Arabic source text

📘 উলুমুল কুরআন ইনদাশ শাত্বিবী মিন খিলালি কিতাবিহিল মুওয়াফাক্বাত (মুহাম্মাদ সালিম আবু আসি)

📘 علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه الموافقات (محمد سالم أبو عاصي)

📘 উলুমুল কুরআন ইনদাশ শাত্বিবী মিন খিলালি কিতাবিহিল মুওয়াফাক্বাত (মুহাম্মাদ সালিম আবু আসি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومن ذلك أيضا من فسّر" غوى" في قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [سورة طه: 121] بأن معناه: تخم من أكل الشجرة .. من قول العرب:
" غوي الفصيل، يغوى، غوى، فهو غو" إذا بشم من شرب اللبن! وهو فاسد؛ لأن" غوي الفصيل" على وزن" فعل"، والذي في القرآن على وزن" فعل" فمادة الفعلين مختلفة.
فإن قيل: ما اعتبره الشاطبي فاسدا من الممكن أن نجد له محملا سائغا في اللغة العربية، وذلك بأن يكون ما في القرآن على" فعل"- بفتح العين- هو عينه ما على" فعل"- بكسرها .. غاية الأمر أنه إذ ذاك يكون سيرا على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا، فيقول في بقي: بقى (وهم قبيلة طيء) .. ومما يرجح هذا أنه قد قرئ بهذا- أعني ما على" فعل" بكسر العين ولا معنى له إلا هذا- وتفسير قراءة بأخرى- إذا أمكن الجمع بينهما- مما لا ينكر رجحانه ..
إن قيل ذلك؛ فإنا نقول: إنه لا يعدل بالحرف من القرآن عن أفصح الأوجه إلى ما دونه في الفصاحة إلا حيث يتعذر الأخذ بذلك الأفصح .. دع عنك أن يترك الأفصح ويقال بالضعيف الذي لم يسلكه القرآن من أقصاه إلى أقصاه في أيّ من حروفه كما هنا! فمن أين لعاقل بتعذر الأفصح في هذا الحرف والظاهر المتبادر فيه كأبلغ ما يكون التبادر؟! فأما أمر هذه القراءة؛ فإنه إنما يؤخذ بمقتضى القراءة إذا تواترت. فأما إذا كانت من الشذوذ، بحيث لم يستجز العلماء القول بمقتضاها؛ فمن معرض عن ذكرها بالكلية، ومن طاعن عليها أعظم الطعن ..
فإنها إن لم تجلب ضررا؛ فلا تجدي نفعا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

قال أبو البقاء:" وقرئ شاذّا بالياء وكسر الواو، وهو من غوي الفصيل إذا بشم من اللبن .. وليست بشيء".
ولا بدع كذلك ألا يعبأ بها الزمخشري- رحمه الله حيث قال:" وهذا؛ يعني هذا الوجه، إن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا، تفسير ضعيف" (1).
وفسّر بعضهم قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [سورة الأعراف: 179] ب" ألقينا فيها"، مع أن المادة في الفعلين مختلفة .. ف" ذرا" غير مهموز، و" ذرأ" مهموز.
ومن ذلك ما فسّر به الباطنية قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [سورة النمل: 16] ..
قالوا: إنه" الإمام" .. ورث النّبيّ علمه.
وقالوا في الجنابة: إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق.
وفسروا الغسل: بتجديد العهد على من فعل ذلك.
والطّهور: بالتبري والتنظيف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام.
والتيمم: بالأخذ من المأذون إلى أن يشهد الداعي أو الإمام.
والصيام: بالإمساك عن كشف السر.
والكعبة: بالنبي.
والباب: بعليّ.
والصفا: بالنبي. والمروة: بعليّ.--------------------------------------------
(1) انظر: رسالة المحكم والمتشابه، لأستاذنا العلامة الدكتور إبراهيم خليفة، ص 193.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

وغير ذلك كثير مما هو مسطّر في كتاب" الموافقات" و" فضائح الباطنية" للإمام الغزالي.

