الصّلاح (1): ((إنه بعيد مباعد للشّائع عن أئمة الحديث، فإنّ كتبهم طافحة بالرّواية عن المبتدعة غير الدّعاة)) كما سيأتي.
الثّاني: أنّه إن كان يستحلّ الكذب لنصرة مذهبه لم يقبل، وإلا قبل، وهو مذهب أحمد، كما قال الخطيب.
قال ابن الصّلاح (1): وهذا مذهب الكثير أو الأكثر، وهو أعدلها وأولاها.
قال ابن حبّان: ((هو قول أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافاً)) وكذا حكى بعض أصحاب الشّافعي عن أصحاب الشّافعي أنّهم لم يختلفوا في ذلك (2).
وأمّا كفّار التّأويل فمن لم يكفّرهم فحكمهم عنده على ما تقدّم، وأمّا من كفّرهم فحكى زين الدّين ابن العراقي (3) عن الحافظ الخطيب البغدادي الشّافعي أنّه حكى عن جماعة من أهل النّقل والمتكلّمين أنّهم يقبلون أهل التّأويل وإن كانوا كفّاراً، قال زين الدّين: واختاره صاحب ((المحصول)).
قلت: الجمهور منهم على ردّ الكافر، قال زين الدين: ونقله السّيف الآمدي عن الأكثرين/، وبه جزم أبو عمرو ابن الحاجب.--------------------------------------------
(1) ((علوم الحديث)): (ص/299 - 300).
(2) الذي في ((علوم الحديث)): (ص/299) خلاف ذلك، فيه الخلاف بينهم في قبول المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته، أمّا الدّاعية فلا خلاف في عدم قبوله بينهم.
(3) ((شرح الألفية)): (ص/162).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 484)
وقال صاحب ((المحصول)) (1): ((الحقّ أنّه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته، وإلا فلا، لأنّ اعتقاده حرمة الكذب يمنعه منه)).
الفائدة الثّالثة: في ذكر بعض حجج القابلين لهم والمخالفين في ذلك، أمّا القابلون لهم فلهم حجج:
الحجّة الأولى: الإجماع، وبيانه أنّ أهل الحديث وأهل السّنة قاطبة أجمعوا على صحة حديث ((الصّحيحن)) ، مع أنّ في حديثهما ما هو مستند إلى المبتدعة: القدريّة والمرجئة وغيرهم، من غير ظهور متابعة، ولا استشهاد، ولا تصريح من البخاري ومسلم بأنّ المتأوّل غير مقبول عندهما، فيجب حملهما على معرفة متابعات وشواهد تقوّي حديث أولئك المبتدعة، ويجب الحكم بصحّة حديثهم لأجل تلك المتابعات والشّواهد، لا لأجل الثّقة لهم. هذا إجماع ظاهر من أهل السّنة.
وأمّا المعتزلة والشّيعة: فقد ذكرنا رواية ثقاتهم للإجماع على ذلك، وذكرنا إجماعهم على الرّجوع إلى ((الصّحيحين)) وغيرهما من كتب أهل السّنة، وبيّنا أنّهم يقبلون مراسيل من يقبل أهل التّأويل، وأنّه لا يمكنهم تمييز حديثهم من حديث أهل التّأويل عندهم ألبتّة.
فإن قيل: كيف نصغي إلى دعوى الإجماع، وقد علم وقوع الخلاف؟.
قلنا: ذلك يصحّ؛ لأنّ الإجماع المدّعى ليس بإجماع جميع--------------------------------------------
(1) (2/ 195).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 485)
الأمّة، وإنّما هو إجماع أهل عصر منهم، وهو إجماع الصّدر الأوّل من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم، فإنّ أهل العصر قد يجمعون فيعلم إجماعهم بعض أهل العلم فيرويه ويتبعه، ولا يعلم ذلك بعض أهل العلم فيخالف، ويروى الخلاف والإجماع، ومثل هذا كثير الوقوع، وقد عيّن كثير من أهل العلم ذلك العصر المدّعى إجماع أهله، وذكر أنّه عصر الصّحابة والتّابعين، واحتجّوا بإجماع الصّحابة على قبول القائمين على عثمان رضي الله عنه من الصّحابة، ممّن روى هذا أبو عمرو بن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (1) وأجاب عنه بوجهين:
الأوّل: عدم تسليم الإجماع.
وهذا الوجه ليس بشيء، لأنّ راوي الإجماع إذا كان ثقة عارفاً مطّلعاً موافقاً في الطّريق التي يعرف بها ثبوت الإجماع؛ وجب قبوله كما يجب قبول راوي الحديث. ولم يعارض إلا بنقل الخلاف بطريقة صحيحة، ولو جاز مقابلة نقلة الأدلّة بذلك أمكن ردّ كلّ راوٍ وتكذيب كلّ عالم.
