Arabic source text

📘 মাদখাল ইলা তাফসীরিল কুরআন ওয়া উলূমিহি (আদনান যারযুর)

📘 مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه (عدنان زرزور)

📘 মাদখাল ইলা তাফসীরিল কুরআন ওয়া উলূমিহি (আদনান যারযুর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وأعرف ما يراد منها! فقال الأخنس: وأنا كذلك. ثم انصرف إلى أبي جهل ليسأله عما سأله أبا سفيان، فقال أبو جهل في غيظ: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف! أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا! حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبيّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نسمع إليه ولا نصدقه!
لو كان هؤلاء لا يستشعرون روعة القرآن، أو لا يدركون سحره وتأثيره لما تعاهدوا على اجتنابه ثم اندفعوا إلى الاستماع إليه، ثم بم نعلل- كما يقول بعض النقاد- «حرص الأخنس على سؤال أبي سفيان وأبي جهل عن أثر القرآن في نفسيهما، وقد حرصا على الاستماع إليه حرص الكاره الغضوب لا المعجب الودود؟ أما أبو سفيان فقد أجمل وأبهم! وأما أبو جهل فقد انفجر حنقا يكشف عن نفسه الستار الخادع إذ يعلن أن المسألة ليست مسألة الوحي، ولكنها مسألة المنافسة بين بني عبد مناف وبني مخزوم».
ولهذا لم يكن قولهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [سورة الشعراء، الآية 26].
وقولهم: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) [سورة الفرقان، الآية 5].
أو قولهم: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) [سورة الأنفال، الآية 31] … لم يكن هذا إلا تعبيرا عن الجحود، والعناد والمكابرة، واللجاج في الباطل «كالذي ينكر ضوء الشمس وقد بهرت عينيه لعلة تدفعه إلى البهتان» لأننا لا ندري لماذا لم يقولوا مثله؟! ولهذا لم يعارضوه حين فاجأهم التحدّي في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) [الآية 38]! والمعنى هنا كما قال الجاحظ:
هاتوا مفتريات! أو حين نزل عليهم بعد ذلك في سورة الإسراء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) [الآية 88].
أما تولي الوليد بن المغيرة الذي أشرنا إليه آنفا، فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قام يصلي في المسجد، وأخذ يقرأ القرآن، والوليد بن المغيرة قريب منه يستمع قراءته، فلما فطن النبيّ لاستماعه أعاد القراءة. قال: فكأنه رقّ له، فانطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم. فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه! وقعد إليه حزينا وكلّمه بما أحماه، وما زال به حتى أتى مجلس قومه، فقال: تزعمون أن
محمدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهّن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا- وفي رواية: والله ما في قريش رجل أعلم بالشعر أو رجزه أو قصيده مني، ولا والله ما يشبه الذي يقول محمد شيئا من هذا الشعر أو ذلك الرجز- وتزعمون أنه كذاب، فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في ذلك كله: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟! … ففكّر وقدّر، ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارتج النادي فرحا، وتفرقوا معجبين بقوله (1).
وهذا هو ما أشار إليه سبحانه بقوله: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) [سورة المدثر، الآيات 18 - 24].
يقول بعض الأدباء النقاد في التعقيب على قصة الوليد هذه: «هذا هو--------------------------------------------
(1) الإتقان للسيوطي 2/ 117 وسيرة ابن هشام 1/ 283.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

الوليد بن المغيرة، فكر فقدر ثم ذهب إلى أن القرآن سحر يؤثر، وظن أن نسبة السحر إلى محمد كافية أن تصد الناس عنه، ولكن غيره من ذوي الرصانة النقدية ينظرون في القرآن كما نظر الوليد، وهم على عدائهم للدعوة المحمّدية، يتفقون مع الوليد على أن القرآن ليس شعرا أو رجزا أو قصيدا، ويزيدون فيخالفونه فيما زعم من السحر، لأنهم من بيئة تعرف السحر والكهانة حق المعرفة، ولا ترى فيما يصدع به محمد من الآيات مشابها لما يأتي به السحرة من الرقى والعزائم، فقرآنه بمنزلة معجزة من البيان لا يجوز لعاقل يحترم تفكيره أن ينسبه إلى رقى السحرة وعزائم الكهنة» اه.

