ابن عمر أنّ النّاس وهلوا في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدثونه بتلك الأحاديث نحو مئة سنة، وإنّما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)) يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، فهذا نصّ ابن عمر على أنّ النّاس وهلوا في ذلك، والوهل هنا: بمعنى الوهم في معنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (1): تقول: وهل إلى الشّيء إذا ذهب وهمه إليه: وقد يكون الوهل بمعنى الفزع، ولكنّه لا يلائم كلام ابن عمر ههنا، لقول ابن عمر في الرّدّ على من وهل: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد إلا انخرام ذلك القرن، فدلّ على أنّهم وهموا أنّه أراد القيامة، كما قد جاءت أحاديث توهم ذلك، ولعلّها من رواية أولئك الذين وهموا (2) والله أعلم.
ومثل هذا إذا وقع نادر في بعض الأحاديث، لم يوجب التّشكيك في الرّجوع إلى الأحاديث الصّحيحة، فإنّ الثّقة لا يعصم من الخطأ. وفي ((الصّحيح)) (3): ((من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار)) فقيّد الوعيد بالتّعمّد، وأجمع العلماء على أنّ الثّقة لا يجرح بالخطأ إلا إذا كثر كما تقدّم تفصيله (4).--------------------------------------------
(1) (3/ 52) ، لكنها في شرح ((وهم)).
(2) راجع التعليق (ص/443).
(3) حديث متواتر، انظر: ((قطف الأزهار)) (ص/23) للسيوطي.
(4) (ص/47، 161).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 444)
ومن أنواع الوهم: رفع الموقوف على الصّحابي، وجعله مرفوعاً إلى النّبي صلى الله عليه وسلم.
وأشدّ منه: الإدراج، وهو ان يتكلّم راوي الحديث بكلام بعد فراغه من رواية الحديث، فيحسبه السّامع من الحديث لاتصاله به.
ومن أنواع الوهم: أن يروي الحديث أحد الضّعفاء، وله اسم أو كنية أو نسبة يوافق فيها بعض الثّقات، فيحسب السّامع أنّه عن الثّقة فيرويه عن الثّقة لا (1) على وجه يميّز الثّقة عن الضّعيف فيلصق بالثّقة ما لم يقله، وقد بالغ الحفّاظ في الاحتراز من هذا الخلل /وصنّفوا في ذلك كتب العلل؛ فهذا [آخر] (2) وجوه المحامل، ومع إمكانه لا يجوز الحكم على الثّقات بتعمّد الكذب، ومثل هذا لا يبطل به علم الأثر لوجهين:
أحدهما: أنّ الخطأ قد يقع من أئمة أهل النّظر في نظرهم، فكما لم يبطل بذلك (3علم النّظر عندهم فكذلك (3) لا يبطل علم الأثر بمثله عند أهل الأثر.
وثانيهما: أنّه لو وجب الاحتراز من الوهم للزم الرّاوي ألا يعمل بشيء مما حفظه وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنّه يجوز فيما لم يعلمه بالضّرورة على نفسه من الوهم ما يجوز على سائر الثّقات، وهذا خلاف العقل والنّقل، فإذا قدحنا بالوهم لم يختص أهل الأثر، ولزم--------------------------------------------
(1) سقطت من (س)! فتغيّر المعنى!.
(2) في (أ) و (ي): ((أحد)) ، ولمثبت من ((العواصم)): (8/ 320) و (س). وهو الصواب.
(3) ما بينهما ساقط من (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 445)
أهل النّحو واللّغة والفقه والتّفسير، فإذا كان الوهم مجوّزاً فأقل الحديث وهماً: كتب أئمة الحديث المنقّحة المصحّحة، التي حكم بعلوّ قدرها في الصّحة أئمة النّقد، وعكف الأفاضل على تحقيقها من قبل ومن بعد. وهذا القدر كاف في التّمهيد للجواب بذكر هذه المقدّمات.
ولنشرع الآن في الجواب، ونتكلّم على فصلين، أحدهما: في الجواب الجملي، وثانيهما: في طرف من المعارضات، فأمّا التّحقيق؛ فلا مكانه ولا زمانه ولا فرسانه ولا ميدانه.
أمّا الفصل الأوّل: فالجواب أنّ المعترض ذكر أحاديث معيّنة وذكر أنّه لا يصح لها تأويل، فنقول له: مرادك لا يصحّ لها تأويل في فهمك؟ فمسلّم ولا يضرّ تسليمه، أو مرادك لا يصحّ لها تأويل في علم الله تعالى، ولا في علم أحد من الرّاسخين في العلم؟ فهذا ممنوع لوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ موسى كليم الله لما لم يعلم تأويل فعل الخضر عليه السلام لم يجب أن لا يعلمه الخضر، فإذا جاز على موسى الكليم عليه السلام أن يجهل ما علمه غيره؛ جاز على المعترض أكثر من ذلك.
