ثم قال:" والجواب مذكور في الدليل الثاني، وهو السنة" .. وعصارته: أن القرآن دال على السنة حيث كان متضمنا لكلياتها في الجملة، وإن كانت بيانا له في التفصيل.
وبيان ذلك: أن امرأة من بني أسد أتت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقالت له:
بلغني أنك لعنت كذا وكذا .. وإنني قد قرأت ما بين اللوحين، فلم أجد الذي تقول!
فقال لها عبد الله: أما قرأتي قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ [سورة الحشر: 7]؟
قالت: بلى.
قال: فهو ذاك. إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها الشاطبي (1). ثم قال:
" وعلى هذا .. لا بدّ في كل مسألة يراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه أن يلتفت إلى أصلها في القرآن .. فإن وجدت منصوصا على عينها، أو ذكر نوعها، أو جنسها؛ فذاك. وإلا .. فمراتب النظر فيها متعددة" (2).--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات، 3/ 366، 4/ 24 وما بعدها.
(2) الموافقات، 3/ 375.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
(7) وقوع الحكايات في القرآن الكريم
قال الشاطبي:" كل حكاية وقعت في القرآن .. فإما أن يشتمل مع ذلك على التنبيه على كذب المحكي وبطلانه، أو لا يشتمل على ذلك، بل يظل ساكتا عن الحكم فيه بشيء. فإن كان الأول؛ فلا إشكال في بطلان ذلك المحكيّ وكذبه، وهذا لا يحتاج إلى برهان عليه. وإن كان الثاني؛ فإقرار القرآن له وسكوته عن التنبيه عليه بكذب، أو بطلان دليل على صدقه وصحته؛ لأن الله سمى القرآن فرقانا وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه" (1).
ولبيان هذين الأمرين نسوق لكل نوع طائفة من الأمثلة التي ذكرها الشاطبي.
أمثلة النوع الأول: المثال الأول: قال تعالى: إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام: 91]، وهو قول اليهود اعتراضا منهم على نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، فنبه الله على كذبهم بقوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ [سورة الأنعام: 91].
والمثال الثاني: قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 353، 354.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
[سورة الأنعام: 138]، ثم أعقب ذلك ردّا عليهم بقوله: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [سورة الأنعام: 139].
وبيان ذلك أن المشركين أفرزوا نصيبا من أموالهم من الزرع والأنعام فجعلوها حبسا محجورة، لا يتصرفون فيها لأنفسهم، ثم قسموها أقساما .. فمنها ما خصوا به خدّام أصنامهم، وفيها من الأنعام ما سيّبوه وامتنعوا عن ركوبه واستخدامه حسبة لأصنامهم، ومنها ما لا يذكرون اسم الله عليه عند ذبحه، بل يذكرون عليه اسم أصنامهم دونه، وكل ذلك جهالة وضلال وافتراء على الله ..
فلذلك رد الله عليهم شرعية صنيعهم، وسماه افتراء، وتوعدهم بالعذاب عليه.
المثال الثالث: قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ [سورة الأنعام:
136]، ثم عقب على هذا بقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
وبيان معنى القول الكريم أن المشركين أفرزوا من أموالهم مما خلق الله لهم من الزرع والأنعام نصيبا قسموه قسمين: قسما جعلوه في سبيل الله للضيفان والمساكين، وقسما جعلوه في خدمة أصنامهم .. فإذا فضل فضل من المال مما جعلوه لله؛ أضافوه لخدمة أصنامهم، وإذا فضل فضل من المال مما جعلوه لشركائهم؛ لم يضيفوه لما جعل
إحسانا في سبيل الله. ولا شك أن هذا العمل بهذه الصورة خطأ وباطل .. فنبه القرآن بعد حكايته على أنه من سوء الحكم وباطل المعتقد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
المثال الرابع: قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [سورة يس: 47] استهزاء بالمؤمنين وتعنيتا لهم .. فرد الله عليهم بقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سورة يس: 47].
واختلفت طريقة المشايخ في بيان كونهم بهذا القول في ضلال مبين .. فذهب الشاطبي إلى أن هذا القول منهم إنما كان حيدة عن سنن الجواب الصحيح.