‌‌تفاسير مشكلة مترددة بين الباطن الصحيح والفاسد:
تقرر سابقا أن المقصود ب" باطن القرآن" عند أهل الحق: ما كان من المعاني راجعا إلى تحقيق العبد لوصف العبودية، والإقرار لله بحق الربوبية.
وقد حاد أقوام عن هذا النهج، ففسّروا القرآن- كما زعموا- تفسيرا باطنا لا تتسع له قواعد اللغة، ولا أصول الشرع، وهو" التفسير الباطني" المردود عند أهل الحق وسبقت له أمثلة آنفا.
وهنا .. يسوق الشاطبي تفاسير مشكلة، يمكن أن تكون من قبيل الباطن الفاسد، أو من قبيل الباطن الصحيح.
" فمن ذلك: فواتح السور، نحو:" الم" و" المص" و" حم" .. ونحوها. فسّرت بأشياء: منها ما يظهر جريانه على مفهوم صحيح، ومنها ما ليس كذلك" (1).
وبداية، وقبل أن ننقل الأقوال التي ذكرها في تفسير الحروف المقطعة أوائل السور .. فإننا نقول: لم يختلف أحد من أهل الفقه بالقرآن في أن جميع الألفاظ التي يتهجّى بها- والتي منها الحروف المقطعة أوائل السور- أسماء، مسمّياتها الحروف التي ركّبت منها الكلم، بحيث إذا أطلق أيّ لفظ من هذه الألفاظ دون قرينة صارفة له عن مدلوله الأصلي لم يفهم منه غير ذلك المدلول. ثم إن المناسبة بين المعنى المتبادر الواضح لهذه الأسماء- الذي هو مسمياتها" حروف المعجم"- وبين المعاني التي تليها، بل بين القرآن عامة، هي أنه لمّا كانت هذه--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 396.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

المسمّيات عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها؛ افتتح الله تسعا وعشرين سورة من سور القرآن، تمثل عدد الحروف العربية كلها، بطائفة من أسماء الحروف .. تسجيلا لعجزهم، وإظهارا لتعنتهم في عدم إيمانهم. فإن الله عز وجل يقول لهم بلسان هذه الحروف:" إن هذا القرآن الذي عجزتم عن الإتيان بما يدانيه- فضلا عما يساويه- لم يأتكم بلغة غير لغتكم، وإنما أتاكم بنظم عربي اللّحمة والسّدى، لا تتركب كلماته إلا من نفس حروفكم العربية التي تنطقون بها، فعجزكم عن الإتيان بمثله وأنتم أساطين البيان ليس إلا لكونه صادرا عن قدرة إلهية،
هي- وحدها- القادرة على تركيب هذا النظم العجيب الذي لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه!
وهذا القدر لا خلاف فيه.
أما الاختلاف الكثير والمتشعب في كتب التفسير وعلوم القرآن؛ فليس اختلافا في أصل المعنى الوضعي لهذه الحروف المقطعة، وإنما هو خلاف في المعنى المراد منها في مستهل السور .. أهو ذلك المعنى الوضعي نفسه؟ أم أنها نقلت فوضعت، بإزاء معنى آخر هو مراد الله منها؟
ومن هنا .. تعددت الأقوال التي ذكرها الشاطبي وغيره.
من ذلك: ما نقل عن ابن عباس في الم (1):" الألف: الله، واللام:
جبريل، والميم: محمد صلى الله عليه وسلم". والمعنى: أن الله أنزل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم. قال

