(3) المحكم والمتشابه
1 - إطلاقات المحكم والمتشابه:
قال الشاطبي:" يطلق المحكم بإطلاقين: عام، وسيأتي بيانه. وخاص، ويراد به خلاف المنسوخ، وهي عبارة علماء الناسخ والمنسوخ، سواء علينا أكان ذلك الحكم ناسخا أم لا، فيقولون: هذه الآية محكمة، وهذه الآية منسوخة" (1).
ويطلق المتشابه ويراد منه خصوص ما يرد من القصة الواحدة في سور شتى وفواصل مختلفة.
قال الزركشي:" ويكثر في إيراد القصص والأنباء. وحكمته: التصرف في الكلام، وإتيانه على ضرب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدا به ومتكررا" (2).
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى في قصة بني إسرائيل: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [سورة البقرة: 58، 59].
ويقول في القصة عينها في موضع آخر: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 85.
(2) البرهان، 1/ 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ [سورة الأعراف: 161، 162].
كما يطلق المتشابه- مقابلا للإطلاق الخاص عند الشاطبي- على المنسوخ. فهذا أحد إطلاقاته، وهو في غير القرآن.
أما في القرآن؛ فيطلق كل منهما بإطلاقين:
أحدهما: يطلق كلّ منهما وصفا لجميع القرآن، قال تعالى في بيانه الإلهي:
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود: 1]، وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [سورة الزمر: 23].
فكلّ من وصفي الإحكام والتشابه في هاتين الآيتين صفة مدح لجميع القرآن، لا دلالة في أحدهما على ما يضاد الآخر. فمعنى كون القرآن كله محكما- كما في قوله:
أُحْكِمَتْ آياتُهُ: الإتقان، والمنع من الفساد، وجعله تعالى آيات كتابه حكيمة.
وهذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها المفسرون كلها سائغة من حيث اللغة، ومن حيث صحة الإرادة كذلك. غير أن الوجه الثالث هو خيرها جميعا على ما حققه أستاذنا الجليل الدكتور إبراهيم خليفة، حيث يقول:" إن فعل" أحكمت" بمعنى جعلت حكيمة، بوصفه مطلقا عن القيد، تذهب النفس- الفاقهة لمقام إيراده وصف مدح لآيات الكتاب العزيز- في اجتلاء عظمة كنهه كلّ مذهب، فلا تلبث أن تصرفه إلى الفرد الكامل، وذلك يعني أن الآيات وضعت كل شيء في أحسن مواضعه السليمة اللائقة. ولا يتم هذا إلا إذا كان كلّ من نظمها ومعناها وغايتها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
موضوعا في أسلم المواضع وأحسنها بحيث تكون من بلاغة النظم وشرف المعنى وسموّ الغاية" (1).
وأما معنى كون القرآن كله متشابها؛ فإن من الجلي أن صوغ مادة التشابه به في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [سورة الزمر: 23]، على صورة التفاعل يقضي بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء كلها يشبه بعضها بعضا، على ما هو الكثير الغالب في صورة التفاعل.
وقد بين المفسرون الكمالات التي تتشابه فيه أبعاض الكتاب العزيز.
قال الزمخشري:" و" متشابها" مطلق في مشابهة بعضه بعضا. فكان متناولا لتشابه معانيه في الصحة، والإحكام، والبناء على الحق والصدق، ومنفعته الخلق، وتناسب ألفاظه، وتناسقها في التخير والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت" (2).
وبهذا يتبين أن كلا من الإحكام في آية هود والتشابه في آية الزمر نعت كمال للقرآن جميعا، وأنه ليس بينهما أدنى قدر من التضاد، بحيث يقتضي الاتصاف بأحدهما التجرد من الآخر. بل في اجتماعهما شاهد حقية القرآن وكماله، وآية: لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192).--------------------------------------------
(1) انظر: رسالة المحكم والمتشابه، د. إبراهيم خليفة، 1/ 3.
