واختلف في حكم خبر الآحاد" المشهور والمستفيض وخبر الواحد" فقال بعض الأصوليين: إنه يفيد الظن، أو العلم الظني، فيجب العمل به دون العلم.
وقال آخرون: إنه يفيد العلم اليقيني ويوجب العمل «1».
وقد نشأ هذا الاختلاف بعد ابتداع التقسيمات المتقدمة للحديث النبوي والحقيقة أن هذه التقسيمات لا تنضبط، لأن المحدثين والأصوليين مختلفون في عدد التواتر من أربعة إلى ثلاثمائة وستة عشر، وفي عدد المستفيض والمشهور أيضا تبعا للاختلاف في عدد التواتر، ولذا فلو اكتفى المحدثون والأصوليون بالبحث عن صحة الحديث إسنادا ومتنا، فما كان صحيحا، قبل، وكان أصلا من أصول شرعنا، لأنه لا مجال في التشكيك فيه بعد ذلك، فالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقا له وعملا بموجبه يفيد العلم عند جماهير السلف والخلف، لأن العلم الضروري يحصل: بكثرة المخبرين أو بضبط الرواة، ودينهم، أو بالقرائن التي تحف بالخبر، أو بمجموعها «2».
وعلى فرض صحة هذا التقسيم وعلمنا بأن لاشتهار الحديث وكثرة رواته والناقلين له مع صحته ميزة كبيرة قد لا تحصل لحديث صحيح آخر لم تكن طرقه أو عدد رواته والناقلين له كسابقه: فإنني أتحدث هنا عن حجية خبر الآحاد عند--------------------------------------------
(1) انظر المغني في أصول الفقه ص 194، وما بعدها، وهامش (ب) من ص 194. وفتاوى ابن تيمية 18/ 48 - 54. وروضة الناظر ص 99 وما بعدها.
(2) انظر فتاوى ابن تيمية 18/ 48 - 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
الطوفي- رحمه الله، وهو الغرض من هذا المبحث:
يقول الطوفي في كتاب الانتصارات" هذا" ص 242 - 243:" ولا تثبت أصول الشريعة إلا بقاطع كالبديهيات والفطريات، والمتواترات ونحوها … وفائدة هذه المقدمة: أن يستند إليها في أن كل ما أورده علينا من الأخبار التي حقها أن لا تثبت بمثلها الأصول، لا ترد علينا ولا تلزمنا، لأن تلك أخبار توجب العمل دون العلم لكونها مظنونة الثبوت، وإن كانت في البخاري ومسلم لاحتمال وقوع علة قادحة في طريقها، فلا تقوى على إثبات أصل، ولا على أن يقدح بها في أصل، خصوصا وقد دخلها تصرف الرواة في الرواية بالمعنى … ".
وليس هذا وحده هو كلام الطوفي- عفا الله عنه- فهو يقول في موضع آخر ص (369):" وخبر الآحاد إنما يفيد ظنا ضعيفا" وقال ص: 240 عن الآحاد:" هذا ممكن أخبر به الصادق، وكل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع" اهـ.
وقد بين- رحمه الله ص (448) أن أحاديث الصفات الصحيحة يجب الإيمان بها على ما يليق بجلال الله تعالى.
وقال عن حديث سجود الشمس تحت العرش، وهو مما يسمى آحادا ص: (366):" ووصف الشمس بالسجود، وخطا بها من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها فيجب تلقيها عن أصحاب الشرائع بالقبول … " اهـ.
وليس هذا هو مذهب الطوفي وحده بل شاركه فيه كثير من الأصولين- كما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
سبق- فهذا الإمام جلال الدين أبو محمد عمر بن محمد بن عمر الخبازي المتوفى سنة 691 هـ «1» يقول في المغني في أصول الفقه ص 197 عن المشهور:" لكنه لما كان من الآحاد في الأصل ثبت به شبهة سقط بها علم اليقين" اهـ، وقال في خبر الواحد ص 195:" ولأن خبر الواحد يفيد غلبة الظن، وأنها توجب العمل لعدم توقفه على اليقين بيقين" اهـ.