الوجه الثّاني: أنّه يجوز أنّهم قبلوا حديث أولئك لعدم اعتقادهم فسقهم، أو لتوقّفهم في ذلك، أو لعدم معرفتهم بوقوع ذلك منهم، أو لاعتقاد بعضهم إصابتهم.
والجواب عنه من وجوه:
الأول: أنّه إذا روى الإجماع ثقة لم يقدح تجويز وهمه في روايته--------------------------------------------
(1) (1/ 693) مع ((بيان المختصر)) للأصفهاني.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 486)
لما لا حقيقة له، ولو قدح بمثل ذلك في هذا الإجماع أمكن/ القدح بمثله في كلّ إجماع، بل في كلّ رواية طريقها النقل في الأخبار واللّغات ونحوها، فيقال في الخبر المرفوع: لعلّ السّامع له وهم أنّه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنّما حكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غيره، أو لعلّه توهّمه مرفوعاً وهو موقوف، أو مسنداً وهو مقطوع، أو نحو ذلك.
الوجه الثّاني: أنّ مدّعي الإجماع ادّعى العلم، ومن ردّ ذلك لم ينقل خلافاً في ذلك وإنّما استبعد أن يعلم ذلك غيره مع أنّه لا يعلمه، ومن علم حجّة على من جهل، وقد يختلف النّاس في معرفة أخبار السّلف وأحوالهم، ويحصل لبعض العلماء بشدّة البحث للأخبار والتّواريخ علم بأمور كثيرة لا يشاركه فيها غيره، وفي قبول مدّعي الإجماع حمل الجميع على السّلامة أمّا المدّعي فلظنّ صدقه وتورّعه عن رواية ما لا يعرف، وأمّا المنكر فلظنّ عدم معرفته لما عرف مدّعي الإجماع، وحمله على عدم العناد، وعلى أنّه لو عرف لوافق.
الوجه الثّالث: أنّ اختلافهم في العلّة لا يقدح في صحّة التّمسّك بالإجماع، كما لو أجمعوا على قتل رجل اختلفوا في العلّة، فقيل: بالقصاص، وقيل: بالرّدة، وقيل: بغير ذلك، فإن قتله يجوز قطعاً، وكذلك قبول رواية فاسق التأويل إذا أجمعوا عليه واختلفوا في علّته، فمنهم من قبله لأن فسق التأويل لا يوجب ردّ الرّواية، ومنهم من قبله؛ لأنّ مذهبه أنّه ليس بفسق عنده، فإنّ حديث ذلك الرّجل يكون مقبولاً بالإجماع، وأمّا فسقه فمأخوذ من دليل آخر.
ويتعلّق بهذا بحث دقيق يتعلّق بالحديث المتلقّى بالقبول؛ هل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 487)
نقطع بصحّته أم لا؟ وقد اختلف العلماء فيه وأوضحته في ((الأصل)) بما لا مزيد عليه.
الوجه الرّابع: وهو المعتمد أنّا وإن سلّمنا عدم العلم بإجماع الصّحابة على ذلك فلا نسلّم عدم العلم بإجماع المتأخّرين على قبول ما اتّفق البخاري ومسلم على تصحيحه من حديث المبتدعة، وقد قدّمنا بيان إجماع المعتزلة والشّيعة على ذلك، وبيّنا اضطرارهم إلى القول به، وبسطناه في ((الأصل)) بسطاً يضطر المعاند إلى الوفاق، ويخضع له منهم أهل اللّجاج والشّقاق، ومن وقف على كلام أبي عبد الله الذّهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال)) (1) أيقن أنّه لا سبيل إلى رواية السّنن إلا على هذه الطريقة.
ولله درّ الإمام الشّافعي رضي الله عنه ما أوضح مناره وأقوى أنظاره، وأصحّ اختياره، وأحسن اعتباره! فهذه نبذة يسيرة ممّا يتعلّق بالحجّة الأولى وهي حجّة الإجماع.
الحجّة الثّانية: أنّ الأمّة أجمعت على أنّه يحرم على العالم--------------------------------------------
(1) لعلّ المصنّف يشير إلى ما قاله الذّهبي في ترجمة عليّ بن المديني، ورده على العقيلي في إدخاله في ((الضعفاء)) ، فكان مما قال: ((ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة .... لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجّال .....
ثم ما كلّ أحد فيه بدعة، أو له هفوة أو ذنوب يقدح فيه، بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصوماً من الخطايا والخطأ … )).