(2) انظر: الكشاف، 4/ 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
2 - تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه وتعريف كلّ منهما:
وهذا هو الإطلاق الثاني الذي وقع فيه النزاع بين علماء القرآن:
دلت آية هود- كما قلنا سابقا- على أن جميع القرآن محكم بالمعنى الذي ذكرناه آنفا. وآية الزمر أن جميعه متشابه بالمعنى الذي ذكرناه أيضا.
أما قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [سورة آل عمران: 7]؛ فإنها تدل على أن بعض القرآن محكم- أي إحكاما خاصّا لا تشابه فيه- وبعضه متشابه أي تشابها خاصّا لا إحكام فيه. ومن ثمّ .. كثر الخلاف بين علماء القرآن في شرح حقيقة كلّ منهما.
والمختار لدى المحققين ما ذهب إليه الإمام الرازي حيث قال:" ولا بدّ لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة، ثم تفسيرهما في عرف الشريعة" ..
ثم قال:" الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه، ونحن نذكر الوجه الملخّص الذي عليه أكثر المحققين، فنقول: اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى .. فإما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى، وإما ألّا يكون. فإذا كان موضوعا لمعنى، ولا يكون محتملا لغيره؛ فهذا هو النص. وأما إن كان محتملا لغيره؛ فلا يخلو .. إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر، وإما ألّا يكون كذلك .. فيكون احتماله لهما بالنسبة للراجح ظاهرا، وبالنسبة للمرجوح مؤولا. وأما إن كان احتماله لهما على السّويّة؛ كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملا.
فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصّا، أو ظاهرا، أو مؤوّلا، أو مشتركا، أو مجملا. أما النص والظاهر؛ فيشتركان في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
حصول الترجيح .. إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير. فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم. وأما المجمل والمؤول؛ فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه- المعنى- غير راجحة. وإن لم يكن راجحا، لكنه غير مرجوح؛ فهو المجمل. والمؤول، مع أنه غير راجح، فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد. فهذا القدر المشترك هو المسمّى بالمتشابه".
ثم قال:" .. فلا بد من قانون يرجع إليه في هذا الباب .. فنقول: اللفظ إذا كان محتملا معنيين، وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحا، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحا، ولم نحمله على المرجوح؛ لا بدّ فيه من دليل منفصل. وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيّا، وإما أن يكون عقليّا. أما القسم الأول؛ فنقول: هذا إنما يتم إذا حصل بين هذين الدليلين اللفظيين تعارض. وإذا وقع التعارض بينهما؛ فليس ترك ظاهر أحدهما- رعاية لظاهر الآخر- أولى من العكس …
فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال. وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذّر حمله على ظاهره، فعند هذا يتعين التأويل. فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلا" (1).
والخلاصة من كلام الإمام .. أن المحكم: ما كان راجح الدلالة على معناه بنفسه .. احتمل مرجوحا كالظاهر، أو لم يحتمل كالنص. وأن المتشابه: ما ليس--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير الكبير، ط. عبد الرحمن، 7/ 179: 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
كذلك، أي ما كان غير راجح الدلالة بنفسه. مرجوحا كان كالمؤوّل، أو مستوي الدلالة كالمجمل. وهو كلام سديد؛ لأن مدار الإحكام على ما يفهم من الآية نفسها إنما هو على الوضوح. وكذلك شأن النص والظاهر .. اللذين جعل المحكم هو القدر المشترك بينهما. وأن مدار التشابه به يدور على كون الكلام خفيّا يتبعه الزائغ ابتغاء الفتنة، وإنما يظفر الزائغ بها- الفتنة- في المجمل والمؤوّل ..
اللذين جعل التشابه هو القدر المشترك بينهما.
هذا ما نراه تحقيقا في أمر المحكم والمتشابه …
أما الشاطبي؛ فقد عرّف المحكم بمعناه العام أنه:" البيّن، الواضح الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره. والمتشابه: هو الذي لا يتبين المراد به من لفظه ..
كان مما يدرك مثله بالبحث والنظر، أم لا" (1).
