الخرق، فقال:" خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء"، وأنه مر بشاة ميتة فقال:
" أيما إهاب دبغ؛ فقد طهر" .. فهل العبرة في هذا وأمثاله بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ هذا هو قطع المسألة في الأصول.
وقد فرضوا في هذا الشق الأخير خلافا بين الجمهور القائلين باعتبار عموم اللفظ، وبين الشافعي القائل- فيما زعموا- باعتبار خصوص السبب (1).
والواقع كما يقول الأستاذ المحقق الشيخ عبد الله دراز أنه لم يصح عن الشافعي، ولا عن أحد من الأئمة، القول بقصر العمومات على أشخاص أسبابها. وإن روي ذلك عن بعض أصحاب الشافعي؛ فلعله لم يثبت عنهم أيضا.
فقد نص الشافعي في" الأم" على أن السبب لا يصنع شيئا، إنما تصنعه الألفاظ ..
فهذا صريح في موافقة الشافعي للجمهور. على أننا إذا رجعنا إلى أنفسنا وسمعنا سؤالا خاصّا يقابله جواب عام، ونظرنا في حكمة هذا التفاوت بين السؤال والجواب؛ فإننا ندرك على البديهة المغزى الذي يقصده المجيب من تعبيره باللفظ العام في هذا المقام، وهو أنه أراد تعدية حكمه إلى أفراد أخرى غير شخص السبب. وإلا .. فلماذا عدل عن صيغة الخصوص، وهي تقضي ظاهر الحال ومطلوب السائل، مع قربها واختصارها، إلى هذه العبارة الكلية وإلى هذا التطويل بغير طائل؟!--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي، 2/ 347، وشرح العضد، 2/ 11، وكتابنا أسباب النزول، ص 61 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
ولو افترضنا العبارتين سواء في كلام عامة الناس؛ فكيف يكونان سواء في البلاغة القرآنية والفصاحة النبوية؟! لست أدري كيف يختلف في هذا أحد من أهل العربية، فضلا عن إمام كالشافعي؟!
هكذا يتفق الكل على أن النص العام الوارد على سبب لا يجوز الوقوف به عند أخص الخاص- وهو شخص سببه- بل يجب تعميمه البتة إلى نوع ذلك السبب، بحيث إذا دل
دليل على إخراج بعض ذلك العام عن قصد المتكلم؛ فلا يكون ذلك البعض هو شخص السبب ولا نوعه القريب. فالشافعي وإن عمد إلى بعض العمومات الواردة على سبب، فخصصها مراعاة لأسبابها، لم يقل بحصرها في الحادثة العينية أو الشخص المعين الذي وردت فيه حتى تتوجه عليه الحجة بإجماع الأئمة على تعدية الأحكام لغير أسبابها. فهو مثلا في حديث" الماء طهور" لم يقصره على ماء تلك البئر التي سيق الحديث من أجلها، ولم يجعله قاصرا على ماء الآبار، بل جعله عامّا في كل ماء كثير، واستثنى منه الماء اليسير.
وكذلك فعل في حديث" أيما إهاب دبغ فقد طهر" .. لم يجعله خاصّا بجلد شاة ميمونة، ولا بنوع جلود الأغنام، وإنما استثنى منه جلد الكلب ونحوه.
بل نقول: إن الكل متفقون أيضا على الطرف الآخر من المسألة. إنهم متفقون على أن النص العام الوارد على سبب لا يجب الذهاب به دائما إلى أعم معانيه، حتى التي لا تشبه السبب في مناط حكمه، وهذا أبو حنيفة (وهو في مقدمة القائلين باعتبار عموم اللفظ) قد عمد إلى حديث:" الولد للفراش"، فلم يجعله عامّا كلّ فراش، بل جعله خاصّا بالزوجة وأم الولد، وما ذلك إلا أنه راعى سبب الحديث وهو وليدة زمعة- أي أم ولده- فعدى حكمه إلى كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وليدة، وإلى الزوجة بالأولى، وأخرج عنه الأمة التي لم يثبت لها أمومة الولد؛ لضعف معنى الفراش فيها، وإذا كان بعض الأئمة ذهب إلى طهورية كل ماء لم يتغير، وطهارة كل جلد دبغ، وأنهم يوجبون حمل عمومات الشارع كلها على أوسع معانيها الوضعية من غير نظر إلى مساقاتها؛ فذلك ما لا قائل به من أهل السنة، وإنما المعنى أنهم يوجبون تعدية الحكم إلى مرتبة من مراتب العموم يظنّ قصد الشارع إليها، قريبة أو بعيدة أو متوسطة.