وقال علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي الحنفي الفقيه الأصولي المتوفى سنة 553 هـ «2»: في ميزان الأصول:" وأما حكم المشهور مسألة اختلف مشايخنا فيه ولا رواية عن أصحابنا. قال بعضهم إنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي زيد- رحمه الله «3» -، وقال عامة مشايخنا: إنه يوجب علما قطعيا «4» ".
قال ابن بدران الدمشقي «5» في المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 204:--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في البداية والنهاية 13/ 331، وشذرات الذهب 5/ 419، والأعلام 5/ 63.
(2) ترجمته في الأعلام 5/ 317، وفيه وفاته سنة 540 هـ، ومعجم المؤلفين 8/ 267.
(3) عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي، نسبه إلى دبوسية بين بخارى وسمرقند، الفقيه الحنفي القاضي العلامة، كان أحد من يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من أبرز علم الخلاف. توفي في بخارى سنة ثلاث وأربعمائة عن ثلاث وستين سنة. (انظر شذرات الذهب 3/ 245 - 646، والبداية والنهاية 12/ 46).
(4) هامش ص 194 من المغني في أصول الفقه.
(5) هو عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم محمد بدران، وأسلافه يعرفون بآل بدران وهو أيضا يعرف بابن بدران. ولد في دوما إحدى القرى القريبة من دمشق، توفي سنة 346 هـ (انظر مقدمة المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 25، بتحقيق د. عبد الله التركي)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
" وعن الإمام أحمد في حصول العلم بخبر الواحد قولان: أحدهما: لا يحصل العلم به، وهو قول الأكثرين، والمتأخرين من أصحابه، قال الطوفي: وهو الأظهر من القولين، والثاني يحصل به العلم، وهو قول جماعة من المحدثين «1» ".
ونرد على الطوفي- عفا الله عنه- وعلى من وافقه في خبر الآحاد بما يلي:
1 - أن خبر الآحاد حجة شرعية في أصول الشريعة الإسلامية إذا رواه مسلم عاقل عدل تام الضبط، وتلقته الأمة بالقبول تصديقا له وعملا بموجبه كما سبق، فهو يفيد العلم وإلا كيف نعمل بموجب قول لا نعتقد القطع بصحته ونعتد به «2».
2 - أن خبر الواحد يفيد العلم لأن الأمة إنما تقبل خبر العدل، والعدل قد حرم عليه أن يقول ما لا يعلم كما قال تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ والْإِثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) «3» فوجب ألا يقول العدل إلا ما يعلم، وذلك يفيد العلم «4».
3 - أن الله سبحانه وتعالى يقول: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ--------------------------------------------
(1) وقد تبع الطوفي في ذلك ابن قدامة المقدسي في روضة الناظر ص 99 وما بعدها.
(2) انظر فتاوى ابن تيمية 18/ 48 - 51.
(3) سورة الأعراف، آية: 33.
(4) ناقش هذا الطوفي عند حديثه في الإشارات عن الآية المذكورة في سورة الأعراف. ورده، ورده مرجوح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) «1». والطائفة: اسم للواحد فصاعدا. والأمر يشمل الدين كله أصوله وفروعه، والواحد المتفقه العدل برهان عند الله، ولذا كانت الوفود تقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم الواحد والاثنان والجماعة لتتعلم الإسلام بأصوله وفروعه، ثم يأمرهم بتبليغ ما حفظوه إلى قومهم. وليس في ما تعلموه ما يوجب العمل دون العلم «2».
4 - أن الطوفي- رحمه الله ذكر أن الآحاد:" من الحقائق الإلهية" وأنها حق واقع والحقائق الإلهية إنما تفيد اليقين، وإلا فكيف تسمى حقائق إلهية. وكيف تكون حقا واقعا وهي لا تفيد إلا الظن؟.