ثم إننا لا نجد من سبيل إلى موافقة الشاطبي في إدراج الظاهر تحت معنى المتشابه، والمؤول تحت معنى المحكم؛ إذ إن الظاهر راجح بنفسه في معناه عند عدم القرينة الصارفة عنه، قضاء بما علم من كون العدول عن المعنى الظاهر من غير دليل عبثا، وقضاء بتعريف الشاطبي نفسه للمحكم. وبناء على ذلك .. فإننا نرى- كما قرر الإمام الرازي- إدراج الظاهر تحت المحكم لا تحت المتشابه.
وقلنا بتشابه المؤول لا بإحكامه- كما يدعي الشاطبي- حتى مع الموجب؛ لبقاء تشابهه ببقاء دلالته على الأصل المتروك، وخفاء موجبه، دع عنك ما عرفته من تأتّي حصوله في النفس مع الذهول .. بل الجهل التام بهذا الموجب.--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
اللهم إلا ما استثني من المؤول بأنه لا تشابه فيه، وذلك بسبب معلومية المراد منه بالضرورة، لا بسبب مجرد إيجاب الموجب لمعناه المرجوح.
3 - التشابه في الأدلة قليل:
المتشابه المقابل للمحكم بعض القرآن كمقابله، وهو على بعضيته قليل في القرآن الكريم.
أما أنه بعض القرآن؛ فلقوله تعالى: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [سورة آل عمران: 7] معطوفا على قوله: آياتٌ مُحْكَماتٌ [سورة آل عمران: 7] المخبر عنه، أو المعنون له بكونه من الكتاب- أي بعضه- فلا بد أن يكون مثله في حكم البعضية ..
قضاء بما يوجبه العطف من التشريك في الحكم.
وأما أنه قليل في القرآن؛ فلأمور:
أحدها: وصف الله الآيات المحكمات بكونها" أمّ الكتاب"، فإن" الأم"- هنا- معناه: المعظم، قال الشاطبي:" فقوله في المحكمات: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ [سورة آل عمران: 7] يدل على أنها المعظم والجمهور. و" أمّ الشيء" معظمه وعامته، كما قالوا:" أمّ الطريق" بمعنى معظمه، و" أم الدماغ" بمعنى الجلدة الحاوية له الجامعة لأجزائه ونواحيه" (1).
وما قاله الشاطبي في تفسير" الأم" هو المقرر كذلك في لغة العرب .. ففي" اللسان": و" أمّ الطريق" معظمه، إذا كان طريقا عظيما وحوله طرق صغار.
فالأعظم: أمّ الطريق. فإذا كانت المحكمات معظم القرآن؛ فالمتشابهات- لا ريب- أقله (2).--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 86.
(2) انظر: الإحسان، د. إبراهيم خليفة، ص 276.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
الثاني: أن المتشابه لو كان كثيرا؛ لكان الالتباس والإشكال كثيرا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى، وكيف .. وقد سماه الله كذلك فقال:
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [سورة آل عمران: 138]، وقال تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: 2]، وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل: 44]؟! وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس.
والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة، لا بيان وهدى .. لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى؛ فدل على أنه ليس بكثير.
ثم يقول الشاطبي- بعد أن ساق هذا الدليل:" ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابها؛ لم يصح القول به" (1).
وأما ثالث الأمور القاضية بقلة المتشابه في القرآن الكريم؛ فالاستقراء ..
وذلك أن المجتهد العارف بكلام العرب وعاداتهم، الواقف على المقامات والوقائع التي أنزلت فيهما، إذا تأمل في هذا الكتاب الكريم؛ وجد الغالب من مفرداته وتراكيبه من الوضوح بحيث لا يخفى على عامة المتدبرين.
