Arabic source text

📘 মাদখাল ইলা তাফসীরিল কুরআন ওয়া উলূমিহি (আদনান যারযুর)

📘 مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه (عدنان زرزور)

📘 মাদখাল ইলা তাফসীরিল কুরআন ওয়া উলূমিহি (আদনান যারযুর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد، ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف، وكذلك قال فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى عند ما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد. ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين، والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية. والنفس التي تستذل تأسن وتتعفّن، وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة. وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك. وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد …
ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة، لأنها خطر على الطغاة والطغيان. فلا بد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة .. وهو فساد أي فساد!
فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ! …
فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم؛ فلما أن كثر الفساد وزاد صبّ عليهم سوط عذاب. وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب، حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد!
ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان. ومن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تفيض طمأنينة خاصة. فربك هناك راصد لا يفوته شيء، مراقب لا يندّ عنه شيء.
فليطمئن بال المؤمن، فإن ربه هناك! .. بالمرصاد .. للطغيان والشر والفساد!

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ .. يرى ويحسب ويجازي، وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء. فأما الإنسان فتخطئ موازينه، وتضل تقديراته، ولا يرى إلا الظواهر، ما لم يتصل بميزان الله.
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَهانَنِ …
فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه الله به من أحوال، ومن بسط وقبض، ومن توسعة وتقدير … يبتليه بالنعمة والإكرام، بالمال أو المقام. فلا يدرك أنه الابتلاء تمهيدا للجزاء، إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلا على استحقاقه عند الله للإكرام، وعلامة على اصطفاء الله له واختياره، فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة! ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة! ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق، فيحسب الابتلاء جزاء كذلك، ويحسب الاختبار عقوبة، ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله، فلو لم يرد مهانته ما ضيق عليه رزقه … وهو في كلتا الحالتين مخطئ في التصور ومخطئ في التقدير. فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده، ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر، ويظهر منه الصبر على المحنة أو الضجر، والجزاء على ما يظهر منه بعد. وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء. وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا، ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض. فهو يعطي الصالح والطالح، ويمنع الصالح والطالح. ولكن ما وراء هذا وذلك هو الذي عليه المعوّل؛ إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي. والمعوّل عليه هو نتيجة الابتلاء!
غير أن الإنسان- حين يخلو قلبه من الإيمان- لا يدرك حكمة المنع والعطاء، ولا حقيقة القيم في ميزان الله .. فإذا عمر قلبه بالإيمان اتصل وعرف ما هنا لك. وخفت في ميزانه الأعراض الزهيدة، وتيقظ لما وراء الابتلاء من الجزاء، فعمل له في البسط والقبض سواء. واطمأن إلى قدر الله به في الحالين، وعرف قدره في ميزان الله بغير هذه القيم الظاهرة الجوفاء!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ. وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا …
كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان. ليس بسط الرزق دليلا على الكرامة عند الله، وليس تضييق الرزق دليلا على المهانة والإهمال.
إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء، ولا توفون بحق المال؛ فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه، ولا تتحاضون فيما بينكم على إطعام المسكين: الساكن الذى لا يتعرض للسؤال وهو محتاج، وقد اعتبر عدم التحاضّ والتواصي على إطعام المسكين قبيحا مستنكرا. كما يوحي بضرورة التكافل في الجماعة في التوجيه إلى الواجب وإلى الخير العام، وهذه سمة الإسلام.
… إنكم لا تدركون معنى الابتلاء. فلا تحاولون النجاح فيه، بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم- على العكس- تأكلون الميراث أكلا شرها جشعا، وتحبون المال حبا كثيرا طاغيا، لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام.
وقد كان الإسلام يواجه في مكة حالة التكالب على جمع المال بكافة الطرق، تورث القلوب كزازة وقساوة. وكان ضعف اليتامى مغريا بانتهاب أموالهم وبخاصة الإناث في صور شتى. وبخاصة ما يتعلق بالميراث، كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام، وهي سمة الجاهليات في كل زمان
ومكان! حتى الآن.
وفي هذه الآيات، فوق الكشف عن واقع نفوسهم، تنديد بهذا الواقع، وردع عنه يتمثل في تكرار كلمة «كلا»، كما يتمثل في بناء التعبير وإيقاعه. وهو يرسم بجرسه شدة التكالب وعنفه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا! ..
وعند هذا الحد من فضح حقيقة حالهم المنكرة، بعد تصوير خطأ تصورهم في الابتلاء بالمنع والعطاء، يجيء التهديد الرعيب بيوم الجزاء وحقيقته، بعد الابتلاء ونتيجته في إيقاع قوي شديد:
كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى؟ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ.
ودك الأرض: تحطيم معالمها وتسويتها، وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع في يوم القيامة. فأما مجيء ربك والملائكة صفا صفا، فهو أمر غيبي لا ندرك طبيعته ونحن في هذه الأرض، ولكنا نحس وراءه التعبير بالجلال والهول! كذلك المجيء بجهنم: نأخذ منه قربها منهم وقرب المعذبين منها وكفى. فأما عن حقيقة ما يقع وكيفيته فهي من غيب الله المكنون ليومه المعلوم.
إنما يرتسم من وراء هذه الآيات، ومن خلال موسيقاها الحادة التقسيم، الشديدة الأسر، مشهد ترجف له القلوب، وتخشع له الأبصار. والأرض تدك دكا دكا! والجبار المتكبر يتجلّى ويتولّى الحكم والفصل، ويقف الملائكة صفا صفا.
ثم يجاء بجهنم متأهبة هي الأخرى!!
يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ .. الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء، الذي أكل التراث أكلا لما، وأحب المال حبا جما، والذي لم يكرم اليتيم، ولم يحض على طعام المسكين، والذي طغى وأفسد وتولى … يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى، ولكن قد فات الأوان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ..
ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحدا! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