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

الشاطبي:" وهذا إن صح في النقل؛ فمشكل؛ لأن هذا النمط من التصرف لم يثبت في كلام العرب هكذا مطلقا" (1).
وتكلف بعض الناس؛ فجعلها دالة على مدة بقاء هذه الأمة. قال الشاطبي:" وهو قول يفتقر إلى إثبات أن العرب كانت تعهد في استعمالها الحروف المقطعة أن تدل بها على أعدادها، وربما لا يوجد مثل هذا لها البتة؛ وإنما كان أصله في اليهود" (2).
كما زعم البعض أنها دالة على أمور وأحوال الدنيا والآخرة، وأنها مجمل كلّ مفصّل، وعنصر كلّ موجود. وهذا القول محال على دعوى الكشف والاطلاع. ويعقب الشاطبي على ذلك بأن:" دعوى الكشف ليس بدليل في الشريعة على حال، كما أنه لا يعدّ دليلا في غيرها" (3).
وأظهر الأقوال عند الشاطبي في الأحرف المقطعة أنها أسرار لا يعلمها إلا الله.
قلت: زعمه أنها أسرار غير صحيح؛ إذ لا يجوز أن يكون في كتاب الله- بل في شرعه جميعا- ما لا يعرف مدلوله فلا يعقل إذن أن تكون هذه الحروف مما استأثر الله بعلم مدلوله- على ما طنطن به الكثيرون- فليست من المتشابه كما ذهب؛ إذ معناها- كما سبق- عين مسمياتها المعروفة؛ وأنها مسوقة لغرض التحدي، وأنها محكمة لاستعمالها فيما هي راجحة الدلالة عليه على ما هو التحقيق- كما ذكره الإمام الرازي- في أمر المحكم والمتشابه، من أن المحكم هو--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 396.
(2) المرجع السابق، 3/ 396، 397.
(3) الموافقات، 3/ 367.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

ما كان راجح الدلالة على معناه بنفسه .. احتمل مرجوحا" كالظاهر"، أو لم يحتمل" كالنص". وأن المتشابه ما ليس كذلك، أي ما كان غير راجح الدلالة بنفسه .. مرجوحا كان" كالمؤوّل"، أو مستوي الدلالة" كالمجمل" (1).
وكأني بك الآن قد علمت من مجرى الحديث عن هذه الحروف أن أقربها هو ما ذكرناه أولا؛ إذ الأصل في الألفاظ استعمالها فيما وضعت له، ولا يجوز أن تخرج عن هذا الأصل إلا إذا صرفت عنه أدلة أو قرائن معتبرة. على أنه ليس في لغة العرب شاهد قوي يؤيد هذه الأقوال التي
ذكرها الشاطبي وغيره، وليس في سياق القرآن قرينة تسندها. ولا تقولنّ إنها مروية عن السلف؛ إذ قد روي عنهم السكوت أيضا والتوقف، على أن من المقرر في أصول الحديث أنه لا تلازم بين السند والمتن .. فليس كل ما روي بسند صحيح؛ يكون صحيح الدلالة على معناه.
ولله درّ الأستاذ الجليل الدكتور محمد عبد الله دراز حيث يقول:" وإذا ثبت الاختلاف في المسألة عنه- أي ابن عباس- بل عن كلّ منهم؛ فقد أصبحت مسألة اجتهادية، وجب على الناظر أن يتخير أقواها مدركا، وأقربها إلى ذوق العربية" (2).--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير الكبير، 7/ 179: 182.
(2) حصاد قلم، د. محمد عبد الله دراز، ص 44.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

‌‌الفرق بين التأويل الباطني الفاسد والتفسير الإشاري:
التفسير الإشاري هو تأويل القرآن بغير ظاهره؛ لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والفيض ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد. وهذا هو عين مراد الشاطبي من" التفسير الباطني الصحيح" الذي سبق ذكره.
غير أن بعض الناس قد يخلط لدى النظرة العجلى بين التأويل الباطني الفاسد وبين ما اصطلح على تسميته بالتفسير الإشاري، مع ما بينهما من فرق نبّه عليه المحققون من أهل الفقه في كتاب الله.
يقول الشيخ الجليل محمد الخضر حسين:" إن" أصحاب الإشارات" غير من يسمونهم" الباطنية". فالباطنية يصرفون الآية عن معناها المنقول أو المعقول إلى ما يوافق بغيتهم، بدعوى أن هذا هو مراد الله دون ما سواه. وأما أصحاب الإشارات؛ فإنهم كما قال أبو بكر بن العربي في كتابه" العواصم والقواصم" جاءوا بألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها .. لكنهم زعموا أن وراءها معاني غامضة خفية وقعت الإشارة إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفكر، واعتبروا منها في سبيل الذكر.
فأصحاب الإشارات لا ينفون- كما ينفي الباطنية وأذنابهم- المعنى الذي يدل عليه اللفظ العربي من نحو الأحكام، والقصص، والمعجزات .. وإنما يقولون:
إنهم يستفيدون من وراء تلك المعاني، وعلى طريق الاعتبار، معاني فيها موعظة وذكرى.
وعلى ما بين مذهبهم ومذهب الباطنية من فرق واضح ترى في أهل العلم من نازعهم في إلصاق تلك المعاني بألفاظ القرآن، وقال: إن ما جاء في صريح القرآن والسنة من مواعظ وحكم يغني عن ارتكاب هذه الطرق البعيدة، التي هي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