وهذا قدر متفق عليه في الجملة. ففيم الخلاف إذن؟! هل إذا جاء المجتهدون لتطبيق هذه القاعدة، فاختلفت أنظارهم في تحري مراتب العموم أيها أنسب بفرع فرع، يعد ذلك اختلافا في أصل القاعدة كما صوره الأصوليون؟ أكبر الظن أن غلبة شهوة الجدل هي السبب في تصويرها قاعدة خلافية!
قلنا: إن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يخلو من جهة عموم قطعا.
ثم قلنا: إن لهذا العموم مراتب متفاوتة يجتهد الناظر في اختيار أيها أنسب بموضع دون موضع.
فهل هناك ضابط يضبط هذه المراتب ويبين طريقة تنزيل النصوص القرآنية عليها حسبما فهمه العرب؟
لقد وقفنا على تحقيق نفيس في هذا المقام بسطه الشاطبي- رحمه الله في فصل العموم والخصوص، ونحن نكتفي هنا بعرض خلاصته، وهي أن مراتب العموم ثلاثة:
المرتبة الأولى: مرتبة العموم الوضعي، وهو استغراق ما يدل عليه اللفظ بحسب أصله الإفرادي وحقيقته اللغوية. وهذه هي أوسع المراتب وأعمها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
المرتبة الثانية: مرتبة العموم في الاستعمال اللغوي، وهو استغراق ما يدل عليه الكلام بحسب عرف التخاطب عند العرب، وما يغلب قصدهم إليه في محاوراتهم، حتى صار فيه كأنه حقيقة عرفية عامة.
المرتبة الثالثة: مرتبة العموم في الاستعمال الشرعي، وهو استغراق ما يدل عليه الكلام بحسب ما عرف من مقاصد الشارع وقواعده، حتى صار كأنه فيه حقيقة عرفية خاصة" حقيقة شرعية".
وطريقة تنزيل النصوص على هذه المراتب ألا ينتقل بها عن مرتبة من العموم إلى مرتبة أوسع منها إلا حيث لا يوجد داع للوقوف عند تلك المرتبة الدنيا.
فينبغي في كل موضع أن ينظر إلى النص: هل للشارع فيه عرف خاص يحد من عمومه ويضيق من دائرته؟ فإن كان؛ وجب تنزيل النص على قدر تلك المرتبة، ومن جاوزها إلى ما وراءها؛ فقد زاد في الشرع ما ليس منه. وإن لم يكن للشارع عرف خاص؛ وجب أن ينظر مرة أخرى: هل جرى عرف العرب في محاوراتها بحمل ذلك النص على وجه لا يستوعب كل حقيقة؟ فإن وجد؛ فليقتصر عليه دون زيادة ولا مجاوزة. وأما إذا لم يكن عرف خاص شرعي، ولا عرف عام لغوي؛ فيفسّر النص ببعض متناولاته، فإنه يجب أن يرجع به إلى أصل وضع اللغة، فتؤخذ القضية فيه بأوسع معاني العموم التي تقبلها صيغتها. ومن وقف بالعموم حينئذ دون غايته؛ فقد نقص من الشرع ما هو فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وهذا الترتيب، وإن كان متفقا عليه في الجملة، إلا أن العلماء قد يختلفون في المرتبة اللائقة بنصّ، بناء على أن بعضهم قد يفهم في الاستعمال أو الشرعي من القرائن المخصصة ما لا يفهمه غيره، فيأخذ هذا بالخصوص وذاك بالعموم.
ولنمثل لكل مرتبة من هذه المراتب بمثال يوضحها ..
- فمثال ما تأخذه العرب بالعموم الوضعي قولنا:" كل شيء ما خلا الله باطل".