وحين تتجلى له هذه الحقيقة: يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي .. يا ليتني قدمت شيئا لحياتي هنا، فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة، وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها. يا ليتني .. أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقصى ما يملكه الإنسان في الآخرة!
ثم يصور مصيره بعد الحسرة الفاجعة والتمنيات الضائعة فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ .. إنه الله القهار الجبار، الذي يعذب يومئذ عذابه الفذ الذي لا يملك مثله أحد. والذي يوثق وثاقه الفذ الذي لا يوثق مثله أحد. وعذاب الله ووثاقه يفصّلهما القرآن في مواضع أخرى في مشاهد القيامة الكثيرة المنوعة في ثنايا القرآن كله. ويجملهما هنا حيث يصفهما بالتفرد بلا شبيه من عذاب البشر ووثاقهم، أو من عذاب الخلق جميعا ووثاقهم، وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة ممثّلين في عاد وثمود وفرعون، وإكثارهم من الفساد في الأرض مما يتضمن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال. فها هو ذا ربك- أيها النبيّ وأيها المؤمن- يعذب ويوثق من كانوا يعذبون الناس ويوثقونهم.
ولكن شتان بين عذاب وعذاب، ووثاق ووثاق … وهان ما يملكه الخلق من هذا الأمر، وجلّ ما يفعله صاحب الخلق والأمر. فليكن عذاب الطغاة للناس ووثاقهم ما يكون، فسيعذبون ويوثقون عذابا ووثاقا وراء التصورات والظنون!!
وفي وسط هذا الهول المروع، وهذا العذاب والوثاق، الذي يتجاوز كل تصور تنادى «النفس» المؤمنة من الملأ الأعلى:
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي …
هكذا في عطف وقرب «يا أيتها» وفي روحانية وتكريم «يا أيتها النفس» ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