‌‌ثالثا- معنى الإعجاز، أو الإعجاز الذي وقع به التحدّي:
هذا الإعجاز ما وجهه، وما حقيقته، وبم صار القرآن مباينا لكلام العرب؟
هل صار مباينا لهذا الكلام من وجه بياني صرف؟ أم بخصائص موضوعية تتصل بالأمور الغيبية والتشريعية الأخرى التي جاء بها القرآن الكريم، والتي لم يكن في وسع أحد- كائنا من كان- أن يأتي بها في بلد كمكة، وظرف كالظرف الذي وجد فيه محمد- عليه الصلاة والسلام.
إن الدراسات النفسية التحليلية والاجتماعية كما قلنا في مبحث الوحي، اتفقتا على مصدر القرآن وعلى صحة النبوّة، وأن نسبة القرآن إلى الله تعالى ليس ادّعاء أو محض افتراء، ولكن هل في ذلك دليل على إعجاز القرآن الذي نحن بصدده؟
هذه النقطة الهامة- قبل الحديث عن أوجه الإعجاز البيانية، والإعجاز الموضوعي- كما يسمى تجوّزا- قد جلّاها تجلية رائعة الأستاذ الكبير محمود شاكر، فذكر هنا حقيقتين هامتين يحسن نقلهما هنا بقلمه قبل الخوض في هذا الموضوع وبيان آراء العلماء فيه:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

قال الأستاذ محمود شاكر: «ولا مناص لمتكلم في إعجاز القرآن من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما:
أولاهما: أن (إعجاز القرآن) كما يدل عليه لفظه وتاريخه هو دليل النبيّ صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن. وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعرف «إعجاز القرآن» من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه من العرب، وأن التحدّي الذي تضمنته آيات التحدّي من نحو قوله تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) [سورة هود، الآيات 13 - 14].
وقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) [سورة الإسراء، الآية 88].
إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان.
ثانيتهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله سبحانه، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز، ولا أظن أن قائلا يستطيع أن يقول: إن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن من أجل أنها كتب منزلة من عند الله. ومن البيّن أن العرب قد طولبوا بأن يعرفوا دليل نبوّة رسول الله، ودليل صدق الوحي الذي يأتيه، بمجرد سماع القرآن نفسه، لا بما يجادلهم به حتى يلزمهم الحجة في توحيد الله، أو تصديق نبوّته، ولا بمعجزة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

كمعجزات إخوانه من الأنبياء مما آمن على مثله البشر. وقد بيّن الله في غير آية من كتابه أن سماع القرآن يقتضيهم إدراك مباينته لكلامهم وأنه ليس من كلام البشر، بل
هو كلام رب العالمين، وبهذا جاء الأمر في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) [سورة التوبة، الآية 6].
فالقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، أما صحة النبوة فليست برهانا على إعجاز القرآن، والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة «إعجاز القرآن» قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديما وحديثا، بل أدى هذا الخلط إلى تأخر «علم إعجاز القرآن» و «علم البلاغة» عن الغاية التي كان ينبغي أن ينتهيا إليها (1).
يتبين من خلال هاتين الملاحظتين، ومن خلال الموقف الذي عرضناه في السابق- موقف العرب من القرآن- ومن خلال مطالبة النبيّ صلى الله عليه وسلم لعشيرته وقومه أن يؤمنوا بدعوته ورسالته ويقرّوا له بصدق نبوّته بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه، يتبين من كل هذا: المعنى المراد بإعجاز القرآن.
وهو أن القرآن يحمل في بيانه الدليل الكافي على أنه ليس من كلام البشر إذ لا معنى للمطالبة بالإقرار بمجرد التلاوة، إلا أن هذا المقروء عليهم كان هو في نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم، ولا من كلام بشر مثله.
ثم لا معنى لهذه المطالبة البتة إلّا أن يكون في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا تمييزا واضحا بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر، والكلام الذي ليس من نحو كلامهم، كما يقول الأستاذ شاكر. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) انظر المقدمة القيمة التي صدّر بها الأستاذ محمود شاكر كتاب «الظاهرة القرآنية» للأستاذ مالك بن نبيّ رحمه الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

