Arabic source text

📘 মাদখাল ইলা তাফসীরিল কুরআন ওয়া উলূমিহি (আদনান যারযুর)

📘 مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه (عدنان زرزور)

📘 মাদখাল ইলা তাফসীরিল কুরআন ওয়া উলূমিহি (আদনান যারযুর)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
المسروقة من القرآن نفسه، وبين أناقة الأسلوب القرآني وتناسقه!! ومن هنا فإن مثل هذه المزاعم لم توجد إلا بعد مضي بضعة قرون على عصر نزول القرآن الكريم. حين بعد الناس عن سليقة اللغة وأسباب البيان بوجه عام. ولم تجد مثل هذه المزاعم رواجا إلا عند نفر من الأعاجم بوجه خاص، وبعد أن قاوموا- لأسباب إثنية وعقائدية- عوامل الاستعراب في القرنين الرابع والخامس الهجريين.
وقد فات أصحاب هذه المزاعم أن سيّدنا عليا لا يرضى بهذا الاختلاق- وحاشاه من ذلك- بل أرادوا الطعن في نهاية المطاف بعلي بن أبي طالب نفسه- كرّم الله وجهه ورضي الله عنه-، وأرادوا مخالفته ومناقضته ومناقضة الإسلام والقرآن جميعا … روى أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال:
«سمعت علي بن أبي طالب- كرّم الله وجهه- يقول: يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلوّ في عثمان وقولكم حرّاق مصاحف! فو الله ما حرقها إلا عن ملأ منّا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». وعن عمر بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب- رضي الله عنه: «لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل ما فعل» (1).
ومعنى ذلك أن الدواعي لفعل عثمان ذي النّورين رضي الله عنه كانت قائمة، وأن ما فعله لم يتم في الخفاء، ولكن بعلم الصحابة ومشورتهم، ولو كان علي يعلم أن في شيء من ذلك إسقاطا أو تجاوزا لما تجاوز هو عنه! … ولئن جاز عليه- وحاشاه من ذلك- أن يتجاوزه وهو في صف المعارضة، كما تصوّره بعض الروايات، فإن من غير الجائز أن يشتغل وهو خليفة لمدة تقرب من ست سنوات بمقاتلة من خالفوه في السياسة عن تصحيح القرآن ومقاتلة الذين رضوا بتحريفه وتبديله! بل إنه كان يتلوه على هذا الوجه ويؤمّ الناس فيه بالصلاة. وصدق الله--------------------------------------------
(1) انظر البرهان للزركشي 1/ 240 ومقدمتان في علوم القرآن ص 46، وتفسير القرطبي 1/ 53، ومناهل العرفان 1/ 155.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) وكذب الزائغون والمرجفون!
وأخيرا، فإننا لا نشك- بهذه المناسبة- في أن الذين ينسبون القرآن إلى التحريف والتبديل، وإلى الزيادة والنقصان، يخرجون إلى ساحة الكفر لتكذيبهم بهذا التكفل
الإلهي الذي حفظه من ذلك! ولأن معنى قوله تعالى: أُحْكِمَتْ آياتُهُ «منع الخلق من القدرة على أن يزيدوا فيها، أو ينقصوا منها، أو يعارضوها بمثلها» كما قال بعض العلماء (1) والله تعالى أعلم.

‌‌سادسا- رسم المصحف أو الرسم العثماني:
يراد بالرسم: رسم الحروف الهجائية التي تدل على الكلام، ويراد بالرسم العثماني: رسم القرآن بالطريقة التي تمت على عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان- رضي الله عنه، وهي الطريقة التي اتبعتها اللجنة الرباعية المتقدمة التي وكل إليها أمر استنساخ مصاحف الأمصار.
وإذا كان الأصل في المكتوب- كما يقال- أن يوافق المنطوق تمام الموافقة من غير تعديل ولا تغيير، فإن المصاحف العثمانية لم تجر على هذا الأصل تماما فوجدت بها حروف كثيرة جاء رسمها غير موافق لأداء النطق، بحسب بعض قواعد خاصة في الخط والهجاء. وتعود هذه القواعد الخاصة جميعا إلى الحذف والزيادة والبدل والوصل والفصل، وما فيه قراءتان فيكتب على إحداهما (2) مما أسهم في شرحه وضرب الشواهد القرآنية عليه، كثير من العلماء منهم السيوطي في الإتقان، والزركشي في البرهان الذي أفاض في ذلك تحت عنوان «اختلاف رسم الكلمات في المصحف والحكمة فيه» (3) إلى جانب العلماء الآخرين الذين أفردوا هذا الفن--------------------------------------------
(1) راجع القرطبي 1/ 84.
(2) انظر مفتاح السعادة 2/ 229.
(3) الزركشي في البرهان 1/ 280، وانظر مناهل العرفان 1/ 362.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