فقد كان طريق الجواب الصحيح الامتثال أو عدم الامتثال، بقول" نعم" أو" لا" .. لكنهم عدلوا عن ذلك إلى الاحتجاج بالمشيئة الإلهية التي لا تعارض، فقالوا: لم يشأ الله أن يطعمهم؛ فلا قدرة لنا على إطعامهم! فانقلب هذا الاحتجاج عليهم: إذا احتججتم بالمشيئة الإلهية المطلقة التي لا تعارض؛ فكيف أقدمتم على معارضة مشيئته بالامتناع عما كلفكم به من إطعامهم؟ فهل هذا إلا التناقض المبين، وهو عين الضلال المبين؟ (1).
وذهب الإمام الرازي إلى أن المقصود من قولهم: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ أحد احتمالين ..
أحدهما: أن يكون إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم؛ كان يطعمهم .. فلا نقدر على إطعامهم؛ لأنه حينئذ من تحصيل الحاصل. وإن شاء عدم إطعامهم؛ فلا يقدر أحد على إطعامهم؛ فإطعامهم- المأمور به- غير مقدور لهم على كلّ من الفرضين .. فكيف يؤمرون بما لا تتسع له قدرتهم؟--------------------------------------------
(1) انظر: الموافقات وحاشية الشيخ دراز، 3/ 357.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
وثانيهما: أن يكون معنى كلامهم هو أن الله أراد تجويع هؤلاء بعدم إطعامهم .. فلو أطعمناهم؛ يكون سعيا في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز.
ثم أجاب بقوله:" إن هؤلاء المشركين نظروا بمقالتهم هذه إلى إرادة الأمر، ولم ينظروا إلى الأمر والطلب. وذلك أن السيد إذا أمر العبد بأمر لا ينبغي أن يكشف له سبب الأمر، والاطلاع على المقصود الذي أمر لأجله. مثاله: الملك إذا أراد الركوب للهجوم على عدو بحيث لا يطلع عليه أحد، وقال لعبده: أحضر المركوب .. فلو تطلع العبد، واستكشف المقصود الذي لأجله كان الركوب؛ لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه، وكشف سره. قال: فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر، لا تتّبع المراد. فالله إذا قال: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ [سورة يس: 47]؛ فلا يجوز لهم أن يقولوا: لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه؟ " (1).
يقول الأستاذ الجليل سعاد جلال:" والذي يظهر لنا من وراء ما يقول هؤلاء الأئمة في رد إشكال قول المشركين في هذه الآية أن نقول: ليس من الصحيح أن الله لم يشأ إطعام أولئك المساكين المطلوب إطعامهم. والمشركون غالطون في نسبة هذه الدعوى إلى الله. بل إن الله يشاء إطعامهم، بدليل قوله في آية أخرى وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [سورة هود: 6]، فأثبت بهذه الآية أنه ألزم نفسه برزق جميع أفراد الإنسان وكلّ من له حركة يدب بها على الأرض، ولم يزل- سبحانه- قيوما بهذا الالتزام، لكنه جعل رزق الفقراء والعاجزين مقتطعا من أموال الأغنياء. فملكية الأغنياء في أموالهم مكفوفة عما--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير، الفخر الرازي، ط. دار الكتب العلمية، 26/ 75، 76.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
جعله الله حقّا للفقراء في هذه الأموال، فمقدار هذا الحق غير مملوك لهم على الحقيقة. فحاجة الفقراء إلى الإطعام غير ناشئة عن عدم مشيئة الله إطعامهم لأنه- سبحانه- لم يشأ إطعامهم، بل هي ناشئة من حبس هؤلاء المشركين طعام الفقراء عنهم بغير حق. فاعتراض هؤلاء المشركين بوضع مسئولية حرمان الفقراء على مشيئة الله مردود عليهم، من حيث تقع مسئولية ذلك عليهم أنفسهم" (1).
أمثلة النوع الثاني: وأما النوع الثاني من حكايات القرآن (ونذكّر بأنه ما حكاه القرآن من الأحداث وسكت عن تفنيده، فكان مصادقة عليه .. بخلاف النوع الأول)؛ فأمثلته كثيرة ..
منها ما حكاه القرآن الكريم من شريعة بني إسرائيل وسكت عنه، كقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [سورة المائدة: 45].
ومنها قوله في حكاية قصة أهل الكهف: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [سورة الكهف: 22] .. ففي هذه الآية شاهد على النوع الأول، وشاهد على النوع الثاني.--------------------------------------------
(1) علم الفقه والأصول، ص 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وبيان ذلك أن حكاية كون الكلب رابع الجماعة أو سادسهم، نبه القرآن على أن ذلك رجما بالغيب .. فأفاد أنهم ليسوا خمسة ولا ستة؛ لأن الحكم إذا كان رجما بالغيب؛ كان
ظنّا، والظن لا يركن إليه.