وأخيرا فإن مسألة إفادة الآحاد للعلم أو عدم إفادته له موضوع نزاع بين العلماء الأصوليين، وبين العلماء المحدثين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم.
والله المستعان.--------------------------------------------
(1) سورة التوبة، آية: 122.
(2) انظر رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد ص 41 - 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وفاته:
سبق أن ذكرت بأن المؤرخين للطوفي قد اختلفوا في تحديد عام ولادته، فكذلك الحال في سنة وفاته.
ففريق منهم كابن حجر، وابن رجب، وابن العماد، واليافعي «1»، وغيرهم:
يذكرون أنه توفي في رجب سنة ست عشرة وسبعمائة للهجرة «2».
وبعضهم كالسيوطي وغيره يرى أنه توفي في رجب سنة عشر وسبعمائة «3».
ويرى البعض كابن مكتوم- كما نقله عنه السيوطي- أنه توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة «4».
والأصح من هذه الأقوال أنه توفي في رجب سنة ست عشرة وسبعمائة ببلد الخليل- عليه السلام أو هو لم يسبق ذلك التاريخ على الأقل، لعدة أمور ألخصها فيما يلي:--------------------------------------------
(1) عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي، المؤرخ، الباحث، المتصوف من شافعية اليمن، نسبة إلى يافع من حمير. ولد ونشأ بعدن، توفي بمكة سنة ثمان وستين وسبعمائة للهجرة. [انظر الدرر الكامنة 2/ 247، والأعلام 4/ 72].
(2) انظر الدرر الكامنة 2/ 155، وذيل طبقات الحنابلة 2/ 369، وشذرات الذهب 6/ 40، ومرآة الجنان لليافعي 4/ 255، وإيضاح المكنون 1/ 443، 2/ 67، وفهرس الخزانة التيمورية 3/ 184].
(3) انظر بغية الوعاة للسيوطي ص 262، وكشف الظنون 1/ 59، 71، 143، 174، 219، 248، 251، 363، 756، وإيضاح المكنون 1/ 83، 2/ 96.
(4) انظر بغية الوعاة للسيوطي ص 262.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
1 - اتفاق الحفاظ المترجمين له على ذلك كابن حجر وابن رجب وابن العماد.
2 - أن أكثر من ترجموا له ذكروا أنه حج في سنة أربع عشرة وسبعمائة، وجاور في سنة خمس عشرة وسبعمائة، ثم خرج إلى الشام فبقي في بلد الخليل حتى مات- رحمه الله.
3 - أنه ذكر في آخر كتاب شرح الأربعين النووية: أنه فرغ منه يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة في مدينة قوص من أرض الصعيد «1».
4 - أنه ذكر في نهاية كتابه:" الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية" أنه ابتدأ فيه يوم السبت في الثالث عشر من شهر ربيع الأول، وفرغ منه يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر كلاهما في سنة ست عشرة وسبعمائة ببيت المقدس «2».
أقوال الناس فيه:
أجمع الذين أرخوا للطوفي على علو منزلته العلمية وتفننه النادر حتى الذين اتهموه بما ذكرت سابقا.
فابن رجب وهو ممن تحامل عليه قال في أول ترجمته:" … الفقيه--------------------------------------------
(1) انظر آخر مخطوطة شرح الأربعين بدار الكتب القومية بمصر.
(2) انظر آخر مخطوطة الإشارات الإلهية المصورة على الفيلم رقم 923 بمكتبة المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
الأصولي المتفنن نجم الدين أبو الربيع … «1» ".
وقال في موضع آخر:" جالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون وعلق عنهم «2» ".
وقال:" وكان فاضلا صالحا «3» ".
وقال ابن حجر- رحمه الله:" واشتغل في الفنون وشارك في الفنون وتعانى «4» التصانيف في الفنون «5»، وكان قوي الحافظة شديد الذكاء … وقرأ العلوم وناظر وبحث ببغداد «6» ".
