ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى منزلا، بل الذي أنزل منه قليل من كثير، قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) [سورة الكهف، الآية 109].
وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [سورة لقمان، الآية 27].
وتقييد المنزّل بكونه على «محمد صلى الله عليه وسلم» لإخراج ما أنزل على الأنبياء من قبله، كالتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، والصحف المنزلة على إبراهيم، عليهم السلام.
أما قيد «المتعبّد بتلاوته» - أي المأمور بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة- فلإخراج ما لم نؤمر بتلاوته من ذلك، كالقراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، وكالأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله عز وجل (1)، إن قلنا إنها منزلة من عند الله بألفاظها.
3 - أما الأحاديث النبوية فإنها بحسب ما حوته من المعاني تقسم إلى قسمين:
قسم توفيقي، استنبطه النبيّ بفهمه ونظره في كلام الله تعالى، أو بتأمله في حقائق الكون. وهذا القسم ليس من كلام الله تعالى.
وقسم توقيفي، تلقى الرسول مضمونه من الوحي فبيّنه للناس بكلامه، وهذا القسم وإن كان ما فيه من العلوم منسوبا إلى معلمه وملهمه سبحانه، لكنه- من حيث هو كلام- حريّ بأن ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الكلام إنما ينسب إلى--------------------------------------------
(1) الحديث القدسي هو الذي يرويه النبيّ صلى الله عليه وسلم على أنه من كلام الله. «قال رسول الله: قال الله تعالى، أو قال رسول الله فيما يرويه عن ربه»، وقد نقلت إلينا الأحاديث القدسية على النحو الذي تم فيه نقل الأحاديث النبوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
واضعه وقائله الذي ألّفه على نحو خاص، ولو كان ما فيه من المعنى قد تواردت عليه الخواطر وتلقاه الآخر عن الأول.
فالحديث النبوي إذا خارج بقسميه من القيد الأول «وهو كون الكلام كلام الله» في هذا التعريف (1).
وكذلك الحديث القدسي إن قلنا إنه منزل بمعناه فقط. وهذا هو أظهر القولين فيه. لأنه لو كان منزّلا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني؛ إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله تعالى، فكان من لوازم ذلك المحافظة على نصوصه، وإجزاء قراءته في الصلاة، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعا، وعدم جواز مسّه للمحدث. ولا قائل بذلك كله.
وأيضا فإن القرآن لما كان مقصودا منه مع العمل بمضمونه شيء آخر وهو التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته، احتيج لإنزال لفظه- ولهذا فإن ترجمته لا تعتبر قرآنا- والحديث القدسي لم ينزل للتحدي ولا للتعبد، بل لمجرد العمل بما فيه، وهذه الفائدة تحصل بإنزال معناه، فالقول بإنزال لفظه قول بشيء لا داعي في النظر إليه، ولا دليل في الشرع عليه، اللهم إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله بصيغة «يقول الله تبارك وتعالى كذا» (2).
لكن القرائن التي ذكرناها آنفا كافية في فسح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه، وهذا تأويل شائع في العربية فإنك تقول حينما تنثر بيتا من الشعر «يقول الشاعر كذا» وتقول حينما تفسر آية من كتاب الله بكلام من عندك: «يقول الله تعالى كذا» وعلى هذه القاعدة حكى الله تعالى عن موسى--------------------------------------------
(1) النبأ العظيم ص 10 - 11، للأستاذ المحقق الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله. وانظر فيه تفصيلات أخرى في تحديد معنى القرآن.
(2) المصدر السابق ص 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وفرعون وغيرهم مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم وأسلوب غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم (1). والله تعالى أعلم.
4 - ملاحظة هامة حول هذه الفروق: وتذكّرنا هذه الفروق بين القرآن الكريم وأنواع الحديث النبوي، بضرورة القول إن لدينا اليوم، وبعد هذه القرون التي مرت على بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن، المصادر التالية المستقلة، أو المفصول بعضها عن بعض، وإن هذا الفصل والتمييز يعد من أبرز خصائص الأمة الإسلامية. ومن أهم مزايا الإسلام ومصادر الثقافة الإسلامية:
(أ) لدينا أولا: القرآن الكريم، بوصفه كلام الله تعالى المنزل أو الموحى به بلفظه ومعناه، أو بوصفه النص الإلهي المبرّأ من التحريف والتبديل.