- ومثال ما جرى للعرب فيه عرف عام يقصر به دون غايته الوضعية قولك:" من دخل داري أكرمته"، وقولك:" رأيت الناس .. فما رأيت أكرم من زيد". فلفظ" من" في المثال الأول يعم كل عاقل، وهو متناول- بحسب الوضع- شخص المتكلم وغيره، ولكن المتكلم لا يريد دخوله في هذا الحكم فيما عرف من استعمال العرب.
قال ابن خروف: لو حلف رجل بالطلاق والعتق ليضربن جميع من في الدار وهو معهم فيها، فضربهم ولم يضرب نفسه؛ برّ ولم يلزمه شيء. قال: فكذلك لا يدخل شيء من صفات الباري تحت الإخبار في قوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة غافر: 62]، لأن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه. قال: ومثله وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 282]، وإن كان عالما بنفسه وصفاته، لكن الإخبار إنما وقع عن جميع المحدثات، وعلمه بنفسه وصفاته شيء آخر. قال:
وهذا معلوم من لسان العرب .. لذلك لا يصح استثناء هذه الأشياء بحسب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
اللسان، فلا يقال: من دخل أكرمته إلا نفسي. وإنما ينبغي استثناء شيء يتوهم دخوله لو لم يستثن.
وكذلك نقول: إن لفظ" الناس" في المثال الثاني يعم كل من لقيت ومن لم تلق، وليس ذلك بمراد، وإنما يراد ما شأنه أن يتناوله الحكم المذكور عادة. ومن هنا كان قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [سورة الأحقاف: 25]، ليس مقصودا به أنها تدمر السموات والأرض والجبال، وإنما قصد ما شأنه أن تؤثر فيه الريح عادة كالحيوان والزرع، ولذلك قال بعدها: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [سورة الأحقاف: 25].
قال الإمام الغزالي في قوله صلى الله عليه وسلم:" أيما إهاب دبغ فقد طهر": إنه لا يبعد أن يكون التعرض للدباغ نفسه مخرجا لجلود الكلاب ونحوها، بحيث لا تخطر بذهن المتكلم ولا السامع، وقد قال طائفة من أهل الأصول: إن ما لا يخطر ببال المتكلم إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه عند التعميم.
- ومثال ما جرى فيه للشارع عرف خاص يقف به دون الأوضاع والاستعمالات اللغوية: ما ورد من عمومات الوعيد على الذنوب التي هي بمفردها دون الشرك، ولكنها في الأصل من مساوئ أعمال الكفار، وقبائح صفاتهم، فلما توعّد فاعلوها؛ لم يستثن منهم أحد اتّكالا على ما عرف من كليات الشرع القطعية أن كل ذنب دون الشرك لا بأس من مغفرته، كقوله تعالى خالِدِينَ فِيها أَبَداً [سورة التغابن: 9]، ونحوها. فمن لم يعرف معهود الشارع ومقاصده حمل تلك العمومات على ظاهرها في المؤمنين وغيرهم، ومن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
هنا توقف مروان بن الحكم في قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [سورة آل عمران: 188]، حتى سأل ابن عباس فقال له: ما لكم ولهذه الآية؟! .. إلى آخر القصة. وكذلك توقف الصحابة في آية الأنعام: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [سورة الأنعام: 82] حتى فسرها لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن" الظلم" هنا" الشرك". حتى إن الشاطبي نفسه أورد على هذا الترتيب إشكالا قويّا بما عرف عن السلف الصالح من أخذ العمومات على معنى أوسع من معهود اللسان والشريعة جميعا، وهم العارفون بلسان العرب، الواقفون على قواعد الشرع ومقاصده، وضرب لذلك أمثلة ..
منها أن عمر بن الخطاب كان يتخذ الخشن من الطعام، فقيل له: لو اتخذت طعاما ألين من هذا! فقال: أخشى أن تعجل طيباتي .. يقول الله تعالى أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها [سورة الأحقاف: 20]. وقال لبعض أصحابه وقد توسع في الإنفاق شيئا: أين تذهب بكم هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، إلخ. ذلك مع أن الخطاب في الآية صريح في أنه موجه للكفار، حيث يقول: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وختام الآية لا يليق- بحسب قواعد الشرع- إلا بالكفار، حيث يقول:
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
ومنها: أن معاوية رضي الله عنه لما سمع حديث المنفق ماله رياء، والمستشهد في الجهاد رياء، ومعلم الخير رياء، وأنهم هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة؛ قال: صدق الله ورسوله .. مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها [سورة هود: 15]. فحمل القضية على عمومها حتى للمسلمين، مع مخالفة ذلك للقواعد الشرعية.