وقال:" وقرأت بخط القطب الحلبي «7»: كان فاضلا له معرفة، وكان مقتصدا في لباسه وأحواله متقللا من الدنيا «8» ".--------------------------------------------
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 366.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) تعانى: العاني: الأسير من عنا يعنو، وهو طول الحبس فقد حبس نفسه حتى صار أسيرا لها [انظر منال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير ص 229، 665 ولسان العرب 15/ 101 فما بعدها].
(5) هكذا التكرار في الألفاظ في الدرر.
(6) الدرر الكامنة 2/ 154.
(7) عبد الكريم بن عبد النور بن منير، حافظ الحديث، حلبي الأصل مصري الإقامة والوفاة من تصانيفه: تاريخ مصر، ومشيخة، وغيرهما توفي سنة 735 هـ (انظر البداية والنهاية 14/ 171، والأعلام 4/ 53).
(8) الدرر الكامنة 2/ 154.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ونقل ابن حجر أيضا قول الكمال جعفر في الطوفي:" ولم يزل ملازما لاشتغال وقراءة الحديث والمطالعة والتصنيف وحضور الدرس معنا إلى حين سفره إلى الحجاز، وكان كثير المطالعة، وأظنه طالع أكثر كتب الخزائن بقوص، وكانت قوته في الحفظ أكثر من الفهم «1» ".
كما نقل عن الذهبي قوله:" وكان- أي الطوفي- دينا ساكنا قانعا، ويقال أنه تاب عن الرفض «2» ".
وقد وصفه ابن العماد بقوله:" الأصولي المتفنن «3» ".
وقال صاحب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص 36:" البحر العباب، والغيث الذي يقصر عنه السحاب أبو الربيع سليمان نجم الدين … ".
قال الصفدي:" كان فقيها شاعرا أديبا فاضلا قيما بالنحو واللغة والتاريخ، مشاركا في الأصول «4» ".
وقال اليافعي: «كان على بدعته كثير العلم عاقلا متدينا» «5».--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 157.
(2) المصدر السابق 2/ 155.
(3) شذرات الذهب 6/ 39.
(4) بغية الوعاة للسيوطي ص: 262.
(5) مرآة الجنان 4/ 255.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
2 - التعريف بالكتاب
* سبب تأليفه
* زمن ومكان تأليفه
* منهج المؤلف فيه
* مقارنة بينه وبين بعض ما ألف في موضوعه
* المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في تأليف الكتاب
* أهمية الكتاب العلمية
* وصف النسخ الخطية التي اعتمدتها في التحقيق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
اسم الكتاب ونسبته إلى الطوفي:
وردت تسمية الكتاب في مخطوطاته بالألفاظ التالية:
1 - على صفحة عنوان المخطوطة التي نقلت من خط المؤلف سنة 711 هـ أي في حياة الطوفي:" الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية".
2 - على صفحة العنوان من المخطوطة المنقولة من نسخة المؤلف أيضا سنة 749 هـ:" الانفصالات الإسلامية وكشف شبه النصرانية".
3 - على صفحة العنوان من مخطوطة للكتاب ضمن مجموع بمكتبة شهيد علي بتركيا برقم 2315:" الانتصارات الإسلامية وكشف شبه النصرانية".
ووردت في الكتب التي ترجمت للطوفي، مثل ذيل طبقات الحنابلة (2/ 367)، والأنس الجليل (2/ 258) وكشف الظنون (1/ 174) هكذا:
" الانتصارات الإسلامية في دفع شبه النصرانية".
وقد اخترت أن يكون عنوان الكتاب:" الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية" وذلك لأن هذا هو عنوان الكتاب في المخطوطة التي نقلت من نسخته في حياته، وليس عليه ما يلاحظ من حيث اللغة أو مطابقته للموضوع.
أما نسبة الكتاب إلى الإمام الطوفي- رحمه الله فلم أجد خلافا فيها، وتتحقق صحة النسبة بأمور منها:
1 - وجود اسمه على جميع مخطوطات الكتاب.