في الأصل نزعة قوم شأنهم الصّدّ عن هدى الله، وتعطيل أحكام شريعته الغرّاء" (1).
وأيّا ما كان .. فإن الميزان المحكّم في تفسير القرآن الكريم يقتضي التزام قواعد اللغة العربية، وأصول الشريعة الإسلامية. فتفسير النص القرآني بما تتخيله الأوهام وسمادير الأحلام- بأي اسم كان- دون الانضباط بأصول اللغة والشريعة .. باطل من القول وزور.
ومن ثمّ .. فإننا سنحكّم هذا الميزان فيما نقله الشاطبي من تأويلات عن بعض أهل العلم؛ إذ القرآن الكريم ليس خاضعا لتأييد ما تصبو إليه الآراء والأهواء.
من ذلك .. ما نقل عن سهل بن عبد الله في قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [سورة البقرة: 22] .. أي أضدادا، وأكبر الأنداد: النفس الأمارة بالسوء. وكذلك تأويله قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [سورة البقرة: 35] بأنه لم يرد معنى الأكل حقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غير الله عز وجل.
فهذه المعاني الإشارية التي ذكرت في هاتين الآيتين صحيحة في ذاتها؛ إذ دلت عليها أدلة من القرآن والسنة. لكنّ الآية التي ذكر تحتها ذلك المعنى لا تدل عليه بظاهر لفظها.
وأما تأويله قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران:
96] بأن:" باطن البيت: قلب محمد صلى الله عليه وسلم .. يؤمن به من أثبت لله في قلبه التوحيد، واقتدى بهدايته" فقد قال عنه الشاطبي:" هذا التفسير يحتاج إلى بيان .. فإن--------------------------------------------
(1) بلاغة القرآن، محمد الخضر حسين، ص 131، 132.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

هذا المعنى لا تعرفه العرب، ولا فيه من جهتها وضع مجازيّ مناسب، ولا يلائمه مساق بحال" (1).
وكذلك ما نقل عنه في تفسير قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [سورة النساء: 36]. فقد فسّر" الجار ذا القربى" على أن المراد به: القلب، و" الجار الجنب": النفس الطبيعية، و" الصاحب بالجنب": العقل المقتدي بعمل الشرع، و" ابن السبيل": الجوارح المطيعة لله. وهذا طراز من التفسير الباطني الفاسد، المردود عند أهل الحق. قال الشاطبي:" وذلك لأن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ما هو الظاهر من أن المراد ب" الجار ذي القربى" وما ذكر معه ما يفهم منه ابتداء، وغير ذلك لا يعرفه العرب … " .. " وليس- أيضا- ثمّ دليل يدل على صحة هذا التفسير، لا من مساق الآية- بل إنه ينافيه- ولا من خارج- إذ لا دليل عليه كذلك-. بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت ردّه ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية" (2).
وقال في قوله: صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [سورة النمل: 44] الصرح: نفس الطبع. والممرّد: الهوى، إذا كان غالبا؛ ستر أنوار الهدى.
وحمل بعضهم قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [سورة البقرة: 114] على أن المساجد: القلوب .. تمنع بالمعاصي من ذكر الله.--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 401.
(2) الموافقات، 2/ 402.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

