من حديث عبد الله بن عمرو (1) مرفوعاً: ((إنّ الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً، وإنّما يقبض العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يبق عالماً اتخذ النّاس رءوساً جهّالاً فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا (2))). فهذا الحديث يقتضي (3) أنّ العامّة قد يجتمعون على الضّلال والإضلال، ولا يكون إجماعهم حجّة يعصم من الضّلال.
النظر الثالث: أنّا لو سلّمنا أنّ إجماعهم حجّة لما دلّ على مذهبه، لأنّه فعل لا قول، وفعل الأمّة دليل على الجواز لا على الوجوب، لأنّهم إنّما عصموا عن الحرام لا عن المباح، فلا مانع من أن يكون فعلهم مباحاً، فلو قدّرنا أنّهم التزموا مذهباً لكان ذلك دليلاً على جواز ذلك لا على وجوبه، ونحن لا ننازعك في جواز ذلك وجواز خلافه، وإنّما نازعناك في مسألة مخصوصة لم ينقل أنّ الأمّة أجمعت فيها /بعينها إجماعاً قوليّاً ولا فعليّاً، فبان بهذه الأنظار أنّه وهم ثلاثة أوهام:
أحدها: أنّ الأمّة أجمعت على الالتزام، والإجماع إنّما انعقد على عدم الالتزام.
وثانيها: أنّ إجماع العامّة حجّة.
وثالثها: أنّ الإجماع الفعليّ دليل الوجوب، فلو أنّه احتجّ بتقرير العلماء للعامّة لكان أقرب له، وإن كان لا يسلم من وهمين، فوهمان--------------------------------------------
(1) في (س): ((عمر)) وهو خطأ.
(2) تقدّم تخريجه (ص/64).
(3) في (س) ((يقضي)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
خير من ثلاثة.
*وبعض الشّرّ أهون من بعض (1) *
النّظر الرّابع: ادّعى أنّ التّنقّل ما وقع في المذاهب ألبتة، وأنّ أحداً من المقلّدين ما علم أنّه كان شافعيّاً في مسألة حنفيّاً في أخرى.
وهذا الكلام يدلّ على أحد أمرين: إمّا على شدّة تغفيله، وأنّه لا يدري ما يقول وإمّا على كثرة جرأته وقلّة مبالاته، وذلك أنّه لا يعلم أنّ أحداً من المقلّدين ما عمل بغير مذهب إمامه قطّ إلا الله سبحانه وتعالى، لأنّ الإحاطة بأعمال المقلّدين متعذّرة مع انتشارهم في أقطار الإسلام شرقاً وغرباً وشاماً ويمناً، ومع وجود المتساهلين منهم وجود (2) الفسّاق المصرّحين.
وليت شعري ما يقول هذا المعترض؟! هل يقطع بأن أحداً من المقلّدين ما زنى ولا سرق، ولا أربى ولا فسق؟ فهذا عناد عظيم، وبهتان مبين، أو يقرّ بذلك، فكيف قطع بأنّهم لا يفعلون -ولا أحد منهم- ما هو جائز عند كثير من علماء الإسلام؟ ومن أين علم عصمتهم عن هذا الذي لم يقل أحد من الأمّة: إنّ فاعله مستحلاًّ له يفسق ولا يعصي؟ والمعلوم خلاف ما ذكره من كثير من العامّة، بل من كثير من أهل التّمييز، بل قد قدّمنا كلام غير واحد من العلماء في وجوب ذلك--------------------------------------------
(1) شطر بيت لطرفة بن العبد البكري ((ديوانه)): (ص/180).
وهو:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
(2) سقط من (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
على أهل التّمييز، ونصّ بعضهم على جوازه، منهم: المؤيّد والدّاعي من أئمة الزّيديّة، وعزّ الدّين بن عبد السّلام، والنّواوي، وابن الصّلاح من أئمة الشّافعيّة، بل بيّنّا أنّ كلام الإمام الشّافعيّ يقتضي ذلك كما تقدّم (1).
وأمّا قول المعترض: إنّه لا يوجد أحد من المقلّدين من يكون هادويّاً في مسألة، ناصريّاً في مسألة؛ فأعجب من هذا كلّه! وهو غفلة كبيرة، أو جحد للضّرورة، فإنّ العمل بمذهب النّاصر في أنّ الطلاق البدعي لا يقع؛ ظاهر مشهور في نجد واليمن من بلاد الزّيديّة، والعمل به معلوم فيما بينهم من المفتين والمستفتين من غير التزام (2) لمذهب النّاصر، وإنكار هذا خلع لعروة المراعاة [كعادات] (3) أهل العناد، وغلوّ لم يبلغه أحد من أهل اللّجاج.