ومنها: أن الصحابة لما نزل وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [سورة البقرة: 285] لم يقفوا بها عند نوع سببها من إبداء الشهادة وكتمانها، ولا عند جنسها القريب من إعلان الغرائم وإخفائها، بل حملوها على العموم (كل ما تحدثت به النفس مما يطاق، ومما لا يطاق)، ولذلك انزعجوا منها انزعاجا شديدا، مع أن من القواعد الكلية قوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [سورة الحج: 87]. وقد أقرّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى نزل قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [سورة البقرة: 286].
ومنها: أن عامة العلماء استدلوا بآية: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة النساء: 115] على أن الإجماع حجة وأن مخالفه عاص، مع أنها نازلة في المرتد عن دين الإسلام، وصدرها يدل على أنها في الكفار، لقوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ....
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
والجواب عن ذلك إجمالا: أن السلف- رضوان الله عليهم- لم يأخذوا هذه المعاني مأخذ المنصوص عليه الداخل تحت العمومات، بل فهموا- فهم الراسخين في العلم- أن ما لم يذكر من الآية مشترك مع المذكور فيها في وصف ما، فأجروها فيما لم تنزل فيه ولم يقصد منها، اعتبارا للشيء بما يجامعه أو يقاربه.
ذلك .. أن الله تعالى إنما ذكر الكفار في القرآن بأسوإ أعمالهم، والمؤمنين بأحسن أعمالهم ليعتبر أولو الأبصار وليجتهدوا في الفرار من مثل أعمال المسيئين، وفي اللحاق بدرجات المحسنين، سيرا على قدمي الخوف والرجاء .. غير آمنين من مكر الله ولا يائسين من رحمته، وهذا هو معنى قول العلماء: إن كل آية وردت في حق الكفار فإنها تجرّ بذيلها على عصاة المؤمنين .. فما أدقّ هذا التعبير! حيث قالوا" تجر بذيلها" ولم يقولوا: تطبق بنصها، وذلك لأن العقوبات فيها لا تنطبق بنصها على المؤمنين كما هي، وإنما يصيب العاصي طرف منها إن لم يعف الله عنه.
وإلى هذا المعنى- والله أعلم- كان قصد ابن عباس في إجابته مروان، حيث قال له: ما لك ولهذه الآية؟! … إلخ. كأنه يريد أن ما فيها من القطع بالعذاب واليأس من النجاة خاص بأهلها ومن يشبههم من الذين يفترون على الله الكذب ويكذبون بآياته. وهذا لا ينافي أن غيرهم ممن ألمّ بذنوبهم قد يصيبه العذاب أيضا، لكن إلى أجل محدود،
وإلى مفازة في النهاية (1).--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، وحصاد قلم، د. محمد عبد الله دراز، ص 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
(5) معرفة الظاهر والباطن من معاني القرآن الكريم
بداية .. فإن حصيلة ما ذكرناه من قبل أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وعلى معهودهم في الخطاب. وعليه .. فإنه لا بدّ أن يسلك في فهمه واستنباط معانيه مسلك العرب في فهمهم واستنباطهم. ومن عادة العرب وجوب العمل بما تقضي به دلالة اللّفظ المتبادرة منه، أخذا بحكم العمل بما هو مترجح في القلب: من كون الأصل هو بقاء اللفظ على معناه المعين بإزائه. ومن إيجاب حكم العلم: الأخذ بالراجح ما لم تقم قرينة صارفة إلى خلافه.
وبناء على ذلك فإنه يجب العمل بما يدل عليه ظاهر كل لفظ؛ لأنه حجة لظهور تبادره منه لغة، ما لم تصرف أدلة أو قرائن معتبرة عن ذلك الظاهر، وذلك لما أنّ في العدول عن الظاهر- مع إمكانه- طرحا للدليل لغير شيء.