ونقل في قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [سورة طه: 12] أن باطن النعلين هو الكونان: الدنيا والآخرة. وذكر عن الشّبلي أن المعنى: اخلع الكلّ منك؛ تصل إلينا بالكلية.
ثم قال الشاطبي:" وهذا كله- إن صح نقله- خارج عما تفهمه العرب، ودعوى ما لا دليل عليه في مراد الله بكلامه" (1).--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 403.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

‌‌الأصل الثاني فيما يعوّل عليه من الشرع في علوم القرآن
‌‌(1) العلوم المضافة للقرآن
ذكر الشاطبي أن العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: قسم هو كالأداة لفهمه، واستخراج ما فيه من الفوائد، والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه. كعلوم" اللغة العربية" التي لا بدّ منها، و" علم القراءات"، و" الناسخ والمنسوخ"، و" قواعد أصول الفقه".
الثاني: قسم مأخوذ من جملته من حيث هو كلام، لا من حيث هو خطاب بأمر أو نهي أو غيرهما، بل من جهة ما هو هو. وذلك ما فيه من دلالة النبوة، وهو كونه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا المعنى ليس مأخوذا من تفاصيل القرآن، كما تؤخذ منه الأحكام الشرعية.
الثالث: قسم مأخوذ من عادة الله تعالى في إنزاله، وخطاب الخلق به، ومعاملته لهم بالرفق والحسنى، من جعله عربيّا يدخل تحت نيل أفهامهم- مع أنه المنزه القديم- وكونه تنزّل لهم بالتقريب والملاطفة، والتعليم في نفس المعاملة به، قبل النظر إلى ما حواه من المعارف والخيرات.
قال:" وهذا نظر خارج عما تضمنه القرآن من العلوم … ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية، والفوائد الفرعية، والمحاسن الأدبية … "، وذكر أمثلة يستعان بها في فهم المراد من كلامه، منها: عدم المؤاخذة قبل الإنذار .. قال:" ودل على ذلك إخباره تعالى عن نفسه بقوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [سورة الإسراء: 15]، فجزت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

عادته في خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكلّ جزاء مثله.
ومنها: كثرة مجيء النداء باسم الرّبّ المقتضي القيام بأمور العباد وإصلاحها، فكان العبد متعلقا بمن شأنه التربية والرفق والإحسان، قائلا: يا من هو المصلح لشئوننا على الإطلاق .. أتمّ لنا ذلك بكذا .. قال:" وإنما أتى" اللهم" في مواضع قليلة، ولمعان اقتضتها الأحوال".
قال:" ومنها: تقديم الوسيلة بين يدي الطلب، كقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الفاتحة: 5، 6].
الرابع: وهو الأخير، قسم هو المقصود الأول بالذكر، وهو الذي نبه عليه العلماء، وعرفوه مأخوذا من نصوص الكتاب- منطوقها ومفهومها- على حسب ما أدّاه اللسان العربي فيه.
قال:" وذلك أنه محتو من العلوم على ثلاثة أجناس هي المقصود الأول:
أحدها: معرفة المتوجّه إليه، وهو الله المعبود سبحانه.
الثاني: معرفة كيفية التوجه إليه.
الثالث: معرفة مآل العبد، ليخاف الله به ويرجوه".
قال:" وهذه الأجناس الثلاثة داخلة تحت جنس واحد هو المقصود، عبّر عنه قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات: 56] " (1).
لقد كان القسم الأول عنده في ذكر العلوم العربية التي لا بدّ منها، وهي من علوم القرآن، وقد وضعت في الأصل لخدمة هذا الكتاب الكريم- على ما سبق بيانه في الأصل الأول- و" علم القراءات"- وهو علم خاص بالقرآن الكريم …--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، 3/ 375: 380.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