)) الميزان)): (4/ 60 - 61).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 488)
العمل بالعموم مع ظنّ وجود الخاصّ، والعمل بالحديث الظّنّي مع ظنّ وجود ناسخه، والعمل بالقياس مع ظنّ وجود النّصّ، ولا شكّ أنّ أخبارهم توجب ظنّ وجود الخاصّ والنّاسخ والنّصّ المانعة من العمل بالعامّ والمنسوخ والقياس.
الحجّة الثّالثة: أنّ في ردّ حديثهم مضرّة مظنونة، ودفع المضرّة عن النّفس واجب./ وأمّا أنّ في ذلك مضرّة مظنونة فذلك معلوم؛ فإنّ أهل الصّدق والأمانة لو أخبرونا بأنّ الطّعام مسموم؛ لوجب علينا تجنّبه عند الأشعرية والمعتزلة عقلاً وشرعاً، وإذا كان هذا في مضارّ الدّنيا -مع حقارتها- فكيف إذا أخبرونا بأنّ فعل بعض الأمور يغضب الله جل جلاله، ويستحقّ به عقابه ونكاله.
الحجّة الرّابعة: أنّه يحصل بخبرهم الظّنّ، والعمل بالظنّ حسن عقلاً، أمّا عند المعتزلة فظاهر، وأمّا عند الأشعرية فلأنّ الفخر الرّازي ذكر في ((المحصول)) وغيره أنّهم لم يخالفوا في هذا القدر، وإنّما خالفوا في أنّ تارك ما أوجبه العقل يستحق الذّمّ عاجلاً والعقاب آجلاً.
وتقرير هذا الوجه: أنّ العقلاء اتّفقوا على حسن الخبر والاستخبار، واعتمدوا في المهمّات على إرسال الرّسول، وكتابة الكتّاب، وبعث النّذير إلى من يخاف عليه، والطّليعة إلى من يُخاف منه، وكلّ هذا لا يفيد إلا الظّنّ، وكذلك تصرّفاتهم فإنّ عامّتها مبنيّ على استحسان العمل بالظّنّ، فسفر التّاجر على ظنّ الرّبح، وزرع الزّارع على ظنّ التّمام، وغزو الملوك على ظنّ الظفر، وقراءة القرّاء على ظنّ حصول المعرفة، ولهذا فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث رسله إلى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 489)
أهل عصره يخبرونهم بالشّريعة ويبلّغونهم الأحكام اتفق أهل ذلك العصر بفطر عقولهم السّليمة على وجوب العمل بما أخبرهم به رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يعلموا جواز ذلك بنصّ شرعيّ متواتر قطعي، ومن غير أن يستقبح ذلك منهم أحد، ولم يختلفوا ويتناظروا في ذلك، فثبت بهذا أنّ العمل بالظّنّ حسن عقلاً، وأن العمل له لم يزل بين المسلمين ظاهراً قديماً وحديثاً، ولا يخص من ذلك إلا ما خصّه الدّليل الشّرعي، وقد تعرّض ابن الحاجب لإبطال هذا الوجه فلم يأت بشيء، ولولا خوف التّطويل لبيّنت ذلك.
الحجّة الخامسة: قوله تعالى: ((فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فله ما)) [البقرة/275] وقوله تعالى: ((فإمّا يأتينّكم منّي هدى فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى)) [طه/123] وأمثال ذلك، وهذا عام في كلّ ما جاء عن الله، سواء كان من كلامه -سبحانه- أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسواء كان معلوماً أو مظنوناً، بل الأكثر من ذلك هو الذي جاء مظنوناً، وقد ثبت أنّ معنى القرآن الكريم منقسم إلى: معلوم ومظنون، وأنّا متعبّدون بهما معاً، وأنّ المعنى المظنون من جملة ما جاءنا من عند الله تعالى، فكذلك السّنّة فيها معلوم ومظنون، وكلّ منهما مما جاءنا من عند الله.
الحجّة السّادسة: قوله تعالى: ((وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير)) [الملك/10] فذمّهم الله تعالى بعدم الاستماع على الإطلاق، ولابدّ من تقييده بعدم استماع ما جاء من عند الله تعالى من معلوم أو مظنون، وإنّما قدّرنا ذلك لأنّ تقدير المعلوم وحده على خلاف الإجماع، فإنّ الأمّة أجمعت على وجوب الرّجوع إلى الأدلّة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 490)
الظّنية من المعاني القرآنية/ والأخبار الآحادية، وإنّما لم يؤثّموا المجتهدين إذا خالفوا شيئاً من الأدلّة الظّنيّة؛ لأنّهم اتّبعوا ما ظنّوا صحّته.