بالتأليف، منهم أبو عمرو الداني في كتابه «المقنع» وأبو العباس المراكشي في كتابه «عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل» وغيرهما.
وقد بقي هذا الرسم العثماني سنّة متبعة إلى يوم الناس هذا، لا يغير ولا يبدل، وإلى ذلك ذهب علماء المسلمين على مدى العصور، فكرهوا أو حرّموا تغييره تبعا لتغير رسوم الهجاء باختلاف الزمان والمكان؛ وزيادة في الحيطة والخشية والحذر من أي تغيير يعود أو يصيب النص القرآني ولو في ناحية شكلية محضة؛ سئل الإمام مالك: «هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا .. إلا على الكتبة الأولى» وقال الإمام أحمد بن حنبل: «يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك».
أما صور اختلاف الرسم العثماني عن «الرسم الإملائي» فكثيرة، ذكر ابن قتيبة أن من أشهرها حذف ألف التثنية: قال «رجلن» - قال رجلان- وكتابة:
«الصلاة، والزكاة، والحياة» بالواو: الصلاة، والزكوة، والحيوة. وكتابة «الربو» - الربا- بالواو. كما كتبوا «فمال الذين كفروا» بلام منفردة. وكتبوا «أو لا أذبحنّه» بزيادة ألف، وكذلك «ولا أوضعوا خلالكم» بزيادة ألف بعد لام ألف. قال ابن قتيبة: «وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه» ونحن- في هذه العجالة- أولى بهذا القول من ابن قتيبة رحمه الله.
والذي يمكن أن نختم به هذه الفقرة، تأكيدا لما ذهب إليه العامة من كراهية تغيير هذا الرسم، أن الذي رفضه العلماء خلال العصور هو: إخضاع الرسم العثماني للتغيير بحسب تطور قواعد الرسم والإملاء، لا ترك ذلك الرسم مخالفا لهذه القواعد … لأن المصاحف العثمانية لم تكتب في الأصل بغير الرسم والإملاء الذي كان قائما وقت تدوينها، أو التي وضعت عند تدوين المصاحف (1)؛ فدعوى--------------------------------------------
(1) قال القرطبي: «وكتبت المصاحف على ما هو عليه غابر الدهر» 1/ 54.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

مخالفة الرسم العثماني لقواعد الإملاء … هكذا بإطلاق، أمر غير صحيح.
أما كراهية إخضاع هذا الرسم للتطوير والتعديل الذي يطرأ مع الأيام فقد علمت سببه، وهو لذلك أمر يجب تأييده … ولا تخلو لغة من اللغات الحية اليوم من حروف تكتب ولا تلفظ، أو من حروف تكتب على وجه وتلفظ- في بعض الكلمات- على وجه آخر … إلخ، وهي أمور يصيبها التلميذ عن طريق التعلم … والقرآن عماد العربية وكتابها … والأمر في لغته التعليم، وفي القرآن الكريم نفسه المشافهة والتلقي كما قلنا في أكثر من مرة.
أما الدعوة إلى تغيير هذا الرسم تحت شعار المعاصرة والتسهيل فأعجب ما فيها- وعجائبها كثيرة لا مجال هنا للإفاضة فيها وفي الرد عليها وتقويمها- أن تكون في عصر الوسائل التعليمية المتنوعة الكثيرة والمتقدمة! وقد حفظ القرآن، وتعمم رسمه، وبقي اللسان العربي وقواعد الإملاء .. وقواعد النحو طيلة هذه القرون الخمسة عشر! وبدون تلك الوسائل التعليمية الحديثة … فهل يستقيم عند دعاة المعاصرة هذه- لا مطلق المعاصرة بالطبع- أن يقال فيهم وفي أبناء جيلهم ما لا نرتضيه لهم من الكسل والضعف وغير ذلك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