والشاطبي في حديث له عن القرآن يعرض لقضية أن للقرآن ظاهرا وباطنا فيفسرها ويناقشها. إلا أننا قبل أن نذكر نص كلامه نحرر محل النزاع في هذه المسألة الخطرة.
ذهبت طوائف من الناس إلى أن للقرآن معنى باطنا يحملون لفظ القرآن عليه. أما أن يكون للقرآن معان ظاهرة؛ فهذا ما لا يختلف فيه أحد من أهل العلم. وأما أن يكون للقرآن معان باطنة؛ فهو ما وقع فيه الخلاف .. لكن لا من جهة أن يكون للقرآن معان باطنة، فهذا أيضا محل اتفاق بين أهل الحق .. ولكن خلافهم كان في تعيين ما هو المعنى الباطن الذي يصار إليه.
هذا هو تشخيص المسألة. ولنبدأ الآن في ذكر ما يقوله الشاطبي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
" من الناس من زعم أن في معاني القرآن ما هو ظاهر وما هو باطن، وربما نقلوا في ذلك عن الحسن حديثا مرسلا يقول:" إن للقرآن ظهرا وبطنا- أي- ظاهرا وباطنا-، وكل حرف حدّ، وكل حدّ مطلع". وفسّر بأن الظاهر: هو ظاهر التلاوة، والباطن: هو الفهم عن الله لمراده؛ لأن الله يقول: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [سورة النساء: 78]، والمعنى: لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام .. كيف وهو منزّل بلسانهم؟! ولكنهم لم يحظوا بفهم مراد الله من الكلام .. وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [سورة النساء: 82].
فظاهر المعنى شيء" وهم عارفون به؛ لأنهم عرب"، والمراد شيء آخر" وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله". وإذا حصل التدبر؛ لم يوجد في القرآن اختلاف البتة، فهذا الوجه" الذي من جهته يفهم الاتفاق، وينزاح الاختلاف" هو الباطن المشار إليه. فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد".
" وحاصل هذا الكلام: أن المراد ب" الظاهر" هو المفهوم العربي، وب" الباطن" مراد الله تعالى من كلامه وخطابه. فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسّر؛ فصحيح، ولا نزاع فيه، وإن أرادوا غير ذلك؛ فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم. فلا بد من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى؛ لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب، فلا يكون ظنيّا. وما استدل به إنما غايته- إذا صح سنده- أن ينتظم في سلك المراسيل. وإذا تقرر هذا؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
فليرجع إلى بيانهما- أي الظاهر والباطن- على التفسير المذكور- أي الذي ارتضينا-" (1).
ثم ينتقل الشاطبي، فيعقد فصلا لتقرير أن كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر .. فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية لا معدل بها عن ظاهر القرآن (2).
ثم قال:" وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية؛ فذلك هو" الباطن" المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله" (3).
ولنبدأ الآن في ذكر وصف المعاني الظاهرة أولا، وطرقا من طرق استفادتها من القرآن، ثم نعقّب على ذكرها بذكر المعاني الخفية المعتبرة، وطرق استفادتها من القرآن أيضا.
لكن قبل وصف المعاني الظاهرة، وطرق استفادتها، أقول:
إن الألفاظ العربية وضعت للدلالة على إفادة المعاني الموضوعة لها وضعا إفراديّا، كالألفاظ الدالة على معانيها بطريق الحقيقة، أو وضعا نوعيّا بطريق المجاز. كذلك .. وضعت الجمل العربية في صور مختلفة، تحتمل كل صورة منها بعض المعاني البلاغية الزائدة على المعنى الوضعي لكل لفظ بانفراده، كإفادة الحصر في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة: 5]،--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 383، 384.
(2) الموافقات، 3/ 386.
(3) الموافقات، 3/ 388.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
وإظهار العناية بتقديم الموضوع" المبتدأ، المسند إليه" في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [سورة الفتح: 29] .. على ما سبق بيانه في المعاني الأصلية والثانوية.
ومن ذلك في القرآن: الاختلافات في صور الألفاظ الوضعية، التي تدل من المعاني الأصلية، على ما يشبه المعاني الزائدة في اختلاف صور الجمل المركبة .. من ذلك قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [سورة الأنعام: 125].