الحجّة السّابعة: قوله تعالى: ((خذوا ما آتيناكم بقوّة واذكروا ما فيه لعلّكم تتقون)) [البقرة/63] وهي عامّة في كلّ ما آتانا الله من معلوم ومظنون، وقد ثبت في ((الصّحيح)) (1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) فيجب بذل الاستطاعة في تعرّف ما آتانا الله تعالى من معلوم ومظنون، فأعلى المراتب: أن نعلم اللفظ والمعنى، ودون ذلك: أن نعلم اللفظ ونظنّ المعنى. ودون ذلك: أن نعلم المعنى ونظنّ اللّفظ أو نظنّهما معاً، على أنّ في علم المعنى مع ظنّ اللفظ بحثاً ليس هذا موضعه.
الحجّة الثّامنة: قوله تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) [المائدة/44] وفي آية: ((الفاسقون)) [المائدة/47] وفي آية ((الظّالمون)) [المائدة/45] وقد ثبت أنّ ما أنزل الله منقسم إلى معلوم ومظنون وقد مرّ تقريره.
الحجّة التّاسعة: حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) وهو حديث حسن معمول به، ذكره النّووي في ((مباني الإسلام)) وحسّنه (2) وأخرجه--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: ((الفتح)): (13/ 264) ، ومسلم برقم (1337) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) ((جامع العلوم والحكم)): (1/ 278).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 491)
الترمذي في ((جامعه)) (1) وهو يصلح حجّة في المسألة هو وما في معناه من الحديث، لمن ثبت له صحته من غير طرق المبتدعة بفسق أو بكفر، وهو يدلّ على قبول من يظنّ صدقه لأنّ ردّه مما يريب.
فإن قلت: إنّ تصديقهم مما يريب أيضاً.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنّا لا نسلّم أنّ ذلك يسمّى ريباً؛ لأنّه راجح مظنون، والرّاجح المظنون صحته لا يسمّى تجويز خلافه ريباً في اللغة، فإنّ الإنسان إذا غاب من منزله ساعة من نهار، وعهده بعمارته قائمة صحيحة؛ فإنّه لا يسمّى مريباً في انهدام الدّار، وإن كان يجوز ذلك، وكذا إذا أخبره ثقة بخوف عدوّ، فإنّه يسمى مريباً من خوف العدوّ لا صدق الثّقة الذي أخبره.
الوجه الثّاني: أنّا لو سلّمنا أنّ ذلك يسمّى ريباً لما سلّمنا سقوط التّكليف بقبولهم، وذلك لأنّ في قبولهم ريباً مرجوحاً، وفي ردّهم ريباً راجحاً، ولا شكّ أنّ الاحتراز من المضرّة الرّاجح وقوعها أولى من الاحتراس من المضرّة المرجوح وقوعها، وإلا لزم قبح التّصديق للنذير، وإن كان ثقة، لتجويز الكذب أو الوهم عليه، ونحو ذلك، ويعضد هذا المعنى كلّ ما ورد فيه مثل حديث: ((الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) (2) الحديث، وهو صحيح، ويدخل في الشّبهات، ارتكاب ما--------------------------------------------
(1) (4/ 576 - 577) وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)) اهـ.
(2) أخرجه البخاري ((الفتح)): (1/ 153) ، ومسلم برقم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 492)
رووا تحريمه، وترك ما رووا وجوبه، بل هو أقرب إلى الحرام؛ لأنّه من قبيل ارتكاب ما يغلب على الظّنّ تحريمه، فتأمّل ذلك ونظائره في الحديث.
الحجّة العاشرة: أنّه يحرم عليهم كتم ما يعرفونه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ورد في تحريم ذلك من القرآن والسّنّة والإجماع، فلا يرتفع وجوب ذلك عنهم إلا بدليل يعارض أدلّة تحريم كتم العلم في القوّة والظّهور، ولا شكّ أنّه لا يوجد ما يماثل ذلك في إسقاط تحريم الكتم عليهم، وإذا ثبت أنّه يجب عليهم التّبليغ ويحرم عليهم الكتم/ ثبت أنّه يجب قبولهم وإلا لم يكن لتبليغهم فائدة، ولا لوجوب ذلك عليهم معنى.
وأمّا المصرّح بالكفر والفسق؛ فغير متعبّد بذلك في حال فسقه، لانعقاد الإجماع على اشتراط توبته في القبول.
وأمّا المتأوّل؛ فلم ينعقد الإجماع على ذلك بل ادّعى غير واحد من أهل الفقه انعقاد الإجماع على قبولهم كما قدّمنا فافترقا. وفي هذا بحث لطيف تركته اختصاراً.
وهذه عشر حجج اختصرتها من نيّف وثلاثين حجّة ذكرتها في ((الأصل)) (1) ، وأردفتها بذكر بضعة عشر مرجّحاً لقبولهم على ردّهم.