الوجه الثّاني: أنّ الملائكة عليهم السلام ما عرفوا حكمة الله تعالى على التّعيين في استخلافه لآدم عليه السلام في الأرض، وسألوا الله تعالى عن ذلك فقالوا: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)) بالبقرة/30] ، فلم يخبرهم تعالى بوجه الحكمة على التّعيين، بل أجاب عليهم بالجواب الجملي فقال
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 446)
تعالى: ((إنّي أعلم ما لا تعلمون)) [البقرة/30] فإذا كفى الملائكة الجواب (1) الجملي كفى كثيراً من المسلمين، فأمّا فهم معنى الآيات؛ فقد قدّمنا أنّه لا يجب على جميع المسلمين من العامّة والعجم إجماعاً، وانّ معرفة البعض إذا كانت كافية في ذلك، فلا مانع من أن معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكفي في ذلك.
الفصل الثاني: وهو في المعارضات فهو نوعان:
أحدهما: معارضة الخصم بتأويل أصحابه المعتزلة لما هو أصعب تأويلاً من تلك الأحاديث، من آيات القرآن العظيم، الدّالّة على أنّه تعالى سميع بصير مريد، وأنّه الذي أوجب الواجبات الشّرعيّة، وحرّم المحرّمات الشّرعية، ورفع الحرج فيها عن المسلمين، وأراد اليسر في ذلك بالمؤمنين ونحو ذلك مما لا يصح عند المعتزلة إلا بتأويل ظاهر، وهذا النّوع ظاهر (2) لا سبيل إلى استقصائه، وقد ذكر قاضي القضاة، عبد الجبّار بن أحمد -وهو أحد علمائهم- ما يخالف مذهبهم من القرآن العظيم، فجاء في مجلّد كبير (3) ، فلنقتصر في هذا الوجه على هذه الاشارة، ففيها تنبيه على كيفية معارضتهم بهذه الطريقة، وقد ذكرت /في ((الأصل)) (4) طرفاً من الآيات التي تعسّفوا في تأويلها وحكموا بصحّة ذلك التّأويل، وبيّنت أنّ تأويل الأحاديث التي ذكرها المعترض أقرب من تأويلهم لتلك الآيات.--------------------------------------------
(1) في نسخة ((العلم)) كذا في هامش (أ) و (ي) ، وهو كذلك في (س).
(2) في نسخة ((واسع)) كذا في هامش (أ) و (ي) ، وهو كذلك في (س).
(3) وهو كتاب ((تأويل متشابه القرآن)) طبع في مجلد كبير.
(4) (8/ 333 - وما بعدها).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 447)
النوع الثّاني: معارضة الخصم بإيراد شواهد تلك الأحاديث التي زعم أنّه لا يمكن تأويلها بذكر ما هو مثلها من القرآن العظيم، وأنّه يلزم من أقرّ بصحّة تأويل تلك الآيات أن يصحّح تأويل تلك الأحاديث التي انتقاها المعترض من أدقّ ما وجد في الحديث، وأبعد ما فيه عن التّأويل، وسوف أجيب عن جميعها، وأبيّن أنّ في القرآن ما هو مثلها، فمن تأوّله تأوّلها، ومن آمن به آمن بها، ومن ردّها لزمه أن يردّ ما هو في معناها من كلام الله تعالى: وهي هذه مرتّبة على ترتيب المورد لها:
الحديث الأوّل: الحديث الطّويل الوارد في صفة يوم القيامة وفي الشّفاعة، وفيه: ((وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربّكم)) هذه رواية البخاري ومسلم (1) في حديث أبي هريرة.
وفي البخاري ومسلم (2) من حديث أبي سعيد: ((حتّى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسّجود، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلّما أراد أن يسجد خرّ على قفاه)) الحديث.--------------------------------------------
(1) ((الفتح)): (13/ 430) ، ومسلم برقم (182).
(2) ((الفتح)): (13/ 431) ، ومسلم برقم (183).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 448)
وفي ((صحيح مسلم)) (1) من طريق أبي (2) الزّبير عن جابر بن عبد الله بلفظ السّماع من جابر رضي الله عنه نحو ذلك. وللحديث طرق ليس هذا موضع استيفائها، وفي بعض ألفاظ الحديث، ذكر التّجلّي، وفي بعضها ذكر وضع القدم في النّار، وفي بعضها ذكر الضّحك.