‌‌الفصل الثاني آراء ونظريات حول الإعجاز
قامت حول إعجاز القرآن دراسات كثيرة قديمة وحديثة، وذهب المفسرون وعلماء البلاغة في تفسير هذا الإعجاز مذاهب شتى. وإذا كان من البين عندنا أن الإعجاز الذي وقع به التحدّي- وهو المراد من الإعجاز عند الإطلاق بالطبع- كان وجهه بيانيا صرفا، على نحو ما هدتنا إليه الملاحظات السابقة. وعلى الرغم من تسليم الكثيرين بهذا الرأي إلّا أن بعضهم لا يمتنع من الحديث عن «الإعجاز الغيبي» - بمعنى ما أشار إليه القرآن من أمور على أنها ستقع في المستقبل، وكان كما أخبر- وعن «الإعجاز العلمي» أي ما أشار إليه القرآن من علوم ومعارف كونية، وعن «الإعجاز التشريعي» … إلخ، موردا كلمة «الإعجاز» في غير إطارها التاريخي السابق، وهذا ما دعانا إلى التقييد المشار إليه، بوصفه لونا من ألوان الاحتياط، وبيان «المجال» الحقيقي للإعجاز، فقلنا: الإعجاز الذي وقع به التحدّي.
ونكتفي هنا بالكلام على أهم النظريات التي قيلت في تفسير هذا الإعجاز البياني أو الإعجاز الذي وقع به التحدّي، أو على أهم الخطوط البارزة في تلك النظريات. ونبدأ بالإشارة إلى فكرة أو شبهة ظاهرة الفساد خرجت من كل معايير التحدّي السابق، وهي نظرية الصرفة!

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

‌‌أولا- فكرة الصرفة:
ذهب أبو إسحاق النظام- وكان من رءوس المتكلمين على مذهب المعتزلة أو على نهجهم وطرائقهم في التفكير- إلى القول بأن إعجاز القرآن كان بالصرفة، أي إن الله سبحانه قد صرف بلغاء العرب عن معارضة القرآن، مع قدرتهم على تلك المعارضة، أو: إنه صرفهم وكان ذلك مقدورا لهم!! كما عبّر عن ذلك بعضهم:
قال النظّام: «إن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به».
وينطوي هذا القول- الذي تكفل المعتزلة أنفسهم بنقضه على صاحبه، كما رأينا عند القاضي عبد الجبار وغيره (1) - على أمرين: الأول: التخليط بين النقطتين السابقتين اللتين سبقت تجليتهما، فالمعجزة هنا تكمن في إثبات الله تعالى أن هذا القرآن من كلامه. بدليل أنه صرفهم عن معارضته في وقت كان ذلك مقدورا لهم! أي إن المعجز هو المنع أو المانع!!
الأمر الثاني: أن هذا الرأي ليس من باب الطعن على الكتاب الكريم، أو من باب الإلحاد فيه والزيغ عنه، لأن هذا الرأي قد يكون آكد في باب الإيمان والتسليم (2) بأن القرآن كلام الله … ولكنه من باب العجمة وشبهها في ميدان تذوق البلاغة والبيان، أو من باب التفلسف الذي يريد صاحبه إراحة نفسه من عناء البحث، وإجالة الفكر. ولهذا فإن أحدا من علماء البلاغة لم يتابع النظام، وكان أول من خالفه في ذلك تلميذه الجاحظ، وإنما تابعه بعض من أخذ من الفلسفة وعلم الكلام بسبب!
قال الإمام الباقلاني: «على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من--------------------------------------------
(1) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار 16/ 323.
(2) أي: لولا ما ينطوي عليه من الفساد في ذاته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