(ب) ولدينا إلى جانبه: كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو أقواله وأحاديثه الشريفة، التي لم تختلط بحرف واحد منها بالقرآن الكريم. سواء أكانت أحاديث قدسية أم عادية- مع التنويه بهذه الدقة في التمييز بين هذين النوعين- علما بأن نسبة الأحاديث القدسية ضئيلة إذا ما قيست بسائر أحاديث النبيّ الكريم- صلوات الله وسلامه عليه-. وبغض النظر عن طبيعة موضوعاتها، ودرجة توثيقها عند المحدّثين.
(ج) وعندنا كذلك: الصورة الكاملة لأعمال النبيّ صلى الله عليه وسلم وحياته اليومية، الخاصة والعامة في السلم والحرب. وقد تضمّنتها كتب (السيرة النبوية) التي يمكن وصفها باختصار بأنها: تاريخ حياة النبيّ عليه الصلاة والسلام.
(د) ويوجد إلى جانب هذه المصادر الثلاثة: القرآن والحديث والسيرة، مصادر خاصة بحياة الصحابة- رضوان الله عليهم-، وبطبقاتهم كذلك.
(هـ) ولدينا أخيرا كتب التاريخ العام: أو كتب التاريخ .. على اختلاف طرائقها في التأليف.--------------------------------------------
(1) النبأ العظيم ص 11 مطبعة السعادة، مصر 1389 هـ- 1969.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وليس هنالك أدنى خلط أو تداخل بين القرآن والسنّة القولية، أو بين القرآن والسيرة وتاريخ الأصحاب- عليهم الرحمة والرضوان-. بل إن من الملاحظ- كما سنشير إلى ذلك عند الكلام على الوحي- أن القرآن الكريم نادرا ما يتحدث عن تاريخ «محمد» - صلّى الله عليه وعلى آله- الإنسان، وعن آلامه العظمى، أو مسرّاته التي لم ترد فيه قط!!
ونستطيع أن نؤكد بعد ذلك أن هذا التمييز المطلق الذي نملكه الآن، والذي حرص النبيّ صلى الله عليه وسلم على تأكيده حين نهى عن كتابة القرآن والحديث في صحيفة واحدة، تفتقر إليه الديانات والكتب السماوية السابقة التي يختلط فيها النص الإلهي المنزل أو الموحى به، حتى إنه لا يبين … بأقوال النبيّ ومواعظه وأخباره وسيرته مع أصحابه ومع الناس. والتي وردت فيها صفحات مطوّلة، أو (أسفار) كثيرة في الأدب والتاريخ!
ثانيا- مقارنة سريعة مع هذه الكتب السماوية:
ويكفينا عند المقارنة، من أجل تأكيد هذه الملاحظة: أن نعرّف فقط بالتوراة والإنجيل، لنقف على مدى الخلط الذي آل إليه (الوحي) أو الكتاب الذي نزل على موسى وعيسى- على نبيّنا وعليهما الصلاة والسلام-. ولكن لا بد من الإشارة إلى (الزيادات) أو الملحقات التي أضيفت إلى هذين الكتابين- فضلا عن التحريف والتبديل الذي لحق بهما- لأن هذه الزيادات تبرز بدورها، أو تؤكد مدى ضياع النص الإلهي الموحى به، ومدى الإغراق الذي أصابه في خضم هذه الزيادات والملحقات التي غلبت على (الأصل)! ومدى الخلط الذي حصل في مصادر الدين والتشريع في تاريخ اليهودية والمسيحية … حيث جمعت هذه المصادر على صعيد واحد بين الوحي المنزل، وخطب الأنبياء وأحاديثهم وأمثالهم ومواعظهم، وسيرتهم وحياتهم، وأعمال الرسل، وحياة الحواريين أو الأصحاب، وحياة الملوك، وتاريخ بني إسرائيل!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
يطلق اسم أو مصطلح (أهل الكتاب) في القرآن الكريم على اليهود والنصارى. وغني عن البيان أن سيدنا عيسى بن مريم- عليه السلام بعث في بني إسرائيل خاصة، وهو لذلك أحد أنبيائهم؛ قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصف، الآية 6].