والجواب (3):
أنّه قد ثبت أنّ علماء التّأويل من أهل (4) المعاني والبيان وأهل الكلام قد أوّلوا آيات كثيرة في القرآن مثل قوله تعالى: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة)) [البقرة/210] وقوله تعالى: ((هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربّك)) [الأنعام/158] وقالوا في هذه الآيات وأمثالها: إنّ إسناد المجيء والإتيان إلى الله تعالى مجاز وهو من باب الإيجاز، أحد--------------------------------------------
(1) برقم (191).
(2) في (س): ((ابن)) وهو خطأ.
(3) مقصود المؤلف هنا معارضة الخصم بأنه يمكن تأويل تلك الأحاديث التي أوردها، وأنه إذا لم يمكن تأويلها وجب ردّها بزعمه، فينقض عليه المؤلّف بتأويلات أصحابه المعتزلة لما هو أصعب تأويلاً من تلك الأحاديث - وإن كان المؤلف لا يرتضي هذا التّأويل- وإنما أورده للإلزام والمعارضة. وانظر المقدمة.
وأما ما أورده المؤلف من كلام النّووي وغيره في تأويل المجيء والصورة، فالجواب عليها مستفيض في كتب علماء السنة، انظر ((الردود والتعقبات)): (ص/171 - 190) لمشهور حسن. ومذهب أهل السنة في آيات الصفات وأحاديثها مشهور معلوم، ولله الحمد.
(4) في (س): ((علماء)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 449)
علوم المعاني، وهو: حذف بعض الكلام لدلالة القرينة على حذفه، والقرينة الدّالّة هنا هي القرينة العقليّة كالقرينة في قوله تعالى: ((وسئل القرية التي كنّا فيها والعير)) [يوسف/82] أي أهل القرية وأهل العير، قالوا: والمعنى: وجاء أمر ربّك أو عذابه أو نحو ذلك من المقدّرات المحذوفة.
فنقول: إذا كان مثل هذا صحيحاً عندكم صحّ في الحديث مثله فيقال: إنّ إسناد المجيء فيه إلى الله تعالى مجاز وهو في الحقيقة مسند إلى ملك من ملائكة الله. وقوله في الحديث: ((أنا ربّكم)) أي: رسول ربّكم، وكذلك قولهم: ((أنت ربّنا)) أي: رسول ربّنا، وإذا جاز تأويل لفظ على معنى جاز تأويله على ذلك المعنى، وإن كرّر مئة مرة، وهذا التأويل مفحم للمبتدعة، وقد كان /وقع في خاطري وكنت محباً أن أقف على مثل ذلك لأحد من أهل العلم لاستأنس بموافقته، فأسلم من وحشة الشّّذوذ، فوقفت عليه في ((شرح مسلم للنووي)) (1) رحمه الله ووجدته قد تأوّل الحديث بذلك فقال رحمه الله ما لفظه: ((وقيل المراد ((يأتيهم الله)) أي: يأتيهم بعض ملائكته. قال القاضي عياض: وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصّورة التي أنكروها من سمات الحدث (2) الظّاهرة على الملك والمخلوق، قال: أو يكون معناه يأتيهم الله في صورة، أي: بصورة ويظهر لهم من صورة ملائكته ومخلوقاته التي لا تشبه صفات--------------------------------------------
(1) (3/ 19 - 20).
(2) في (س): ((الحدوث)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 450)
الإله [ليختبرهم] (1) ، وهذا آخر امتحان المؤمنين، وإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة: ((أنا ربّكم)) رأوا عليه من سمات المخلوق ما يعلمون به أنّه ليس بربّهم ويستعيذون بالله منه.
وأمّا قوله: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها)) فالمراد بالصّورة هنا الصّفة، ومعناه فيتجلّى لهم على الصّفة التي يعرفونها، وإنّما عبّر عن الصّفة بالصّورة لمشابهتهما ولمجانسة الكلام فإنّه تقدم ذكر الصورة، وأمّا قولهم: ((نعوذ بالله منك)) فقال الخطّابي: يحتمل أن تكون الاستعاذة من المنافقين خاصّة، وأنكر القاضي عياض هذا، قال النّووي: وما قاله القاضي عياض هو الصّواب، ولفظ الحديث مصرّح به أو ظاهر فيه، وإنّما استعاذوا منه لما قدّمناه من كونهم رأوا سمات المخلوق. وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: ((فيتبعونه)) فمعناه يتبعون أمره إيّاهم بذهابهم إلى الجنّة)) انتهى ما ذكره النّووي رضي الله عنه.
وقوله في هذا التّأويل: فيتجلّى لهم على الصّفة التي يعرفونها، أراد به تجلّي الرّؤية على مذهب أهل الحديث والأشعرية وغيرهم، وقد صرّح به لكنّه سقط التّصريح له من هذا الكلام (2) ، ولم يحضرني ((شرح مسلم)) فانقل منه كلامه بنصّه (3).--------------------------------------------
(1) في ((الأصول)): ((لتحريهم))! والتصويب من ((شرح مسلم)).