‌‌الفصل الخامس الآيات والسور وترتيبهما
‌‌أولا- تعريف الآية والسورة:
1 - تطلق «الآية» في اللغة على عدة معان، منها: المعجزة، والجماعة، والعلامة الظاهرة، والعبرة. وتجمع على: آي وآيات وآياء.
أما في المصطلح، أو في القرآن الكريم، فهي عبارة عن طائفة من القرآن منقطعة عمّا قبلها وعمّا بعدها، لها مبدأ ومقطع. ومندرجة في سورة. وتعرف توقيفا على الأرجح.
وقد سميت الآية من القرآن- أو هذه الطائفة منه- آية، لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها من الذي بعدها وانفصاله. فهي بائنة من أختها ومنفردة! ولهذا كان الوقوف على رءوس الآي سنّة متّبعة. وقيل: لما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها، وعلى عجز المتحدّى بها .. سمّيت آية. وقد رجّح كثير من العلماء هذا التعليل (1).
وفي الآيات الطويل والقصير، وأقصرها كلمة واحدة، كقوله تعالى:
وَالْفَجْرِ وَالضُّحى في فاتحة هاتين السورتين. ومُدْهامَّتانِ (64) [سورة الرحمن، الآية 64].--------------------------------------------
(1) انظر تفسير ابن عطية: المحرر الوجيز 1/ 71 وتفسير القرطبي 1/ 66.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

وأطول آية في كتاب الله تعالى: آية المداينة، أو آية الدّين، وهي الآية 282 من سورة البقرة، وأولها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ … وتزيد كلماتها على عشرين ومائة كلمة.
وعدد آيات القرآن الكريم ستة آلاف ومائتا آية ونيّف.
2 - أما «السورة» بدون همز- وهو المشهور- وتجمع على: سور، كغرفة وغرف، فمعناها: المنزل المرتفع، ومنه سور المدينة. أو المنزلة الرفيعة، ومنه قول النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة … ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي منزلة رفيعة على سائر الملوك.
وقد قيل في القطعة من القرآن المشتملة على آي ذوات فاتحة وخاتمة- وأقلها ثلاث آيات- سورة لأنها تحيط بالآيات التي تضمها إحاطة السّور، أو لارتفاعها وشرفها.
وقد قيل: إنها سميت بذلك لتمامها وكمالها؛ من قول العرب للناقة التامّة:
سورة. ولعل هذا أقرب الآراء.

‌‌ثانيا- عدد السور وأسماؤها واختلاف مقاديرها:
وسور القرآن مختلفة طولا وقصرا، فأقصر سورة هي الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، وأطول سورة فيه البقرة وهي ست وثمانون ومائتا آية، ومعظم آياتها من الآيات الطوال.
وتبلغ عدد سور القرآن أربعة عشر ومائة سورة يقسمها العلماء إلى أربعة أقسام لكل منها اسم معين، وهي الطّوال والمئين والمثاني والمفصّل.
فالطّوال: سبع سور: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

والأعراف، وأخيرا يونس أو «الأنفال وبراءة» معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة.
والمئون: هي السور التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.
والمثاني: هي التي تلي المئين في عدد الآيات، وقال الفراء: هي السور التي آيها أقل من مائة آية لأنها تثنّى- تكرّر وتعاد- أكثر من الطوال والمئين.
والمفصّل: هو أواخر القرآن، وصحّح النووي أن أوّله «الحجرات»، وسمّي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.
والمفصل ثلاثة أقسام: طوال وأواسط وقصار، فطواله من أول «الحجرات» إلى سورة «البروج»، وأوسطه من سورة «الطارق» إلى سورة «لم يكن»، وقصاره من سورة «إذا زلزلت» إلى آخر القرآن (1).
وأخيرا فإن لكل سورة من سور القرآن اسما واحدا، وهو الأعم الأغلب، وقد يكون لها اسمان، كسورة «البقرة» يقال لها: فسطاس القرآن، لعظمها وبهائها، و «النحل» تسمى سورة النعم، لما عدد الله فيها من النعم على عباده … وسورة «حم عسق» وتسمى الشورى، وسورة «محمد» صلى الله عليه وسلم وتسمى القتال، وسورة «فاطر» وتسمى سورة الملائكة. وسورة «الإسراء» وتسمى سورة بني إسرائيل. وقد يكون لها ثلاثة أسماء أو أكثر كسورة «غافر» والطّول والمؤمن لقوله تعالى فيها: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وكسورة «الفاتحة» التي تسمى أيضا بأم الكتاب، والسبع المثاني، وأم القرآن.
وقد كره بعضهم هذه التسميات بطريق الإضافة، وذهب إلى أن يقال في ذلك: السورة التي يذكر فيها البقرة أو آل عمران … إلخ، والدليل على صحة التسميات السابقة: الصحيح من المأثور. وقد روى الإمام البخاري في ذلك أحاديث كثيرة، أوردها تحت هذا العنوان: «باب من لم ير بأسا أن يقول: سورة--------------------------------------------
(1) انظر البرهان للزركشي 1/ 269.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

البقرة وسورة كذا وكذا» وأولها عند أبي مسعود الأنصاري قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
«الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأ بهما في ليلة كفتاه» (1).