وقال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [سورة آل عمران، الآيتان 48 - 49].
وجاء في الإنجيل: «لم أرسل إلّا إلى خراف بني إسرائيل الضالّة» (1).
وهكذا، فإن الشريعة اليهودية، أو الحقبة الإسرائيلية السابقة على عيسى ..
نجدها ممتدة في النصرانية ومستمرة معها (2).
ومن هنا يبدو المصطلح القرآني: «أهل الكتاب» واضحا ومعجزا في جمع اليهود والنصارى في كتاب واحد، أو على كتاب واحد، علما بأن مصطلح «الكتاب» أو كلمة: كتاب، وحدها … تطلق في القرآن على جميع كتب الله تعالى المنزلة؛ إشارة كذلك إلى تصديق هذه الكتب بعضها بعضا، وأنه لا تناقض بينها ولا اختلاف!
ولهذا جاء القرآن الكريم مصدّقا لما بين يديه من «الكتاب» ومهيمنا عليه …
وقد انفرد بحق الهيمنة على سائر الكتب السابقة، أو انفرد بحق الحكم والتصويب، بوصفه الكتاب الأخير الذي تكفّل الله تعالى بحفظه من التحريف إلى يوم الدين.--------------------------------------------
(1) الكتاب المقدس: إنجيل متّى، الإصحاح 15.
(2) ما تزال «التقاليد الثقافية اليهودية المسيحية للحضارة الأوروبية» توصف بهذين الوصفين مجتمعين، على حدّ قول بعض الساسة الأوروبيين المعاصرين. وتشكل روح حضارة القوم ونسيج مجتمعاتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
قال الله تعالى في سورة المائدة: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [الآية 48].
إن (الكتاب المقدس - THE BIBLE الواحد- لدى النصارى يشمل توراة موسى وإنجيل عيسى- عليهما السلام. أو يشمل:
(أ) التوراة وسائر الأسفار المقدسة التي ألحقت بها وأضيفت إليها في الحقبة اليهودية أو الموسوية … أو قبل مجيء المسيح عيسى بن مريم- عليه السلام. وسميت جميعها بالعهد القديم.
(ب) الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل في العهد المسيحي. وسميت بالعهد الجديد.
وواضح من هذه التسمية: العهد القديم والعهد الجديد، أنها من عمل العصور المسيحية؛ تفريقا بين العهد- أو الميثاق- الذي جاء به موسى- عليه السلام، أو انحدر إليهم من عهده. والعهد أو الميثاق الجديد من عهد عيسى (1).
ولا يتسع المجال هنا لتفصيل القول في أسفار العهد القديم، وفي الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، والمشكلات التي تثيرها هذه الأسفار والأناجيل، أو التي يثيرها النظر في تاريخ (الكتاب المقدس) على وجه العموم، وتاريخ تكوّن أو تشكّل العقيدة المسيحية- عقيدة التثليث- على وجه الخصوص: لأن هذا كله موضعه الكتب المتخصصة في تاريخ الأديان.
وكل ما قصدنا إليه في هذا السياق: بيان أن الخلط والتحريف قد لحق--------------------------------------------
(1) راجع: الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام، للأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي رحمه الله ص 12 - 13، دار نهضة مصر، القاهرة 1971.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
بالوحي أو التنزيل عند اليهود والنصارى، وأن الحيف الشديد قد لحق بالتوراة والإنجيل حتى كاد أن يعصف بهما، بل عصف بهما على الحقيقة! كل ذلك من أجل الوقوف على جانب أو طرف من المزيّة الإسلامية في حفظ القرآن الكريم من التحريف والتبديل، إلى جانب عدم الخلط بينه وسائر النصوص النبوية والمصادر الأخرى في تاريخ الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي.