فإن قيل: كيف تزعم أن الالتباس والإشكال في القرآن قليل، وما أكثر ما يختلف مفسروه- على تعدد مشاربهم- في معاني مفرداته وتراكيبه؟! ألم تر إلى المعربين، والمتكلمين، والفقهاء .. كم يختلفون فيه؟! وكم فيه من عام يحتاج إلى مخصّص، ومطلق يحتاج إلى مقيّد، ومجمل يحتاج إلى مبيّن، وظاهر يحتاج إلى تأويل! فإذا ثبت أن فيه كل هذا الالتباس؛ فهل مثاره إلا التشابه الذي يحول--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
دون الفهم، ويوقع في الإشكال؟! فكيف تزعم- بعد ذلك- أن المتشابه في القرآن قليل؟!
وأجيب: بأن معظم ما قيل مما أشير إليه من الاختلاف لا يدل على الالتباس المفضي إلى التشابه في الواقع ونفس الأمر؛ وذلك لأن كثيرا من هذه الاختلافات يرجع إلى إيراد طائفة من الأوجه هي كثير بحسب الصناعة، واحد بحسب لبّ المعنى .. ولا ريب أنه ليس في مثل ذلك تشابه ولا التباس.
ومنها ما يرجع إلى التقصير في إجراء القرآن على أحسن ما يقضي به اللسان العربي المبين، من الذهاب في تأويل الكلمة أو الجملة إلى وجه شاذ أو ضعيف في منطق العرب الخلّص، أو عدم مراعاة مقامات الخطاب بالآيات، أو عدم العناية بتناسق التراكيب، وأخذ بعضها بحجزة بعض.
ومنها ما يرجع إلى تقصير المرء في تطلب ما يدفع إشكاله، من نحو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو بيان مجمل .. وغير ذلك. ولو عني بتطلب ذلك؛ لتيسر له الظفر به من الكتاب أو السنة، أو دليل الحس أو العقل.
ومنها ما يرجع إلى قصر القرآن في التأويل على قوانين علوم ومذاهب مستحدثة ما أنزل عليها، ولا كان نزوله من أجلها.
وكل هذه الأنواع من الاختلاف ليست من المتشابه في واقع الأمر، فإنه لو زايل التقصير أولئك، والتّنطّع هؤلاء؛ ما اختلفوا فيه، ولا التبس عليهم .. فالتشابه في عقولهم وأفهامهم، لا في القرآن المجيد!
وقد سمّى الشاطبي هذا النوع من التشابه ب" التشابه الإضافي".
وإنما المتشابه بحق مما اختلفوا فيه: ما كان معناه في غاية الالتباس والغموض بحيث يشكل، ولا يقدر على درك تأويله وإدحاض شبهة الزائغين فيه من خلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
الله إلا الراسخون في العلم. ولا ريب أن ذلك- مما اختلفوا فيه- قليل لا كثير (1).
4 - لا يدخل التشابه قواعد الشرع الكلية:
لا يدخل التشابه بالمعنى الذي قررناه في قواعد الشرع الكلية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية، كربوبيته تعالى، وتنزهه عن النقائص، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه إلى خلقه، وحقية ما أخبر به من اليوم الآخر، وكون هذه الشريعة الإسلامية الغراء حقّا من عند الله تعالى.
هذه الأصول الكلية وما إليها لا إجمال فيها ولا خفاء، كما هي خصيصة المتشابه. وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" التشابه لا يقع في القواعد الكلية، وإنما يقع في الفروع الجزئية. والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: الاستقراء أن الأمر كذلك.
والثاني: أن الأصول لو دخلها التشابه؛ لكان أكثر الشريعة من المتشابه.
وهذا باطل. وبيان ذلك: أن الفرع مبني على أصله .. يصح بصحته، ويفسد بفساده، ويتضح بإيضاحه، ويخفى بخفائه. وعلى الجملة .. فكل وصف في الأصل مثبت في الفرع؛ إذ كل فرع فيه ما في الأصل. وذلك يقتضي أن الفروع المبنية على الأصول المتشابهة متشابهة. ومعلوم أن الأصول منوط- مرتبط- بعضها ببعض في التفريع عليها، فلو وقع في أصل من الأصول اشتباه؛ لزم سريانه في جميعها، فلا يكون المحكم أمّ الكتاب. لكن ثبت أنه كذلك؛ فدل على أن المتشابه لا--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 87 وما بعدها، ورسالة المحكم والمتشابه، ص 84، 85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
يكون في شيء من الأصول- وهي القواعد الكلية- .. سواء في ذلك ما كان في أصول الأعمال، أو أصول الاعتقادات.