وفي ثناء وتطمين «يا أيتها النفس المطمئنة» وفي وسط الشد والوثاق، الانطلاق والرخاء: «ارجعي إلى ربك» ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد.
ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة .. «راضية مرضية» بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله بالتعاطف والرضى .. «فادخلي في عبادي» ..
المقربين المختارين لينالوا هذه القربى «وادخلي جنتي» .. في كنفي ورحمتي …
إنها عطفة تنسم فيها أرواح الجنة .. منذ النداء الأول: «يا أيتها النفس المطمئنة» … المطمئنة إلى ربها .. المطمئنة إلى طريقها .. المطمئنة إلى قدر الله بها .. المطمئنة في السراء والضراء، وفي البسط والقبض، وفي المنع والعطاء ..
المطمئنة فلا ترتاب، والمطمئنة فلا تنحرف، والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق، والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب!
ثم تمضي الآيات تباعا تغمر الجو كله بالأمن والرضى والطمأنينة، والموسيقى الرخيّة النديّة حول المشهد ترف بالود والقربى والسكينة.
ألا إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية، تطل من خلال هذه الآيات .. وتتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلة البهية (1).--------------------------------------------
(1) في ظلال القرآن 29/ 152 - 160.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

‌‌سورة «العاديات»
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (5) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) * أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11).

‌‌أولا- المعنى الإجمالي للسورة:
والخيل التي تعدو عدوا يسمع منها صوت أنفاسها فتوري النار بحوافرها، إذ تغير في الصباح فتثير الغبار فتتوسط جماعة العدو.
إن الإنسان كفور بنعمة ربه وعالم بذلك من نفسه، وهو شديد الحب للمال، أفلا يعلم ويتصور كيف تكون حاله حين تثار القبور ويخرج من فيها، وتجمع حصائل الأعمال من الصدور، إن ربهم يومئذ عليهم بأعمالهم وسيحاسبهم عليها.

‌‌ثانيا- أقسام السورة وموضوعها الرئيسي:
يمكن أن نقسم السورة بحسب مضمونها إلى أقسام ثلاثة وخاتمة أو نتيجة:
أما القسم الأول: فهو مشهد من مشاهد صراع الإنسان في هذه الحياة للتسلط وكسب المال، مشهد فرسان يغيرون على جماعة أخرى ليأخذوا مالها ويتسلطوا عليها. ولئن جاء هذا الصراع هنا في صورة غزوة من الغزوات التي عرفها العرب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

وألفوا أمثالها، فإن هذه الصورة ترمز إلى جميع أنواع العدوان في ميادين الصراع بين البشر الذي يكون الاعتداء طريقه، والتسلط والسلب غايته!
وأما القسم الثاني: فهو تحليل سريع موجز لنفسية الإنسان: إنه شديد الحب للمال، كفور بنعمة الله، وهو يعرف ذلك من نفسه. وإن حبه هذا الشديد للمال، مع الغفلة عن تذكر المنعم وشكره، هو الذي يدفعه إلى الاعتداء على الآخرين، ولو كان ذاكرا لنعمة الله لصدّه ذلك عن الاعتداء على عباده!
والقسم الثالث: إهابة وتنبيه وتذكرة بالمصير بعد الفناء؛ إذ يبعث البشر من قبورهم وتجمع حصائل الأعمال من الصدور التي هي كناية عن النيّات والدوافع التي بها تقاس الأعمال إن كانت خيرا أو شرا.
وتختتم الأقسام الثلاثة بهذه الآية التي هي آخر المراحل: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ. فمن صراع في هذه الحياة التي يعيش فيها الإنسان مدفوعا بدافع من حب المال وفي غفلة عن تذكر الخالق المنعم، إلى موت يعقبه بعث وحساب على الأعمال والنيّات حيث يكون المحاسب هو الله الخبير بأحوال العالم، وبأعمالهم، المطلع على نيّاتهم.
إن هذا النص كما ترى غني بمشاهده وأفكاره بالنسبة إلى قصره وإيجازه، ولكن الفكرة الأساسية التي يبدو أنها هي المقصودة من السورة هي الفكرة المتجلية في الآية الأخيرة والتي نستطيع أن نلخصها في قولنا، إنها (مسئولية الإنسان العظمى أمام الخالق بعد هذه الحياة) وكل ما تقدمها من مشاهد وأفكار كان وسيلة للوصول إليها وتثبيتها في الفكر والقلب …
وإن فكرة مسئولية الإنسان العظمى هذه من الأفكار، بل العقائد الأساسية التي تضمنها القرآن، وكررها في أشكال وصور متنوعة كثيرة، وجعلها ركيزة أساسية في نظامه الأخلاقي والتشريعي، وجزءا من فلسفة الحياة التي جاء بها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

‌‌ثالثا- خصائص النص الفكرية:
1 - تبدو في النص وحدة موضوعية واضحة تدور حول فكرة المسئولية.
2 - ولذلك كان بين أجزاء النص ارتباط وتسلسل، فمن مشهد الغزو، إلى تحليل العوامل النفسية الدافعة، إلى النهاية والمصير، فالحساب والمسئولية.
3 - ويعتمد النص على العنصر النفسي سواء في تحليل نفسية الإنسان أو في تسجيل الأعمال وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ واعتبار النيات في تحديد المسئولية.