وفي حكاية كون أصحاب الكهف سبعة ثامنهم كلبهم، سكت عن الاعتراض .. فأفاد أن عددهم سبعة أنفس. وقد عقب القرآن على ذكر الترديد في عددهم بقوله: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [سورة الكهف: 22]. قال ابن عباس:" أنا من القليل الذي يعلمهم".
قال الشاطبي:" وينضم إلى ذلك جميع ما يحكيه القرآن من أخبار الأنبياء الماضين والأولياء المتقدمين، كخبر الخضر مع موسى عليه السلام، ونبأ ذي القرنين" (1).--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 354.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
(8) التناسب بين بعض القرآن وبعض
إن الهدف الذي قصد إليه الشاطبي في هذه المسألة هو إبراز التناسب بين بعض القرآن وبعض، وذلك من خلال أن السورة القرآنية مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد مرتبط أوله بآخره، وآخره بأوله، ومن خلال تعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة، وأنه لا غنى لمستفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية.
وعدّ الشاطبي هذا ضابطا يعول عليه في فهم سور القرآن، وحذر من الإغراق في النظر في الآيات على أنها منفصلة تماما عن غيرها. فمن فعل هذا؛ فلن يحصل له إلا فهم الظواهر بحسب الوضع اللغوي فقط، لا بحسب مقصود المتكلم .. قال:" لا بدّ من ضابط يعول عليه في مأخذ الفهم. والقول في ذلك أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان. فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها .. فإن القضية وإن اشتملت على جمل؛ فبعضها متعلق بالبعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف. فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده. فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض، إلا في موطن واحد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية؛ رجع إلى نفس الكلام" (1).
ثم يقرر أن سور القرآن إما أن تكون نزلت في قضية واحدة- طالت أم قصرت- وإما أن تكون قد نزلت دفعة واحدة، أو على دفعات متعددة.
فيمكن النظر في كل قضية من هذه القضايا المتعددة من أجل تلمس العلم والفقه. ولكننا لا يمكننا إدراك وجه الإعجاز إلا بالنظر إليها باعتبار النظم، وبالنظر في أوّل الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات .. فسورة البقرة- مثلا- كلام واحد باعتبار النظم، واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها، منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب، ومنها ما هو كالمؤكّد والمتمّم، ومنها ما هو المقصود في الإنزال (وذلك- أي المقصود الأول في الإنزال- هو تقدير الأحكام على تفاصيل الأبواب)، ومنها الخواتيم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك (2).
ثم ضرب مثلا آخر مطوّلا بسورة" المؤمنون"، حيث نزلت في قضية واحدة، وإن اشتملت على قضايا متعددة، فهي سورة مكية، وغالب القرآن المكي يقرر ثلاثة معان (ترجع في حقيقتها إلى معنى واحد، هو" الدعوة إلى عبادة الله"):
أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق، ونفي الشركاء عنه.
والثاني: تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 413، 414.
(2) الموافقات، 3/ 414، 415.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
والثالث: إثبات البعث، وأنه حق لا ريب فيه.
فهذه هي المعاني الثلاثة التي عليها مدار القرآن المكي. أما بيان ذلك بالتفصيل في سورة المؤمنون؛ فيرى الشاطبي" أن المعاني الثلاثة موجودة فيها على أوضح الوجوه، إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة التي هي المدخل للمعنيين السابقين، وإنما أنكروا ذلك ترفعا منهم أن يرسل الله عز وجل إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم .. فجاءت السورة مبينة كمال البشرية، وكيف أنها تستحق الاصطفاء والرفعة، فافتتحت بثلاث جمل: بيان من أفلح من المؤمنين وصفاتهم، ثم انتقلت إلى بيان أصل الإنسان، ثم ذكرت نعم الله التي أعطاها للإنسان وسخرها له تكريما وتشريفا، ثم ذكرت قصص من تقدم من الأمم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم لكونهم بشرا. ففي قصة نوح مع قومه: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [سورة المؤمنون: 24]، ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم فقالوا: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ [سورة المؤمنون: 33]، وفي نفس السورة يخبرنا القرآن الكريم برد فرعون وملئه على موسى وأخيه هارون- عليهما السلام لما دعواهم إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، فكان جوابهم: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [سورة المؤمنون:
47].