فإن قيل: فقد وقع في الأصول أيضا .. فإن أكثر الزائغين عن الحق إنما زاغوا في الأصول لا في الفروع! ولو كان زيغهم في الفروع؛ لكان الأمر أسهل عليهم ..
فالجواب: أن المراد ب" الأصول" هو القواعد الكلية .. كانت في أصول الدين، أو في أصول الفقه، أو في غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية.
وعند ذلك لا نسلّم أن التشابه وقع فيها البتة، وإنما في فروعها. فالآيات الموهمة للتشبيه؛ والأحاديث التي جاءت مثلها، فروع عن أصل التنزيه، الذي هو قاعدة من قواعد العلم الإلهي" ..
ثم قال: .. " فإذا اعتبر هذا المعنى؛ لم يوجد التشابه في قاعدة كلية، ولا في أصل عام. اللهم إلا أن يؤخذ التشابه على أنه الإضافي .. فعند ذلك [لا] (1) فرق بين الأصول والفروع في ذلك. ومن تلك الجهة حصل في العقائد الزيغ والضلال. وليس هو المقصود هنا إنما المقصود بنفيه عن الأصول هو التشابه الحقيقي، ولا هو مقصود وصريح اللفظ .. وإن كان مقصودا بالمعنى؛ لأنه تعالى--------------------------------------------
(1) علّق المحقق الشيخ عبد الله دراز هنا بأن: المقصود أنك إذا أخذت هنا التشابه بالمعنى الإضافي لم يكن ثمة فرق بين الأصول والفروع. وعلى هذا الفهم يكون قد سقط من عبارة" الموافقات" حرف" لا"، وأصل الكلام:" فعند ذلك لا فرق بين الأصول … ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
قال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، فأثبت فيه متشابهات. وما هو راجع لغلط الناظر لا ينسب إلى الكتاب حقيقة، وإن نسب إليه؛ فبالمجاز" (1).
5 - تأويل المتشابه:
المتشابهات تجمع ألوانا مختلفة، وذلك بناء على التعريفات المختلفة لكلّ من المحكم والمتشابه. ونزيدك هنا إيضاحا وتمثيلا أن من بينهما لونين كثر الكلام فيهما ..
أولهما: فواتح السور، وقد اختار الشاطبي أنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وقد أفضنا القول فيها بمبحث الظاهر والباطن في القرآن الكريم، مرجّحين أنها مما يعلم ويفسر، وذلك بناء على ما اخترناه من أن المحكم ما كانت دلالته راجحة، وهو النص والظاهر والمتشابه ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل والمؤول، وعلى هذا يؤول المتشابه على ما ترتضيه قوانين اللغة من المعاني كي يخرج من الخفاء إلى الوضوح.
وثانيهما: متشابه الصفات. وحاصل خلاف المختلفين في هذا النموذج على الجملة أنهم بعد الاتفاق على صرف ما جاء من تلك الألفاظ عن ظاهرها المستحيل الموهم للنقص، المتمثل في قيام الحوادث وصفات الجوارح به تعالى إلا ما كان من دعوى ابن تيمية وابن القيم ومن لفّ لفّهما من كون الظاهر في هذه الألفاظ غير مستحيل لكونه ليس صفات الجوارح، بل ظاهر كل شيء بحسبه اللائق به ..--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 97، 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
أقول: بعد صرفهم الألفاظ الموهمة عن ظاهرها الموهم للنقص، اختلفوا ما بين مفوّض المعنى المراد إليه تعالى- وهم من يسمون ب" المفوّضة"، أو أهل التفويض، وبين باذل جهده في التعرف على المعنى المراد، مستعينا باللغة والسياق ويسمى هذا الفريق" المؤولة"، أو أهل التأويل.
