2 - والشيعة القوم الذين اجتمعوا على الأمر، ويتبع بعضهم رأي بعض وليس كلهم متفقين على رأي. كما قال الله تعالى: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) «1» فكل فرقة تكفر الفرقة المخالفة لها.
والشيعة أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شيع وأشياع وفي الحديث:
" القدرية شيعة الدجال" أي أولياؤه، وأنصاره، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى عليا «2» وأهل بيته، رضوان الله عليهم «3».
وبعد هذا التعريف الموجز فقد تتبعت ما استطعت الوصول إليه من مؤلفات الطوفي ووجدته يتحدث كثيرا عن الرافضة والشيعة وعن مذهبهم ويهاجمهم ويلعنهم، وهذه نماذج مما وجدته في هذا الموضوع:
يقول في كتابه:" الصعقة الغضبية على منكري العربية" الورقة (24) من النسخة الخطية بدار الكتب المصرية:--------------------------------------------
(1) سورة الروم، آية: 32.
(2) أبو الحسن علي بن أبي طالب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأول من أسلم من الصبيان، تربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وشهد معه المشاهد ما عدا تبوك استخلفه على المدينة على غير رغبة منه في ترك الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم كان له أربعة عشر ولدا ذكورا، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين. ضربه عبد الرحمن بن ملجم- لعنه الله- بالكوفة في رمضان سنة 40 فبقي يومان ثم مات- رضي الله عنه[انظر صفة الصفوة 1/ 308 - 335، والإصابة ت 5688].
(3) انظر لسان العرب 8/ 188، 189، ومختار الصحاح ص 353، والمصباح المنير 1/ 390، والشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير ص 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
" من الأصول العظيمة التي نشأ النزاع فيها من جهة العربية اختلاف الشيعة والسنة فيما يتعلق بأبي بكر الصديق- رضي الله عنه، ومنعه فاطمة «1» رضي الله عنها فدكا «2» والعوالي «3»، فإنها لما جاءت تطلب إرثها عن أبيها قال:
" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" ما تركناه صدقة «4»، ولم يعطها شيئا فخاضت الرافضة في أبي بكر وقالوا: منع فاطمة إرثها. وقال أهل السنة: إنما عمل بما سمع، ولم يمنعها حقا. ومنشأ الخلاف بينهم من حيث أن" ما" وردت في اللغة على وجهين: اسمية وحرفية، ولكل واحد منهما خمسة أقسام … إذا عرفت--------------------------------------------
(1) بنت الرسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب، الهاشمية القرشية، وأمها خديجة بنت خويلد أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها علي بن أبي طالب في الثامنة عشرة من عمرها وولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، وبقيت فاطمة بعد أبيها ستة أشهر. وهي أول من جعل له النعش في الإسلام. [انظر طبقات ابن سعد 8/ 11 - 20، والإصابة 4/ 773، وصفة الصفوة 2/ 9 - 15، والأعلام 5/ 132].
(2) فدك: بلد بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، وقيل ثلاث مراحل أفاءها الله على رسوله- عليه السلام صلحا. [انظر مراصد الاطلاع 3/ 1020، وفتح الباري 6/ 203].
(3) العوالي: بالفتح، جمع العالي: كانت ضيعة، بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وقيل ثمانية. [انظر مراصد الاطلاع 2/ 970]. والآن أصبحت أحد أحياء المدينة النبوية.
(4) طرف من الحديث الذي أخرجه البخاري في أول فرض الخمس، وفي المغازي، باب حديث بني النضير، وباب غزوة خيبر وفي النفقات، باب حبس الرجل قوت سنة على أهله … ، وفي الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا نورث ما تركنا صدقة"، وفي الاعتصام، باب ما يكره من التعمق والتنازع … ، وأخرجه مسلم في الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة»، حديث: 52، 54، 56، وأخرجه أبو داود في الخراج والإمارة … باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال. وأخرجه الترمذي في السير باب ما جاء في تركة النبي صلى الله عليه وسلم والنسائي في الفيء، وأحمد في المسند في عدة مواضع منها (1/ 4، 6، 9، 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
ذلك فالرافضة حملوا" ما" في قوله- عليه السلام: «ما تركنا صدقة» «1» على أنها نافية، أي: لم نترك صدقة، وإنما تركنا ما تركناه إرثا لغيرنا، وحملها أهل السنة على أنها موصولة، بمعنى الذي، تقديره: الذي تركناه صدقة، بالرفع على الخبر، وحذف الهاء من تركناه لأنها ضمير منصوب وهو سائغ الحذف فى الصلة، كقوله تعالى: وما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ … (35) «2» قرئ بحذف الهاء وإثباتها «3».
وهذا هو الحق- إن شاء الله تعالى- وما ذهب إليه الرافضة خطأ صريح محض" «4».
ثم رد على الرافضة في نفس الموضع على تضعيفهم الحديث المذكور فقال:" … لا سبيل إلى منع صحته، إذ قد رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث عائشة «5»، وأبو داود من حديث مالك بن أوس--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(2) سورة يس، آية 35.