و" علم أصول الفقه" من علوم القرآن أيضا؛ إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط. وقد عدّ الغزالي علم الأصول من جملة العلوم التي تتعلق بالقرآن وأحكامه.
وفي القسم الثاني إشارة إلى نوع من أنواع علوم القرآن، وهو" إعجازه"، وهو دليل على ثبوت التكليف، وبرهان على لزوم الأخذ بأدلة الأحكام التكليفية الفقهية. وهذا بناء على ثبوت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، المبني على ثبوت برهان معجزة القرآن (1).
وفي القسم الثالث ذكر أن القرآن احتوى من هذا النوع من الفوائد والمحاسن، التي تقتضيها القواعد الشرعية، على كثير يشهد بها شاهد الاعتبار، وتصححها نصوص الآيات والأخبار (2).
والمتأمل .. يجد أن الشاطبي أخرج هذه المعلومات عن النظر فيما تضمنه القرآن من العلوم (3)، ثم جعلها مما احتوى عليه القرآن الكريم (4).
ولا بدّ أن نقول هنا كلمة وجيزة، نضمّنها عصارة ما يقوله الشاطبي في مناط استفادة الأحكام من نوعي المعاني الأصلية والتبعية، والتي سبق ذكرها في الأصل الأول.
فيذهب الشيخ إلى أنه لا إشكال في صحة اعتبار جهة المعنى الأصلي في الدلالة على الأحكام بإطلاق، ولا يسع فيه خلاف بحال. ومثال ذلك:" صيغ--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، 3/ 53.
(2) المرجع السابق، 3/ 379.
(3) المرجع السابق، 3/ 377.
(4) المرجع السابق، 2/ 103.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

الأوامر والنواهي، والعمومات والخصوصات … وما أشبه ذلك" مجردا من القرائن الصارفة لها عن مقتضى الوضع الأول.
أما اعتبار المعنى التبعي؛ فهذا محل تردد، ولكل واحد من الطرفين وجه من النظر (1).
ثم عرض بعد ذلك أدلة المانعين دون المناقشة، ولكنه نقد أدلة القائلين باستفادة أحكام زائدة من المعاني الثواني (2).
ولا يعنيني- في هذا المقام- أن أبحث عن أقرب الاجتهادين إلى الصواب، إنما الذي يعنيني أن أبيّن كيف أخرج الشاطبي هذه المعلومات عن النظر فيما تضمنه القرآن ثم جعلها مما احتواه.
أما إخراجها .. فمعناه أنها ليست مما يدل عليه القرآن بالدلالة الأولية المعروفة عند الأصوليين، فلا نظر فيها في هذا المقام- مقام الدلالة بالوضع- إذ مهما قيل:
إنها مدلول عليها بالدلالة التبعية؛ فهي لا تؤخذ منها الأحكام عند الشاطبي.
وإن كانت منازعة الشاطبي على منع القول باستفادة أحكام زائدة من المعاني الثواني مدفوعة بواقع استنباط العلماء أحكاما شرعية مستقلة بدلالة المعاني التي هي من الجهة الثانية في دلالة النظم، كدلالة الإشارة، والفحوى، والإيماء، والاقتضاء.
ومدفوعة كذلك بما قرره هو نفسه من أنّ الأوامر والنواهي ضربان:--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، 2/ 95.
(2) المرجع السابق، 2/ 102.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