‌‌رابعا- فن العرض أو الطريقة الأدبية:
إذا كانت الفكرة الأساسية هي أن الإنسان مسئول بعد هذه الحياة عن أعماله ودوافعه، فكيف عرضت هذه الفكرة، وهل كان في طريقة عرضها فنّ خاص؟
1 - لقد وضعنا النص رأسا أمام مشهد واقعي حيّ من مشاهد الحياة ينبض بالحركة والحياة، إذ تعدو أمام بصرنا كوكبة من الفرسان، نحس بحرارة أنفاس خيلها، ونسمع حفيفها، ونبصر الشرر المتطاير من حوافرها، وما تثيره من الغبار حولها، حتى تصل في وقت الصبح إلى الجماعة التي تريد مباغتتها!!
لقد اعتمد النص في هذا القسم الأول على الوصف الذي يكاد يكون على إيجازه قصة أو مشهدا من قصة، وقد تضمن هذا الوصف عناصره الأساسية من تصوير الحركة (العاديات، المغيرات، أثرن، وسطن) إلى تصوير الأشكال والألوان (الموريات قدحا، النقع، توسط الجمع) إلى سماع الأصوات (ضبحا) هذا مع انتقاء النقط البارزة والخطوط المشخصة للمشهد (العدو، الشرر، الغبار) وتحديد الزمان (الصبح).
لقد كان افتتاح السورة بهذا المشهد مفاجأة مثيرة للخيال، ولا سيما بالنسبة للعرب الذين تثيرهم صورة الغزو، بل خبره وحكايته، وكان عرض هذا المشهد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

نقطة انطلاق للتأمل والتفكير، وكان في الوقت نفسه صورة رمزية تدل على اعتداء الإنسان، أورد مورد القسم، وكثيرا ما يأتي القسم في القرآن للإيقاظ والتنبيه وإثارة النفس وإعدادها لما يأتي من المعاني.
2 - أما طريقة القسم الثاني من النص فقد كانت التحليل النفسي، فقد انتقلنا من مشهد واقعي من مشاهد الحياة إلى التأمل في نفسية الإنسان، ومن الصور الحية النابضة المجردة النفسية، وكان عرض الأفكار في هذا القسم عرضا مباشرا مجردا خاليا من التصوير أو الوصف المادي.
3 - وقد عاد النص في القسم الثالث إلى طريقة الوصف والتصوير، فإذا بنا ننتقل من ذلك التأمل النفسي، ومن مشاهد الحياة اليومية إلى نهاية الحياة وإلى ما بعد الموت في صورة حسية قوية تبعث الروع؛ في أشد إيجاز وأقوى تعبير أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ تقترن بها صورة رمزية ترمز إلى جمع الأعمال وتشير إلى اعتبار النية فيها وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ. فكأن هذا القسم في طريقته حاكى القسم الأول في آيته الأولى، والثاني في آيته الثانية، فجمع بين التصوير الحسي الرائع والتحليل النفسي العميق في آيتين تصفان حادثة واحدة.
4 - أما الخاتمة فقد جاءت على طريقة الأحكام المجردة بعد أن هيئت النفس بتلك الصورة الحسية المثيرة للخيال، والصورة النفسية الباعثة على التأمل لتلقي هذا الحكم خالصا مجردا.
وهكذا جمعت هذه السورة بين طريقة التصوير والوصف، وطريقة التحليل والعرض المباشر للأفكار، مع إيجاز وسرعة انتقال، هذا عدا ما في القسم الأول من فن عجيب في قطع سلسلة المشهد ليتمّها القارئ بخياله، إذ تقف قصة الغارة عند التقاء الجمعين. ولك أن تتصور أيها القارئ ما تتصور من جرائم النهب والسلب والقتل والاعتداء، تلك الأعمال التي تستدعي الحكم الوارد في القسم الثاني على الإنسان الكفور الجاحد!