والشاهد في قوله" ضيقا حرجا" إذا قورن بقوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [سورة هود: 12]، وموضع الشاهد:" وضائق به صدرك" .. فما هو الفرق بين استعمال" ضيق" في الآية الأولى، واستعمال" ضائق" في الآية الثانية؟
يعلق الأستاذ الجليل الدكتور محمد سعاد جلال على هذا الموضع بقوله:" إن" ضيق" صفة مشبّهة، تدل على ثبوت معناها في نفس القائمة به، واستعمالها في موضعها- هنا- موضع البلاغة؛ لأن المقصود هو الكشف عن الضيق الشديد المعربد في نفس من أضله الله بخذلان نفسه له، فانصرف عن الدخول في الإسلام منصرفا إلى عبادة الأصنام التي لا يجد منها ولاية ولا سكينة.
أما" ضائق" .. فهو صيغة اسم فاعل، يدل على قيام معناه بالموصوف به، من غير ثبات ولا استمرار، وهو موضع البلاغة في موضعه أيضا؛ لأن المقصود:
أن تضايق نفس النبي من عناد المشركين وكيدهم حال طارئة، لا تلبث أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
تعرض له- بحكم الطّبع البشري- حتى تزول عنه؛ لأن رغبته في إنجاز الرسالة وإبلاغ الدعوة أقوى باعثا في نفسه من كل شيء" (1).
هذه إشارة لما يدل عليه اختلاف الصيغ الوضعية الإفرادية من زيادة المعاني.
وأما أثر اختلاف صور الجملة، وما نشأ عنه من المعاني الثانوية- وهو اصطلاح الشاطبي كما سبق- التي هي مناط البلاغة وأساس الإعجاز اللغوي ..
فالقرآن مشحون من أوله لآخره بهذا العلم. من ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة البقرة: 3، 4]، ثم قال- وهو موضع الشاهد-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [سورة البقرة: 6] بغير عطف. ثم نقارن: نظم هذه الآية بآية سورة لقمان: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة لقمان: 5]، ثم قال- وهو موضع الشاهد-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [سورة لقمان: 6] معطوفة بالواو .. فما سر الفرق بين موضع عدم العطف بالواو في سورة البقرة، وبين ذكره في آية سورة لقمان؟
والجواب- كما قال الأستاذ المحقق الشيخ عبد الله دراز: إن المقصود في الأساس في سورة" البقرة" هو بيان حال الكتاب، تقريرا لكونه يقينا لا شك فيه، وفي ضمن هذا البيان ذكر اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال، بحيث لا يجدي فيهم الإنذار، ولا يستفيدون من الكتاب. فالآية تكميل لما قبلها، كأنها جزء منها، ولا--------------------------------------------
(1) مقدمة في علم أصول الفقه، ص 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
يحسن العطف بين أجزاء الشيء الواحد .. فكان مقتضى البلاغة ترك العطف في هذا الموضع. أما بالنسبة لآية سورة لقمان؛ فالمقصود منها مع سابقتها أن الناس على قسمين:" مهتد هاد" .. وهم الموصوفون بالهدى والفلاح، و" ضالّ مضلّ" .. وهم المشترون لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله. وبين القسمين- كما ترى- تضادّ ملحوظ .. فكانت صحة المناسبة أن يفصل بينهما بواو العطف (1).
ومن ذلك: الفرق بين قوله تعالى في سورة الشعراء: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [سورة الشعراء: 153، 154]، وبين الآية الأخرى من نفس السورة: قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [سورة الشعراء:
185، 186] .. فالآية الأولى بدون ذكر الواو" ما أنت"، والثانية بالواو" وما أنت" ..
فما الفرق؟
والجواب: أما حيث ذكر العطف؛ فالدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة، فكلّ منهما زعم مستقل، فيناسب هذا الإيراد؛ أعني إيراد العطف بين الأمرين. وأما في آية" ما أنت"؛ فذلك لأنهم اعتبروا التسحير هو وحده المنافي للرسالة، وأكدوه بالبشرية، ولا يصح العطف بين هذا وهذا (2).