صريح، وغير صريح، وأن الصريح منهما إما أن يعتبر من حيث مجرده دون علة مصلحته، وإما على اعتبار علة مصلحته .. ثم قرر:" أن الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساو في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب، وما هو منها تحريم أو كراهة لا يعلم من النصوص، وإن علم منها بعض؛ فالأكثر منها غير معلوم. وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني، والنظر في المصالح، وفي أي مرتبة تقع، وبالاستقراء المعنوي، ولم نستند فيه لمجرد الصيغة، وإلا ..
يلزم في الأمر ألا يكون في الشريعة إلا على قسم واحد لا على أقسام متعددة. والنهي كذلك. بل نقول: كلام العرب على الإطلاق لا بدّ فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ، وإلّا .. صار ضحكة وهزأة! ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار، أو عظيم الرماد، أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط؟! فلو اعتبر اللفظ بمجرده؛ لم يكن له معنى معقول .. فما ظنك بكلام الله وكلام رسوله؟! " (1).
وأرى ما رآه الشاطبي من أن هذه الأمثلة السبعة: نداء العبد لله بحذف حرف النداء؛ لأنه للتنبيه، والله في غير حاجة إليه، ولقربه سبحانه من العبد- ونداء الله للعبد بحرف النداء لتنبيه الغافل، وإشعاره بالبعد- وإتيان القرآن بالكناية عما يستقبح التصريح به، كما كنّى عن الجماع ب" اللباس"- وأسلوب الالتفات- والأقرب في ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله- والأدب في المناظرة، كما في--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، 3/ 153.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سورة سبأ: 24]- والأدب في إجراء الأمور حسب العادات (1) ..
أقول: أرى ما رآه من أن هذه الأمثلة آداب شرعية، لا أحكام شرعية تندرج تحت الحلّ والحرمة.
أما الذي لا يسلّم له؛ فهو أن هذه الدلالة ليست من قبيل الدلالة الوضعية. اللهم إلا إن أراد بالوضع الوضع التحقيقي. أما إن أراد أنها ليست من قبيل الدلالة اللفظية من أي وجه؛ فذلك مدفوع؛ إذ إن ما ذكره من معان إنما هو من قبيل خصائص التراكيب ومستتبعاته (2).
وفي القسم الرابع: إشارة إلى المنطوق والمفهوم، وهذا من أنواع علوم القرآن بلا ريب.
وقبل أن ننفض أيدينا من هذا البحث نذكر عصارة ما قاله علماء القرآن في بيانه ..
قال السيوطي:" المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق. فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره؛ فالنص، نحو: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [سورة البقرة: 196] … ، أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا؛ فالظاهر، نحو فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [سورة البقرة: 173]، فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب، ونحو وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [سورة البقرة: 222]، فإنه يقال لانقطاع طهر، وللوضوء والغسل، وهو في الثاني أظهر.
فإن حمل على المرجوح لدليل؛ فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا،--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، 2/ 103، 107.
(2) سبل الاستنباط، ص 446.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [سورة الحديد: 4]، فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه من ذلك إلى حمله على القدرة والعلم أو على الحفظ والرعاية … ، وقد يكون مشتركا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز ويصلح عليهما جميعا، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ في معنييه أو لا، ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين: مرة أريد هذا، ومرة أريد هذا، ومن أمثلته وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [سورة البقرة: 282]، فإنه يحتمل: لا يضارّ الكاتب والشهيد صاحب الحق بجوز في الكتابة والشهادة، ولا يضارّ بالفتح، أي: لا يضرهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما وإجبارهما على الكتابة والشهادة …
والمفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق. وهو قسمان: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة.
فالأول: ما يوافق حكمه المنطوق. فإن كان أولى؛ سمي فحوى الخطاب، كدلالة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [سورة الإسراء: 23] على تحريم الضرب؛ لأنه أشد. وإن كان مساويا؛ سمي
لحن الخطاب، أي معناه، كدلالة إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [سورة النساء: 10] على تحريم الإحراق؛ لأنه مساو للأكل في الإتلاف. واختلف: هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية، مجازية أو حقيقة؟ …
والثاني: ما يخالف حكمه حكم المنطوق. وهو أنواع:
مفهوم صفة، نعتا كان أو حالا أو ظرفا أو عددا، نحو: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [سورة الحجرات: 6] مفهومه: أن غير الفاسق لا يجب التبيّن في خبره، فيجب قبول خبر الواحد العدل. وحال نحو: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ [سورة البقرة: 187]، الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [سورة البقرة: 197] أي: فلا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