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

‌‌خامسا- صياغة الآيات، أو التراكيب والجمل (1):
ولو ألقينا نظرة على الآيات وترتيبها وتركيبها لوجدناها متناسبة مع الأفكار وخصائصها، ولوجدنا تنوعها مقابلا لتنوع الأفكار.
إننا نجد في تركيب جمل الآيات الأقسام التالية التي تقابل الأقسام الفكرية السابقة.
1 - آيات قصيرة تتألف كل واحدة منها من كلمتين أولاهما اسم فاعل بمعنى الفعل، أو فعل وَالْعادِياتِ ضَبْحاً* فَأَثَرْنَ* فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً وكلها أفعال تدل على حركات أو أعمال حسية، وثانيتهما أحد المفاعيل، وتخلو هذه الجمل أو الآيات من الزوائد، وتتوالى سراعا كما تتوالى الخيل في عدوها، وهي كلها جمل فعلية أو بحكم الفعلية تصور الحركات والحوادث.
2 - أما آيات القسم الثاني فهي تتألف من جمل اسمية تستعمل عادة للتعبير عن الحقائق العامة مصدرة كلها ب «إنّ» المستعملة لتأكيد هذه الأحكام مع اللام المقرونة بالخبر.
3 - وتعود الآيات في القسم الثالث إلى الجمل الفعلية لتصوير مشهد خاطف ليوم القيامة، ولكنها تأتي هنا مصدّرة بالاستفهام الاستنكاري المثير أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ.
ويلفت النظر في هاتين الآيتين استعمال الأفعال المبنية للمجهول، واستعمال «ما» الموصولة المشعرة بعدم التحديد، وفي ذلك فسح المجال للخيال ليتصور ما شاء أن يتصور.
4 - وتعود الخاتمة مرة أخرى، وهي حقيقة كبرى تمثل الفكرة الأساسية في النص، إلى الجملة الاسمية المؤكدة بإنّ واللام على طريقة القسم الثاني.--------------------------------------------
(1) تفسير الجواهر 1/ 70. أو التناسب بين الشكل والمضمون.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

لقد كانت الآيات إجمالا قصيرة في جميع أجزاء السورة، متناسبة في قصرها مع سرعة الانتقال في تصوير الحركات، أو مع إيجاز الأفكار في التحليل النفسي، ومقتصرة على العناصر الأساسية للجملة، خالية من الزوائد خلوّ الأفكار والمشاهد من التفصيلات، متناسبة في تنوعها وانتقالاتها مع تنوع الموضوع، من فعلية غير مؤكدة، إلى اسمية مؤكدة، إلى استفهامية.

‌‌سادسا- الموسيقى في السورة:
يشعر المرتل لهذه الآيات أن لها طابعا موسيقيا واضحا، وإذا قرأها قراءة فنية- وذلك هو الترتيل- لاحظ انقسامها إلى عدة نغمات متناسبة مع أقسام النص من الوجهة الفكرية والنحوية.
فالقسم الأول يتألف من خمس فقرات موسيقية ذات نغمة واحدة تقلّ فيها المدود، وكلّ فقرة منها تتألف من كلمتين: أولاهما تحتوي على بعض المدود الطويلة. وثانيتهما وهي فاصلة الآية؛ كلمة ثلاثية لا مدّ إلا في آخرها (ضبحا، قدحا، صبحا، نقعا، جمعا) وهذه الفقرات تمثل بقلة مدودها وتوالي حروفها المتحركة حركة الخيل في عدوها ووقع حوافرها ثم ارتفاعها.
أما القسم الثاني من السورة فهو أطول نفسا وأكثر مدودا، وكأنه يشير بمدوده الطويلة إلى التأمل الطويل والهدوء النفسي. وتختلف كلمة الفاصلة في هذا القسم اختلافا
كبيرا في جرسها الموسيقى عن فاصلة القسم الأول (كنود، شهيد، شديد).
والقسم الثالث يجمع بين المدود الطويلة في بعض أجزائه أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ … وتوالي الحركات في كلمات أخر (بعثر)، كما أن فاصلته تختلف عن القسمين السابقين في نبرتها وقوة جرسها (قبور، صدور).
ويعود القسم الأخير في نغمة هادئة ناشئة عن المدود والميم الساكنة والتنوين إلى فاصلة تأخذ الياء من القسم الثاني والراء من الثالث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