(3) انظر الإقناع في السبع 2/ 742.
(4) قلت: وقوله في لفظ الحديث: (لا نورث)، والرواية الأخرى من مسلم في الجهاد، حديث 49:
(لا نورث ما تركناه صدقة) والثالثة عند البخاري في فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله … ، وعند مسلم في الجهاد حديث 51، وأبو داود في الموضع السابق: (لا نورث ما تركنا فهو صدقة)، تدل على أن (ما) موصولية وليست نافية.
(5) عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن عثمان الصديق- رضي الله عنهما ولدت بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين وعقد عليها وهي بنت تسع. كانت من أفقه الناس وأعلمهم، وفي الحديث: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وكانت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه.
ماتت سنة 58 هـ، ودفنت بالبقيع. (انظر الإصابة 4/ 359 - 361، وسير أعلام النبلاء 2/ 135 - 210).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
ابن الحدثان «1»، وهو حديث مشهور مستفيض، إلا أن للرافضة أصلا خبيثا باطلا، وهو أنهم لا يقبلون رواية الصحابي لمرض في قلوبهم عليهم وليس هذا موضع الرد عليهم في ذلك الأصل «2» ". اهـ.
وقد تحدث عن ذلك في كتابه الإشارات الإلهية في المباحث الأصولية عند كلامه عن قوله تعالى: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ … (16) الآية «3» ثم قال:" وقصد الشيعة- لعنهم الله- بذلك تظليم الشيخين بمنع فاطمة إرثها من أبيها، والعباس إرثه من ابن أخيه صلى الله عليه وسلم .... "
أما عن التفضيل بين أبي بكر وعلي- رضي الله عنهما فيقول عند كلامه عن قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ … (19) «4» الآية" وتعلقت به الشيعة فقالوا: كان علي يوم بدر أول مبارز، وأبو بكر في العريش مع النبي- عليه السلام فعلي أعظم جهادا، فليكن أفضل من أبي بكر لقوله- عز وجل:
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ … (95) «5». وأجيب بأنه يلزمكم مثله في النبي صلى الله عليه وسلم، وأن عليا أفضل منه، وأنه محال «6». فإن قيل: النبي- عليه السلام--------------------------------------------
(1) انظر سنن أبي داود: كتاب الإمارة، باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال". وابن الحدثان هو أبو سعيد اليربوعي النصرى، تابعي من أهل المدينة ولد في الجاهلية وتأخر إسلامه، وكان عريف قومه في زمن عمر، وكان ثقة. (انظر تهذيب التهذيب 10/ 10، والأعلام 5/ 258).
(2) الإشارات الإلهية ص 292 خ المكتبة الأحمدية.
(3) سورة النمل، آية: 16.
(4) سورة الحج، آية: 19.
(5) سورة النساء، آية: 95.
(6) الأولى أن يقول:" وهذا محال".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
كالإمام شأنه أن يقاتل بين يديه. قيل: وأبو بكر كالوزير شأنه أن يكون مع الإمام" «1» اهـ.
ويقول عن فضل أبي بكر- رضي الله عنه عند كلامه عن قوله تعالى: ولا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ … (22) «2» الآية:" احتج بها الجمهور على فضل أبي بكر لأنها نزلت فيه، إذ ترك الإنفاق على مسطح «3»، وقد وصف فيها بأنه من أولي الفضل. أي والله الذي لا إله إلا هو إنه من أولي الفضل. وأجابت الشيعة- لعنهم الله- بأن الوارد فضل المال وكثرته بدليل اقترانه بالسعة، لا الفضل الذي هو الكمال ضد النقص. لكن يحتج بها الجمهور من موضع آخر وهو قوله عز وجل:
أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ … (22) «4» وهو يدل على أنه مغفور له «5» ".
ويقول أيضا في كلامه عن قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا … (40) «6»
الآية:" احتج بها أهل السنة على فضل أبي بكر رضوان الله عليه من وجوه:--------------------------------------------
(1) الإشارات الإلهية" مخطوط" ص 273.
(2) سورة النور، آية: 22.
(3) مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد مناف، من قريش، يكنى بأبي عباد. وهو من الشجعان الأشراف من الصحابة، كان اسمه عوفا ولقب بمسطح فغلب عليه، أمه بنت خالة أبي بكر كان يمونه أبو بكر لهذه القرابة منه، كان مسطح ممن جلدهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإفك، وحلف أبو بكر بألا ينفق عليه فلما نزلت الآية المذكورة، عاد إلى الإنفاق. (انظر الإصابة 3/ 408، ت (7935)، والأعلام 7/ 215).
(4) سورة النور، آية: 22.
(5) الإشارات الإلهية ص: 279.
(6) سورة التوبة: 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
أحدها: النص على ثبوت صحبته، حتى قال بعض العلماء من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر، لتكذيبه النص المتواتر القاطع بإثباتها، بخلاف من أنكر صحبة غيره، لعدم ذلك. وفيه نظر، لأن غيره كعمر وعثمان «1» وعلي وباقي العشرة ثبتت صحبتهم بالتواتر، وهو قاطع أيضا، فإنكار مدلوله كفر.