وكل هذه القصص التي وردت في سورة المؤمنون هي تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعلم أنه ليس بدعا من الرسل، وأن طريقة التكذيب واحدة، وهي" الغض من رتبة النبوة بوصف البشرية" (1).--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 418.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وبعد هذا البيان الإجمالي لسورة المؤمنون يقول الشاطبي:" فسورة المؤمنون قصة واحدة في شيء واحد. وبالجملة .. فحيث ذكر قصص الأنبياء- عليهم السلام كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون، فإنما ذلك تسلية لمحمد- عليه الصلاة والسلام وتثبيت لفؤاده، لما كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة .. فتذكر القصة على النحو الذي يقع له مثله، وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف الأحوال، والجميع واقع لا إشكال في صحته. وعلى حذو ما تقدم من الأمثلة يحتذى في النظر في القرآن لمن أراد فهم القرآن" (1).
وصفوة القول أن الشاطبي يدعو إلى النظر في السورة القرآنية نظرة كلية عامة، وذلك .. بربط آخر الكلام بأوله، فكل سورة من سورة تمثل كما يقول الأستاذ الجليل الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله" وحدة متماسكة، تشدها خيوط خفية .. تجعل أولها تمهيدا لآخرها، وآخرها تصديقا لأولها، وتدور السورة كلها على محور ثابت" (2).
وبعد أن أثبت الشاطبي الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، وذكر لذلك ضابطا يعول عليه في فهم القرآن، وأن عدم الأخذ به يؤدي بالمفسر إلى الوقوف عند فقه الألفاظ والدلالات اللغوية ..
أقول: بعد أن أثبت ذلك، أثبت الوحدة الموضوعية في القرآن كلّه .. قال:
" للقرآن مأخذ في النظر على أن جميع سوره كلام واحد، بحسب خطاب--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 419.
(2) نحو تفسير موضوعي، ص 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
العباد .. لا بحسبه في نفسه" (1). ثم بين أن القرآن الكريم كلام واحد في نفسه، لا تعدد فيه (على ما هو مسلم به في علم الكلام). ولكن باعتبار خطاب العباد تنزلا لما هو من معهودهم فيه .. فيصح في الاعتبار أن يكون كلاما واحدا بالمعنى المتقدم، أي يتوقف فهم بعضه على بعض بوجه ما، وذلك أنه يبين بعضه بعضا، حتى إن كثيرا منه لا يفهم معناه حق الفهم إلا بتفسير موضع آخر أو سورة أخرى .. ولأن كل منصوص عليه فيه من أنواع الضروريات مقيد بالحاجيات فإذا كان كذلك؛ فبعضه متوقف على البعض في الفهم. فلا محالة أن ما هو كذلك؛ فكلام واحد. فالقرآن كله كلام واحد بهذا الاعتبار" (2).--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 420.
(2) نفس المرجع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
(9) التفسير بالرأي
بادئ ذي بدء .. فإن علماء القرآن منذ قديم اختلفوا في جواز التفسير بالرأي وامتناعه، وساق كل فريق أدلته على ما ذهب إليه. وقبل أن نذكر عبارة الشاطبي في هذا المقام نحرر أولا محل النزاع.
اتفق الكل من علماء القرآن والأصول على أن تفسير القرآن بالرأي المذموم ممتنع وحرام، بل كفر صريح إن تعمد صاحبه سوء القصد؛ لأنه تقوّل وافتراء على الله تعالى. وإنما الخلاف بين المختلفين: هل كل تفسير للقرآن بالرأي يعتبر مذموما، وإن بلغ صاحبه من حسن القصد ورسوخ القدم في الاجتهاد وعلو المرتبة في العلم ما بلغ .. أو أن بعض ذلك محمود وبعضه مذموم؟
وإلى هذين الملحظين أشار الشاطبي بقوله:" إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه، وجاء أيضا ما يقتضي إعماله" (1)، ثم بين أن الرأي الذي يجب إعماله هو" ما كان جاريا على موافقة كلام العرب، وموافقة الكتاب والسنة .. فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما" (2)، واستدل على ذلك بأمور تتجلى فيما يلي:
أحدها: أن الكتاب لا بدّ من القول فيه ببيان معنى، واستنباط حكم، وتفسير لفظ، وفهم مراد. ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم .. فإما أن يتوقّف دون--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 421.