النّظر الخامس: قال المعترض: ولو وقع هذا في زماننا لأنكره النّاس. وهذا عجيب أيضاً! لأنّه إمّا أن يريد أن هذه إجماعية، وهو الظّاهر من كلامه، فهذا لا يصحّ لوجوه:
أحدها: أنّه واقع ولم ينكره النّاس كما (4) قدّمته.
وثانيها: أنّ قوله: لو وقع لأنكره النّاس؛ دعوى على النّاس، بل--------------------------------------------
(1) في (ص/206 - فما بعدها).
(2) في (س): ((إلزام الجميع)).
(3) في (أ) و (س): ((لعادات)) والمثبت من (ي) وفي هامش (أ): ((أظنّه كعادات أهل العناد)) ، أقول: وهو الصّواب.
(4) في هامش (ي) إشارة إلى أن في الأصل المنسوخ منه ((لما)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
دعوى لعلم الغيب بما يكون من النّاس في المستقبل.
وثالثها: أنّا في علّة من كيفية العلم بإجماع العلماء فكيف بإجماع النّاس؟!.
ورابعها: أنّه قد حكم بالجهل على أهل زماننا، فمع ذلك كيف يحتج بإجماعهم، /وليس يحتجّ إلا بإجماع العلماء؟.
قال: الوجه الثّاني: أنّه لا يتميّز على هذا الوجه المجتهد من المقلّد، فإنّه إذا رجّح في كلّ مسألة، وعمل يما يترجّح [له] (1)؛ فهذا شأن المجتهدين، وكونه قد قال به قائل شرط في حقّ المجتهدين أيضاً.
أقول: هذا الوجه أضعف مما قبله؛ والقول بالتّرجيح لا يؤدّي إلى ما ذكره من عدم الفرق بين المجتهد والمقلّد، فالفرق بينهما واضح، وهو أنّ المقلّد ليس له أن يستقلّ بقول لم يسبق إليه، وإنّما هو تبع لغيره، وقد رام المعترض أن يبطل هذا الفرق فركب الصّعب الذّلول، وخالف المعقول والمنقول، والتزم أنّه لا يحلّ الاجتهاد لمجتهد حتّى يسبقه غيره إلى اختياره، وهذا معلوم البطلان لوجوه:
أحدها: أنّه يلزم بطلان اجتهاد خير الأمّة من الصّدر الأوّل الذين ابتكروا الكلام في الحوادث، وسبقوا إلى الاجتهاد في المسائل.
وثانيها: أنّه يلزم أنّ الحادثة إذا حدثت وليس فيها نصّ لمن تقدّم من العلماء لزم العمل فيها بغير اجتهاد ولا تقليد، لأنّ شرط كلّ واحد--------------------------------------------
(1) زيادة من (ي) و (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
من الاجتهاد والتّقليد موافقة نصّ متقدّم، وقد عدم هذا الشّرط فيلزم من ذلك سقوط التّكليف في هذا الحكم والعمل بالإباحة، أو تكليف ما لا يطاق من موافقة مراد الله تعالى من غير اجتهاد ولا تقليد، وعلى هذا يكون ترك حفظ أقوال العلماء المتقدّمين أولى؛ ليبطل التّكليف، ويأمن الوقوع في المعصية فيما لم ينصّوا عليه، وهذا شيء لم يسبق هذا المعترض إليه!!.
الوجه الثالث: أنّ الأمّة مجمعة قديماً وحديثاً على أنّه لا يشترط في الاجتهاد ما ذكره، وإنّما اشترط العلماء عدم مصادمة الإجماع القطعيّ، واختلفوا في الظّنّيّ (1) إذا لم يعارض بما هو أرجح منه، على ما هو مقرّر في علم الأصول.
قال: ((الموضع الثّاني في الدّليل على أنّ في أخبار هذه الكتب المسمّاة بالصّحاح ما هو غير صحيح)) إلى آخر ما ذكره في الموضع الثّاني.
أقول: كلامه في هذا الفصل مشتمل على أمرين:
أحدهما: الطّعن في صحّة حديث الصّحاح بما فيه من حديث المحاربين لعلي رضي الله عنه.
وثانيهما: الطّعن على أهل الحديث بمذاهب نسبها إليهم، وإنما لم أورد كلامه في هذا الفصل بلفظه، لأنّه (2 تقدّم شيء منه و (2) تقدّم الجواب عليه، وسوف يأتي أيضاً كثير منه في الكلام على المتأوّلين--------------------------------------------
(1) في (س): ((الظن))!.
(2) ما بينهما ساقط من (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
، ويأتي الجواب عليه هنالك إن شاء الله تعالى.