جهة نظمه الممتنع، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه، ووضع من مقدار الفصاحة في نظمه، كان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا من معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على نظمه البديع، وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب.
على أنه لو كان صرفوا لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف، لأنهم لم يتحدوا، ولم تلزمهم حجته، فلما لم يوجد في كلام من قبله علم أن ما ادعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان … » (1).
وقد لخص السيوطي ردودهم على هذه الفرية، أو الزعم، بقوله:
«وهذا قول فاسد بدليل قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ …
الآية، فإنها تدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره.
والإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله.
وأيضا فيلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمن التحدّي، وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة له باقية سوى القرآن.
… ولو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون بالمنع معجزا، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه» (2).--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن تحقيق الأستاذ السيد أحمد صقرص 41 - 42 الطبعة الأولى- دار المعارف.
(2) الإتقان للسيوطي 2/ 118.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)

‌‌ثانيا- النظم القرآني:
لعل نظرية النظم القرآني، أو هذه الفكرة العميقة، والتي تتابع على تجليتها وإعطائها هذا البعد أو المعنى الناصع غير واحد من العلماء حتى استوت على سوقها عند الإمام عبد القاهر الجرجاني .. لعل هذه الفكرة أو النظرية أبرز ما قدمه القدماء من دراسات حول إعجاز القرآن، ولعل أحدا لم يقع قبل الجاحظ- رحمه الله على هذه اللفظة ذاتها- نظم القرآن- سواء تردد مفهومها في أذهان هؤلاء الذين سبقوه أو فيما أثر عنهم أم لا.
وقد ألفت كتب متعددة تحمل هذا العنوان، بعد كتاب الجاحظ الذي وصفه هو في بعض كتبه، بما يشوق، ويحمل على الأسى أنه لم يصل إلينا (1)، مثل كتب أبي بكر السجستاني المتوفى سنة 316، وأبي زيد البلخي المتوفى سنة 322، وأبي بكر أحمد بن علي (المعروف بابن الإخشيد) المتوفى سنة 326. ولم يصل إلينا من جميع هذه الكتب، أو الرسائل شيء مع الأسف …
ثم نجد أبا سليمان الخطابي المتوفى سنة 388 يتحدث عن هذا الموضوع فيقول: «وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور: منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني والحوامل، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباطها بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله ثم يقول: «وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه. ولا--------------------------------------------
(1) راجع المقدمة القيمة التي صدّر بها الأستاذ المحقق السيد أحمد صقر رحمه الله كتاب «إعجاز القرآن» لأبي بكر الباقلاني ص 9 فما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)

ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه. وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل في نعوتها وصفاتها» (1).
ثم يقول بعد كلام طويل: «وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان».

‌‌(أ) الإمام عبد القاهر الجرجاني وفكرة النظم القرآني:
ثم جاء الإمام عبد القاهر (المتوفى سنة 471 أو 474) فقطع شوطا بعيدا وهاما في إدراك الإعجاز، من خلال كتابه القيّم: «دلائل الإعجاز» الذي أعطى فيه لفكرة النظم القرآني صورتها الزاهية- ولعلها أزهى الصور في تاريخ الإعجاز- بل الذي أراد أن يؤسس فيه علما جديدا استدركه على من سبقه من الأئمة الذين كتبوا في «البلاغة» وفي «إعجاز القرآن» كما يلاحظ الأستاذ محمود شاكر- مدّ الله في عمره-. على الرغم من أن عمله- كما يقول الأستاذ شاكر- «كان مشوبا بحميّة جارفة لا تعرف الأناة في التبويب والتقسيم والتصنيف. وكأنّه كان في عجلة من أمره، وكأنّ منازعا كان ينازعه عند كل فكرة يريد أن يجلّيها ببراعته وذكائه وسرعة لمحه، وبقوة حجّته ومضاء رأيه» (2).
وليس في وسعنا، ولا من مهمتنا في هذه العجالة، أن نلخص نظرية الإمام عبد القاهر هذه في النظم القرآني- وقد بسط فيها القول ودافع عنها في مئات الصفحات- وقد يكون بعض جوانبها، النظرية والتطبيقية، بحاجة إلى شرح لا إلى اختصار. ولهذا، فإننا سوف نكتفي بتقديم «تعريف» لهذه النظرية، أقرب ما يكون--------------------------------------------
(1) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 24.
(2) من مقدمة الأستاذ الكبير محمود شاكر لكتاب: دلائل الإعجاز، وقد قرأه وعلّق عليه، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة 1404 هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)