ومن الفريق الأول الشاطبي. غير أنه قسم المتشابه إلى: حقيقي وإضافي، وأراد من الحقيقي: ما لا سبيل إلى فهم المراد منه، وأراد من الإضافي: ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر .. قال:" فإذا تقصّى المجتهد أدلة الشريعة؛ وجد فيها ما يبين معناه. والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّا، وبالمعنى الإضافي كثير" (1).
ثم حكى المذهبين السابقين فقال:" وتسليط التأويل على المتشابه الحقيقي لا يلزم؛ إذ قد تبين أنه لا يتعلق به تكليف سوى مجرد الإيمان به؛ لأنه لم يقع بيانه بالقرآن الصريح، أو بالحديث الصحيح، أو الإجماع القاطع. فالكلام في مراد الله من غير هذه الوجوه تسوّر، على ما لا يعلم وهو غير جائز. وأيضا .. فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المقتدين بهم لم يعرضوا لهذه الأشياء ولا تكلموا فيها بما تقتضي تعيين تأويل من غير دليل .. وهم الأسوة والقدوة، والآية تشير إلى ذلك" .. وهي فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، ثم قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
وذهب جماعة من متأخري الأمة إلى تسليط التأويل عليها رجوعا إلى ما يفهم من اتساع العرب في كلامها، من جهة الكناية والاستعارة والتمثيل وغيرها من أنواع الاتساع، تأنيسا للطالبين، وبناء على استبعاد الخطاب بما لا يفهم، مع إمكان الوقوف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وهو أحد القولين للمفسرين.
وهي على كلّ مسألة اجتهادية، لكن الصواب من ذلك ما كان عليه السلف" (1).
والتحقيق أنه لا خلاف في الحقيقة وواقع الأمر بين الطريقتين: طريقة التفويض وطريقة التأويل.
فطريقة التفويض التي ثبتت فيها آثار عديدة عن السلف- رضوان الله عليهم- لا تقتضي بحال أن أهلها كانوا يرون رجحان التفويض بإطلاق على التأويل، ولا أنهم كانوا يجهلون المعاني التي ينبغي أن تحمل عليها هذه الظواهر بعد الصرف عن ظواهرها، ولا أنهم كانوا لا يرون صحة طريقة التأويل مطلقا.
كيف .. وهم الراسخون في العلم؟! بل كيف .. وقد سمعوا الله ورسوله أنفسهما يؤوّلان؟! على ما أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم .. مرضت فلم تعدني. قال: يا ربّ .. كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟! قال: أما علمت أنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده؟! أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده؟! يا ابن آدم ..
استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا ربّ .. كيف أطعمك وأنت ربّ العالمين؟!--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، 3/ 98، 99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
قال: أما علمت أنّه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟! أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم .. استسقيتك فلم تسقني. قال: يا ربّ .. كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه .. أما إنّك لو سقيته؛ وجدت ذلك عندي!» (1) .. حيث وقع التأويل في النسبة الإسنادية كما هو ظاهر (مرضت، استطعمتك، استسقيتك) بالإسناد إلى العبد، كما وقع في النسبة الإيقاعية" تعدني، تطعمني، تسقني" بالإيقاع على ضمير العبد. وحاصل هذا وذاك أن المراد هو المجاز، وليس الحقيقة حسبما فهم ابن آدم فأخطأ في فهمه.