ويلاحظ أن لبعض ألفاظ السورة جرسا موسيقيا واضحا مناسبا لمعناها مثل (قدحا ونقعا) المناسبة لوقع حوافر الخيل و (بعثر) المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل (حصّل) الدالة بصادها المشددة على شدة التقصّي والجمع!
فموسيقى النص في جملتها وتفصيلها، أي في نغمة الجمل وجرس الألفاظ وفواصل الآيات، مناسبة للمشهد والأفكار ومقابلة لها، وتتنوع بتنوعها وتنسجم بانسجامها.

..‌‌ والخلاصة:
إنّ هذه السورة تضمنت موضوعا أساسيا هو مسئولية الإنسان العظمى، وأفكارا أخرى أحاطت به؛ من وجود الله، وحدوث البعث، ونفسية الإنسان، وصراعه في هذه الحياة. وكلها أفكار أساسية في الحياة، تسمو بالقارئ إلى مستوى عال من التفكير والشعور.
وكان عرضها عرضا منطقيا جميلا قويّا، قوامه مشاهد من الحياة الواقعية المحسوسة، والحياة الأخرى المغيبة، والإنسان في صورته النفسية معروض بينهما، وكان هذا العرض المستند إلى التصوير الحسي والتحليل النفسي قويا سريعا موجزا، اشترك فيه الفكر والخيال والحس، وتعاونت الألفاظ والتراكيب، فجاء نثرا فنيا كاملا، ليعبر عن أخطر مسألة في حياة الإنسان وهي «مسألة المصير والمسئولية» (1).--------------------------------------------
(1) دراسة أدبية لنصوص من القرآن لأستاذنا محمد المبارك- رحمه الله تعالى- ص 10 - 20 «باختصار قليل».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

‌‌الفهرس
الموضوع الصفحة
المقدمة 5
الباب الأول القرآن الكريم واللغة العربية الفصل الأول- لغة القرآن الكريم 9
أولا- اللسان العربي 11
ثانيا- العرب والقرآن 16
خلاصة وتعقيب 23
الفصل الثاني- أثر القرآن الكريم في اللغة العربية 25
أولا- أثره من الوجهة التاريخية 25
(أ) القوة الدافعة 25
- حول تخلّف حركة التعريب عن انتشار الإسلام 27
(ب) القوة الواقية 30
ثانيا- الأثر الموضوعي للقرآن في اللغة العربية 33
1 - توحّد لهجات العرب 33
2 - تأثير القرآن في ألفاظ العربية ومعانيها 35

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

الموضوع الصفحة
الفصل الثالث- أثر القرآن الكريم في الحضارة والثقافة الإسلامية 39
الباب الثاني قطعية النص القرآني وتاريخ توثيقه الفصل الأول- القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة 43
أولا- تعريف القرآن والفرق بينه وبين الحديث 45
ثانيا- مقارنة سريعة مع الكتب السماوية 50
ثالثا- النتائج والملاحظات 58
رابعا- أسماء أخرى للقرآن، ولون آخر من ألوان الحفظ 60
الفصل الثاني- الوحي أو مصدر القرآن الكريم 63
أولا- ظاهرة الوحي 64
(أ) مقدمة عن عالم الغيب 64
(ب) معنى الوحي وصوره 66
ثانيا- مع المتخرّصين في تفسير ظاهرة الوحي 69
ثالثا- صدق ظاهرة الوحي 72
الجانب الأول- رحابة الموضوعات القرآنية 72
الجانب الثاني- أحول النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الظاهرة 75
الفصل الثالث- نزول القرآن والحكمة من تنجيمه 83
أولا- الوحي والتنزيل 83
ثانيا- مدة نزول القرآن وأول ما نزل منه وآخر ما نزل 86
ثالثا- الحكمة من تنجيم القرآن 89
رابعا- إضافة وتعليق 96
الفصل الرابع- جمع القرآن وتدوينه 105
أولا- حفظ القرآن وكتابته في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم 107