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [سورة الأعراف: 201] فيسأل عن الفرق من الاستعمال بين: إيثار التذكر بصيغة الفعل الماضي" تذكروا"، والإتيان--------------------------------------------
(1) من تعليق الشيخ عبد الله دراز، بتصرف، ص 386.
(2) انظر تعليقه أيضا، 3/ 387.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ب" مبصرون" على مثال اسم الفاعل بدلا من الفعل المضارع" يبصرون"؟ وقد كان الاستعمال خليقا أن يجيء على مقتضى المشاكلة مع قوله" تذكروا" ..
والجواب: أن التّذكّر يحدث بعد مسّ الشيطان، ويتجدد بتجدد هذا المس، وذلك بخلاف الإبصار" بالحق" .. فإنه ثابت لهم، قائم بهم؛ لأن اسم الفاعل حقيقة فيمن قام به الفعل، وقد يغطيه مس الشيطان، فتجدّد التذكر يكشف لهم هذا الغطاء، ليتجلى لهم الحق- الذي عهدوه- قائما بنفوسهم. أي يفاجئهم قيام عمل البصيرة بهم دفعة .. بخلاف التذكر (1). فكأنما الإبصار بالحق مصباح كهربائي مضيء، قائم في قلوب المتقين، بينه وبين مس الشيطان حجاب من الغفلة. وكأنما التذكر أداة ترفع هذا الحجاب عنهم كلما حدث مسّ من الشيطان لهم، فينطلق عندئذ نور الإبصار بالحق دفعة على مس الشيطان فيمحوه دفعة.
ومنه قوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [سورة الأعراف: 131] .. فيقال: لماذا صدّر" الحسنة" بلفظ" إذا" وجاء بلفظها معرّفا، وقد صدّر" السيئة" بلفظة" إن" وجاء بلفظها منكرا؟
والجواب: أن الحسنات من: الخصب، والرخاء، والعافية هي العطاء الأكثر في العالم، وأن السيئات- وهي كما تطلق على المعاصي تطلق على المضارّ، كالجدب والشدة والمرض- هي الأمر الأقل- بالنسبة للحسنات- حدوثا في العالم. ولما كان لفظ" إذا" يدل على تحقق معنى المذكور بعده، ولفظ" أل" يدل--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، 3/ 387.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
على عموم المذكور بعده .. كما أن لفظ" إن" يدل على الشك في وجود المذكور بعده، وتنكير اللفظ يدل على التقليل من المعنى في بعض الوجوه؛ فقد بان لك وجه المناسبة في استحقاق الحسنة بلفظ" إذا"، وإدخال لفظ التعريف عليها في الاستعمال.
وهكذا تجد في القرآن فيضا من هذه الشواهد الفاحصة عن مدلولات الأساليب العربية وأسرارها، ومن ثمّ .. فكل معنى ينبني عليه فهم القرآن، ويرجع إلى المدلولات اللغوية الوضعية والمنازع البيانية والبلاغية، ويكون جاريا على وفق القواعد والشواهد العربية؛ فهو المعنى الظاهر الذي يعنيه الشاطبي وغيره ويعوّل من هذه الجهة عليه.
" أما المعنى الخفي؛ فيفسّر بأنه المعنى المراد لله من خطابه فيما يكون أبعد مرمى من مجرد دلالات الألفاظ على معانيها. وذلك بطريقين:
أحدهما: إعمال الذهن مع نفاذ البصيرة، ووفور الملكة اللغوية في فهم النص القرآني.
وثانيها: الاستعانة- إلى جانب ذلك- بالربط بين النصوص المتعلقة بالموضوع الواحد" (1).
ولنعرض في هذا الصدد واقعتين ذكرهما الشاطبي:
أولاهما: ما روي عن ابن عباس قال:" كان عمر رضي الله عنه يدخلني مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال له عبد الرحمن بن عوف:" أتدخله ولنا بنون مثله؟! ". فقال له عمر:" إنه من حيث تعلم"- أي إنه من حيث تعلم مكانته الكبيرة في العلم--------------------------------------------
(1) مقدمة في علم أصول الفقه، ص 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
يستحق ذلك- قال ابن عباس: ثم سألني عمر عن قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [سورة النصر: 1 - 3]. فقلت: إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه". فقال عمر:" والله .. ما أعلم منها إلا ما تعلم".