‌‌ثالث‌‌ا- ترتيب الآيات والسور:
(أ) ترتيب الآيات:
«الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك» كما قال السيوطي (2). وقد قال زيد بن ثابت، في الحديث الذي أخرجه البخاري «كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلّف القرآن من الرقاع». وعن ابن عباس، في الحديث الذي أخرجه أحمد، وأصحاب السنن قال: «قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني وإلى «براءة» وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت «الأنفال» من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت «براءة» من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتها في السبع الطوال».
وأخرج الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوّبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري 6/ 111 وانظر سائر أحاديث الباب.
(2) الإتقان 1/ 104 وقال الزركشي: «وأما ما يتعلق بترتيبه- القرآن- فأما الآيات في كل سورة، ووضع البسملة في أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها» البرهان 1/ 256.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [سورة النحل، الآية 90].
ولقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة السور القرآنية على مسمع من الصحابة مرتبة الآيات على نحو وجودها في الرقاع، وفي المصاحف بعد ذلك، كقراءته لسورة «الروم» في صلاة الفجر، وسورة «هل أتى على الإنسان» في صبح يوم الجمعة، وقراءته سورة «الجمعة» وسورة «المنافقين» أو سورتا «الأعلى» و «الغاشية» في صلاة الجمعة. وروى الإمام مسلم من حديث حذيفة قال: «صليت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح «البقرة» فقلت: يركع عند المائة ثم مضى فقلت:
يصلي بها ركعة، فمضى ثم افتتح «النساء» فقرأها … الحديث».
وهنالك أحاديث في فضائل السور، وأحاديث أخرى في تحديد بعض الآيات من بعض السور، كخواتيم سورة البقرة، أو العشر الأوائل من سورة الكهف، أو العشر الأواخر منها … مما يدل على تأليفها على هذا النحو (1).
والذي يبدو لنا أن موضوع التوقيف في ترتيب الآيات في السورة الواحدة مما لا يتصور فيه خلاف، بعد هذا، ولأن مسألة «النظم» القرآني التي تشكل أبرز دلائل الإعجاز في القرآن- كما سنرى- تعود إلى ذلك الترتيب، مما يدل على أنه من عمل الوحي يقينا، والله أعلم.

‌‌(ب) ترتيب السور:
أما ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه توقيفي كترتيب الآيات سواء بسواء، قال أبو جعفر النحاس: «المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين،--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان 1/ 103 - 105، وجامع الأصول 8/ 469 فما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصّل، قال أبو جعفر: وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد» (1) وروى ابن أبي شيبة في مصنفه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع المفصّل في ركعة، وأنه قرأ بالسبع الطوال في ركعة.
وروى البخاري من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: «سمعت ابن مسعود يقول في: بني إسرائيل- الإسراء- والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: إنهنّ من العتاق الأول، وهنّ من تلادي» (2) فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي ما ذهبوا إليه بأن المناسبات بين السور لا تقل عن النظم ووجه ارتباط الآيات بعضها ببعض في السورة الواحدة. وقد درج على بيان تلك المناسبات بعض المفسرين، وكانوا يطلبونها بين آخر السورة وأول السورة التي تليها، أو بين أول هذه السورة وجملة السورة السابقة في بعض الأحيان (3).
قال الزركشي: «لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفي صادر عن حكيم: أحدها بحسب الحروف، كما في الحواميم. وثانيها: لموافقة أول السورة
لآخر ما قبلها، كآخر الحمد في المعنى، وأول البقرة. وثالثها: للوزن في اللفظ، كآخر «تبّت» وأول الإخلاص. ورابعها: لمشابهة جملة السورة مثل:
(والضحى) و (ألم نشرح) … » (4).
وقد عبر عن هذا الموقف كذلك ابن الأنباري، ودافع عنه، ولخّص فيه القول على النحو التالي: قال: «إن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرّق على النبيّ صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية جوابا--------------------------------------------
(1) الإتقان 1/ 108.
(2) صحيح البخاري 6/ 101.
(3) انظر كتابنا الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن ص 373 - 380.
(4) البرهان للزركشي 1/ 260.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