2 - إحالته في الانتصارات الإسلامية .. إلى مجموعة من كتبه التي ثبتت نسبتها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
إليه، مثل: الاكسير في قواعد التفسير، ودرء القول القبيح في التحسين والتقبيح، وتعاليق على الأناجيل، والقواعد الدمشقية، والقواعد الصغرى، وغيرها.
3 - أن أصحاب التراجم والطبقات يذكرون كتاب:" الانتصارات الإسلامية .. ضمن كتب الطوفي كلما ترجموا له، ومن الكتب التى ذكرته: ذيل طبقات الحنابلة والأنس الجليل، وكشف الظنون، في المواضع السابق ذكرها.
4 - أن الناظر في كتب الطوفي- مثل الاكسير في قواعد التفسير وشرح الروضة وغيرهما من كتبه المتعددة- وفي هذا الكتاب لا يجد تفاوتا بينها من حيث الأسلوب، والعرض والترتيب والتبويب.
ومن كل هذه القرائن يعلم أن نسبته إليه صحيحة لا ريب فيها.
والله الموفق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
سبب تأليف الكتاب:
يهيئ الله تعالى للحق دائما من يبينه ويعلي رايته على الباطل، ويسخر سبحانه لذلك رجالا أكفاء يذبون عن هذا الدين، ويدحضون شبه الطاعنين بما آتاهم الله من العلم والفطنة والنور، كما قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ … (18) «1».
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذب عن الشريعة في حياته. ثم صحابته الكرام العالمون بأحكام الشريعة، المعايشون لنزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تبعهم في ذلك التابعون والسلف الصالح وسيظل هذا الدفاع عن الحق إلى قيام الساعة: «لا يزال في أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» «2».
ولقد تعرضت الشريعة الإسلامية في القرن السابع الهجري إلى هجوم شرس من النصارى الذين سخروا أقلامهم المسموعة في الحرب الفكرية العقدية المساندة لحروبهم الصليبية التي وجهت إلى العالم الإسلامي، فكانت تكتب الرسائل--------------------------------------------
(1) سورة الأنبياء، آية: 18.
(2) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب (28)، وله ألفاظ متعددة عنده في مواضع من صحيحه، وأخرجه مسلم في الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حديث 247، وفي الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي … » حديث: 170 - 177، بألفاظ متعددة، وأبو داود في الباب الأول من الفتن والرابع من الجهاد، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين، وابن ماجه في الباب الأول من المقدمة وأحمد في عدة مواضع من المسند منها (4/ 93).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
والكتب المملوّة بالطعون والشبهات، وترسل إلى أوساط المسلمين لمحاولة تشكيكهم في عقيدتهم وشريعتهم، وتعقد المناظرات- مع بعض المسلمين طمعا في التغلب على فكرهم وتشويش أذهان العامة، والسخرية بدينهم، وانتشار بدعهم. ولكن الله ألهم علماء الإسلام فتصدوا لهذه الحرب الشعواء، وقارعوا الحجة بالحجة، فظهر الحق وبطل الباطل، وأمسى النصارى بكيدهم في نحورهم.
وكان الإمام الطوفي- رحمه الله وعفا عنه- ممن تصدى للدفاع عن الإسلام ودفع منكر النصارى والملحدين والمرتدين عن الإسلام. فقد اطلع على كتاب ألفه بعض النصارى يطعن به في دين الإسلام، ويقدح به في نبوة نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم.
قال- رحمه الله في كتابه: تعاليق على الأناجيل، عند ما بدأ تعليقه على ما في الإنجيل:" احذروا من الأنبياء الكذبة … «1»:" صدر بعض علماء النصارى بهذا الكلام كتابا صنفه في القدح في دين الإسلام والطعن على نبوة محمد- عليه السلام وأرجو من الله سبحانه التخلي لمناقضته والرد عليه «2» " اهـ.
وقد تحقق له ما طلبه من الله تعالى فألف هذا الكتاب:" الانتصارات … ".