وقد رأيت أن اقتصر على ذكر أوهام وهمها في هذا الفصل لا يخلو ذكرها من فائدة، معرضاً عمّا في سائر هذا الفصل من الأوهام التي لا يفيد ذكرها ولا يهم أمرها، /فإنّ مجرّد التّعرّض للاعتراض من غير فائدة مما ليس تحته طائل، ولا يستكثر من ذكره فاضل. وقد أخّرت الكلام في البغاة على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إلى المسألة الثّالثة ليكون الكلام في أهل التّأويل، وما يتعلّق بهم في موضع واحد، فإنّ ذلك أحسن ترتيباً وأكثر تقريباً. وهذا بيان ما وهم فيه المعترض على أهل السّنّة حرسها الله تعالى:
الوهم الأول: زعم صاحب الرّسالة أنّ أهل الحديث يجيزون الكبائر في الأنبياء عليهم السلام، ولكنّه سمّاهم بغير اسمهم؛ فأفرط بذلك في وصمهم، فأقول:
لا غرو إن أوذي أهل التّقى … كلّ إمام بالأذى قد بلي
ما سلم الصّدّيق من رافض … ولا نجا من ناصبيّ (1) علي
يأيها الرّامي لهم في دجى … تعارض الشّكّ بأمر جليّ
بأنجم من علم أعلامهم … تعارض الشّكّ بأمر جلي
من ذلك ما ذكره القاضي الإمام العلامة عياض بن موسى اليحصبيّ المالكيّ في كتابه ((الشّفا)) ، في التّعريف بحقوق المصطفى)) (2)--------------------------------------------
(1) في (س): ((ناصبين))!.
(2) (2/ 173 - 374) مع شرح الملا علي القاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
- صلى الله عليه وسلم ، فإنّه اجاد الكلام (1 في هذه المسألة، وليس يتّسع هذا المختصر لذكر جملة شافية مما ذكره؛ فإنّه نوّع الكلام في هذا المعنى وذكر (1) الأقوال، والحجج، والتّأويل حتّى بلغ كلامه في هذا قدر [ستّين] (2) ورقة بخطّ وسط، أو يزيد قليلاً بحسب اختلاف خطوط (3) النّسخ وأوراقها، ومن كلامه فيه ما لفظه: ((أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات، ومستند الجمهور في ذلك الإجماع هو مذهب القاضي أبي بكر، ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع، وهو قول الكافّة، واختاره الأستاذ أبو اسحاق. وكذلك لا خلاف أنّهم معصومون من كتمان الرّسالة والتّقصير في التّبليغ)).
وذكر الإجماع على عصمتهم عن الصّغيرة التي تؤدّي إلى إزالة الحشمة، وتسقط المروءة وتوجب الخساسة. ثمّ قال: ((بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدّى إلى مثل ذلك ممّا يزري بصاحبه، وينفّر القلوب عنه)). ثمّ ذكر القاضي الخلاف في عصمتهم قبل النّبوّة حتّى قال: ((والصّحيح تنزيههم من كلّ عيب، وعصمتهم من كلّ ما يوجب الرّيب)). وذكر أيضاً قبل هذا عصمة الأنبياء عليهم السلام من الصّغائر واختاره واحتجّ عليه.
وقال الفخر الرّازي في ((محصوله)) (4) ما لفظه: ((والذي نقول--------------------------------------------
(1) ما بينهما ساقط من (س).
(2) في (أ): ((مائتي))! وكانت هكذا في (ي) ثم ضرب عليها وكتب ((ستين)).
(3) سقطت من (س).
(4) (1/ 502).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
به: إنّه لم يقع منهم ذنب على سبيل القصد لا صغير، ولا كبير، وأمّا السّهو فقد يقع منهم بشرط أن يذكروه (1) في الحال، وينبّهوا غيرهم على أنّ ذلك كان سهواً. وقد سبقت هذه المسألة في علم الكلام، ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتابنا في عصمة الأنبياء والله تعالى أعلم)).
وقال الإمام الحافظ أبو زكريا النّووي في كتاب ((الروضة)) (2): ((أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون من تعمّد الذنوب؛ صغيرها وكبيرها)) هذا معنى كلامه، ولم يحضرني لفظه.
/وقال ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (3): ((الإجماع على عصمتهم بعد الرّسالة من تعمّد الكذب في الأحكام، والإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر الخسّة)).
وقال أبو عبد الله الذّهبيّ في ((النّبلاء)) (4) وقد ذكر ما معناه: تنزيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأكل مما ذبح على النّصب قبل النّبوّة، فقال ما لفظه: ((ومازال المصطفى محفوظاً محروساً قبل الوحي وبعده، ولو احتمل جواز ذلك، فبالضرورة ندري أنّه كان يأكل ذبائح قريش قبل الوحي، وكان ذلك على الإباحة، وإنّما توصف ذبائحهم بالتّحريم بعد نزول الآية، كما أنّ الخمرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد.--------------------------------------------
(1) في (س): ((يتذكّروه)).
(2) ((روضة الطالبين)).
(3) (1/ 477) مع ((بيان المختصر)).
