله تعالى منها (1) ، والنّهي عن الخوض في الكلام، بل قد شاركهم في ذلك، وفي بعضه كثير من خواصّ علماء الكلام المشاهير بصفاء الأذهان، ولطافة الأفهام، وقد نقل النّوويّ ذلك عن جماعة من المتكلّمين، واختاره جماعة من محقّقيهم، هذا لفظ النّووي ذكره في ((شرح مسلم)) (2) كما قدّمنا في الوهم التّاسع. (3)
وقال الحجّة أبو حامد الغزّالي في كتاب ((الإحياء)) (4) -وقد ذكر علم الكلام ما لفظه-: ((وأمّا منفعته فقد يظن أنّ فائدته كشف الحقائق، ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف؛ ولعلّ التّحبيط والتّضليل فيه أكبر من الكشف والتّعريف.
وهذا إذا سمعته من محدّث أو حشويّ ربما خطر ببالك أنّ النّاس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثمّ قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد الوصول (5) إلى منتهى درجة المتكلّمين، وجاوز ذلك إلى--------------------------------------------
(1) في (ي) و (س): ((فيها)) ، والسّلف فوّضوا الكيفية، أمّا المعنى فلم يفوّضوه. وانظر ما سبق (1/ 302 - 303).
(2) (3/ 19).
(3) (1/ 295).
(4) لم أجده بنصّه في المظانّ، وهو بنحوه في ((الإحياء)): (1/ 33 - 35).
(5) في (س): ((وبعد التغلغل فيه)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 343)