فالمعنى الظاهر من دلالة الألفاظ لهذه السورة لا يفيد إلا بيان نعمة الله على النبي صلى الله عليه وسلم بسوق الفتح والنصر له، ودخول الناس في دين الله أفواجا، وأمره بالتسبيح بحمد الله للشكر على هذه النعمة العظيمة.
أما المعنى الخفي؛ فهو الدلالة على اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن لقاءه بحيث يفترض أن ينتهي بانتهاء رسالته، وقد دلت السورة- بمعناها الخفي- على هذا الانتهاء.
ثانيتهما: أنه لما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [سورة المائدة: 3] فرح الصحابة، وبكى عمر رضي الله عنه وقال:" ما بعد الكمال إلا النقصان! " .. مستشعرا نعيه صلى الله عليه وسلم. وما عاش بعدها صلى الله عليه وسلم إلا واحدا وثمانين يوما.
فالمعنى الخفي الذي فطن إليه عمر، وابن عباس رضي الله عنهما إنما هو راجع إلى حدّة الذهن، ونفاذ البصيرة التي تلمح من المعاني ما يكون لازما للمعاني التي وضعت الألفاظ بإزائها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
ومن هذا يتبين أن المقصود ب" باطن" القرآن عند أهل الحق:" كل ما كان من المعاني راجعا إلى تحقق العبد بوصف العبودية، والإقرار لله بحق الربوبية؛ فذلك هو الباطن المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله" (1).
ويقول الشاطبي:" ومن زاغ ومال عن الصراط المستقيم .. فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما. وكل من أصاب الحق، وصادف الصواب .. فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه" (2).
الشاطبي يستنكر المنازع البعيدة عن مدلول لغة العرب ومقاصد الشرع:
قال الشاطبي:" كون الظاهر هو المفهوم العربي مجردا لا إشكال فيه؛ لأن الموالف والمخالف اتفقوا على أنه منزّل بلسان عربي مبين" (3).
" فإذن .. كل معنى مستنبط من القرآن، غير جار على اللسان العربي؛ فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك؛ فهو في دعواه مبطل" (4).
ثم قال:" وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر … ، ولكن يشترط فيه شرطان:
أحدهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية.--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 388.
(2) المرجع السابق، 3/ 390.
(3) المرجع السابق، 3/ 391.
(4) المرجع السابق، 3/ 391.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
ثانيهما: أن يكون له شاهد- نصّا أو ظاهرا- في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض".
ثم قال:" وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم أنه الباطن؛ لأنهما موفوران فيه، بخلاف ما فسّر به الباطنية؛ فإنه ليس من علم الباطن، كما أنه ليس من علم الظاهر" (1).
ومن أمثلة ذلك التفسير الباطني المردود عند أهل الحق- بل هو مردود لكل ذي عينين! - ما ذكره الشاطبي من ادعاء من لا خلاق له، من أنه مسمّى في القرآن كبيان بن سمعان (2)، حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران: 138]. إن هذا التأويل الفاسد يجعل الآية الكريمة قلقة في موضعها، منقطعة الصلة بما قبلها وما بعدها، فضلا عن أن الإشارة إليه إذن تكون قبل مولده بكذا وكذا من عشرات السنين، وأن خيار الأمة- رسولها وصحابته والتابعين جميعا- قاصرون عن فهم القرآن ومقصرون في عدم الدعوة إلى هذا الفاجر!
وكذلك يقال في ذلك الفاجر الآخر الذي تسمى ب" الكسف" (3)، وقال أتباعه أنه المراد بقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً [سورة الطور: 44] ..
فأي معنى للآية على هذا الزعم الفاسد؟! أيكون المعنى: وإن يروا رجلا ساقطا؛ يقولوا سحاب مركوم؟! تعالى الله عن ذلك.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، 3/ 394.
(2) بيان بن سمعان النهدي: من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وقال بألوهية علي. قتله خالد ابن عبد الله القسري، وأحرقه بالنار." لسان الميزان" 2/ 69.
(3) الكسف هو: أبو منصور الذي تنسب إليه فرقة" المنصورية".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)