(2) في (س): ((الكلام المنقول)).
(3) نصّه في ((شرح مسلم)): (3/ 20): ((وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: ((فيأتيهم في صورته التي يعرفون)) فالمراد بالصورة هنا الصفة، ومعناه: فيتجلّى الله سبحانه وتعالى لهم على الصّفة التي يعلمونها ويعرفونه بها، وإنّما عرفوه بصفته، وإن لم تكن تقدّمت لهم رؤية له سبحانه وتعالى؛ لأنهم يرونه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، وقد علموا أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، فيعلمون أنّه ربّهم، فيقولون: ((أنت ربّنا)).
وإنما عبّر بالصورة عن الصفة .... )) اهـ، وانظر التعليق (ص/449).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 451)
وأمّا على مذهب المعتزلة فتأويل التّجلّي عندهم كتأويله في قوله تعالى: ((فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكاً)) [الأعراف/143] ، ويكون المعنى عند المعتزلة على مقتضى أساليبهم في التأويل: فيتجلّى ما يدلّ على عظيم قدرة الله تعالى، وإحاطة علمه من عجائب أفعاله المعجزة لجميع المخلوقين التي يعلم بها أنّه المكلم.
وإنّما ذكرت تأويل الحديث على كلّ مذهب ليظهر للمعترض بطلان قوله: إنّ تأويل الحديث غير ممكن على مذهب المعتزلة، وأنه يجب على أصولهم ردّه، وقد ظهر أنّه لا يمكنهم ردّه، مع إقرارهم بما هو مثله في كتاب الله تعالى، وليس في الحديث الذي أورده المعترض ما يظنّ أنّه زائد على ما في القرآن إلا ثلاثة أمور:
أحدها: ذكر أنّهم سجدوا لتلك الصّورة، والجواب عنه من وجهين:
الوجه الأوّل: أنّه يجوز أن يكونوا قصدوا بالسّجود التّعبّد لله تعالى عند رؤيتهم لذلك الملك، تعظيماً لله تعالى حين رأوا من عظيم مخلوقاته ما يوجب ذلك.
الوجه الثاني: أنّه يجوز السّجود للملك على سبيل التّعظيم والتّكرمة، كما سجدت الملائكة لآدم عليه السلام ، وكما سجد إخوة يوسف له، فإنّ تحريم السّجود لغير الله حكم شرعي يجوز تغيّره إجماعاً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 452)
الأمر الثّاني: مما ورد في الحديث، وليس في كتاب الله تعالى: ذكر الصّورة /وأنّه جاءهم على صورتين، والجواب من وجهين:
الوجه الأوّل: ما ذكره النّووي والقاضي عياض وقد تقدّم.
الوجه الثاني: وهو القاطع للّجاج أنّا قد ذكرنا أنّ الذي جاءهم ملك من ملائكة الله تعالى.
فإن قلت: لا يجوز أن يكون للملك صورتان، وإنّما المعروف أن له صورة واحدة.
فالجواب من وجوه:
الأوّل: أنّه لا مانع من ذلك فهو داخل في قدرة الله تعالى.
الوجه الثاني: أنّه قد جاء حديث صحيح يرفع الإشكال في ذلك، و [أنّه] (1) جاءهم في الصّورة الأولى محتجباً عنهم، وفي الثانية متجليّاً لهم، رواه شيخنا النّفيس العلوي في ((كتابه الأربعين)) (2) وهو صحيح خرّجه الإمام شمس الدّين ابن قيّم الجوزية (3).
الوجه الثالث: ما تقدّم ذكره عن القاضي عياض والنّووي في تأويل الصّورة بالصّفة.
الأمر الثّالث: أنّه كثر في الحديث ذكر ما يقتضي التّشبيه الكثير حتّى صار ذلك فيه كالتّصريح، وليس في القرآن مثل ذلك.
والجواب عليه: أنّ هذا على أصول أهل التّأويل أقلّ إشكالاً لأنّ--------------------------------------------
(1) في (أ): ((وأنهم)).
(2) راجع (ص/183) تعليق رقم (5).