وأمّا الرّادّون لحديث كفار التّأويل وفسّاقه، فقد احتجّوا بأمور--------------------------------------------
(1) (2/ 316 - 373). ذكر فيه اثنتين وثلاثين حجّة، وذكر خمسة عشر مرجّحاً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 493)
ضعيفة، وقد أوردتها في ((الأصل)) (1) وأضحت الجواب عليها، وأنا أورد هنا أقوى ما تمسّكوا به، وألوّح إلى جمل كافية في الجواب على ذلك.
فممّا احتجّوا به قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة)) [الحجرات/6].
قال المعترض: وهذا في معنى العموم كأنّه قال: إن جاءكم فاسق أيّ فاسق.
والجواب من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ المتأوّل لا يستحق اسم الفسوق في عرف العرب؛ لأنّه في عرف أهل اللّغة: الذي يتعمّد ارتكاب الفواحش تمرّداً أو خلاعة، وليس هو من يكفّ نفسه عن كلّ ما يعلم تحريمه أو يظنّه، ولا يفعل قبيحاً إلا بتأويل، وإذا لم يكن يسمّى فاسقاً في عرفهم لم تتناوله الآية، سواء كان يسمّى في وضع اللغة أم لا، لأنّ الحقيقة العرفية مقدّمة على الحقيقة اللّغوية، والذي يدلّ على ذلك العرف آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في الكفّار: ((وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)) [الأعراف/102] وقوله تعالى في المشركين: ((كيف يكون للمشركين عهد عند الله -إلى قوله- وأكثرهم فاسقون)) [التوبة/7 - 8] وقوله تعالى في اليهود: ((وأنّ أكثركم فاسقون)) [المائدة/59] وهذه الآيات الكريمة دالّة على أنّ في المشركين وسائر الكفّار من ليس بفاسق، وقد فسّر الزّمخشري هذه--------------------------------------------
(1) (2/ 130 - وما بعدها).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 494)
الآيات على المعنى الذي ذكرته، فقال (1) في قوله تعالى: ((وأكثرهم فاسقون)) [التوبة/8] ((متمرّدون خلعاء لا مروءة تزعهم، ولا شمائل مرضيّة تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التّفادي عن الكذب والنّكث، والتّعفّف عمّا يثلم العرض ويجرّ أحدوثة السّوء)) انتهى.
وهو تصريح منه بما ذكرته في تفسير الفاسق، فكيف يدخل فيه المتأوّل المتعبّد المتورّع المتخشّع!؟ وقد فهم هذا المعنى في هذه الآية بخصوصها غير واحد من أهل العلم بتفسير كتاب الله تعالى، فقال عبد الصّمد (2) في تفسيرها: سمّى الله الوليد فاسقاً لكذبه الذي وقع به الإغراء، وقال القرطبي في هذه الآية في ((تفسيره)) (3): ((وسمّى الله الوليد فاسقاً أي: كاذباً)) قال القرطبي (4): ((وقال العلماء: الفاسق--------------------------------------------
(1) ((الكشّاف)): (2/ 141).
(2) ذكر الداوودي في ((طبقات المفسرين)): (1/ 309 - 310) اثنين ممن يسمّى عبد الصمد:
1 - عبد الصمد بن حامد بن أبي البركات النّهشلي كان مقرءاً مفسّراً. ت (بعد 750هـ). … =
= 2 - عبد الصمد بن عبد الرحمن بن أبي رجاء البلوي الأندلسي، من المحققين في القراءات والتفسير، ت (619هـ).
ولم يذكر لأحد منها كتاباً في التفسير ولا في غيره فالله أعلم.
وانظر: ((طبقات القراء)): (2/ 610) للذهبي، و ((غاية النهاية)): (1/ 388 - 389) لابن الجزري، وقد تقدّم للمؤلّف النقل عنه.
(3) (16/ 205).
(4) بنحو، وإلا فالقرطبي قد سمّى من قال بذلك من العلماء، ولم يُبهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 495)
الكذّاب، وقيل: الذي لا يستحي من الله)). انتهى كلامه.
وفيه شهادة للمعنى الذي ذكرته، أقصى ما في الباب: أنّ هذا الاحتمال غير ظاهر، لكنّه محتمل غير مرجوح، وذلك يمنع من الاحتجاج بها في المتأوّلين.
الوجه الثّاني: أنّ الله تعالى قال: ((إن جاءكم فاسق بنبأ فنبيّنوا)) [الحجرات/6] ولم يقل: فلا تقبلوه، والتّبيّن هو تطلّب/ البيان، وليس القطع على أنّه كاذب يسمّى تبيّناً في اللغة ولا في العرف ولا في الشّرع، وقد جاء الأمر بالتّبيّن في القرآن الكريم، وليس المراد به الرّدّ والتّكذيب، وذلك في قوله تعالى في سورة النّساء: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا)) [النساء/94] فروى البخاريّ ومسلم (1) من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ المسلمين لحقوا رجلاً في غُنيمة له، فقال: السّلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنيمته فنزلت، وهو حديث صحيح مرويّ من غير طريق، فثبت أنّ التّبيّن طلب البيان لا ردّ المتّهم.