(4) (1/ 130 - 131).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
والذي لا ريب فيه أنّه كان معصوماً قبل الوحي وبعده، وقبل التّشريع من: الزنا قطعاً، ومن الخيانة، والغدر، والكذب، والسّكر، والسّجود لوثن والاستسقام بالأزلام، ومن الرّذائل، والسّفه، وبذاء اللسان، وكشف العورة، ولم يكن يطوف عرياناً، ولا يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة، بل كان يقف بعرفة)). انتهى الكلام الحافظ الذّهبيّ.
فهذا ما تيسّر لي من نقل نصوصهم وقت تعليق هذا الجواب، مع البعد من ديارهم، وعدم التمكن من الاستمداد من سائر مصنّفاتهم، ومن الأخذ عن محقّقي علمائهم، وقد بان بهذا أنّ جلّة أئمّتهم نصّوا في كتبهم المتداولة بينهم على عصمة الأنبياء من تعمّد الصّغيرة، وهذا هو المنصوص لعياض في كتاب ((الشّفاء)) ، وللرّازي في ((المحصول)) ، وللنّواوي في ((الرّوضة)) ، فبان بهذا أنّهم أكثر تنزيهاً للأنبياء عليهم السلام من المعتزلة والزّيديّة، لأنّ مذهبهم تجويز تعمّد الصّغائر على الأنبياء عليهم السلام، إلا [البغداديّة من المعتزلة] (1) فإنّهم يمنعون ذلك، لأنّ كلّ عمد كبيرة عندهم لا لتنزيه الأنبياء من تعمّد الصّغيرة، وإنّما أتي صاحب الرّسالة في رميهم بهذه الضّلالة من سببين:
السّبب الأوّل: أنّه رأى هذا المذهب منسوباً إلى الحشويّة فظنّ أنّ المحدّثين هم الحشويّة كما قد سمّاهم بذلك في رسالته، وليس عليه في مجرّد الجهل ذنب، فأكثر عامّة المسلمين لا يدرون من الحشويّة ولا يعرفون أنّ هذه النّسبة غير مرضيّة، وإنّما الذّنب الرّجم بالظّنون الكاذبة، والخوض مع أهل العلم بغير معرفة.--------------------------------------------
(1) في (أ): ((إلا البغداديّة من الزّيدية والمعتزلة)) والمثبت من (ي) و (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
ومن كان له أدنى تمييز عرف أنّ نقّاد الحديث وأئمة الأثر أعداء الحشويّة، وأكره النّاس لهذه الطائفة الغويّة، فإنّ الحشويّة إنّما سمّوا بذلك لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المرويّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي: يدخلونها فيها وليست منها، رواه النّفيس العلوي عن نشوان بن سعيد الحميري (1) ، وذكر ولده محمد بن نشوان (2) في كتابه ((ضياء الحلوم)) (3) ما يدلّ على ذلك فقال: ((إن الحشويّة سمّوا بذلك لكثرة قبولهم الأخبار من غير إنكار)).
فإذا عرفت هذا تبيّن لك أنّ المحدّثين [هم] (4) الذين اختصّوا /بالذّبّ عن السّنن النّبويّة والمعارف الأثريّة، وحموا حماها من أكاذيب الحشويّة، وصنّفوا كتب الموضوعات، وناقشوا في دقائق الأوهام حفّاظ الثّقات، وعملوا في ذلك أعمالاً عظيمة، وقطعوا فيها أعماراً طويلة، وقسّموا الكلام فيه في أربعة فصول: (5)
أحدها: معرفة العلل.
وثانيها: معرفة الرّجال.--------------------------------------------
(1) علامة باللغة، ت (573هـ) انظر: ((إرشاد الأريب)): (19/ 218). و ((بغية الوعاة)): (2/ 312).
(2) ت (610هـ) انظر: ((هدية العارفين)): (2/ 109) ، و ((الأعلام)): (7/ 123).
(3) ((ضياء الحلوم في مختصر شمس العلوم)) للابن، واسم كتاب والده: ((شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم)) طبع بعضه، والكتاب ناقص من أوّله. انظر: ((كشف الظنون)): (ص/1061).
(4) زيادة من (ي) و (س).
(5) في هامش النسختين: ((فنون)) في نسخة، وكذا في (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
وثالثها: معرفة علوم الحديث.
ورابعها: معرفة الحديث وطرقه.
واشتملت هذه الفنون من المعارف النّبويّة، والقواعد العلميّة على ما يضطرّ كلّ عارف إلى أنّهم أتمّ الخلق عناية بحماية علم الحديث على التّبديل والتّحريف، وأنّهم الجهابذة النّقاد بعلم المتن والإسناد، فإنّهم الذين بيّنوا أنواع الحديث التي اختلف في قبولها أهل العلم، مثل: التدليس والإعضال، والاضطراب والإعلال، والنّكارة والإرسال، والوصل والقطع، والوقف والرّفع، وغير ذلك من علوم الحديث الغزيرة، وفوائده العزيزة، ولأمر ما سارت تصانيفهم فيه مسير (1) الكواكب، وانتفع بكلامهم فيه الوليّ الصادق، والعدوّ المناصب، والمتّهم لهم بحشو الأحاديث واختلاق الأباطيل في الحديث لا يكون من أهل العقول التّامّة، دع عنك أهل المعارف الخاصّة (2).