لمستخبر يسأل. ويوقف جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية؛ فاتّساق السور كاتّساق الآيات والحروف، فكلّه عن محمد خاتم النبيين- عليه السلام عن رب العالمين، فمن أخّر سورة مقدّمة، أو قدّم أخرى مؤخرة، فهو كمن أفسد نظم الآيات، وغيّر الحروف والكلمات» (1).
ويورد السيوطي القول إن جمهور العلماء، منهم الإمام مالك، على أن ترتيب السور اجتهادي من فعل الصحابة، بدليل اختلاف مصاحفهم في هذا الترتيب، فمصحف علي بن أبي طالب على النزول «اقرأ، المدثّر، نون، المزمّل، تبّت، التكوير … » ومصحف عبد الله بن مسعود: «البقرة، النساء، آل عمران … ».
ولكن هذا الإطلاق فيما يورده السيوطي- جمهور العلماء! - يتعارض بشكل حاد مع الروايات الصحيحة الدالّة على أن سورا قرآنية كثيرة كانت مرتبة على هذا النحو زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم. أما ترتيب الصحابة لمصاحفهم فلم يكن أكثر من اختيار وقتي، أو مطلق جمع للقرآن، ولهذا فإنهم لم يلتزموا الدفاع عنه، بل وجدناهم قد التزموا وأقرّوا بالترتيب الذي أقرته اللجنة العثمانية التي تحدثنا عنها. وقال بعض العلماء: إن اختلاف مصاحفهم- أبيّ وعلي وعبد الله- كان قبل العرض الأخير، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رتّب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك (2).
والذي يبدو لنا من مجموع الروايات والآراء حول هذا الموضوع أن معظم سور القرآن الكريم كانت مرتبة على هذا النحو في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن العدد الأقل. أو عددا قليلا لعلّه لا يتعدى سورتين أو ثلاثا أو بضع سور- على أبعد تقدير- قد رتب على يد الصحابة- رضوان الله عليهم-. قال الإمام البيهقي:--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي 1/ 60.
(2) المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

«كان القرآن على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة، لحديث عثمان السابق».
وحين أوهم كلام لابن عطية أن هذا القدر الذي رتبه الصحابة أكثر من هذا … استدرك عليه بعض العلماء المحققين؛ قال ابن عطية- رحمه الله:
«وظاهر الآثار أن السبع الطّوال، والحواميم، والمفصل، كان مرتبا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وكان في السور ما لم يرتب، فذلك هو الذي رتّب وقت الكتب» (1).
قال أبو جعفر النحاس: «الآثار تشهد بأكثر مما نصّ عليه ابن عطية، ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف».

‌‌رابعا- حكم مخالفة ترتيب المصحف:
إن هذا الترتيب الذي نجده في المصاحف، مبدوءا بسورة الفاتحة، ومختتما بسورة الناس … قد تم كما رأينا في العهد النبوي وفي الصدر الأول من الإسلام، ومضت الأمة على الالتزام بالعمل به هذه القرون المتطاولة من الزمان … فصار العمل به والوقوف عنده لازما لا يجوز التحوّل عنه أو المصير إلى غيره، بل لا يجوز ذلك حتى لو كان مستند هذا الترتيب اجتهاد الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين-.
لا يجوز إذن طبع المصحف، أو «تأليف سوره في الرسم والخط خاصة» (2) بحسب عبارة بعض العلماء، على غير هذا الترتيب. أما تلاوة القرآن في الصلاة، وتعليم سوره في المساجد أو دور العلم … فيجوز فيهما مخالفة هذا الترتيب؛ قال أبو الحسن بن بطّال: «ولا يعلم أن أحدا قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة، وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف! ألا ترى قول عائشة- رضي الله عنها للذي سألها:--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 54 طبع قطر.
(2) راجع القرطبي 1/ 61.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