(2) الموافقات، 3/ 421.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ذلك؛ فتعطل الأحكام كلها أو أكثرها .. وذلك غير ممكن. فلا بد من القول فيه بما يليق.
والثاني: أنه لو كان كذلك؛ للزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مبينا ذلك كلّه بالتوقيف، فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول. والمعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ..
فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه. بل بين منه ما لا يوصل إلى علمه إلا به، وترك كثير مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم. فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف.
الثالث: أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي هذا. فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح.
والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأن النظر في القرآن من جهتين: من جهة الأمور الشرعية .. فقد سلم القول بالتوقيف فيه، وترك الرأي والنظر جدلا.
ومن جهة المآخذ العربية .. وهذا لا يمكن فيه التوقيف، وإلا لزم ذلك في السلف الأولين. وهو باطل. فاللازم عنه مثله (1).
هذا .. وقول الشاطبي" ما يقتضي إعماله"، وقوله بعد ذلك" لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما"، دليل بين على أن الاجتهاد بالرأي في القرآن الكريم- اجتهادا قائما على العلم- أمر مفروض شرعا، لا جائز فحسب، وهذا ما تؤكده قولته من" استحالة الإهمال"، وهذا ما انتهى إليه المحققون من أئمة التفسير والأصول. وسنجتزئ باثنين من أعلامهم- رضوان الله عليهم- أحدهما الماوردي، وثانيهما الإمام الغزالي.--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 421، 442.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
قال الماوردي:" قد امتنع بعض المتحرجين أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبها شواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام، كما قال تعالى:
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [سورة النساء: 83] … ولو صح ما ذهبوا إليه؛ لم يعلم شيء من الاستنباط، ولما فهم الكثير من كتاب الله".
وأما حجة الإسلام الغزالي .. فمن أهم ما استند إليه، هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه لابن عباس- رضي الله عنهما بقوله:" اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل" .. وهذا هو الاجتهاد بالرأي بعينه. ثم عمل الصحابة. وقد صرح الإمام الغزالي برأيه هذا في كتابه" الإحياء" بقوله:" ولا ينبغي أن يفهم منه (أي من حديث" من فسر القرآن برأيه- أو بما لا يعلم- فليتبوأ مقعده من النار") أنه يجب ألا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر. فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة، وسبعة، ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي صلى الله عليه وسلم ..
فيكون ذلك مستنبطا بحسن الفهم، وطول الفكر، ولهذا دعا صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (1) " (2).
الرأي المذموم:
قال الشاطبي:" وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية، أو غير الجاري على الأدلة الشرعية؛ فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال، كما كان مذموما في القياس أيضا؛ لأنه تقوّل على الله بغير برهان .. فيرجع إلى الكذب--------------------------------------------
(1) رواه البخاري بنحوه، حديث رقم 140.
(2) إحياء علوم الدين، 1/ 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
على الله تعالى. وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء" .. ثم ذكر آثارا في ذلك، ثم قال في خاتمتها:" وقد نقل عن الأصمعي (وجلالته في معرفة كلام العرب معلومة) أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله، وإذا سئل عن ذلك لم يجب" (1).
ثم قال:" فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء ..
منها: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى .. إلا على بينة. فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات:
إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين، كالصحابة والتابعين ومن يليهم.
وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم. فنحن أولى بذلك إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم .. وهيهات!.
الثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبلغهم ولا داناهم. فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه.
الثالثة: من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض .. فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه؛ لأن الأصل عدم العلم .. فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين، فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه من هذا المجال. وربما تعدى أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين .. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل!.--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 422، 423.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
ومنها: أن من ترك النظر في القرآن، واعتمد في ذلك على من تقدمه، ودخل إليه النظر فيه .. غير ملوم، وله في ذلك سعة (إلا فيما لا بدّ له منه، وعلى حكم الضرورة). فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس كما هو مذكور في بابه، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن .. فإن المحظور فيهما واحد، وهو خوف التقول على الله. بل القول في القرآن أشد .. فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا، أو عنى كذا بكلامه المنزل … وهذا عظيم الخطر.
ومنها: أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم عليه أن ما يقوله تقصيد فيه للمتكلم. والقرآن كلام الله، فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام. فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد. وإلا .. فمجرد الاحتمال يكفي بأن يقول" يحتمل أن يكون المعنى كذا كذا"، بناء على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم. وإلا .. فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة. فعلى كل تقدير لا بدّ في كل قول يجزم به أو يحمّل من شاهد يشهد لأصله، وإلا .. كان باطلا، ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم" (1).