الوجه الثاني: قوله لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فكان له في هذه المعية اختصاص لم يشاركه فيه صحابي. وقد يقال بأن هذا التشرف حصل لجميع الصحابة بقوله- عز وجل: وأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ «2». غير أن لقائل أن يقول: معية أبي بكر- رضوان الله عليه- أخص من هذه، فيمتاز بها.
الوجه الثالث: ((ثاني اثنين)) قالوا: فيه إشارة إلى شيئين أحدهما أنه ثانيه من بعده في الإمرة، والثاني أن اسمه لم يفارق اسمه إذ كان يقال له خليفة رسول الله حتى توفي، فقيل لمن بعده وهو عمر- رضي الله عنه أمير المؤمنين، وانقطعت خصيصة ثاني اثنين.
الوجه الرابع: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قال بعضهم: الضمير في عليه لأبي بكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تفارقه السكينة حتى يحتاج إلى نزولها عليه، وإنما أنزلت--------------------------------------------
(1) عثمان بن عفان بن أبي العاصي … الخليفة الثالث، أسلم قبل دخول الرسول- صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، خلفه الرسول- صلى الله عليه وسلم يوم بدر على زوجته بنت الرسول رقية يمرضها، وضرب له بسهمه وأجره، وزوجه أم كلثوم بعدها فسمي ذو النورين، وبايع عنه الرسول في بيعة الرضوان وأخبر أن الملائكة تستحي من عثمان، وأخبر بأنه ستصيبه بلوى وتحقق ذلك، قتل- رضي الله عنه في ذي الحجة سنة 35 هـ بعد خلافة دامت 12 سنة تقريبا (انظر صفة الصفوة 1/ 294 - 307 والإصابة 2/ 462، ت 5448).
(2) سورة محمد، آية: 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
على أبي بكر- رضي الله عنه وهو ضعيف. أما أولا فلقوله- عز وجل:
أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ فقد أنزلت عليه السكينة، مع ما ذكروه من عدم مفارقتها له، ولا اقتناع من أن يزاد سكينة على سكينة، ونورا على نور. وأما ثانيا فلأن ذلك يقتضي أن الضمير في وأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها لأبي بكر أيضا، وهو خلاف الظاهر بل القاطع، ولا أظن أحدا قال بذلك.
أما الشيعة فطعنوا على أبي بكر- رضي الله عنه من الآية بوجه واحد وهو قوله: (لا تَحْزَنْ) دل ذلك على أنه حزن لأجل طلب الكفار لهما، مع أنه مع رسول الله، بعين الله، تحت رعاية الله، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأنه سيظهر على أعدائه، ويظهر دينه على جميع الأديان، فحزن أبي بكر والحالة هذه إما شك في هذا الخبر، أو ضعف منه وخور. قالوا: وإنما الشجاع المؤمن، واللبيب الموقن:
علي بن أبي طالب- رضي الله عنه حيث كان نائما على فراش النبي صلى الله عليه وسلم معرضا نفسه من أيدي الكفار لشرب كئوس الحمام «1»، فما شك وما خار، ولا تبلد ذهنه ولا جار!. وأجاب أهل السنة بأن حزن أبي بكر- رضي الله عنه لم يكن ضعفا ولا شكا، وإنما كان رقة غالبة، وشفقة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك عن شك أو ضعف لكان أولى ما صدر منه يوم بدر حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد» وأخذ أبو بكر بردائه يقول:" كفاك مناشدتك ربك، إن شاء الله سينجز لك ما وعدك «2» " وهذا غاية الشجاعة والإيمان،--------------------------------------------
(1) الحمام: قضاء الموت وقدره. يقال نزل به حمامه: أي قدره وموته. (انظر لسان العرب 12/ 151، ومختار الصحاح ص 157).
(2) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الجهاد، باب الامداد بالملائكة في غزوة بدر حديث 58، والترمذي في تفسير سورة الأنفال، وأحمد في المسند 1/ 30، 32، 117.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
ثبوت الجنان عند قراع الأقران" «1». اهـ.
أما ما يتعلق بخلافة أبي بكر- رضي الله عنه فسيأتي كلامه عنها في آخر الكتاب- إن شاء الله «2» - وله كلام غير هذا في الإشارات وشرح الأربعين يضيق المقام بذكره.
وقال عن عمر- رضي الله عنه في شرح الأربعين النووية ص: 79 عند شرحه لحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله … » «3»
يقول:" واعلم أن من العجب أن هذا الحديث الثابت كان عند ابن عمر، وهو نص في قتال ما نعي الزكاة، ولم يبلغ أبا بكر وعمر حتى تشاجرا في قتالهم وجرى بينهما مناظرة في ذلك، واحتاج أبو بكر إلى القياس بأن قال:" والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة «4» " وإلى الاستنباط من قوله عليه السلام:
(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها) قال أبو بكر: والزكاة من حقها. قلت: فلعل ابن عمر كان غائبا أو مريضا أو ناسيا للحديث ذلك الوقت، ولقد وفق أبو بكر حيث وقع استنباطه وقياسه موافقا هذا النص، وخالفه عمر في هذا المقام، وكان الأولى--------------------------------------------
(1) الإشارات الإلهية ص 188 - 189.