ونكتفي لبيان ذلك بالملاحظات التالية على كل من العهد القديم والعهد الجديد:
العهد القديم: تعريف وملاحظات:
1 - يتألف العهد القديم من تسعة وثلاثين سفرا، موزعة على الأسفار التالية:
(أ) الأسفار الناموسية أو الموسوية، وعددها خمسة أسفار وهي: سفر التكوين وسفر الخروج وسفر التثنية وسفر اللاويين (الأحبار) وسفر العدد «وتشتمل هذه الأسفار الخمسة على التوراة في نظر اليهود» ولهذا أطلق عليها لفظ «الناموسية» أي الموحى بها بطريق الناموس الذي نزل على موسى- عليه السلام.
(ب) الأسفار التاريخية، وهي اثنا عشر سفرا تعرض لتاريخ بني إسرائيل بعد استيلائهم على بلاد الكنعانيين، وبعد استقرارهم في فلسطين، وتفصل تاريخ قضاتهم وملوكهم وأيامهم والحوادث البارزة في شئونهم.
(ج) الأسفار الشعرية أو أسفار الأناشيد، وعددها خمسة أسفار … وهي سفر أيوب، ومزامير داود، وأمثال سليمان، والجامعة من كلام سليمان، ونشيد الإنشاد. وواضح من تسمية هذه الأسفار، ومن مضامينها، أنها كتبت بلغة شعرية، وأنها أناشيد ومواعظ. مع الإشارة إلى ما تضمّنه نشيد الإنشاد من انحلال خلقي يضارع شعر المجون!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
(د) أسفار الأنبياء، وعددها سبعة عشر سفرا، وهي أسفار أشعياء، وأرمياء، ومراثي أرمياء، وحزقيال، ودانيال … إلخ.
2 - أهم هذه الأسفار: الأسفار الناموسية الخمسة الأولى، لأنها هي التي ينسبها اليهود إلى موسى، ويعتقدون أنها بوحي من الله وأنها تتضمن التوراة- أما بعد سائر الأسفار عن أن تكون وحيا فأوضح من أن يشار إليه- يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي في أسفار التوراة هذه: «لقد ظهر للمحدثين من الباحثين من ملاحظة اللغات والأساليب التي كتبت بها هذه الأسفار، وما تشتمل عليه من موضوعات وأحكام وتشاريع، والبيئات الاجتماعية والسياسية التي تنعكس فيها، ظهر لهم من ملاحظة هذا كله أنها قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى بأمد غير قصير- وعصر موسى يقع على الأرجح حوالي القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد- وأن معظم سفري التكوين والخروج قد ألف حوالي القرن التاسع قبل العدد واللاويين قد ألّفا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد … وأن جميعها مكتوبة بأقلام اليهود، وتتمثل فيها عقائد وشرائع مختلفة تعكس الأفكار والنظم المتعددة التي كانت سائدة لديهم في مختلف أدوار تاريخهم الطويل … فهي إذن تختلف كل الاختلاف عن التوراة التي يذكر القرآن الكريم أنها كتاب سماوي مقدس أنزله الله تعالى على موسى (1)، وإلى هذا يشير القرآن الكريم، يقول الله تعالى:
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) [سورة البقرة، الآية 79].
3 - صورت التوراة المزعومة هذه- وخاصة في سفري التكوين والخروج- الذات الإلهية بصورة مجسّمة، وشبّهت الله سبحانه بخلقه- حتى قال علماؤنا: إن التشبيه من دين اليهود- بل لقد وصف الله تعالى- في هذه--------------------------------------------
(1) الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام، ص 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
التوراة! - بالضعف، والكذب، والغفلة، والندم، والتعب (1)!! وأنه يجري عليه البداء (2)، وسائر ما يجري على الناس بوجه عام، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وورد ما هو أسوأ من ذلك في سفر التكوين بحق أنبياء الله ورسله! فوصف نوح- عليه السلام بأنه شريب خمر، وقالوا في إبراهيم- عليه السلام إنه تاجر بعرض زوجته من أجل متاع دنيوي، وجاء في سفر التكوين أيضا أن لوطا شرب الخمر، وزنى بابنتيه، فأنجبتا منه مؤاب وعمون … في قصة مختلقة تقشعر منها الأبدان (3)! … إلخ.