ولم يذكر- رحمه الله اسم النصراني، ولا عنوان كتابه، كما فعل أيضا عند ما ذكر سبب تأليف كتابه الآخر:" تعاليق على الإنجيل".
وقد وجدت على صفحة عنوان نسخة:" الانتصارات … " بمكتبة شهيد علي بالسليمانية بتركيا أن كتاب النصراني الذي رد عليه الطوفي هو:" السيف المرهق في الرد على المصحف".--------------------------------------------
(1) انجيل متى الإصحاح السابع.
(2) تعاليق على الأناجيل ص 16 خ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
والذي يظهر لي- والله أعلم- أن النصراني من بلاد الغرب الأقصى، أو من بلاد الأندلس، لأنه نقل كثيرا عن تفسير ابن عطية الأندلسي «1» رحمه الله كما نقل عن كتب موسى بن عبيد الله «2» الفيلسوف المرتد عن الإسلام، وهو ممن عاش في الأندلس، ثم انتقل في آخر حياته إلى مصر.
وهذا أيضا يدلنا على أن هذا النصراني قد ألف كتابه الذي رد عليه الطوفي في القرن السابع، أو أول القرن الثامن، وهو وقت طغيان الفكر الصليبي النصراني
على العالم الإسلامي كما رأينا عند الحديث عن الحالة السياسية في عصر الطوفي.
وقد تكون لبعض الناس محبة في الجدل والمناظرة، ولو على حساب الدين، والحق، فيطلب ذلك في مجالسه، كما هو حال بعض أهل الكلام المذموم.--------------------------------------------
(1) أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المغربي الغرناطي المالكي، الحافظ القاضي بمدينة المرية بالأندلس، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة من الهجرة، ونشأ في بيت علم وفضل فأبوه إمام وحافظ، وعالم جليل، وأبو محمد عارف بالأحكام. قال أبو حيان:" أجل من صنف في التفسير، وأفضل من تعرض فيه للتنقيح والتحرير" اهـ. كما أنه عالم في الحديث والنحو والأدب نثرا ونظما. مات- رحمه الله بالرقة بالأندلس سنة ست وأربعين وخمسمائة من الهجرة. [انظر الديباج المذهب 2/ 57، ومقدمة تحقيق تفسيره].
(2) موسى بن عبيد الله، وقيل ابن عبد الله، والأشهر ابن ميمون بن يوسف بن إسحاق أبو عمران القرطبي الفيلسوف اليهودي الملحد، ولد سنة 529 هـ، وتعلم في قرطبة، وتنقل مع أبيه في مدن الأندلس، وتظاهر بالإسلام، وقيل: أكره عليه، وحفظ القرآن وتفقه على المالكية، ودخل مصر فعاد إلى يهوديته، وكان فيها رئيسا روحيا لليهود، وله تصانيف كثيرة في الطب والفلسفة بالعربية والعبرية منها دلالة الحائرين كما سيأتي. وغيره كثير توفي سنة 601 هـ ودفن بطبرية من أرض فلسطين (انظر الأعلام 7/ 329 - 330، ومعجم المؤلفين 13/ 41).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
ولكن قد يضطر أناس إلى الجدل والمناظرة الشفوية أو التحريرية للدفاع عن الدين بعد نيل الأعداء منه، كما حصل لكثير من علماء الإسلام، مع النصارى وغيرهم- كما سبق- خاصة إذا أصبح خطر العدو يهدد كيان الأمة وأصبح في المجتمع بعض الجهال الذين قد يخدعون بما يأتي من شبهات عبر ما يكتب أو ينشر في أوساط المجتمع، ولذا خاض غمار هذا الجدل العلماء- رحمهم الله ضد النصارى وغيرهم ومن هؤلاء العلماء نجم الدين الطوفي في هذا الكتاب وغيره، فقد أوضح في مقدمته أن الدافع له في الرد على كتاب النصراني الذي وصله: هو ما يخشاه من أن يستخف ما فيه من الشبه بعض ضعفاء المسلمين فيورثه شكا في الدين يقول- رحمه الله" فرأيت مناقضته … ورجوت بها مغفرة من الله ورضوانا، حذرا من أن يستخف ذلك بعض ضعفاء المسلمين فيورثه شكا في الدين، ولقد رأيت بعض ذلك عيانا وآنست عليه دليلا وبرهانا" اهـ.