فنقول: من جملة التّبيّن أنّا ننظر إلى المخبر أهو من أهل الصّدق والتّحري أم لا؟ فإن لم يكن منهم لم نقبله، وإن كان منهم نظرنا هل أخبرنا بأمر يتعلّق بحقوق المخلوقين، أو بأمر من أمور (2) الدّين، فإن كان ممّا يتعلّق بأمر الدّين؛ اكتفينا فيه بظنّ صدقه وأمانته ما لم يجرح بأمر يعارض أدلّة قبوله، وإن كان في حقوق المخلوقين لم نصدقه حتّى--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري ((الفتح)): (8/ 107) ، ومسلم برقم (3025).
(2) في (ي) و (س): ((أمر)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 496)
يشهد معه شاهد آخر غالباً، ولا شكّ أنّ الآية نزلت في حقوق المخلوقين وأنّ الوليد لم يكن في المتأوّلين باتّفاق العارفين.
الوجه الثّالث: أنّ الله تعالى علّل التبيّن بخوف الإصابة بالجهالة، وهذه العلّة غير حاصلة في خبر المتديّن (1) ، فإنّ خبره يفيد الظّنّ الرّاجح وذلك لا يسمّى جهالة لوجهين:
الوجه الأوّل: أنّه يسمّى علماً في لغة العرب لقوله تعالى: ((وما شهدنا إلا ما علمنا)) [يوسف/81] وغير ذلك، وما ثبت أنّه يسمّى علماً في لسان العرب فلا يسبق إلى الفهم أنّه يسمّى جهالة، ولا يجوز ذلك إلا بدليل.
الوجه الثّاني: وهو المعتمد أنّا نظرنا في الجهالة هل هي عدم العلم أو عدم الظّنّ؟ فوجدناها عدم الظّنّ لا عدم العلم، وإنّما قلنا ليست عدم العلم؛ لأنّ العلم لا يحصل أيضاً بخبر المسلم الثّقة ولا بخبر الثّقتين، فثبت أنّ الجهالة تنتفي بحصول الظّنّ، وهو حاصل بخبر المتأوّل المتديّن، وقد قال القرطبي (2): ((في هذه الآية الكريمة سبع مسائل، وذكر منها: أنّ القاضي إذا قضى على الظّنّ لم يكن ذلك عملاً بجهالة كالقضاء بشاهدين عدلين، وقبول قول عالم مجتهد)) انتهى.
وهو صريح في المعنى الذي ذكرته ولله الحمد. وللزّمخشري (3)--------------------------------------------
(1) في نسخة: ((المتبيّن)) كذا في هامش (أ) و (ي).
(2) ((الجامع لأحكام القرآن)): (16/ 206).
(3) ((الكشاف)): (4/ 88).
قال في تفسيرها: ((العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظّنّ الغالب، بالحلف وظهور الأمارات)) اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 497)
مثل ذلك ذكره في تفسير قوله تعالى: ((فإن علمتموهمّ مؤمنات)) [الممتحنة/10].
الوجه الرّابع: أنّ الآية خاصّة في حقوق المخلوقين (2لا عامّة في جميع أخبار المخبرين، ولا شكّ أنّ خبر الواحد الثقة غير مقبول في حقوق المخلوقين (1) على الإطلاق، وأنّ الثّقات غير مقبولين في حقوقهم إذا كانت بينهم أحنة عداوة، والوليد كان بينه وبين الذين كذب عليهم عداوة، فلا حجّة في الآية لا في عمومها، ولا في (3مفهومها، ولا في (2) تعليلها المقتضي للقياس عليها.
الوجه الخامس: أنّا لو قدّرنا عمومها وسلّمنا تسليم جدل لم يمنع ذلك من تخصيصها، ولا شكّ أنّ في أدلّتنا المتقدّمة ما هو أخصّ منها كالإجماع، ودليل المعقول وغيرهما.
الوجه السّادس: أنّا لو سلّمنا عدم وجود المخصّص، لم يلزم ما ذكره الخصوم؛ لأنّ ما أوردناه من الآيات الكريمة معارضة لعموم هذه الآية، لو سلّمنا /أنّها عامّة وتلك الآيات أرجح لكثرتها، ولما في قبول المتأوّلين من الاحتياط غالباً، ولما في مخالفة ذلك من خوف مخالفة الإجماع، ولغير ذلك من المرجّحات المذكورة في ((الأصل)) وقد ذكرت في ((الأصل)) (3) سبعة عشر وجهاً في القدح على المعترض--------------------------------------------
(1) ما بينهما ساقط من (س)!.