لا يضرّك أيّة قرأت قبل، وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها».
ويضيف أبو الحسن قائلا: «وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا، وقالا: ذلك منكوس القلب! فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة- الواحدة- منكوسة، ويبتدئ من آخرها إلى أولها، لأن ذلك حرام محظور … وفيه إفساد للسورة ومخالفة لما قصد بها» (1).
أما ترتيب سور القرآن بحسب النزول، لا للتدوين في المصاحف، ولكن في كتب التفسير، أو بغرض التفسير فقد ذهب إلى جوازه بعض العلماء. وإن كنا نرى أنه غير مستساغ لأن فيه خدشا «لصورة» الإجماع السابق، وقد لا يكون كذلك ممكنا بغير قدر من التجاوز، لأن السورة من القرآن لم تكن تنزل دائما مرة واحدة، أو لم تكن تنزل آية أو آيات من سورة ثانية إلا بعد أن يكتمل بناء السورة السابقة، فالترتيب بحسب النزول لا يمكن وصفه بالدقة .. إلى جانب ما فيه من تضخيم مرحليّة البناء، وتضييق ساحة النص القرآني الذي أراد الله تعالى له أن يكون عاما شاملا، يعين تنجيمه وأسباب نزوله على مزيد من الفهم، لا على الانغلاق في حدود البيئة أو الزمان، ولهذا فإننا نكره العبارات القائلة: المكّي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني: ما وقع خطابا لأهل المدينة … ونحو ذلك من العبارات والمواقف التي ملئت بها كتب التفسير!! ولعل هذا أن يكون أحد الأسباب الحاسمة في ترجيح رأي من يقول إن ترتيب السور جميعها كان بتوقيف. حيث تعاقبت السور المكية والمدنية في المصحف. أو تبادلت هذا التعاقب، بل الذي بدئ فيه بأربع سور مدنية طوال تتألف من قرابة ثمانمائة آية .. لم يتقدمها من الآيات المكية سوى سورة الفاتحة، التي تمثل خلاصة العهد المكي، وتتألف من سبع آيات قصار، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) القرطبي 1/ 61.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

‌‌الباب الثالث إعجاز القرآن
* الفصل الأول: الإعجاز: وقوعه ومعناه.
* الفصل الثاني: آراء ونظريات حول الإعجاز.
* الفصل الثالث: الفاصلة القرآنية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

‌‌الفصل الأول الإعجاز: وقوعه ومعناه
‌‌أولا- مدخل وتمهيد:
للحديث عن «إعجاز القرآن» جانبان بارزان: الجانب التاريخي، والجانب الموضوعي. ونعني بالجانب التاريخي: تلك المقدمات والوقائع الدالة على وقوع التحدّي بالقرآن في التاريخ- وبخاصة في زمن النزول- ومعنى هذا التحدّي، ومعنى لزومه في أعناق العالمين إلى يوم الدين. كل ذلك من خلال الوقائع التاريخية الثابتة ذاتها. أما الجانب الثاني، وهو الجانب الموضوعي، فنريد به الوجه- أو الوجوه- التي صار بها القرآن معجزا حتى انفصل من جنس كلام العرب أجمعين، وحتى لزمهم هم وسائر العالمين ذلك العجز المشار إليه.
ونعرض في هذا الجانب لأهم النظريات التي قيلت في تفسير هذا الإعجاز.
والحديث عن الجانب التاريخي واسع ومتشعب، وبخاصة إذا لزمنا طريقة المتكلمين في التذكير بجملة أخرى من المقدمات التي تعلم ضرورة- أي تعلم من طريق العلم الضروري الذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك- مثل الكلام على ظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في الجزيرة العربية، وما كان من أمر دعوته العالمين إلى الإيمان بنبوّته، وأنّ دينه خاتمة الرسالات، وما كان من شأنه مع قومه في الدعوة والسلم والحرب … إلخ، ثم الانتقال التفصيلي بعد ذلك إلى وقائع التحدّي،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