وذلك لأنّه لا خفاء على العاقل: أنّ أئمة الفنّ لا يكونون هم المتّهمين فيه، إذ لو كان كذلك لبطل العلم بالمرّة، فإنّا لو اتّهمنا النّحاة في النّحو، واللّغويين في اللّغة، والفقهاء في الفقه، والأطبّاء في الطّبّ؛ لم يتعلّم جاهل، ولا تداوى مريض، فياهذا! من للحديث إذا ترك أهله!؟ فلو عدمت تآليفهم فيه وتحقيقهم لألفاظه ومعانيه؛ لأظلمت الدّنيا على طالبه، وأوحشت المسالك (3) على مريده.--------------------------------------------
(1) في (ي) و (س): ((سير)).
(2) في (ي) و (س): ((من الخاصة)).
(3) في (س): ((المسائل)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
بل يا هذا! فكر لم سمّوا: أهل الحديث، ولم [سمّي] (1) أهل الكلام بذلك، وكذلك أهل النّحو وسائر الفنون؟ فإن كان أهل الحديث عندك سمّوا بذلك مع عدم معرفتهم بذلك، وكذبهم فيه، فهلاّ جوّزت مثل ذلك في سائر الفنون، بل في سائر أهل الصّناعات، بل في جميع أهل الأسماء المشتقّات، فيجوز أن يسمى الفقيه نحويّاً، والمتكلم عروضيّاً، والغنيّ فقيراً، والصّغير كبيراً، وهذا ما لا يقول به عاقل، ولا يرتضيه أحد من أهل الباطل.
ومن أحبّ أن يعرف حقّ المحدّثين واجتهادهم [في التّحرّي للمسلمين] (2) ، فليطالع تآليف نقادهم في الرّجال والعلل والأحكام، مثل: ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال)) للذّهبيّ، و ((التهذيب)) للمزّيّ، و ((العلل)) للدّارقطني، و ((علوم الحديث)) لابن الصّلاح، وزين الدّين العراقي، وغير ذلك، ثمّ ليطالع بعد ذلك كتب ((الصّحاح)) ، و ((السّنن)) لاحظاً لما فيها من اختيار أصحّ الأسانيد، والإشارة إلى مهمّات ما يتعلّق بالأحاديث: من العلل القادحة، والمرجّحات الواضحة، ثمّ ليوازم بينها، وبين مصنّفات سائر الفرق في الحديث، يجد الفرق بين التّصانيف واضحاً، والبون بين الرّجال نازحاً (3).
ومن موازين الإنصاف العادلة، وأدلّة الأوصاف الفاضلة: أنّك--------------------------------------------
(1) في (أ) و (ي): ((سموا)) والمثبت من (س).
(2) في (أ) و (ي): ((للتحرّي في المسلمين)) ، والمثبت من (س) وهو الصواب.
(3) أي: بعيداً. ((القاموس)): (ص/312).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
تراهم يضعّفون الضّعيف من فضائل أبي بكر، وعمر، /وعثمان … رضي الله عنهم ويصدعون بالحقّ في ذلك، وكذلك يضعّفون ما يدلّ على مذهبهم متى كان ضعيفاً، ويضعّفون كثيراً من علمائهم إذا كانوا ضعفاء، نصيحة منهم للمسلمين، واحتياطاً في أمور الدّين.
وهذه إشارة مختصرة على (1 قدر هذا (المختصر) (1) ، دعا إلى ذكرها تعريف من أنكر الجليّات، ودافع ما هو كالمعارف الأوّليّات، إذ من المعلوم أنّ أهل الحديث اسم لمن عني به، وانقطع في طلبه، كما قال بعضهم:
إنّ علم الحديث علم رجال … تركوا الابتداع للاتّباع
فإذا جنّ ليلهم كتبوه … وإذا أصبحوا غدوا للسّماع
فهؤلاء هم من أهل الحديث من أي مذهب كانوا، وكذلك أهل العربيّة، وأهل اللّغة فإنّ أهل كلّ فنّ هم أهل المعرفة فيه، وتحقيق ألفاظه ومعانيه، وقد ذكر أئمة الحديث ما يقتضي ذلك، فإنّهم مجمعون على أنّ أبا عبد الله الحاكم بن البيّع من أئمة الحديث، مع معرفتهم أنّه من الشّيعة (2) وقد ذكروا في كتب الرّجال كثيراً من أئمة الحديث، ورواة الصّحيح منسوباً إلى البدع، وبهذا تزداد أقوال المعترض بطلاناً في نسبة المحدّثين إلى الحشويّة، ويظهر (3) أنّه قد--------------------------------------------
(1) ما بينهما ساقط من (س).