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

الموضوع الصفحة
(أ) الحفظ والجمع في الصدور 108
(ب) الكتابة والتدوين 110
ثانيا- جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه 111
ثالثا- نسخ المصاحف على عهد عثمان رضي الله عنه 116
رابعا- قاعدة عثمان في الجمع ومزايا المصاحف العثمانية 116
خامسا- حرق الصحف والمصاحف الأخرى (شبهات وردّ) 124
سادسا- رسم المصحف أو الرسم العثماني 130
الفصل الخامس- الآيات والسور وترتيبهما 133
أولا- تعريف الآية والسورة 133
ثانيا- عدد السور وأسماؤها واختلاف مقاديرها 134
ثالثا- ترتيب الآيات والسور 136
(أ) ترتيب الآيات 136
(ب) ترتيب السور 137
رابعا- حكم مخالفة ترتيب المصحف 140
الباب الثالث إعجاز القرآن الفصل الأول- الإعجاز: وقوعه ومعناه 145
أولا- مدخل وتمهيد 145
ثانيا- الإعجاز حقيقة تاريخية 148
ثالثا- معنى الإعجاز، أو الإعجاز الذي وقع به التحدي 153
الفصل الثاني- آراء ونظريات حول الإعجاز 157
أولا- فكرة الصرفة 158
ثانيا- النظم القرآني 160

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

الموضوع الصفحة
(أ) الإمام عبد القاهر الجرجاني وفكرة النظم القرآني 161
(ب) تعريف النظم القرآني 164
ثالثا- التصوير الفني 169
1 - التخييل الحسّي والتجسيم 172
2 - التناسق الفني 174
رابعا- النظم الموسيقى 180
خامسا- تعقيب عام: البيان .. والقرآن 185
الفصل الثالث- الفاصلة القرآنية 189
أولا- تعريف الفاصلة 190
ثانيا- دورها وموقعها 192
(أ) اختلاف الفواصل في آيات متماثلة 200
(ب) التصدير والتوشيح 201
ثالثا- لمحة عن أنواع الفاصلة 202
رابعا- بين الفاصلة والسجع والشعر 204
الباب الرابع لمحة عن نشأة التفسير وتطوّره الفصل الأول- حول نشأة التفسير 211
أولا- بين التفسير والتأويل 212
ثانيا- مصادر التفسير ومراحله 215
الفصل الثاني- معالم التفسير البياني 223
الفصل الثالث- التفسير العلمي لآيات الكون والطبيعة 231
أولا- معنى التفسير العلمي وأسباب ظهوره 231
ثانيا- بين التفسير العلمي والمنهج العلمي 235

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

الموضوع الصفحة
ثالثا- خطوات المنهج العلمي في القرآن 237
رابعا- شروط التفسير العلمي 243
الفصل الرابع- تعريف بظلال القرآن 249
أولا- الصحابة وتفسير القرآن 250
ثانيا- المفسرون والغرض الأساس للقرآن الكريم 253
ثالثا- الظلال وشروط التفسير المعاصر 259
(أ) من أخطاء التعامل مع الظلال 261
(ب) الظلال يتجاوز عصر الخلاف الجدلي أو الكلامي 264
(ج) الظلال والوحدة الموضوعية للسورة القرآنية 267
(د) طريقته في التأليف 268
(هـ) تفسير وتفسير 270
الفصل الخامس- من ألوان التفسير المعاصر 271
- تفسير سورة الفجر 271
- تفسير سورة العاديات 283
أولا- المعنى الإجمالي للسورة 283
ثانيا- أقسام السورة وموضوعها الرئيسي 283
ثالثا- خصائص النص الفكرية 285
رابعا- فن العرض أو الطريقة الأدبية 285
خامسا- صياغة الآيات، أو التراكيب والجمل 287
سادسا- الموسيقى في السورة 288
الخلاصة 289
الفهرس 291

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)