(2) انظر ص: 736 من هذا البحث.
(3) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فَإِنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ (التوبة: 5) ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس … ، حديث 32 - 36، وأبو داود في الجهاد باب على ما يقاتل المشركون؟ (104)، والترمذي في تفسير سورة الغاشية، والنسائي في الزكاة، باب مانع الزكاة، وابن ماجة في أول الفتن، والدارمي في السيرة، باب في القتال على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس … » وأحمد في المسند 4/ 8.
(4) سنن النسائي كتاب الزكاة، باب مانع الزكاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
بموافقته لما عهد منه من موافقته النصوص حتى قال:" وافقت ربي في ثلاث «1» " ثم إن عمر رجع في هذه القضية إلى متابعة أبي بكر … " اهـ.
أما عن عثمان- رضي الله عنه فيتضح من كلامه «2» عند قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا … (155) الآية «3»:" فيها مسائل للشيعة: الأولى: أن هذا كان يوم أحد ففر عثمان وثبت علي فدل على أن عليا أفضل لأنه سلم من هذه الآية.
الثانية: أن الفرار من الزحف كبيرة خصوصا عن النبي- عليه السلام في تلك الضائقة، وقد أتاها عثمان.
الثالثة: دلت الآية على أن فرار عثمان إنما كان عقوبة على ذنب أتاه لقوله عز وجل: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا فكان عقوبة الذنب ذنبا مثله.
وأجابت السنة بتمام الآية وهو قوله- عز وجل: ولَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ.
والذنب المغفور كغير المعمول، ولو ساعد الدليل على أن يحمل تولي عثمان وأصحابه توليا مباحا إما تحرفا لقتال أو تحيزا إلى فئة لكان أولى، لكنه لا يساعد، إذ لو كان كذلك لما لحقتهم اللائمة، ولما احتاجوا إلى العفو، وبما أجبنا به أولا أجاب ابن عمر عن عثمان مع معرفة ابن عمر بحقيقة الواقعة «4» " اهـ.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما جاء في القبلة … (32) وفي تفسير سورة البقرة، باب (9)، ومسلم في فضائل الصحابة، حديث 34، وأحمد في المسند (1/ 23 - 24).
(2) في الإشارات الإلهية ص 83 خ الأحمدية.
(3) سورة آل عمران: 155.
(4) انظر صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان، وكتاب المغازي، باب قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ … (آل عمران: 155) وانظر جامع الترمذي كتاب المناقب، باب مناقب عثمان، ومسند أحمد (1/ 68). وانظر تفسير ابن كثير 1/ 213 - 214، 218 - 419.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
أما ما قاله عن عائشة وحفصة «1» رضي الله عنهما فيتبين من قوله في كلامه في الإشارات عن قوله تعالى: … فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً … (10) «2» الآية. قال:" زعمت الرافضة لعنهم الله أنه يعرض بعائشة وحفصة، وأنهما كامرأتي نوح ولوط في النار لتظاهرهما على رسول الله- صلى الله عليه وسلم وأذاهما له، وزعموا لعنهم الله أن عائشة كان بينها وبين عثمان شيء فنزغ لها بهذه الآية معرضا بها فحقدت عليه ثم لم تزل تؤلب الناس عليه حتى قتلوه، ثم إنها ندمت مع كراهتها إمرة علي فخرجت تطلب بثأره. وأجاب الجمهور بأن هذا كله لم يكن منه شيء وهو كذب مختلق، وإجماع أهل الحق على أنهما زوجتاه في الجنة لا يعارضه شيء مما ذكروه" اه «3».
ويقول في الإشارات أيضا عن عائشة- رضي الله عنها في كلامه عن قوله تعالى: .. وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ … (33) «4» الآية:" يتعلق بها الشيعة أخزاهم الله--------------------------------------------
(1) حفصة بنت عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما وإحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولدت بمكة وتزوجها خنيس بن حذافة السهمي، فكانت عنده إلى أن ظهر الإسلام فأسلما، وهاجرت معه إلى المدينة فمات عنها فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيها، فزوجه إياها سنة اثنتين أو ثلاث من الهجرة، واستمرت في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن توفيت سنة 45 هـ (الاعلام 2/ 264، وطبقات ابن سعد 8/ 81 - 86).
(2) سورة التحريم، آية: 10.
(3) ورد في صحيح البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة- رضي الله عنها وكتاب الفتن، باب (18) من حديث عمار أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولعل العلماء قالوا ما ذكره الطوفي استنباطا من مفهوم قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (الزخرف: 70) وهو قول بعض المفسرين.
(4) سورة الأحزاب، آية: 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
على عائشة ويقول أمرت أن تقر في بيتها فخالفت وخرجت إلى تفريق المؤمنين، وقتال علي بالبصرة حتى قتل بسببها من قتل، وهم نحو عشرين ألفا. والجمهور أجابوا بأنها خرجت مصلحة للفساد ومطفية للثائرة مجتهدة في ذلك فهي لا تنفك من أجر أصاب اجتهادها أو أخطأ" اهـ.