فهو- رحمه الله لم يقدم على ذلك حبا في الخوض مع النصارى في هذه الشبه الباطلة، ولكن دفاعا عن دين الله، وعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ودفعا لهذه الشبه التي قد يغتر بها بعض ضعفاء الإيمان والمغفلين كما يحصل في كل زمان، وأحسبه في عصرنا هذا أكثر، لزيادة جهل المسلمين بإسلامهم، وبعدهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم محمد- صلى الله عليه وسلم، بل لحب كثير من المسلمين اليوم التبعية والتقليد للغربيين النصارى، والتعلق بالثقافة التي يقدمها هؤلاء النصارى لهم حتى في مجال شرائع الإسلام. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
زمن تأليف الكتاب ومكانه:
أشار المؤلف- كما هي عادة كثير من المصنفين الأوائل- إلى تاريخ ابتداء تأليف الكتاب وتاريخ انتهائه. فقد ابتدأ تأليفه في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر شوال سنة سبع وسبعمائة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكان الفراغ منه صبيحة يوم الاثنين السابع من شهر ذي القعدة المحرم من السنة نفسها.
وقد أشار أيضا في أثناء الكتاب إلى تأريخ تأليف هذا الكتاب فقال:" فهذا اليوم سبعمائة سنة وسبع سنين «1» ".
ولكن المؤلف- رحمه الله أعاد النظر في الكتاب وصححه وألحق به ما خطر له من الفوائد اللائق إلحاقها، وانتهى من ذلك عشية يوم الأحد عاشر شوال سنة ثمان وسبعمائة هجرية.
أما مكان تأليفه الكتاب فهو مدينة القاهرة، وذكر أنه صنفه في المدرسة الصالحية منها، وأعاد النظر فيه وألحق ما ألحق به وصححه في المدرسة المنصورية في القاهرة أيضا.
منهج الطوفي في كتابه: الانتصارات الإسلامية:
يقول- رحمه الله عن منهجه في الكتاب:" فأوردت مناقضته حرفا من كلامه فحرفا، وأبنت مقاصد السؤال والجواب على وجه لا يخفى، مع تلخيص العبارة خشية الضجر والاملال، وتلخيص المعاني ونصوصيتها خيفة الإخلال--------------------------------------------
(1) ص 520 من كتاب الانتصارات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
والاختلال، وقدمت على ذلك مقدمات كلية تتضمن مباحث جلية، عليها يبني معظم الجواب، وبها يتيسر ظهور الصواب وعلى الله توكلي وإليه المآب".
بدأ الطوفي رده على النصراني بذكر ثلاث مقدمات كلية ليبنى عليها معظم رده على أسئلة النصراني وشبهاته ومطاعنه تتلخص فيما يلي:
1 - سد باب الاستدلال على المسلمين بكتب الأوائل مطلقا، لعدم الوثوق بها وجرأتهم على تحريفها.
2 - أن محمدا- صلى الله عليه وسلم لم يأت بما ينافي العقل، ولا يجوز فيه أو يدركه، وإن قصر عن إدراك مضمونه مما هو من التعبدات الشرعية التي أخبر بها النبي الصادق صلى الله عليه وسلم.
3 - أن الشريعة لها أصول وفروع، ولا تثبت أصولها إلا بقاطع كالبديهيات والضروريات والمتواترات ونحوها، وأخرج خبر الواحد فادعى أنه لا تثبت به أصول الشريعة- وقد سبق الاعتراض عليه وبيان الحق والحمد لله-.