إلى «تعريفات» العلوم! على النحو الذي كتبه عبد القاهر بقلمه- رحمه الله.
بالإضافة إلى تقديم طرف من نقده لبعض الآراء والأفكار الأخرى، بالقدر الذي يعين على إدراك ما يعنيه عبد القاهر بالنظم القرآني، وعلى وضعه في موضعه، وتقديره حق قدره!
يبدأ عبد القاهر، أو ينطلق من أمر مسلّم لا يتصور فيه خلاف، وهو أن الإعجاز، أو الوصف الذي صار به القرآن معجزا «ينبغي أن يكون وصفا قد تجدّد بالقرآن، وأمرا لم يوجد في غيره، ولم يعرف قبل نزوله» (1).
ثم ينفي أن يكون هذا الوصف في «الكلمات المفردة» أو في «ترتيب الحركات والسكنات» أو في «المقاطع والفواصل»، أو في «الاستعارة»؛ تمهيدا لبيان أن الإعجاز، أو هذا الوصف، قائم في «النظم القرآني»:
1 - أما الكلمات المفردة فأوضاع اللغة، وهي لذلك ملك للجميع، ينطق بها البلغاء وغيرهم! وينكر الإمام عبد القاهر أن تكون هذه الكلمات قد حدث في «مذاقة حروفها وأصدائها» - بحسب عبارته- أو في معانيها جميعا وصف أو وضع لم يكن لها قبل نزول القرآن.
يقول عبد القاهر: «لا يجوز أن يكون- الإعجاز أو الوصف المعجز- في الكلم المفردة، لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن تكون الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، قد حدث في مذاقة حروفها وأصدائها أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، وتكون قد اختصّت في أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوّة في القرآن، لا يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن» (2).--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز ص 386.
(2) المصدر السابق ص 386.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)

ويقول أيضا: «ولا يجوز أن تكون في «معاني الكلم المفردة» التي هي لها بوضع اللغة، لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدّد في معنى «الحمد» و «الرب» ومعنى «العالمين» و «الملك» و «اليوم» و «الدين» وهكذا، وصف لم يكن قبل نزول القرآن.
وهذا ما لو كان هاهنا شيء أبعد من المحال وأشنع لكان إيّاه» (1).
2 - وكذلك لا يمكن أن يكون هذا الوصف- المعجز- في «ترتيب الحركات والسكنات» في الجمل والآيات القرآنية «حتى كأنهم تحدّوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن» (2) كما يقول عبد القاهر! لأن مسيلمة وغيره قد تعاطوه في بعض حماقاتهم التي عارضوا فيها القرآن، فلم ينتهوا إلى شيء .. سوى الدلالة على إعجاز القرآن، وسخافة ما جاءوا به!
3 - أما «المقاطع والفواصل» فليست «أكثر من التعويل على مراعاة الوزن، وإنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر» قال عبد القاهر: «وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدّي إلا في «فصول» من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، ولم يتعذّر عليهم» (3) أي أن العرب الذين جاءوا بروائع القصيد، عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، والفواصل هنا، كالقوافي هناك!
4 - وأخيرا، يستبعد عبد القاهر أن يكون الإعجاز في الاستعارة والمجاز، لأن ذلك يؤدي إلى ن يكون الإعجاز في بعض القرآن دون بعض، والقرآن معجز كله! قال عبد القاهر: «فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء مما عدّدناه، لم يبق إلا أن يكون في النظم» و «الاستعارة». قال: «ولا يمكن أن تجعل الاستعارة الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السّور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز ص 386.
(2) نفس المصدر ص 387.
(3) المصدر السابق، نفس الصفحة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)

ذلك فيها … ثبت أنه في النظم والتأليف … » (1).