وقال عن معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه «1» - في الإشارات عند حديثه عن قوله تعالى: وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15) «2»." يحتج بها الشيعة أبعدهم الله من رحمته على معاوية ومن شايعه على قتال علي، لأن النبي- عليه السلام أمر بقتال المارقين وهم الخوارج «3»، والناكثين وهم أهل الجمل،--------------------------------------------
(1) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي، أسلم عام الفتح وجعله الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب الوحي، وشهد حنينا ثم اليمامة، وكان سيدا وحليما مع كرم وشهامة ولاه عمر الشام ثم عثمان فأحسن الولاية وطالب بدم عثمان في زمن علي بن أبي طالب …
وانحاز إليه أناس ووقع بسبب ذلك فتنة مشهورة في صفين والجمل، ولما قتل علي بويع لمعاوية بالخلافة واجتمعت عليه الكلمة حين صالحه الحسن بن علي- رضي الله عنهم عام أربعين من الهجرة. توفي سنة ستين من الهجرة. (انظر البداية والنهاية 8/ 117 - 144، والإصابة 3/ 433 - 434).
(2) سورة الجن، آية: 15
(3) هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب- رضي الله عنه بعد التحكيم، وانحازوا إلى حروراء، وتبرءوا من علي ومعاوية والحكمين. وأيضا يطلق هذا الاسم" الخوارج" على كل من خرج على الإمام. والخوارج فرق شتى منها: المحكمة الأولى، والأزرقة، والنجدات، والبيهسية والعجاردة، والإباضية، والثعالبة، والصفرية الزيادية. (انظر الملل والنحل للشهرستاني 1/ 114 - 138، ودراسة عن الفرق وتاريخ المسلمين" الخوارج والشيعة" ص 35 وما بعدها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
والقاسطين وهم أهل الشام «1» ". وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم صحة الحديث، ولا أن معاوية كان من القاسطين ولو سلمنا عموم الآية في كل قاسط، بل هي لقاسطين معهودين من الجن أو غيرهم».
أما عن مذهب الرافضة في الصحابة- رضي الله عنهم فيقول الطوفي- رحمه الله في كلامه في كتابه الإشارات عن قوله تعالى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ … (144) «2» الآية:" زعمت الشيعة أن هذا تعريض من الله- عز وجل بارتداد الصحابة وانقلابهم على أعقابكم بعد موت النبي- عليه السلام، قالوا: والنبي- عليه السلام علم ذاك فأكد في نهيهم عنه بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض: لا ترجعوا بعدي ضلالا» «3» الحديث. لم يكفه ذلك حتى أخبرهم بأنهم سيؤخذ بهم يوم القيامة عن الحوض ذات الشمال إلى النار، حتى لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم. قالوا: وقد كان ذلك منهم بانحرافهم عن إمامهم المنصوص عليه وهو علي إلى غيره.
وأجاب الجمهور بأنا لا نسلم في أن الآية تعريضا بما ذكرتم، وإنما هو جملة شرطية دخل عليها حرف الاستفهام فأفادت تشجيعهم على القيام بالأمر معه ومن--------------------------------------------
(1) قلت: وليس هذا لفظ المروي عن الرسول- صلى الله عليه وسلم فله عدة ألفاظ أوردها ابن كثير في البداية والنهاية (7/ 305 - 307).
(2) سورة آل عمران، آية: 144.
(3) أخرجه مسلم في القسامة باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، حديث 29، وفي الايمان حديث 118، 120، والبخاري في العلم، باب الانصات للعلماء، وفي المغازي، باب حجة الوداع، وفي الديات، الباب الثاني منه، وأبو داود في السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، والترمذي في الفتن، باب ما جاء لا ترجعوا بعدي كفارا، (28)، والدارمي في المناسك، باب في حرمة المسلم، وأحمد في المسند (2/ 85، 87، 104).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
بعده، وقد فعلوا، وأما قوله- عليه السلام «لا ترجعوا بعدي كفارا» فهو نهي لهم عن مثل ما خلفت به الأمم السالفة أنبياءها من الكفر، وقد امتثلوا فلم يكفروا، وما كان بينهم من الحروب والدماء فعن تأويل واجتهاد، هم فيه معذورون، بل ومأجورون. وأما المأخوذ بهم ذات الشمال إلى النار فمحمول على أهل الردة الذين ماتوا عليها" اهـ.
أما عن عصمة الأئمة فيتبين موقفه منها في شرحه على مختصره لروضة الناظر عند كلامه في شروط المتواتر ورده على الشريف المرتضى الرافضي المعتزلي «1» في اشتراطه عدم اعتقاد نقيض المخبر به لافادة التواتر العلم. قال الطوفي:" ولذلك اشترطت الشيعة وابن الراوندي «2» أن يكون فيهم الإمام المعصوم ليكون خبرهم معصوما من الخطأ، وهو باطل:
أما أولا: فلأنهم منازعون في وجود العصمة في غير الملائكة والرسل.