ووقائع الإيمان الكثيرة من خلال سماع هذا القرآن … ثم الحديث عن معجزة القرآن، ومحلها من سائر معجزات النبيّ صلى الله عليه وسلم … إلخ. ولكننا آثرنا هنا أن نعرض لطرف واحد من هذه الجوانب- وأكثرها مسلّم أو معروف- وهو الجانب التاريخي المباشر، وبالقدر الذي يصلح مدخلا وتمهيدا كاشفا للحديث عن الجانب الموضوعي الذي سنتولى الحديث عنه في الفصل القادم.
ونقدم هنا للحديث عن هذين الجانبين بملاحظتين هامتين:
الأولى: أن القرآن الكريم هو معجزة النبيّ صلى الله عليه وسلم الكبرى أو الرئيسة، ودليله على النبوّة، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى، وأن هذه المعجزة يقابلها في معجزات الأنبياء السابقين- أي في دليلهم على نبوّتهم- تلك الأمور الناقضة للعادة، والمخالفة للمألوف من سنن الكون والطبيعة. وعلى الرغم من أن المعجزة على هذا النحو ليست أمرا مناقضا للعقل، لأن التلازم الموجود في واقع الطبيعة بين الأسباب والنتائج، أو بين الأسباب والمسببات ليس تلازما عقليا كتلازم المقدمة والنتيجة في القضايا العقلية أو المنطقية أو الرياضية، وإنما هو تلازم المشاهدة والإحصاء، أي تلازم «التجربة» ليس غير! أقول: على الرغم من ذلك فإن من خصائص النبيّ ومن خصائص رسالته صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى هيأ له معجزة عقلية علمية بيانية يدركها الإنسان أو يزداد علما بآفاقها وميادينها بمقدار إمعانه في العقل والفهم، وبمقدار ما يقف عليه من قوانين الكون وسنن الطبيعة ..
لا بمقدار ما يتم أمامه من تجاوز لهذه القوانين، أو تعطيل لتلك السنن!
إن هذا التعطيل- في معجزات الأنبياء السابقين- كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم- عليه السلام، أو قلب العصا حيّة لموسى- عليه السلام على سبيل المثال، يحمل
الإشارة إلى أن الله تعالى الذي وضع هذه السنن في الطبيعة، هو الذي يقف عملها لنبيّ من الأنبياء .. ليدل الناس على أنه رسوله، وأنه صادق في دعواه التبليغ عن ربّه عز وجل .. مقدّر هذه السنن .. وواضع هذه القوانين! وغني

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)

عن البيان أن نشير بهذه المناسبة إلى أن هذه السنن التي وضعت من أجل أن يتعامل معها الإنسان، ويسخر من خلالها الكون لمنفعته، من وجه، ويرى فيها- من وجه آخر- آية الحكمة والدلالة على الخلق والإبداع. لا يمكن لها أن تحكم على واضعها ومقدرها بطبيعة الحال! فالله تعالى وضعها للأنام، وحين يبطل عملها في موقف من المواقف فمن أجل مصلحة الأنام كذلك!
الملاحظة الثانية: أما الملاحظة الثانية فهي مبنية على هذه الملاحظة الأولى، ومنطلقة منها، وهي أن اختلاف الكلاميين والبلاغيين وسائر العلماء والدارسين على وجه العموم في تفسير الإعجاز، أو في تعيين الوجه الذي صار به القرآن معجزا حتى استحال على الثّقلين جميعا أن يأتوا بسورة مثله … لا ينفي وقوع الإعجاز وثبوته، أو يقلل من شأن القضية؛ بل على العكس من ذلك تماما لأنه يضعنا أمام الملاحظة السابقة، أو أمام ما نسميه عادة «البعد التاريخي للقرآن» فإذا كان القرآن يخاطب الناس أو يخاطب به الناس في جميع العصور؛ فمن الراجح أن جيلا من الأجيال، أو عصرا من العصور لا يستقل بتقديم نظرية أو رأي يفسر به إعجاز القرآن من كل وجه .. نقدم هذه الملاحظة الآن مع تسليمنا بأن الإعجاز الذي وقع به التحدّي إنما كان وجها بيانيا أو بلاغيا صرفا، كما سنوضح ذلك في الفصل التالي. ونكتفي هنا بالإشارة إلى أن هذه الملاحظة هي التي ستفسر لنا أن شعورنا- مع بعدنا النسبي عن السليقة العربية- بحقيقة الإعجاز ونحن نقرأ القرآن أو نستمع إليه أكبر من أن تفسره، أو تتسع لتفسيره جميع النظريات والآراء التي قيلت في هذا الباب على أهمية بعضها البالغ في الأخذ بيدنا نحو تفهم المزيد من أسباب ذلك الإعجاز الضارب في التاريخ .. والخالد كذلك في المستقبل.
ونذكر بهذه المناسبة بأن أبا بكر الباقلاني صاحب الكتاب القيم في «إعجاز القرآن» - على ما في كتابه من جوانب قد نعرض لنقد بعضها فيما بعد- كان يخامره ذلك الشعور فيما يبدو، حين قدم في كتابه طائفة من أبلغ ما وصل إلينا من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

كلام العرب، بما في ذلك بعض خطب النبيّ صلى الله عليه وسلم نفسه، وخطب سيدنا على بن أبي طالب- كرّم الله وجهه-، وخطب أخرى لسائر أرباب الفصاحة والبيان في الجاهلية والإسلام .. ليضع بين يديك فيما يبدو- أي الباقلاني- الموقف العملي، أو الدرس التطبيقي الذي تحسه أنت وتعيشه- كما يقال- والذي يثبت لك انفصال كلام الله عن سائر أنواع الكلام بوجوه من البيان صار بها معجزا …
وإن قصّر بالكاتب علمه وقلمه عن إدراك هذه الوجوه، أو عن نقلها والتعبير عنها … هذا في كتاب الباقلاني جانب إيجابي فيما نقدر، نحب بهذه المناسبة أن ننوّه به ونلفت النظر إليه.