(2) ما بينهما ساقط من (س)!.
(3) (2/ 160 - 188).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 498)
في احتجاجه بهذه الآية الكريمة، وفي هذا القدر كفاية -إن شاء الله تعالى-.
الحجّة الثّانية: ممّا احتجّوا به: القياس على الكافر والفاسق المصرّحين، قالوا: فإنّ العلّة في ردّهما الكفر والفسق، وهي حاصلة في المتأوّلين، والجواب من وجوه:
الأوّل: أنّ هذا قياس مصادم للإجماع والدّليل العقلي، فلا يقبل وفاقاً، فإنّ كلّ واحد منهما يمنع منه.
الوجه الثّاني: أنّه مخصّص لكثير من الآيات القرآنية (1) والآثار الصّحيحة، وكلّ قياس على هذه الصّفة لم يلزم المصير إليه، بل يقف ذلك على حسب مذهب العالم في تجويز تخصيص العموم به، وعلى حسب قوّة العموم أو (2) قوّة القياس أو ضعفهما، أو قوّة أحدهما وضعف الآخر.
الوجه الثّالث: أنّ التّعليل بالفسق غير مسلّم، وإذا لم تسلّم العلّة انهدم أساس القياس، وذلك أنّ الخصم ادّعى أنّ العلّة في قبول العدل: أنّ قبول منصب تعظيم وتشريف، والفاسق المتأوّل غير أهل لذلك، وعندي أنّ العلّة هي ظنّ الصّدق ورجحانه، والدّليل على ذلك وجوه:
الوجه الأوّل: قوله تعالى: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم)) [البقرة/282] ، فلو كانت العلّة مجرّد العدالة، وكونها منصباً شريفاً، مستحقّاً للتعظيم، مانعاً من قبول الرّدّ لما فيه من الاستهانة بالمردود--------------------------------------------
(1) في (س): ((الكريمة)).
(2) في (س): ((و)).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 499)
والتهمة له، لكفى العدل الواحد، فإن قيل: هذا ينعكس عليكم، فإنّه لو كان العلّة الظّنّ لكفى الوحد أيضاً، فالجواب من وجوه (1):
أحدهما: أنّ القصد في حقوق المخلوقين الظّنّ الأقوى حسب الإمكان المتيسّر، وفي حقوق الله تعالى مجرّد الظّنّ.
وثانيهما: أنّه إذا بطل بهذا تعليلنا بطل به تعليل الخصم، وذلك يضرّ الخصم ولا يضرّنا، لأنّ بطلان به تعليل يستلزم بطلان القياس وبذلك تبطل حجّة الخصم القياسية. وأمّا نحن؛ فلم (2) نحتج إلى القياس في هذه المسألة وإنّما قصدنا بطلانه.
وثالثها: أنّ سائر أدلّتنا في استنباط التعليل بالظّنّ غير معارضة بما يساويها في القوّة.
الوجه الثّاني: (3) قوله تعالى: ((او آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت)) [المائدة/106] فأباح الله تعالى قبول كافر التّصريح عند الضّرورة الدّنيوية، حين لم يوجد من يحفظ المال بالشّهادة سواه، فدلّ على أنّ قبولها ليس بمنصب تشريف لا يستحقه إلا مؤمن، فأولى وأحرى أن نقبل المتأوّل من أهل القبلة، إذا اضطررنا إلى ذلك في أمر ديننا، بأن يحفظ عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم حكماً ونظنّ صدقه فيه ولا نجد غيره أحداً يرويه، فإنّ الشّرع قد جعل الشّهادة في حقوق المخلوقين آكد من الخبر عن أمور الدّين، لما ورد فيها من اعتبار--------------------------------------------
(1) في (س): ((وجهين)) وهو خطأ.
(2) في (س): ((فلا))!.
(3) على كون العلّة هي رجحان الصّدق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 500)
شاهدين اثنين، وعدم الاجتزاء بامرأة واحدة عن احد الشّاهدين ونحو ذلك، فإذا جاز في الضّرورة اعتبار كافر التّصريح في الشّهادة، مع تغليظ حكمها، فجواز اعتبار كافر التّأويل في الرّواية أولى، وفي هذه الآية أوضح دليل على جواز تخصيص العلّة، فتأمّل ذلك.
الوجه الثّالث: قوله تعالى: ((ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها)) [المائدة/108] فعلّل بما يفيد قوّة الظّنّ.
الوجه الرّابع: قوله تعالى في /الكتابة: ((ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا)) [البقرة/282] وهذا أوضح دليل على اعتبار ما يبعد عن الرّيبة، دون اعتبار منصب العدالة الرّاجع إلى ما يستحقه المسلم من التّعظيم.