وأما ثانيا: فلأن عصمة خبرهم مستندة إلى كثرتهم لا إلى أوصافهم وإلا--------------------------------------------
(1) على بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، من أحفاد الحسين بن علي، إمامي معتزلي أديب شاعر، ولد ببغداد وله تصانيف في التشيع منها: الشافي في الإمامة، ويرى بعض المترجمين له أنه هو الذي وضع نهج البلاغة لا أخوه الشريف الرضي، توفي المرتضى ببغداد سنة ست وثلاثين وأربعمائة من الهجرة. (انظر البداية والنهاية 12/ 53، والأعلام 4/ 278).
(2) أحد الزنادقة الملحدين الذين كانوا يلازمون الرافضة واسمه أحمد بن يحيى بن الراوندى يقول عنه ابن الجوزى:" كنت أسمع عنه بالعظائم حتى رأيت في كتبه ما لم يخطر على قلب أنه يقوله عاقل"، كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام، ويقال إنه حرف التوراة كما عادى ابنه القرآن بالقرآن وألحد فيه وألف كتابا في الرد على القرآن سماه: الدامغ. اختلف في سنة وفاته، فقيل 245، وقيل 298، وقيل غير ذلك. (انظر البداية والنهاية 11/ 112 - 113، وشذرات الذهب 2/ 235 - 236).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
لاشترطت العدالة والإسلام. ولأن العلم مخلوق لله سبحانه وتعالى مقارنا للإخبار، فكما جاز خلقه مع إخبار المعصوم جاز خلقه مع إخبار المعصوم، ثم يلزمهم ألا يوجد في بلاد الكفر تواتر، إذ لا معصوم فيهم اللهم إلا أن لا يشترطوا للعصمة الإسلام فإن عقولهم أسخف من هذا". [شرح الطوفي على مختصره ج 2 الورقة 145/ ب 61].
فهو هنا يطعن في أهم ركيزة عند الشيعة وبالأخص الإمامية.
وعن إمامة علي رضي الله عنه يقول في حديثه عن أهل التواتر في المصدر السابق: «قوله وكتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله ممتنع، خلافا للإمامية» أي:
إن أهل التواتر، وهو العدد الذي يحصل العلم التواتري بخبرهم، هل يجوز أن يكتموا ما تدعو الحاجة إلى نقله؟ فالجمهور قالوا: لا يجوز. وقالت الإمامية- وهم أشهر طوائف الشيعة-: يجوز ذلك لاعتقادهم كتمان النص على إمامة علي رضي الله عنه أي لأنهم يعتقدون أن الصحابة رضي الله عنهم مع كثرتهم كتموا النص على إمامة علي والوقوع يدل على الجواز قطعا. لنا: أن كتمانهم لما يحتاج إلى نقله كتواطئهم على الكذب، وتواطؤهم على الكذب بكتمانهم لما يحتاج إلى نقله محال، أما الأولى: فلأن كتمان الواقع- خصوصا مع الحاجة إلى نقله- بمثابة قولهم: ما وقع، وقولهم لما وقع: انه ما وقع كذب قطعا، لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، وهذا كذلك، فكذلك الكتمان الذي هو بمثابة قولهم: ما وقع.
أما أن تواطؤهم على الكذب محال فلما سيأتي عن قريب- إن شاء الله- «1» " اهـ.
هذه بعض مقالاته عن الرافضة، وإن كانت مختصرة، لأنها منقولة من كتبه--------------------------------------------
(1) شرح مختصر الروضة للطوفي 2/ 100 - 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
التي لم يرد بها الرد عليهم ف" الصعقة الغضبية" ليس- كما قال- موضع الرد عليهم، و" الإشارات" قد التزم فيه منهج الاختصار في ذكر استدلال الشيعة وغيرهم بآيات القرآن الكريم على مذاهبهم، وكان يتوسع فيه في الرد عليهم أكثر من غيرهم.
ومما تقدم من المقالات يتبين أنه لو كان رافضيا مثلهم لما كشف عن عورتهم في رد رواية الصحابي لمرض في قلوبهم … وما لعنهم. فما عرف أن رافضيا يلعن جماعته، ويسبهم، ويذكر بأنهم استطالوا على الصحابة، وكيف يدافع عن أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة ومعاوية وغيرهم من الصحابة- رضي الله عنهم جميعا- وهم أعداء الشيعة وأعداء لعلي- رضي الله عنه في نظرهم مع أن الرافضة ما كانت تخفي هذا في زمن الطوفي- رحمه الله كابن المطهر الحلي، وغيره لمكانتهم عند الخلافة العباسية ووجود من يقدمهم عندها وهو الوزير الخبيث ابن العلقمي. ثم إن هناك من علماء الرافضة الكثير يصرحون بمذهبهم ويحضرون مجالس علماء أهل السنة ولم يدعوا أنهم على غير مذهب الرافضة.
لكن مع هذا نورد ما قاله عنه المؤرخون له، واتهموه به مما يتعلق بالرفض لتظهر لنا الصورة الواضحة عن هوية الطوفي- رحمه الله يقول الإمام الذهبي- رحمه الله تعالى- في كتابه:" العبر .. " عن ترجمة الطوفي:" هو سليمان بن عبد القوي … الشيعي" ولم يزد عن هذه الكلمة عنه.