(3) ((حادي الأرواح)): (ص/214 فما بعدها).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 453)
صفات المخلوقين كلما [كثرت] (1) كانت أظهر دلالة على التّجوّز، وعلى حذف المسند إليه، وكان هذا أشبه بالاستعارة المجرّدة (2) التي يذكر فيها صفات المشبّه مثل قولنا: أسد شاكي السّلاح، حسن الثّياب، لطيف الأخلاق، فصيح الكلام، ونحو ذلك من تكثير القرائن اللفظيّة الدّالّة على التّجوّز، ولو أنّه بعد إسناد الإتيان إلى الله تعالى ذكر الصّفات المختصّة بالله تعالى كان أبعد عند أهل الصّنعة من التّجوّز، وكان أشبه بالاستعارة المرشّحة التي يذكر بعدها صفات المشبّه به كقوله في البيت المشهور:
* له لبد أظفاره لم تقلّم *
ونحو ذلك، وقد تقدّم ذكر ذلك في المقدّمة السّادسة في المرتبة الثّانية من مراتب التّأويل (3) ، وإنّما قلنا: إنّ هذا الوارد في الحديث مثل المجاز الوارد في القرآن عند أهل التأويل؛ لأنّ كلّ واحد منهما مجاز في الإسناد وحذف المسند إليه من طرق الإيجاز في الكلام، وكلّما أردف التّجوّز من صفات المحذوف أو المذكور لم يكن في ذلك شيء من التّجوّز، وإنّما تكون فيه قرائن لفظية تدلّ على المبالغة في إظهار المقصود أو المبالغة في معنى التّجوّز، وأمّا التّجوّز فليس إلا في الإسناد على ما يعرفه علماء المعاني والبيان، والله أعلم.
وقد أبرق المعترض وأرعد على البخاري رضي الله عنه--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((ذكرت)) والمثبت من نسخة صحيحة كما في هامش (أ) و (ي) ، ومن (س).
(2) في (ي): ((بالمجاز المجرّد)) ، وكذا في هامش (أ) في نسخة.
(3) (ص/427).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 454)
لروايته في الحديث ((فيكشف عن ساقه)) وهذا من الجهل المفرط، فإنّه لا فرق بين كشف السّاق، والمجيء عند أهل التّأويل في جواز إسناد الجميع من ذلك إلى غير الله، وامتناع إسناده إليه سبحانه وتعالى، وكذلك قوله في الحديث: ((فيضع الرّبّ قدمه)) أي فيضع رسول الرَّبِّ قدمه، أو نحو ذلك، وهذا النّوع من التّأويل عربي فصيح، ومنه قول جبريل عليه السلام فيما حكى الله عنه: ((لأهب لك غلاماً زكيّاً)) [مريم/19] في إحدى القراءتين (1)؛ ومنه قول عيسى عليه السلام: ((وأحيي الموتى بإذن الله)) [آل عمران/49] أراد: ويحيي الله الموتى عند إرادتي لذلك، ومنه الحديث الصّحيح الذي أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (2) عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني /، قال: يارب! كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّ عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده)) الحديث إلى آخره.
وهو صحيح صريح في صحة مجاز الحذف الذي نحن فيه، وكذلك ما ورد في الحديث من ذكر الضّحك فهو أسهل من هذا كلّه، إن شئنا جعلناه من قبيل الإيجاز وحذف المسند إليه، ويكون مسنداً في الحقيقة إلى الملك، وإن شئنا جعلنا التّجوّز في الضّحك لا في--------------------------------------------
(1) القراءة الأخرى: ((ليَهَبَ لم غلاماً)) ، وهي قراءة أبي عمرو ويعقوب، ونافع برواية وَرْش. انظر: ((المبسوط)): (ص/243) للأصبهاني.
(2) برقم (2569) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 455)
الإسناد، ويبقى الضّحك المجازيّ مسنداً إلى الله تعالى، فقد صحّ نسبة العجب والغضب والرّضا إلى الله تعالى، وكلام أهل التّأويل في هذه الأمور متقارب، وقد اشتهر في لغة العرب التّجوّز في الضّحك، وشحن البلغاء أشعارهم بذكر ضحك البروق والأزهار والأنوار، وقد فسّروا ضحك الرّبّ برضاه. وذكر ابن متّويه المعتزلي ضحك الأرض في المجاز وأنشد في ذلك:
* تضحك الأرض من بكاء السّماء *
وقد اتّسع البلغاء في ذلك حتّى نسبوا الضّحك إلى القبور، فدع نسبته إلى الأنوار والزّهور! قال المعرّي (1):
ربّ قبر صار [قبراً] (2) مراراً … ضاحك (3) من تزاحم الأضداد
وقد أذكرني التّجوّز في الضّحك ليلة عجيبة كانت مرّت بي، طلع القمر فيها، وهو في غاية (4) التّمام والإنارة، وكان طلوعه من الجانب الشّرقي في حال التماع بروق منيرة من الجانب الغربي، مع مطر وحنين رعود، واجتمعت الأنوار مع زهور رياض مختلفة الألوان في المكان الذي نحن فيه، وكان ذلك عقيب وداعنا لبعض إخواننا رعاه الله تعالى، فقلت في ذلك:--------------------------------------------
(1) ((سقط الزند)): (3/ 971).
(2) في (أ) و (ي): ((لحداً)) والمثبت من ((سقط الزند)) ، و ((العواصم)): (8/ 343).