‌‌(ب) تعريف النظم القرآني:
والآن، ما تعريف النظم القرآني، وماذا يريد منه هذا الإمام الحصيف؟
عرّف عبد القاهر «النظم» في مواضع كثيرة من كتابه، فقال: «ليس النظم شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم» (2) وقال أيضا: «ليس النظم شيئا غير
توخّي معاني النحو فيما بين الكلم، وأنك ترتب المعاني أولا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك» (3) وقال:
«اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه «علم النحو» وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخلّ بشيء منها» (4) … إلخ.
لقد اتسع كتاب «دلائل الإعجاز» كما قلنا لشرح هذه الفكرة والدفاع عنها، بكل ما يتطلبه ذلك من الموازنة والنقد والترجيح، والأمثلة والشواهد … استمع إليه يقول في النص التالي، شارحا وموازنا:
«واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلّق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس.
«وإذا كان كذلك، فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها، ما معناه وما محصوله؟ وإذا نظرنا في ذلك، علمنا أن--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز ص 250.
(2) المصدر السابق ص 392.
(3) المصدر السابق ص 454.
(4) نفس المصدر ص 81.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)

لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا، أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر، أو تتبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول، أو تأكيدا له، أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك على أن يكون صفة أو حالا أو تمييزا، أو تتوخّى في كلام هو لإثبات معنى، أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنّيا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمّنت معنى ذلك الحرف. وعلى هذا القياس» (1).
هذه هي خلاصة ما يعنيه عبد القاهر بمسألة النظم. وفي وسع الدارس لكتابه أن يلاحظ كيف خرّج عليها، وناقش وانتقد من خلالها، جميع النقاط السابقة- وسواها- التي أنكر عبد القاهر أن تكون مناط الإعجاز.
ونسوق- فيما يلي- نقده أو تخريجه لمسألة الألفاظ أو الكلم المفردة، أولا من باب الشرح والتمثيل، وثانيا: لأنه أتبعه بشاهد قرآني جلّى من خلاله «النظم النحوي» الذي قعّده أو تحدث عنه في هذه الخلاصة.
يقول عبد القاهر: «إن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرّدة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها، في ملاءمة معنى اللفظة المعنى التي تليها … » (2).
«وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة، ونابية، ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبّروا بالتمكّن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنّبوّ عن سوء التلاؤم … » (3).--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز ص 55.
(2) المصدر السابق ص 46.
(3) المصدر السابق ص 45.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)

ثم قدم الدليل على ذلك من قوله تعالى في سورة هود: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) [الآية 44] فقال:
«إن شككت، فتأمّل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت لأدّت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل ابْلَعِي واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها.
وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم في أن كان النداء ب «يا» دون «أي» نحو «يا أيتها الأرض» ثم إضافة الماء إلى الكاف، دون أن يقال ابلعي الماء، ثم أن أتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل وَغِيضَ الْماءُ فجعل الفعل على صيغة «فعل» الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر، وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ثم إضمار السفينة قبل الذّكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة قِيلَ في الخاتمة ب قِيلَ في الفاتحة؟ أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصوّرها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتّساق العجيب» (1).
ويوضح عبد القاهر أن رفضه للاستعارة والمجاز، وللأبواب السابقة أن تكون مناط الإعجاز، لا يعني أكثر من إنكارها مفردة، أو خارج نطاق «النظم--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز ص 45 - 46.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