الوجه الخامس: ورود الشّرع بشاهد ويمين عند من يقول بذلك من أهل العلم، ولا شكّ أنّ شرع اليمين يدلّ على اعتبار قوّة الظّنّ ولا يناسب مقام تعظيم المؤمن، بل فيها تهمة للشّاهد والحالف، ولو صُدّقا من غير شهادة ولا يمين كان أكثر تعظيماً لهما.
الوجه السّادس: أنّه يجب ردّ حديث العدل في دينه إذا كان سيء الحفظ [يترجّح] (1) خطؤه على صوابه، وهذا إجماع، وفيه أكبر دليل على أن العبرة الظّنّ، ولهذا وجب ردّ المسلم المتديّن حيث زال الظّنّ لصدقه، ولو كانت العلّة ما ذكره المعترض من استحقاقه لمنصب القبول بإسلامه وإيمانه وديانته؛ لوجب قبول سيء الحفظ، وإن كان--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((ومرجح)) وأشار في هامش (ي) إلى أنّه في نسخة ((يترجح)) وهو كذلك في (س).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 501)
خطؤه أكثر من صوابه، لأنّه لم يتعمّد ولا إثم [عليه] (1) في ذلك ولا حرج باتفاق المسلمين.
الوجه السّابع: أنّ علماء الأصول عملوا في باب التّرجيح بتقديم خبر من قوي الظّنّ بإصابته وصدقه، ولم يقدّموا خبر من كثر ثوابه وعظمت منزلته عند الله تعالى، فاعتبروا في التّرجيح جودة الحفظ، وملازمة الفنّ، وموافقة أهل الإتقان، ولم يعتبروا أسباب عظم المنزلة عند الله من كثرة الجهاد والصّدقة والذّكر، وقد ضعّفوا [جماعة] (2) لكثرة اشتغالهم بالعبادة وانقطاعهم في الذكر، حتّى غفلوا عن الحديث وساء حفظهم، وهذا أوضح دليل على تعليل القبول بالظّنّ لا باستحقاق منصب التعظيم.
الوجه الثّامن: أنّه يجب على المجتهد العمل بما يُفيده الظّنّ في المعاني القرآنية اللفظيّة ونحوها، فيجب عليه تقديم دليل المنطوق على دليل المفهوم ونحو ذلك، وليس العلّة أنّ دليل المنطوق منصب (3) للتعظيم، ودليل المفهوم منصب للاستهانة، وإنّما العلّة وجوب قبول الرّاجح وتقديمه على المرجوح، فيجب مثل ذلك في رواة الأخبار النّبويّة، فإنّ العلّة واحدة وهي حصول الظّنّ الرّاجح.
قال المعترض: يلزم وجوب قبول من ظنّ صدقه من المصرّحين--------------------------------------------
(1) من (س).
(2) في (أ) و (ي): ((الأئمة)) وهو خطأ، والمثبت من نسخة كما في هامش (ي) ، و (س).
(3) في (أ) و (ي): ((منصباً)) في الموضعين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 502)
بالمعاصي.
والجواب: أنّه مخصوص بالإجماع على ردّه، وهذا لا يبطل العلّة لأنّه تخصيص، وتخصيص العلّة جائز كما في تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، مع أنّه يخص من ذلك الأب إذا قتله ابنه عمداً عدواناً، فإنّه لا يقتل به قصاصاً، وإن كانت علّة وجوب القصاص قد وجدت فيه للدّليل الذي خصّه، ولابدّ للمخالف من تخصيص العلّة، فإنّ من علّل بالعدالة خصّص من العدول سيء الحفظ الذي خطؤه أكثر من صوابه.
وقد ذكرنا أنّ قوله تعالى: ((أو آخران من غيركم)) [المائدة/106] حجّة ظاهرة على جواز تخصيص العلّة، على أنّ الشّيخ العلامة عزّ الدّين بن عبد السّلام قد روى خلافاً في قبول فاسق التّصريح المظنون صدقه، فروى عن الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه: أنّ فاسق التّصريح متى كان معروفاً بالصّدق مشهوراً بالأنفة العظيمة من رذيلة الكذب، بحيث أنه اختبر في ذلك وعرف منه أنّه يجتنبه كما يجتنب المؤمن الحرام قُبلت شهادته، ذكره في كتاب ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)) (1) وبه قال المنصور بالله من أئمة الزّيديّة، وشرط في جواز قبوله خلوّ الأرض -التي يقبل فيها- عن وجود أهل العدالة؛ لأنّه قاس ذلك على جواز قبول الكافر في السّفر عند عدم المسلمين.
واحتج سائر أهل العلم على المنع من قبول المصرّحين: بأنّ--------------------------------------------
(1) بمعناه، (2/ 89).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 503)