(3) في (أ) و (ي): ((ضاحكاً)) والتصويب من ((سقط الزند)).
(4) في (س): ((نهاية)) ، وأشار إلى نحو ذلك في هامش (أ).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 456)
وليلة ضحكت أنوارها طرباً … بروقها (1) وزهور الأرض (2) والقمر … فكدت أضحك لولا حنّ راعدها … حنين شاكّ ولولا أن بكى المطر
فذكّر الرّعد قلبي في تحنّنه … حنين خلّي لمّا أن دنا السّفر
فنحت حتّى تباكت كلّ ضاحكة … من الثّلاث وحتّى رقّ لي الشّجر
وهذا المعنى مطروق مشهور في أشعار المتقدّمين والمتأخّرين. فإن قلت: إنّ هذه التّجوّزات التي في الأشعار تخالف ما في القرآن والسّنّة، فإنّ من سمع الآيات والأحاديث الواردة في الصّفات لم يفهم التّجوّز إلا أن يكون من العلماء الذين قد خاضوا في الكلام وسمعوا التّأويل، وأمّا الأشعار المذكورة فكلّ من سمعها فهم التّجوّز فيها من الخاصّة والعامّة.
والجواب: أنّ السّبب في ذلك ظاهر، وهو أنّ القرينة الدّالّة على التّجوّز في الأشعار معلومة بالضّرورة لكلّ سامع، فإنّ كلّ عاقل يعرف أنّ الضّحك الحقيقيّ يستحيل صدوره من الرّياض والبروق والشّمس والقمر، ونحو ذلك، بخلاف ما قدّمنا، فإن القرينة فيه خفيّة دقيقة، قد اختلف في تحرير الدّليل عليها أذكياء الخاصّة من أئمة الكلام، وردّ بعضهم دليل بعض. ومن هنا ترك أهل الحديث التّأويل مدّعين أنّ شرط حسن المجاز عندهم /سامع الكلام للقرينة الدّالّة على التّجوّز حتّى تصرفه معرفته بها عن اعتقاد ظاهر الكلام، ولذلك--------------------------------------------
(1) في هامش (ي) ما نصّه:
((كأنّ بروقها وما بعدها بدل من أنوارها، بدل تفصيل)) تمت القاضي محمد.
(2) في ((العواصم)): ((الروض)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 457)
أجمعوا على تأويل حديث: ((الرّكن يمين الله تعالى)) (1) ، وحديث: ((إنّي أجد نفس الرّحمن من جهة اليمن)) (2) ونحوهما.
وأجمعوا على تأويل قوله تعالى ((ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) [ق/16] وقوله تعالى: ((إلا هو معهم أين ما)) [المجادلة/7] ونحوهما لما كانت القرينة معروفة عند المخاطب، قالوا: والمعلوم من أحوال المسلمين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم المعرفة بالأدلّة الكلاميّة الموجبة للتّأويل.
وأمّا المتكلّمون ومن اختار التّأويل؛ فإنّهم لم يشترطوا في حسن المجاز إلا تمكّن السّامع من معرفة القرينة ولو بالنّظر الدّقيق والبحث الطّويل، ولما اضطرب النّاس في هذا ودقّ الكلام فيه، وعظم الخطر، اعتصم الجماهير من أهل السّنّة بالإقرار بما ورد في الآيات والأحاديث، على الوجه الذي أراده الله تعالى، مذعنين للعلم بذلك الوجه، لا رادّين لما ورد في ذلك من السّمع، ولا مشبّهين لله تعالى بما لحقه من صفات النّقص، معتقدين أنّ الله تعالى كما وصف نفسه في قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) [الشورى/11] منزّهين لله تعالى--------------------------------------------
(1) أخرجه الأزرقي في ((أخبار مكة)): (1/ 32) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً. وأخرجه ابن عدي في ((الكامل)): (1/ 342) ، والخطيب في ((تاريخه)): (6/ 328) ، وفي سنده إسحاق بن بشر الكاهلي، وهو وضّاع.
وانظر: ((الضعيفة)) رقم (223) ، و ((كشف الخفاء)): (1/ 417).
(2) ذكره في ((كشف الخفاء)): (1/ 251) ، وفي ((تذكرة الموضوعات)): (ص/101) ، ونقلا عن العراقي أنّه قال: ((لا أصل له)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 458)
من كلّ ما يقتضي النّقص من شبه المخلوقين في أفعالهم وذواتهم وصفاتهم، وهذه عقيدة صالحة منجية لمن اعتقدها، ومن ضلّل أهلها لزمه تضليل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتضليل جميع المسلمين إلا طائفة المتكلّمين، وذلك يعود إلى الإدغال في الدّين والقدح على سيّد المرسلين، ونعوذ بالله من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين.