النحوي» بمعنى أنه يقرّها ويعنى بها، ويتتبع أثرها- في الإعجاز- بوصفها جزءا من مقتضيات النظم ذاته قال- رحمه الله:
«فإن قيل: إن النظم يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك لا مساغ له!
قال: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز، وذلك لأن هذه المعاني، التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وضروب المجاز من بعدها، من مقتضيات والنظم، وعنه يحدث، وبه يكون، لأنه لا يتصوّر أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخّ فيما بينها حكم من أحكام النحو، فلا يتصور أن يكون هاهنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد ألّف مع غيره! أفلا ترى أنه إن قدّر في «اشتعل» من قوله تعالى:
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [سورة مريم، الآية 4] ألا يكون «الرأس» فاعلا له، ويكون «شيبا» منصوبا على التمييز، لم يتصوّر أن يكون مستعارا؟ وهكذا السبيل في نظائر الاستعارة فاعرف ذلك» (1).
يقول بعض الأدباء النقّاد (2):
«فأنت تراه قد قدّر مكان الاستعارة القرآنية وما هو بسبيلها من الصور الأدبية من دلائل الإعجاز، وإن رجع بها في ذكاء قادر إلى قضية النظم النحوي، ولكنه أغفل إغفالا تاما مكانة اللفظ ومكان المقطع والفاصلة، مدعيا أن شيئا من ذلك لا قيمة له ما لم يراع النظام النحوي في تركيبه، وفي ذلك بعض الغلوّ الذي ندفعه بما نملك من رأي، وشاهدنا على ذلك أن عبد القاهر حين تحدث عن الآية الكريمة: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) [سورة هود، الآية 44] جعل مبدأ العظمة في أن--------------------------------------------
(1) دلائل الإعجاز ص 393.
(2) الأستاذ الدكتور محمد رجب بيومي في كتابه: البيان القرآني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

نوديت الأرض وكان النداء ب «يا»، ثم بإضافة الكاف إلى الماء، ثم بنداء السماء وأمرها بما يخصها، ثم بمجيء الفعل «غيض» على صيغة «فعل» الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر، ثم تأكيد ذلك بقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ثم مقابلة «قيل» في الخاتمة ب «قيل» في الفاتحة: أجل، جعل الجرجاني ما سماه بمبدإ العظمة فيما أسلف من القول.
وعلى قياسه نستطيع أن نقول: وقيل يا أرض اشربي ماءك ويا سماء امنعي، وأزيل الماء ونفّذ الأمر واستقرت على الجودي وقيل هلاكا للقوم الظالمين. فيتحقق بذلك كل ما جعله الجرجاني مبدأ العظمة وحده، ويوازي القول دون نقص».
ولكن مهلا، فإن اختيار لفظ البلع دون الشرب، وكلمة اقلعي دون امنعي، وفعل قضي المبني للمجهول، دون «نفذ» المبني للمجهول أيضا، واستوت على الجودي، دون استقرت. كلّ ذلك مما يرتفع بالآية إلى الإعجاز، وهو في صميمه راجع فيما يرجع إليه إلى اللفظ دون الإسناد.
«وما نقوله في ذلك نقوله في المقاطع والفواصل، وإن شئت فانظر مثلا قول الله عز وجل: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) [سورة المدثّر، الآيات 11 - 15] وحاول أن تقرأه على هذه الصورة: «ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت به مالا مبسوطا، وبنين حاضرين، ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن أكثر» فإنك إذا فعلت ذلك لم تخرج عن قضية النظم النحوي كما عناه عبد القاهر، ولكنك تغفل أثر المقطع والفاصلة، فتهبط بالكلام من مستوى إلى مستوى، وذلك ما كان ينبغي أن يلتفت إليه هذا الدارس الحصيف، وما أحراه أن يدخل اختيار اللفظ وجمال المقطع في ترتيب النظم بحيلة فكرية كما أدخل الاستعارة من قبل» (1).--------------------------------------------
(1) البيان القرآني ص 64.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