أما ابن رجب- رحمه الله تعالى- فيقول بعد أن بين منزلته العلمية وفضله وتدينه وآثاره العلمية … :" وكان مع ذلك كله شيعيا منحرفا في الاعتقاد عن السنة حتى إنه قال عن نفسه:
حنبلي رافضي أشعري … هذه إحدى العبر"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
حتى إنه صنف كتابا سماه:" العذاب الواصب على أرواح النواصب" «1» اهـ.
قلت: والعجيب أن ابن رجب- رحمه الله: يقول عنه قبل ذلك:" وكان فاضلا صالحا …
وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون وعلق عنهم … ولقي الشيخ تقي الدين ابن تيمية والمزي والشيخ مجد الدين الحراني، وجالسهم" «2» إلى أن قال:
" وله نظم رائق وقصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وقصيدة طويلة في مدح الإمام أحمد" «3» اهـ.
فقد مدحه أولا وبين فضله وصلاحه ثم بين أن شيوخه ومن جالسهم فضلاء الناس في عصره. وما أدري كيف يسكت عنه أولئك العلماء الفضلاء، ولا يعرفون انحرافه وتشيعه، ثم كيف يجمع بين الفضل وعلو المنزلة في العلم وبين الرفض؟ وكيف يتصنع في المسائل العلمية، مع جرأته التي تتضح من كتبه ومناظراته- رحمه الله يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (2/ 179 - 180):" وأما من عرف الإسلام كيف كان وهو مقر بأن محمدا رسول الله باطنا وظاهرا، فإنه يمتنع أن يكون في الباطن رافضيا، ولا يتصور أن يكون في الباطن رافضيا إلا زنديق منافق، أو جاهل بالإسلام … فهل عرف أحد من فضلاء أصحاب الشافعي وأحمد وأصحاب مالك كان رافضيا؟ أم يعلم بالاضطرار أن كل فاضل منهم من أشد الناس إنكارا للرفض، وقد اتهم طائفة من أتباع الأئمة بالميل إلى نوع من الاعتزال، ولم يعلم أحد منهم اتهم بالرفض لبعد الرفض عن طريق أهل العلم … " اهـ.--------------------------------------------
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 367، 368.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 367، 368.
(3) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 367، 368.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
ثم كيف يكون رافضيا خبيثا ويمدح أعداء الرفض وينتحل مذهبهم الفقهي فهو كما قال ابن رجب- رحمه الله مدح الإمام أحمد بقصيدة طويلة وهو لم يدرك الإمام أحمد حتى يتملق له وينافق في مدح مذهبه، ثم لم يكن هناك سلطة قوية تنتحل مذهب الحنابلة، بل كانت معظم الناس على مذاهب فقهية متعددة، بل وعلى مذاهب عقدية ونحل متفرقة وربما كان الحنابلة ومن على مذهب الإمام أحمد في العقيدة قليلين ومضايقين في عصر الطوفي كما حدث للإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رأس الحنابلة في ذلك الوقت وغيره.
وابن تيمية- رحمه الله من أشد أعداء الرافضة بل لقد كان كلامه عليهم صواعق مدمرة كما يتضح ذلك من كتابه المتقدم، ومع ذلك يلتقي به الطوفي- رحمه الله ويجلس في حلقاته قرابة عام في دمشق ويدرس ابن تيمية على الطوفي العربية أياما، بل لقد كان الطوفي- رحمه الله معجبا أشد العجب بابن تيمية- رحمه الله فهو يقول فيه فيما نقله الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في مقدمته لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية:" كأن العلوم بين عينيه يأخذ ما يشاء ويذر ما يشاء وعرضت عليه أبيات فثنى رجليه وأجاب عنها بمائة وتسعة أبيات، ويجيب في القعدة الواحدة بعدة كراريس" «1» اهـ.
وقد نقل الشيخ عبد الله بن حميد- رحمه الله في مقدمة الفتاوى كلاما للطوفي في ابن تيمية نحو هذا يقول:" قال عنه الطوفي:" سمعته يقول: من سألني مستفيدا حققت له ومن سألني متعنتا نقضته فلا يلبث أن ينقطع فأكفى مئونته" «2» اهـ. وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة (2/ 445):" وقد صنف--------------------------------------------
(1) نقله من الدرر الكامنة 1/ 153.
(2) وقد نقل ذلك عن الدرر الكامنة 1/ 153.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية- رحمه الله عليه- كتابا بناه على بطلان نكاح المحلل، وأدرج فيه جميع قواعد الحيل، وبين بطلانه بأدلته على وجه لا نزيد عليه".