ثم انتقل إلى الكلام عما ورد في كتاب النصراني على النحو التالي:
1 - ابتدأ مناقضته في أول ما افتتح به كتابه: وهو قول المسيح- على زعم النصراني-" احذروا من الأنبياء الكذابين الذين يأتونكم في لباس الضأن … ".
2 - كان يورد جزءا من نص كتاب النصراني ثم يبدأ الإجابة عن هذا الجزء وهكذا إلى أن انتهى من الكتاب كله. لكنه أحيانا يترك ما يستطرد فيه النصراني مما لا حاجة إلى نقله والإجابة عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
وإذا أطال النصراني في بعض المواضع: اختصره الطوفي ثم أجاب عنه.
يقول- رحمه الله:" وما كان في عبارته من تطويل لخصته مع الإتيان بكمال المعنى وأعرضت عن مكافأته على سوء أدبه على النبي صلى الله عليه وسلم بمثله لا إكراما له بل هوانا بقدره ومحله" اهـ.
3 - ختم الكتاب بعشر حجج هي خلاصة الكتاب. وزبدة الرد على النصراني، فالمناظرة إذا كانت مبنية على مقدمات مشتركة بين المتناظرين كالحكم بينهما فالخاتمة تكون لمن وافقت دعوته تلك المقدمات وقد ختم الطوفي كتابه بالحجج المذكورة ليثبت بها صحة دين الإسلام وصدق محمد- صلى الله عليه وسلم، وهو أسلوب مفيد جدا، وهو أسلوب الأدباء والعلماء البارعين.
4 - وقد كانت إجاباته متميزة بالموضوعية، فلا يخرج عن الهدف الذي يقصده النصراني، ولا يستطرد عند الإجابة فيما لا صلة له بالموضوع.
5 - التزم أدب الجدل والمناظرة إلى حد كبير جدا، آخذا بما أمر الله به في مجادلة أهل الكتاب في قوله تعالى: ولا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) «1». وقوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) «2»
6 - كان يسوق الأدلة من القرآن والسنة التي استدل بها النصراني وطعن فيها، ثم--------------------------------------------
(1) سورة العنكبوت: 46.
(2) سورة آل عمران: 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
يورد وجه استدلاله بها ثم يرد عليه.
وأحيانا لا يذكر النصراني وجه الاستدلال بالنص الشرعي، أو وجه اعتراضه على النص فيورده الطوفي بناء على ما علمه من عادة النصارى وغيرهم من المرتدين عن الإسلام، وولعوا بإيراده من الاعتراضات على تلك النصوص.
7 - يبدأ الإجابة بتوجيه النصوص وتفسيرها وذكر أسباب النزول أو ورود الحديث إن وجد ذلك، ثم مناقشة الخصم ودحض ما قاله من شبهات.
وله معرفة قوية بأقوال المفسرين، واختيار القول الذي عليه جمهور المفسرين، وله باع في الحديث والحكم عليه أحيانا، وليس كما رماه بعض من غاضه بأنه قليل البضاعة فيه كما تقدم عند الحديث عن علمه وآثاره العلمية.
كما أنه كان يسوق بعض نصوص السيرة المشهورة عند أهل المغازي والسير، للاستشهاد بها عند الحاجة إليها.
وكان يذكر بعض الإسرائيليات أيضا للاستشهاد بها كما يفعل بعض المفسرين.
وهو في ذلك كله يعزو النصوص إلى مصادرها، ويسند الأقوال إلى قائليها. والآراء إلى أصحابها- إلا ما ندر- في حافظة عجيبة وأمانة علمية.
8 - كان يسوق الحجج العقلية في الرد على النصراني، وقد تميزت بقوتها خاصة وأن الطوفي من علماء أصول الفقه الذي يعطي العالم مراسا على وضع القواعد المنطقية لإثبات قضية من القضايا الشرعية بما يوافق نصوص الكتاب والسنة ولا يعارضها، ثم إنه متمرس في المناظرات والجدل العلمي في بغداد وغيرها كما سبق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)