يصح الإحرام به في غيرها، فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [سورة البقرة:
198] أي: فالذكر عند غيره ليس محصلا للمطلوب: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [سورة النور: 4] أي: لا أقل ولا أكثر.
وشرط نحو: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [سورة الطلاق: 6]، أي: فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن.
وغاية نحو: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [سورة البقرة: 230]، أي: فإذا نكحته تحل للأول بشرطه.
وحصر نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [سورة الصافات: 35]، إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ [سورة طه: 98] أي فغيره ليس بإله، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ [سورة الشورى: 9] أي: فغيره ليس بولي، لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [سورة آل عمران: 158] أي: لا إلى غيره، إِيَّاكَ نَعْبُدُ [سورة الفاتحة: 5] أي: لا غيرك.
واختلف في الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة. والأصح في الجملة أنها كلها حجة بشروط، منها: ألا يكون المذكور خرج للغالب، ومن ثم .. لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [سورة النساء: 23]؛ فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، فلا مفهوم له؛ لأنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن. وألا يكون موافقا للواقع، ومن ثم .. لا مفهوم لقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ [سورة المؤمنون: 117]، وقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران: 28] " (1).--------------------------------------------
(1) انظر: الإتقان، 3/ 104: 108.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

‌‌(2) المكي والمدني
المكي من آيات القرآن الكريم: ما نزل قبل الهجرة. والمدني: ما نزل بعدها.
وهذا أشهر أقوال ثلاثة ذكرها الزركشي في" برهانه".
ومن المعلوم أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها جاءت متدرجة في تشريع الأحكام. ثم إن سور القرآن الكريم وآياته تابعة في النزول لمراحل تدرج الشريعة في تكوينها، فكل مرحلة من هذه المراحل تقتضي صنفا معينا من بلاغ القرآن. وكل مرحلة من هذه المراحل تعدّ أصلا وأسّا للمرحلة التالية التي تنبني عليها، وعلى هذا المنوال كانت سور القرآن في التنزيل، حيث ينبني فهم لاحقها على فهم سابقها ..
وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" المدني من القرآن يفهم مرتّبا على المكي السابق في النزول عليه. وكذلك تفهم آيات المكي .. المتأخر منها يفهم مرتبا على المتقدم، وكذلك شأن الآيات المدنية بعضها مع بعض. والدليل على ذلك استقراء منهج القرآن، وذلك إنما يكون ببيان مجمل، أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله.
والشاهد المقرر لصحة هذا المعنى هو أن الشريعة كلها جاءت مبنية على الشرائع السابقة في الأصول، متممة لها في الفروع، مصلحة لما فسد من دين إبراهيم عليه السلام.
ويتلو ذلك في النظر أن سورة الأنعام- وهي سورة مكية- نزلت مبينة لقواعد العقائد، وأصول الدين، حتى قال المتكلمون: إنها تضمنت جميع العقائد من أول مبحث إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نزلت عليه سورة البقرة، مؤصّلة بسورة الأنعام، ومقررة لقواعد التقوى وأصولها. فبينما كانت سورة الأنعام المكية تقرر أصول التوحيد، والنبوة، والمعاد، ودلائلها .. كانت سورة البقرة تؤصل العبادات، وقواعد الإسلام، وتقرر أحكام المعاملات من البيوع والأنكحة، والعادات من أصل المأكول والمشروب وما أشبههما، وأحكام الديات والدماء وما يليها، وما زاد على ذلك من فروع التقوى من التكاليف مما جاء بعدها ولم يذكر فيها، فقد جاء مكملا لما جاء فيها مردودا إليه، مثلما كانت سورة الأنعام تأصيلا للعقائد، وما لم يذكر فيها من العقائد- وجاء بعد نزولها- اعتبر داخلا تحت أصولها … ، وكذلك نرى هذا المعنى متقررا بين كل سورة من المكي والمدني، والترتيب بين السور والآيات يشير إلى ابتناء اللاحق على السابق، والمتأخر على المتقدم.
فلا يغيبن على الناظر في الكتاب هذا المعنى، فإنه من أسرار علوم التفسير.
وللسنة في هذا الترتيب مدخل للحفظ؛ إذ هي مبينة للكتاب، فهي تابعة له في ترتيب نزوله (1).--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، 3/ 406: 408، ومقدمة التعريف بأصول الفقه والفقه، للدكتور محمد سعاد جلال، 48، 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)