والآن .. وقد وصلنا إلى نهاية القول في التفسير بالرأي، فبوسعنا أن نعلم الحقائق التالية:--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 423، 424.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
أولا: على المفسر بالرأي أن يفعل ما يأتي:
(أ) مطابقة التفسير للمفسّر مطابقة تامة، بحيث لا يقع له نقص من معناه ومقاصده، ولا زيادة عليه بما ليس له به تعلق وثيق.
(ب) حمل الكلام على ما يتعين (أو يترجح على أقل تقدير) أنه المعنى المراد منه. حقيقيّا كان ذلك المعنى أو مجازيّا.
(ج) مراعاة سياق الكلام (سباقا ولحاقا)، بحيث تتآخى وتترابط أجزاؤه كافة، ويأخذ أوله بحجزة آخره. وفي ذلك .. لا بدّ من تجلية المناسبات بين الآيات، بل بين السور كذلك.
(د) تجلية سبب النزول، وعقد الصلة الوثيقة بينه وبين المنزل (على التفصيل الذي وضحه الزركشي في مسألة البدء به أو بالمناسبة).
(هـ) تحقيق القول أولا في بيان كل ما يتعلق بمفردات النظم الكريم، ثم الإتيان بعد ذلك على كل ما تحتاج إليه التراكيب من العلوم المختلفة ذات العلاقة الوثيقة بالنص، ثم الاستنباط في خاتمة المطاف على قوانين اللغة والشرع والعقل (1).
ثانيا: ما يجب على المفسر بالرأي اجتنابه:
(أ) التهجم على تفسير القرآن من غير أخذ الأهبة له بكافة ما يلزمه من الصفات والعلوم التي يجب توفرها في المفسر.--------------------------------------------
(1) الدخيل، لأستاذنا العلامة إبراهيم خليفة، ص 351، 352.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
(ب) الخوض في بيان ما استأثر الله بعلمه (1).
(ج) السير على وفق الهوى ومجرد الاستحسان من غير برهان. وفي ذلك .. عليه أن يكون متجردا لطلب الحق، براء من العصبية لعقيدة أو نحلة أو مذهب يعلم أن النص لا يوافقه (بحيث لا يستكره النص استكراها على شيء من ذلك).
(د) القطع بأن مراد الله من النص كذا من غير دليل يستوجب مثل هذا القطع.
(هـ) ادعاء التّكرر في القرآن، أو أن لفظا آخر يمكن أن يقوم مقام اللفظ المذكور في النص (2).--------------------------------------------
(1) لا يتعارض هذا مع ما ذكرناه سابقا من أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه (على ما ذهب إليه المحققون من. هل الفقه بالقرآن)؛ إذ المراد هنا من عدم الخوض فيما استأثر الله بعلمه ألّا يتزيّد أحد في تفسير القرآن في الأمور الغيبية إلا بالقدر الذي بينه الخبر الصحيح.
(2) الدخيل، ص 352، 353.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
(10) الشاطبي والتفسير العلمي للقرآن
من المعلوم لدى أهل الفقه بالقرآن أن المفسر إن لم يظفر بشيء من بيان ما يقصد إلى بيانه في القرآن ولا في السنة الثابتة، ولا في الصالح للحجية من أقوال الصحابة أو التابعين .. اجتهد الرأي بعد تحصيل العلوم اللازمة لاجتهاده، متوخّيا في ذلك المنطق اللغوي، بأن يقتصر على الظهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه. هذا هو الأصل. أو يستنبط معاني أخرى من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام ولا يجافيها الاستعمال اللغوي، ولا مقصد القرآن.
وتلك هي مستتبعات التراكيب على ما سبق بيانه.
أما أن يجلب مسائل علمية من علوم كونية أو إنسانية حديثة، لها مناسبة بمقصد الآية (إما على أن بعضها يومئ إليه معنى الآية ولو بتلويح ما، وإما على وجه التوفيق بين المعنى القرآني وبين مسائل تلك العلوم)؛ فإن العلماء في ذلك رأيين:
فمنهم من يرى بأن من الحسن التوفيق بين هذه العلوم الحديثة وآلاتها وبين المعاني القرآنية. قال ابن رشد الحفيد في كتابه" فصل المقال":" أجمع المسلمون على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل. والسبب في ورود الشرع بظاهر وباطن هو اختلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)