(2) قال الذّهبيّ في ((الميزان)): (5/ 54): (( .... ثمّ هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرّض للشيخين)) اهـ.
(3) في (س): ((ويظهر له)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
نسب إلى الحشو جماعة من أهل مذهبه (1) وسائر الفرق، بل نسبة ذلك إلى خير الفرق (2) ، فإنّ المتمسّكين بالآثار (3) النّبويّة هم خير الفرق الإسلاميّة، لأنّهم أشبه الخلق خلقاً وسيرة وعقيدة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمحدّث إن كان مراعياً للسّنّة، مجانباً للبدعة، ملاحظاً لما كان عليه السّلف، فهو جدير بإجماع من يعتدّ به على صحّة ما هو عليه وقوّة ما استند إليه.
وإن كان من بعض الفرق المبتدعة؛ فهو خير تلك الفرقة، وأشبههم خلقاً وسيرة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الغالب، ولا عبرة بالنّادر ولا بمن ليس من أهل الدّيانة، فنسبة خير الفرق إلى شرّ فرقة تلقيبهم بأخسّ لقب؛ من التّهافت في مهاوي الضّلال، والخبط في تيه الوبال.--------------------------------------------
(1) في هامش (أ) و (ي) ما نصّه:
((قوله: من أهل مذهبه. يعني: من الشيعة ومن الزّيديّة، كسفيان الثوري.
قال السيد أبو طالب: كان سفيان زيديّاً، [أبو] نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجرّاح، عدّهما الحاكم من الزّيديّة، وكابناء شيبة، ذكرهم السيد صارم الدين من الشيعة وذكر جملة وافرة من المحدّثين شيعة.
وكابن عقدة، وابن خراش من الزيدية و [ .... ] وغيرهم. تمت مولانا العلامة صفي الإسلام أحمد بن عبد الله الجنداري رحمه الله تعالى ورضي عنه)) اهـ.
أقول: وتشيّع هؤلاء هو تفضيل عليّ على عثمان، ليس إلا، مع رجوع بعضهم عنه.
(2) في (س): ((القرون))!.
(3) في (س): ((فإن المتمكن في الآثار))! وهو تحريف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
ويلحق بهذا فائدة تزيد ما ذكرناه تحقيقاً، وتزيد أئمة الحديث توثيقاً، وهي: أنّ المشهورين بتجويز الكذب في الحديث من الحشويّة الطّائفة المسمّاة بالكرّاميّة، وقد أطلق (1) الرّازي (2) نسبة هذا إلى الكرّاميّة، وحقّقه الإمام أبو بكر محمد بن منصور السّمعاني (3) فنسبه إلى بعضهم فيما لا يتعلّق بالأحكام مما يتعلّق بالتّرغيب والتّرهيب، والمحدّثون براء من هذه الطّائفة، وقد تكلّموا عليهم في غير كتاب فممن تكلّم عليهم الذّهبيّ في ((ميزان الاعتدال)) (4) ، فإنّه قال في ترجمة ابن كرّام -شيخ هذه الطّائفة- ما لفظه: ((محمد بن كرّام العابد المتكلّم ساقط الحديث على بدعته، أكثر عن أحمد الجويباري، ومحمد بن تميم السّعديّ، وكانا كذّابين.
قال ابن حبان /: خُذل حتّى التقط من المذاهب أرداها (5) ، ومن الأحاديث أوهاها.
وقال أبو العبّاس (6): شهدت البخاريّ، ودفع إليه كتاب من ابن كرّام يسأله عن أحاديث منها: الزّهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)) ، فكتب البخاريّ على ظهر كتابه: من--------------------------------------------
(1) في (س): ((يطلق))!.
(2) ((المحصول)): (2/ 153).
(3) المتوفى (510) ، ترجمته في ((طبقات الشافعية الكبرى)): (7/ 5 - 11) ، و ((السير)): (19/ 371).
(4) (5/ 146).
(5) في (س): ((أرذلها)).
(6) أيّ: السّراج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
حدّث بهذا استوجب الضّرب الشّديد، والحبس الطّويل.
وقال ابن حبان: جعل ابن كرّام الإيمان قولاً (1) بلا معرفة.
وقال ابن حزم: قال ابن كرّام: الإيمان قول باللّسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه. قال شيخ أهل الحديث ابن الذّهبيّ: ((هذا منافق محض في الدّرك الأسفل من النار، فأيشٍ ينفع ابن كرّام أن يسميه مؤمناً؟ قال الذّهبيّ: وقد سجن ابن كرّام لبدعته بنيسابور ثمانية أعوام. وقد سقت أخباره في ((تاريخي الكبير)) (2))) انتهى كلامه.