وقد دخل تحت هذه الجملة تأويل حديثين أوردهما المعترض في هذا المعنى، ثمّ إنّه أردفهما بحديث جرير بن عبد الله البجلي في الرّؤية، وهو الحديث الثّالث، ونظمه في سلكهما، وقد تقدّم الكلام على صحته، وأنّه متواتر المعنى، وأنّ شواهده مرويّة عن أكثر من ثلاثين صحابيّاً في أكثر من ثمانين حديثاً.
وأمّا الكلام على معناه:
فأمّا أهل الحديث: فيؤمنون به كما ورد على الوجه الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمّا المتكلّمون من الأشعرية والمعتزلة والشّيعة: فيجتمعون على أنّه تعالى لا يرى في جهة متحيزاً كما يرى القمر، ثمّ يفترقون في تفسير معناه، ولا حاجة إلى نقل ألفاظهم في ذلك فإنّه معروف في مواضعه، وإنّما غرضنا هنا بيان بطلان ما زعم المعترض من اشتمال كتب الحديث الصّحيحة على ما يجب تكذيب راويه، وهذا الحديث مما لا يمكن تكذيب راويه لأنّه حديث متواتر كما قدّمنا، ومن أنكر ذلك لم يزد على أنّه ادّعى على نفسه (1) الجهل بتواتره، ونحن نسلّم له--------------------------------------------
(1) في (ي) و (س): ((لنفسه)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 459)
ما ادّعاه لنفسه من الجهل ولا ننازعه، فإن ادّعى على أحد غيره أنّه يجب أن يشاركه في الجهل؛ لم يساعده على ذلك دليل من العقل ولا من السّمع، إلا أن يدّعي أحد مثل دعواه فنسلّم له /من الجهل ما ادّعاه، ومن أحبّ معرفة تواتر هذا الحديث فليطالع كتب أهل الحديث الحافلة الجامعة لطرقه الكثيرة وفوائده الغزيرة، ولا طريق إلى إقامة البرهان على التواتر إلا ما ذكرناه كما يعرف ذلك أهل الصّناعة، ولو كان إلى ذلك سبيل غير ما أشرنا لفتحنا أبوابها وذلّلنا صعابها.
وبعد، فكلام الفريقين في هذه المسألة معروف المواضع مكشوف البراقع، فاختصرنا التّطويل بنقل المعروف، وبيان المكشوف.
الحديث الرّابع: حديث خروج أهل التّوحيد من النّار، والشّفاعة لهم إلى الوهّاب الغفّار، وتمييزهم بذلك من بين الكفّار، فإنّ المعترض أنكر ذلك أشدّ الإنكار، ونظمه في سلك ما يجب تكذيب راويه من الأخبار، وبنى كلامه في ذلك على شفا جرف هار، وتوهّم أنّه في ذلك موافق لإجماع أهل البيت الأطهار، وخطؤه ينكشف بذكر فائدتين يتّضح بهما المذهب الحقّ المختار:
الفائدة الأولى: في تعريف المعترض أنّه قد جهل في ذلك مذهب أصحابه، وظنّ أنّ هذا المذهب مما يختصّ بالقول به خصومه، ولم يعلم أن ذلك مذهب مشترك بين السّني والشّيعي والمعتزلي والأشعري، فقد ظهر القول به في كلّ الطّوائف، واشترك في نصرته أجناس أهل المعارف، ونحن ننقل ما يدلّ على ذلك من مصنّفات
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 460)
أصحاب المعترض: فمن ذلك من ذكره الحاكم أبو سعد في ((شرح العيون)) فإنّه أورد فصلاً في ذكر المرجئه، وأخطأ في هذه التّسمية كما سيأتي بيانه، ونسب الإرجاء إلى جلّة وافرة من أكابر شيوخ المعتزلة، ذكر ذلك في تراجمهم عند الكلام عليها في طبقاتهم من كتابه هذا، حتّى نسب إلى زيد بن عليّ رضي الله عنه مخالفة المعتزلة المبالغين في هذه المسألة، وصرّح بأنّه يخالف المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، ذكره في ترجمة زيد بن علي رضي الله عنه مختصرة بعد ترجمته البسيطة، وأسند إلى صاحب ((المصابيح)) وإنّما ذكرت هذا عن زيد ابن علي رضي الله عنه؛ لأن الخصوم يقبلون (1) رواية هذا الرجل، وإلا فأهل الحديث يرون عنه مخالفة المعتزلة، وحسبك أن أبا عبد الله الذّهبي لم يذكره في ((الميزان)) وقد شرط ألا يترك أحداً تكلّم فيه بحق أو باطل إلا ذكره.