فكيف يستنكفون بعد هذا عما لم يستنكف عنه الله ورسوله؟! بل كيف وقد ثبت عنهم التأويل التفصيلي في غير ما موضع، كالذي جاء في" دفع شبه التشبيه" لابن الجوزي بسند صحيح- كما ذكر- عن الإمام أحمد من تأويل المجيء في قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ [سورة الفجر: 22]، والإتيان في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [سورة البقرة: 210]، من أن المراد إتيان أمره، على ما في الآية الأخرى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [سورة الأنعام: 158]. كما أجمعوا كلهم على تأويل قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة: 115]، وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [سورة ق: 16] .. إلى غير ذلك من آي الذكر الحكيم. كما ثبت عن الإمام مالك والأوزاعي تأويل النزول في حديثه- على ما بين النووي في شرح هذا الحديث من صحيح مسلم- وإجماعهم كذلك على تأويل الأحاديث--------------------------------------------
(1) انظر: صحيح مسلم، كتاب البر، باب عيادة المريض، حديث رقم 4661.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
الثلاثة المشهورة «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن»، «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن».
وإنما الوجه في نكولهم في أكثر الأحيان عن التأويل أنهم كانوا يسدّون بابا يخشون أن يلج منه على قلوب العامة أهل الزيغ والضلالة. فأما بعد إذ فتح ذلك الباب على
مصراعيه وماضت شبهات المجسّمة والجاحدين على ما لا يحل من الظاهر في قلوب كثير من الدهماء؛ فإنه لم يبق معدل لعاقل يجل الله ورسوله ويرحم عباده أن يرتكسوا في حمأة الضلالة فيه ..
نقول: لم يبق معدل لمثل هذا العاقل عن مكايدة الزائغين بتأويل ما تشبثوا به من هذه الظواهر. فلعمر الحق لقد علم ذو نصفة وبصيرة أنه لا يفلّ حد الزائغ ويجتث شبهته من جذورها أعظم من بيان التأويل لما يشكك به! ولو قدّر أن الأكابر ممن أثرت عنهم هذه الآثار في التفويض قد ابتلوا بما ابتلي به المؤولة من سورة شبهات التجسيم والتشبيه؛ لكانوا أحفى خلق الله بالتأويل وأسبقهم إليه! ألم تر إلى هذا الفحل من أعلام علماء السنة- رواية ودراية- أبي سليمان الخطابي .. كيف يقول في حديث وضعه تعالى قدمه أو رجله في النار:" فيشبه أن يكون من ذكر القدم والرجل أو ترك الإضافة، إنما تركها تهيّبا لها طالبا للسلامة من خطأ التأويل فيها. وكان أبو عبيدة- وهو أحد أئمة أهل العلم- يقول:
" نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني". قال أبو سليمان:" ونحن أحرى بألّا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر علما وأقدم زمانا وسنّا، ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: منكر لما يروى من نوع هذه الأحاديث رأسا، ومكذب به أصلا! وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث وهم أئمة الدين، ونقلة السنن، والواسطة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. والطائفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الأخرى مسلّمة للرواية فيها، ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبا يكاد يفضي بهم إلى القول بالتشبيه. ونحن نرغب عن الأمرين معا، ولا نرضى بواحد منهما مذهبا، فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث- إذا صحت من طريق النقل والسند- تأويلا يخرّج على معاني أصول الدين ومذاهب العلماء، ولا تبطل الرواية فيها أصلا إذا كانت طرقها مرضيّة ونقلتها عدولا. قال أبو سليمان:
ذكر القدم هنا يحتمل أن يكون المراد به قدّمهم الله للنار من أهلها، فيقع بهم استيفاء عدد أهل النار، وكل شيء قدمته فهو قدم، كما قيل لما هدّمته: هدم، ولما قبضته: قبض، ومن هذا قوله عز وجل: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [سورة يونس:
2]، أي ما قدموه من الأعمال الصالحة، ويؤيده قوله في الحديث: «وأما الجنة؛ فإن الله ينشئ لها خلقا» .. فاتفق المعنيان: أن كل واحدة من الجنة والنار تمدّ بزيادة عدد يستوفى بها عدة أهلها، فتمتلئ عند ذلك" (1).