أما ما روي عن الطوفي أنه قال:
حنبلي رافضي أشعري … هذه إحدى العبر
فقد نقلها المؤرخون، ونسبوها إليه ورووها بروايات مختلفة منها:
حنبلي رافضي ظاهري … أشعري انها إحدى العبر
ومنها:
أشعري حنبلي وكذا … رافضي هذه احدى العبر
ولم يشر أحد إلى موضعها من كتبه ولم أجد لها ذكرا أو إشارة فيما حصلت عليه من كتب الطوفي- رحمه الله ولا يستبعد إلصاقها به، فقد ألصق بمن هو أفضل من الطوفي أكبر من ذلك، فقد نسب إلى الإمام مالك «1» رحمه الله بطريق الجزم أنه أباح إتيان المرأة في الدبر وتناقل هذا القول كثير من العلماء مع أنه برئ من ذلك- رحمه الله وقد أنكر هذه المقولة عند ما سئل عن ذلك. وليس الإمام مالك وحده أو الطوفي وحده الذي ألصقت بهما التهم والأقوال الباطلة.--------------------------------------------
(1) أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي الحميري إمام دار الهجرة، إمام الشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن المبارك وغيرهم، ولد عام وفاة أنس بن مالك ومن أشهر كتبه الموطأ، توفي- رحمه الله في سنة 179 هـ، وقيل غير ذلك.
ودفن بالبقيع في المدينة النبوية. من أقوال الشافعي فيه:" مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين … " قال المؤرخون له:" أخذ عن تسعمائة شيخ من التابعين وستمائة من تابعيهم".
(انظر سير أعلام النبلاء 8/ 48 - 138، والديباج 1/ 82 - 139).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
وعلى فرض صحة نسبة هذه المقولة إليه فأي رواية منها قال؟ لأن في بعضها أنه رافضي وأشعري وحنبلي وبينها اختلاف، وفي بعضها أنه حنبلي أشعري ظاهري، وبين الثلاثة اختلاف أيضا ولا تجتمع هذه المذاهب لا في الفقه ولا في العقيدة إلا على وجه التعسف وقد تتفق في بعض المسائل فقط. ثم إن كتبه تشهد بأنه حنبلي في الفقه، وغير رافضي في الفقه ولا في العقيدة، وإن كان له رأيه ومنهجه المتميز عن غيره بالجرأة وقوة الأسلوب.
أما أنه كتب" العذاب الواصب على أرواح النواصب" فلم أعثر على الكتاب حتى أتحقق هل قال فيه ما يدل على أنه على مذهب الرافضة؟ أم أنه يرد على من ناصب عليا العداء وأبغضه من الخوارج وغيرهم فنحن معه في أننا نبغض من أبغض عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه وعاداه وأنكر فضله بعد الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان- رضي الله عنهم جميعا- وكل من لم يعرف قدره من الشيعة والخوارج وغيرهم فسيلقى جزاءه يوم القيامة.
ولم يكتف ابن رجب- رحمه الله تعالى- بهذا القول عن الطوفي- رحمه الله بل قال عنه أيضا:" ومن دسائسه الخبيثة أنه قال في شرح الأربعين للنووي:
اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك: عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان، فمنعهم من ذلك، وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع» «1» وقال:--------------------------------------------
(1) الصحيح أنها خطبة فتح مكة لا خطبة الوداع. والحديث أخرجه البخاري في الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، وأبو داود في المناسك، باب تحريم حرم مكة (90) والترمذي في العلم، باب ما جاء في الرخصة فيه، وفي مسند أحمد (2/ 238).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
«قيدوا العلم بالكتابة» «1» قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لانضبطت السنة، ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما" قال ابن رجب:" فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن: أن أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه هو الذي أضل الأمة، قصدا منه وتعمدا ولقد كذب في ذلك وفجر" «2» اهـ.
قلت: قد اطلعت على شرح الأربعين للنووي وهو مخطوط بدار الكتب بمصر واستعرضته من أوله إلى آخره فلم أجده، ووجدت له كلاما عكس هذا يمدح فيه أبا بكر وعمر- رضي الله عنهما منه ما تقدم في قصة اختلاف رأي أبي بكر وعمر في قتال المرتدين، وأن عمر- رضي الله عنه خالف أبا بكر أول الأمر وكان الأولى موافقته لما عهد منه من موافقة النصوص حتى إن الوحي وافق رأيه.
والقول الآخر قول الطوفي- رحمه الله في شرحه لحديث (ص 156 - 157) «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» «3» قال:" اختلف--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم عن عمر أنه قال: (قيدوا العلم بالكتاب) ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال السخاوي في المقاصد ص 55:" وبالجملة ففي الاذن بالكتابة أحاديث منها: ما عند الطبراني وأبي نعيم في الحلية وغيرهما عن ابن عمرو مرفوعا بلفظ" قيدوا العلم بالكتاب" وعند العسكري من حديث عبد الحميد بن سليمان عن أنس مرفوعا:" ما قيد العلم بمثل الكتاب" وقال العسكري ما أحسبه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم … وأنه من قول أنس" اهـ.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 368.
(3) أخرجه الترمذي في العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع وقال:" هذا حديث حسن صحيح"، وأبو داود في السنة، في لزوم السنة، وابن ماجه في المقدمة باب اتباع الخلفاء الراشدين، والدارمي في المقدمة، باب اتباع السنة، وأحمد في المسند (4/ 126، 127).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)