وقال الحاكم المذكور في ((شرح العيون)) في فصل عقده فيما أجمع عليه أهل التّوحيد والعدل /: ((إن اسم الاعتزال صار في العرف لمن يقول بنفي التّشبيه والرؤية والجبر، وافق في الوعيد أو خالف، وافق في مسائل الإمامة أو خالف، وكذا في فروع الكلام، ولذا تجد الخلاف بين الشّيخين والبصرية والبغدادية يزيد على الخلاف بينهم وبين سائر المخالفين، وكذا تراهم يعدّون من نفى الرؤية، وقال بحدوث القرآن، ومسائل العدل: معتزليّاً وإن خالف في الوعيد ككثير من مشايخنا، منهم الصّالحي والخالديّ وغيرهما، وكذا ترى من--------------------------------------------
(1) في (س): ((يصلون))!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 461)
خالف في هذه الأصول لا يعدّ منهم، وإن قال بالوعيد كالنّجارية والخوارج وغيرهم)). انتهى.
وقال حميد بن أحمد المحلّي الزّيدي في كتابه ((عمدة المسترشدين في أصول الدين)) (1): ((إن القائلين بالشّفاعة لأهل الكبائر والخروج من النّار صنفان: عدلية وغير عدلية، وذكر للعدلية القائلين بذلك مذاهب أربعة.
وذكر القاضي عبد الله بن حسن الدّواري الزّيدي في ((تعليق الخلاصة)): انقسام القائلين بذلك إلى عدلية، وغير عدلية، قال: ((فمن أهل العدل القائلين بذلك: أبو القاسم البستي، وكان من الزّيدية من أصحاب المؤيد بالله، وغيره من المعتزلة منهم: محمد بن شبيب، وغيلان الدّمشقي رأس المعتزلة، ومُوَيْس بن عمران، وأبو شمر، وصالح قبّة، والرّقاشي، والصّالحي، والخالدي وغيرهم، ومن القدماء (2): سعيد بن جبير!! ، وحمّاد بن [أبي] سليمان، وأبو حنيفة وأصحابه)). انتهى كلامه.
قلت: وإلى ذلك ذهب من أئمة الزّيديّة الدّعاة: يحيى بن--------------------------------------------
(1) هو: حميد بن أحمد المحلّي الهمداني أبو عبد الله، من فقهاء الزيدية ومؤرّخيهم. ت (652).
انظر: ((الأعلام)): (2/ 282 - 283) ، و ((مصادر الفكر)): (ص/117 - 118) ، ووقع فيه خطأ في الاسم فليصحح.
وكتابه هذا شرح لعقيدة شيخه الإمام عبد الله بن حمزة، ومنه عدة نسخ في اليمن، ونسخة في دار الكتب. انظر المراجع المتقدمة.
(2) في (س): ((الفقهاء)) وهو كذلك في ((العواصم)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 462)
المحسّن المعروف بالدّاعي، والمهدي أحمد بن يحيى المتأخّر، وكان الفقيه علي بن عبد الله بن أبي الخير يذهب إلى هذا، وغيره من أهل المعرفة، فثبت بما ذكرناه أنّ المعترض قد جهل مذاهب أصحابه.
أمّا الفائدة الثانية: فهي في الإشارة إلى ضعف كلامه وبطلان شبهته، فإنّه ذكر أنّ الأحاديث الدّالّة على خروج أهل الإسلام من النّار تعارض آيات الوعيد الدّالّة على خلود أهل النّار، وهذا جهل مفرط، فإنّ العموم والخصوص لا يتناقضان على القطع عند أحد من فرق الإسلام بحيث يقطع على كذب أحدهما في نفس الأمر، ولو جحد ذلك أحد من أهل الجهل كان الرّدّ عليه متسهّلاً على أقل أهل المعارف الإسلامية بصيرة، وكيف يستطيع مسلم أن يشكّ في جواز ذلك، والقرآن مشحون بالعموم والخصوص، كما يعرف ذلك أهل التّمييز، دع أهل الخصوص: مثال ذلك قوله تعالى: ((من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة)) [البقرة/254] ، فأطلق نفي الخلّة والشّفاعة في هذه الآية عن كلّ أحد، ثمّ قيّده في قوله تعالى: ((الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتّقين)) [الزخرف/67] ، وقال /تعالى: ((ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)) [الأنبياء/28] ، فأثبت الخلّة والشّفاعة لمن اتّقى، ولمن ارتضى بعد أن نفاهما مطلقاً، وكذلك ما ورد في خروج أهل الإسلام من النّار من صحيح الأخبار، المتواتر معناها عند العلماء الأحبار، وقد أوضحت ذلك في ((الأصل)) (1) بما لا فائدة لذكره في هذا ((المختصر)) ، لأنّه من جليّات--------------------------------------------
(1) (8/ 385 - فما بعدها).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 463)