‌‌ثالثا- التصوير الفني:
وعلينا أن نشير هنا إلى لونين آخرين من ألوان الإعجاز أو البيان القرآني التي ترفد نظرية عبد القاهر، وهما: التصوير الفني، والجانب الصوتي والنغم القرآني- أو ما دعاه الرافعي ب «النظم الموسيقى».
أما التصوير الفني فإن أول من تحدث عنه الأستاذ سيد قطب- رحمه الله في كتابه القيم الذي خصّه بهذا الموضوع «التصوير الفني في القرآن». وفي ذلك يقول الأستاذ الدكتور صبحي الصالح رحمه الله تعالى:
«وقد نحا سيد قطب في دراسته للقرآن منحى آخر، فلم تكن مفردات القرآن وحدها شاغلة له بموسيقاها، ولا تراكيب القرآن مستأثرة باهتمامه بتناسقها وترابطها،
وإنما كان نظره مركزا في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير، وراح يتحدث عنها بأسلوب شعري يستهوي النفوس، ويهديها بحق إلى جمال القرآن».
قال سيد قطب: «التصوير هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة الحسية المتخيّلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية.
ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة مجسّمة مرئية.
فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة، فيها الحياة، وفيها الحركة. فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل؛ فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنمّ عن الأحاسيس المضمرة.
«إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة!».
ثم يقول:- وهذا هو الأمر الذي ربط به سيد فكرته بقضية الإعجاز- «فإذا ذكرنا أن الأداة التي تصوّر المعنى الذهني والحالة النفسية، وتشخّص النموذج الإنساني أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصوّر، ولا شخوص تعبّر أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن» (1).
وقد تحدث سيد قطب- رحمه الله عن آفاق هذا التصوير الفني في القرآن، فذكر «أنه تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالإيقاع … » (2)
وقال: «وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصورة، تتملاها العين والأذن، والحس والخيال، والفكر والوجدان»، ووصف هذا التصوير بأنه «تصوير حي منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة. تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات. فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة» (3).
ونكتفي هنا ببعض النماذج على مسائل التصوير البارزة، أو الموضحة لهذه القاعدة الهامة:--------------------------------------------
(1) التصوير الفني في القرآن- دار المعارف- ص 33.
(2) المرجع السابق ص 102.
(3) المرجع السابق ص 32.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

(أ) من المعاني الذهنية، التي أخرجت في صورة حسية قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) [سورة الأعراف، الآية 40]. والمعنى الذهني الذي تقرره الآية هو أن الكفار لن ينالوا القبول عند الله، وأنه يستحيل عليهم دخول الجنة! ولكن هذا المعنى المجرد يعرض بهذا الأسلوب التصويري … فيدعك «ترسم بخيالك» صورة لتفتح أبواب السماء، وصورة أخرى لولوج الحبل الغليظ في سمّ الخياط، ويختار من أسماء الحبل الغليظ اسم «الجمل» خاصة في هذا المقام، ويدع للحسّ أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثر، ليستقر في النهاية معنى القبول ومعنى الاستحالة في أعماق النفس» (1).
(ب) وتأمّل هذا الشاهد في تصوير الحالات النفسية والمعنوية: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) [سورة الأنعام، الآية 71].
حيث «تبرز صورة هذا المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأرض- ولفظ الاستهواء لفظ مصوّر لمدلوله- ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه، فيكون راحة ذي القصد الموحد، ولو في طريق الضلال! ولكن هناك من الجانب الآخر إخوان له يدعونه إلى الهدى، وينادونه: «ائتنا» وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء «حيران» موزع القلب، لا يدري أي الفريقين يجيب، ولا أي الطريقين يسلك، فهو قائم هناك شاخص متلفّت» (2).--------------------------------------------
(1) التصوير الفني ص 32.
(2) المصدر السابق ص 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)