وقال الحافظ ابن حجر:" أكثر السلف- لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم- يفوضون علمها إلى الله تعالى، مع تنزيهه- سبحانه وتعالى عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته. وأكثر الخلف يؤولونها، بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس؛ لاضطرارهم إلى ذلك، لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم، ومن ثمّ .. قال إمام الحرمين: لو بقي الناس على ما كانوا عليه؛ لم نؤمر بالاشتغال بعلم الكلام، وأما الآن؛ فقد كثرت البدع، فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم" .. إلى أن قال:" والحاصل أن السلف والخلف مؤولون؛ لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره. ولكن تأويل السلف إجمالي؛--------------------------------------------
(1) معالم السنن، الخطّابي، 5/ 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلف تفصيلي؛ لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين" (1).
6 - شروط التأويل (صحة المعنى .. وقبول اللفظ):
من المعلوم لدى الأصوليين واللغويين كذلك أن ما يخضع لاحتمال التأويل من حيث المبدأ هو" الظاهر". أي أن" النص" لا يخضع لاحتماله، وهذا هو معنى كونه نصّا.
ثم إن علماء الأصول أطبقوا على أنه لا يعدل عن الظاهر من اللفظ إلى التأويل إلا حيث يستحيل ذلك الظاهر. ومن ثمّ .. فإن المعنى الظاهر يجب صرفه في الأصل إلى ظاهره دون أي تأويل، إلّا أن يتوافر شرطان اثنان- ذكرهما الشاطبي- فيسوغ التأويل عندئذ.
وأول هذين الشرطين: أن يكون وضع اللفظ قابلا له لغة بوجه من وجوه الدلالة- حقيقة أو مجازا أو كناية- جاريا في ذلك على سنن العربية.
أي بأن يكون بين اللفظ والمعنى الذي يراد تأويله به ارتباط من الوضع اللغوي، أو عرف الاستعمال، أو عادة صاحب الشرع.
وثاني هذين الشرطين: صحة المعنى في الاعتبار، بأن يكون متفقا مع الواقع المعترف به إجمالا عمن يعتد بهم.
فالشرطان:" اللفظ قابل، والمعنى المقصود من التركيب لا يأباه" (2). فتأويل من تأول لفظ" الخليل" في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [سورة النساء: 125] بالفقير، فإن ذلك يجعل المعنى القرآني غير صحيح؛ لأن إبراهيم الذي يقدّم العجل--------------------------------------------
(1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 1/ 134، ورسالة المحكم والمتشابه.
(2) الموافقات، 3/ 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
السمين المشوي لضيوفه من عند أهله لا يصح أن يعدّ فقيرا. فهذا غير صحيح في الاعتبار، لم يجر على مقتضى العلم.
قال ابن قتيبة: أيّ فضيلة لإبراهيم في هذا القول؟ أما يعلمون أن الناس فقراء إلى الله؟! وهل إبراهيم في لفظ خليل الله إلا كما قيل" موسى كليم الله" و" عيسى روح الله"؟!
وكذلك تأويل من تأول" غوى" من قوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [سورة طه: 121] أنه من" غوى"- بالكسر- الفصيل؛ لعدم صحة" غوى" بمعنى" غوي". فهذا لا يصح فيه التأويل من جهة اللفظ، والأول لا يصح فيه من جهة المعنى (1).
7 - حكمة ورود المتشابه:
بيّنا سابقا أن المحكم ما كانت دلالته راجحة، وهو النص والظاهر. والمتشابه ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل والمؤوّل.
والسؤال الذي يقذف إلى الذهن الآن: ما حكمة ورود المتشابه بهذا المعنى في القرآن الكريم؟
ونجتزئ في الجواب عن هذا السؤال بما قاله الزمخشري في" كشافه":" فإن قلت: فهل كان القرآن كله محكما؟ قلت: لو كان كله محكما؛ لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك؛ لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، لما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق--------------------------------------------
(1) الموافقات، 3/ 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجلية، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد ألّا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره وأهمّه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكّر وراجع نفسه وغيره، ففتح الله عليه وتبين مطابقة المتشابه للمحكم؛ ازداد طمأنينة إلى معتقده في إيقانه" (1).--------------------------------------------
(1) الكشاف، 1/ 259.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)