فيا من لا يفرّق بين الحشويّ والمحدّث! انظر إلى نصوص أئمة الحفّاظ في إنكار مذهب ابن كرّام في رواية الأحاديث الواهية، وفي القول بالإرجاء، وقد نصّ البخاريّ علي: أنّ راوي الحديث المقدّم الذي هو حجّة المرجئة يستوجب الضّرب الشّديد، والحبس الطويل، وعن قريب تأتي نسبتك للإرجاء إلى المحدّثين، وقل لي من الذي حبس ابن كرّام في نيسابور على بدعته؟ ولمن كانت الشّوكة في نيسابور في ذلك العصر وهو بعد المئتين؟
فإن قلت: إنّك إنّما سمّيت المحدّثين بالحشويّة: لكون الحشويّة من فرقهم، والجامع لهم: ردّهم لمذهب الشّيعة والمعتزلة.
قلت: هذا ليس مما تعذر به، فإنّ المنصور بالله روى عن المطرفية وهم من فرق الزّيديّة -أنّهم يستجيزون الكذب في الحديث في نصره ما اعتقدوه حقّاً، وذكر أنّهم صرّحوا له بذلك في المناظرة،--------------------------------------------
(1) في (أ): ((قول)) والتصويب من (ي) و (س).
(2) وفيات (250 - 260) ، (ص/310 - 315).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
وقد صحّ عنهم من البدع ما هو شرّ من ذلك.
وكذلك الحسينية قد صحّ تواتر أنّهم يفضّلون الحسين بن القاسم (1) على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم من فرق الزّيديّة، والزّيديّة يكفّرون هاتين الطّائفتين، فكما لم يلزم الزّيديّة شيء من تلك البدع لقول بعض جهلتهم بها، مع إنكارهم على من قالها؛ فكذلك لا يلزم أهل الحديث كل بدعة قيلت في بلادهم أو قالها من وافقهم في بعض عقائدهم، فزن الأشياء بالموازين العلمية وتعرّف من الحشويّة، واحذر أن تكون من هذه الفرقة الغويّة، لقبول الكثير (2) من الأحاديث الفريّة، المدسوسة في الأحاديث المرويّة.
السّبب الثّاني: أنّ الأنبياء عليهم السلام قبل النّبوّة لا يسمّون أنبياء حقيقة، ولا تثبت لهم أحكام النبوّة، ألا ترى أنّ كلامهم وأفعالهم قبل النّبوّة ليست بحجّة، وأمرهم قبلها لا يقتضي الوجوب، والشّاك في حكمهم (3) قبلها لا يكفر، وذلك لأنّ حكمهم قبل النّبوّة--------------------------------------------
(1) هو الحسين بن القاسم العياني، من أئمة الزّيديّة، توفي سنة (404) وعمره (28) سنة.
وفي عقيدته كلام كثير، واتّهام خطير، حتى ألّف حميد بن أحمد حميدان رسالة في عقيدته، سماها: ((بيان الإشكال فيما يحكى عن الحسين بت القاسم من الأقوال)) مخطوط في الجامع الكبير (6ق).
وانظر: ((فرجة الهموم والحزن)): (ص/174) ، و ((الاعلام)) ، (2/ 252) وقد وهم الزركلي في تاريخ ولادته فجعله (384) والصّواب (376).
(2) في (س): ((لقبولك لكثير)).
(3) في نسخة: ((صدقهم)) ، كذا في هامش (أ) و (ي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
حكم سائر المسلمين، فلما /كان الأمر كذلك، ولم يرد في حكمهم قبل النبوّة نصّ يرجع إليه، ولا إجماع يعتمد عليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، وكثير من الأشعرية وكثير من المعتزلة: إلى أنّه لا دليل قاطع يدلّ على عصمتهم عليهم السلام قبل النّبوّة، مع اعترافهم أنّ الأنبياء عليهم السلام[كانوا] (1) قبل النّبوّة في أرفع مراتب الفضل والكمال لكن قالوا: إنّ ذلك كان منهم كما كان من أفاضل المسلمين من غير دليل قاطع يدلّ على العصمة. وهذا القول -مع بعد أهل الحديث عنه لتعلّقه بعلم الكلام الذي لا يخوضون فيه- قول بعيد عمّا اجترأ المعترض بنسبته إلى أهل الحديث لوجهين:
الوجه الأول: أنّ من جوّز على الأنبياء عليهم السلام شيئاً قبل النّبوّة لم يجز أن ينسب إليه القول بذلك بعد النّبوّة، ولو ساغ ذلك لجاز أن ينسب إلى المعتزلة والزّيديّة أنّ كلام الأنبياء غير حجّة، والإيمان بهم غير واجب، لأنّ هذا هو حكم الأنبياء عندهم قبل النّبوّة، بل كان يلزم أن يجوز نسبة هذا إلى جميع المسلمين.