‌‌ثانيا- الإعجاز حقيقة تاريخية:
قال الجاحظ: «بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدّة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار: الهوى والحميّة دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه- إن كان كاذبا- بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها، تكشف عن نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيا!
فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوا مفتريات!! فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر … ولو تكلّفه (أي لو استطاعه) لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض.
فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستقامة لغتهم، وسهولة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)

ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه، من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال. وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات.
ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع، والمزدوج، واللفظ المنثور. ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم، فمحال- أكرمك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة!! وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه» اه.
نقلنا لك هذا النص بطوله من كلام هذا الإمام من أئمة الفكر والبيان في أدب العرب، لأنه يلخص جميع المقدمات التاريخية التي كنا نود الحديث عنها، ويغني فيها ما تغنيه المطوّلات. إلى جانب ما أشار إليه من نقاط كثيرة أخرى يصعب بسط الكلام فيها في مثل هذه الفصول الموجزة. وبحسبنا هنا أن نشير إلى تأثير القرآن الكريم في العرب كأنه السحر، ولكنه ليس بالسحر «فشتان بين السحر في تخييله، وبين القرآن في اشتماله على الحق الذي لا خداع فيه ولا تخييل» (1) كما يقول الشيخ الزفزاف رحمه الله،
وكان ذلك فيهم منذ اللحظة الأولى لنزول القرآن، سواء منهم من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره غشاوة. قال صاحب--------------------------------------------
(1) التعريف بالقرآن والحديث، للأستاذ الشيخ محمد الزفزاف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

التصوير الفني في القرآن: «وإذا تجاوزنا عن النفر القليل الذين كانت شخصية محمد صلى الله عليه وسلم وحدها هي داعيتهم إلى الإيمان في أول الأمر، كزوجه خديجة، وصديقه أبي بكر، وابن عمه علي، ومولاه زيد، وأمثالهم، فإنا نجد القرآن كان العامل الحاسم، أو أحد العوامل الحاسمة في إيمان من آمنوا أوائل الدعوة، يوم لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم حول ولا طول، ويوم لم يكن للإسلام قوة ولا منعة. وقصة إيمان عمر بن الخطاب، وتولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة للإيمان والتولّي، وكلتاهما تكشف عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ اللحظة الأولى، وتبيّنان في اتجاهين مختلفين عن مدى هذا السحر القاهر الذي يستوي في الإقرار به المؤمنون والكافرون» (1).
بل بلغ من تأثير القرآن فيهم أنهم خافوا على من يعرف بليغ القول من قومهم أن يسلموا لسماع القرآن، فقالوا لهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) [سورة فصلت، الآية 26]. إنها طريقة في النصر والغلب طريفة وسابقة: والغوا فيه!! .. أي لا تمكنوا الناس من سماع القرآن، وذلك بما تحدثونه، عند قراءة النبيّ له، من صخب وتشويش وضوضاء!
روى البيهقي في دلائل النبوة أن أبا جهل بن هشام، وأبا سفيان بن حرب، والأخنس بن شريق كانوا يتواصون ألا يستمعوا لهذا القرآن، ويحذرون الناس أن يميلوا إلى سحره! ولكنهم تحت تأثير لا يستطيعون مقاومته كانوا يتسلّلون تحت جنح الظلام إلى حيث يستمعون إلى النبيّ وهو يقرأه في الكعبة .. فإذا انصرفوا بعد القراءة تلاقوا في الطريق فأخذوا يتلاومون ويتعاهدون ألا يعودوا .. وذلك خوفا من أن يقتدي بهم الملأ من قريش .. وفي الليلة الثالثة اجتمعوا وتلاقوا مستنكرين، فلما كان الصباح ذهب الأخنس بن شريق إلى أبي سفيان فقال له:
أخبرني أبا حنظلة عما سمعت من بيان محمد! فقال: لقد سمعت أشياء أعرفها--------------------------------------------
(1) «التصوير الفني في القرآن» لسيد قطب رحمه الله، ص 11.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)