الوجه الثاني: أنّ هؤلاء الذين جوّزوا هذا من متكلّمي المعتزلة والأشعرية لم يقولوا بوقوعه، بل هم معترفون أنّ الواقع خلافه، وأنّ الأنبياء عليهم السلام كانوا قبل النّبوّة وبعدها من أعظم الخلق أمانة، وأحسنهم ديانة، وأطيبهم أعرافاً، وأكرمهم أخلاقاً.
وفرق بين القول بأنّ الأنبياء قبل النّبوّة كانوا من الفضلاء الصّالحين، لكنّهم كانوا غير معصومين، وبين القول بأنّهم كانوا قبل--------------------------------------------
(1) زيادة من (ي) و (س).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
النّبوّة غير معصومين، ولا صالحين، فإنّ القول بعدم العصمة مع الاعتراف بالفضل والصّلاح لا يستلزم الاستهانة، ألا ترى أنّ جميع الأئمة والأولياء عند الجميع غير معصومين من الكبائر، مع أنّهم عندنا في أعلى مراتب الصّلاح، فليس يلحق: إبراهيم بن أدهم، وأويساً القرني، أمثالهم نقص ولا استهانة منّا حين لم نعتقد عصمتهم.
وليس يظهر للخلاف فائدة تحقيقية، ولكن تقديريّة، وهو: أنّه لو فرض وقوع كبيرة من بعض الأنبياء عليهم السلام قبل النّبوّة لوجب الكفر [بنبوّتهم] (1) عند أكثر المعتزلة، ولم يجب عند الأشعرية، وكثير من المعتزلة، وهذا لا يلزم القائلين بعدم العصمة للأنبياء قبل النبوة كفراً أبداً، لأنّهم آمنوا بالأنبياء سواء كانوا معصومين /قبل النّبوّة أو لا، وأمّا القائلون بالقطع بعصمة الأنبياءقبل النّبوّة؛ فعلى تقدير أنّ الأنبياء غير معصومين قبل النّبوّة، فقد كفروا بهم كفراً مشروطاً، ففي قولهم كفر مشروط بشرط لا يقع عندهم، وفي قول الفريق الأوّل إيمان مقطوع، فما سبب التشنيع عليهم، والتّقبيح لمذهبهم، مع عدم مخالفة النّصوص الشّرعية والأدلّة العقليّة الضّرورية، وعدم الإجماع على هذه المسألة الخفيّة النّظريّة؟!
والمختار أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون قبل النّبوّة بدلائل ظنّيّة وبعدها بدلائل قطعية، بهذا يحصل الإيمان المقطوع ونسلم من الكفر المشروط، مع مراعاة بذل الجهد في تعظيم جناب النّبوّة، وتوفير أهلها، وإطلاق القول بعصمتهم قبلها وبعدها، وأمّا--------------------------------------------
(1) في (ي) و (س): ((بنبوّته)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
تفصيل الأدلّة على ذلك؛ فذكره يخرجنا عن المقصود، وله موضع غير هذا.
الوهم الثّاني: قال المعترض: إنّ هؤلاء الحشويّة -وعنى بهم أهل الحديث- يجوّزون الكبائر على الأنبياء، ولا يجوّزونها على الصّحابة، واحتجّ على ذلك بأشياء: منها ما نذكره هنا، ومنها ما نذكره في مسائل التأويل (1) إن شاء الله تعالى.
فمما (2) نذكره هنا: أنّه احتجّ على ذلك بأنّ المحدّثين احتجّوا في الكتب الصّحيحة بحديث الوليد بن عقبة.
والجواب عليه في ذلك: أنّ ما ذكره غير صحيح عنهم، فلم يقولوا بعصمة أحد من (3 من الصحابة فمن دونهم (3) غير النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وإنّما الشّيعة هم الذين قالوا بعصمة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن بعده، فمنهم: من اقتصر على عصمة (4أمير المؤمنين (4) عليّ وفاطمة والحسنين رضي الله عنهم، ومنهم: من زاد على ذلك، فالإماميّة قالت: بعصمة اثني عشر إماماً، وفي الزّيديّة من زاد على ذلك، وقال بعصمة كل إمام من أئمة الزّيديّة، وهو إمام علوم الزّيديّة المجمع عندهم على علمه وفضله السّيّد الإمام أبو العبّاس الحسني (5) روى ذلك عنه (6) غير--------------------------------------------
(1) في نسخة ((المتأولين)) كذا في هامش (أ) و (ي) وفي (س).
(2) في (س): ((فما))!.
(3) ما بينهما ليس في (ي) و (س).
(4) ما بينهما ليس في (س).
(5) لم أقف عليه، ولعله ما ذكره الأكوع في ((الزيدية)): (32) هامش (7).
(6) في (س): ((عن))!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)