إن هذا وأمثاله يبرز مدى التحريف الرهيب الذي عصف بالعهد القديم وبالكتاب المقدس … كما قلنا، فأخرجه عن الوحي والقداسة، والصدق والحق … بل أخرجه كذلك عن العقل والذوق والأدب!.--------------------------------------------
(1) انظر قصة صراع يعقوب مع الله! وكيف أنه كان قويا على ربه، حتى سماه إسرائيل (وهذا أحد معاني هذه الكلمة في العبرية) في سفر التكوين، الإصحاح 32 الفقرات 24 - 32. وراجع الكتاب المشار إليه سابقا للدكتور وافي: الأسفار المقدسة، ص 32. وانظر ما ورد في سفر التكوين أيضا من أن الله سبحانه بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام استراح في اليوم السابع! وكان يوم سبت فباركه وحرّم فيه العمل. الفقرات الأولى من الإصحاح الثاني. وانظر الفقرات 21 - 22 من الإصحاح 13. والفقرات 16 - 20 من الإصحاح 19 ....
(2) انظر الفقرات الأولى من مطلع سفر التكوين. والبداء- بفتح الباء- معناه أن تبدو لله تعالى الأمور كأنه كان لا يعلمها قبل أن تقع، أو كأنها لم تقع لأنها كانت في علمه الذي أحاط بكل شيء، سبحانه وتعالى. وقد حكم علماؤنا بكفر من يقول بجواز البداء على الله تعالى.
(3) الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين. وانظر في اتهام سيدنا إبراهيم- عليه السلام الإصحاح الثاني عشر الفقرات 10 - 19. وفي اتهام نوح- عليه السلام الإصحاح التاسع، الفقرات 20 - 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
العهد الجديد: تعريف وملاحظات:
تتألف أسفار العهد الجديد من ثلاث مجموعات، وسفرين. أما المجموعات فهي: مجموعة الأناجيل، وعددها أربعة، ومجموعة رسائل بولس، وعددها أربعة عشرة رسالة. ومجموعة الرسائل الكاثوليكية، وعددها سبع رسائل. وأما السفران فهما: سفر «أعمال الرسل» للوقا، وسفر «رؤيا يوحنا» أو «الأبوكاليبس» ليوحنا.
وأبرز هذه المجموعات: الأناجيل الأربعة، لا لأنها تستأثر بنحو ما يقرب من نصف صفحات العهد الجديد .. بل لأنها هي التي يظن بأن لها علاقة بالوحي، أو ب (الإنجيل) الذي نزل على سيدنا عيسى بن مريم، والذي تحدث عنه القرآن الكريم. بالإضافة إلى أنّ هذه الأناجيل تحتل في النصرانية مكان القطب والعماد، يقول العلّامة الشيخ محمد أبو زهرة- رحمه الله: «وإذا كانت شخصية المسيح وما أحاطوها به من أفكار هي شعار المسيحية؛ فإن هذه الأناجيل هي المشتملة على أخبار تلك الشخصية، من وقت الحمل إلى وقت صلبه في اعتقادهم، وقيامته من قبره بعد ثلاث ليال، ثم رفعه بعد أربعين ليلة، وهي بهذا تشتمل على عقيدة ألوهية المسيح في زعمهم، والصلب والفداء، أي أنها تشتمل على لبّ المسيحية في نظرهم بعد المسيح ومعناها» (1):
(أ) إنجيل متّى، أما إنجيل متّى فمؤلفه هو الرسول متى، أحد الحواريين الاثنى عشر- والكنيسة تسمي هؤلاء الحواريين أو التلاميذ رسلا- وإنجيله هو أقدم الأناجيل، إذ يرجع تأليفه إلى سنة 60 م على الأرجح. وقد كتب بالعبرية، ولكنه لم يعرف إلا باليونانية، ولا يعلم من الذي قام بترجمته إلى هذه اللغة.
(ب) أما إنجيل مرقص، فمؤلفه هو القديس مرقص- وهذا لقبه، واسمه يوحنا---------------------------------------------
(1) محاضرات في النصرانية، لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى، ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
أحد التلاميذ السبعين. وقد ألفه باليونانية حوالي سنة 63 أو 65 على أرجح الأقوال. ويروي ابن البطريق، أحد المؤرخين المسيحيين الشرقيين، أن الذي كتب هذا الإنجيل هو بطرس نفسه، رئيس الحواريين، ونسبه إلى تلميذه مرقص!
(ج) وإنجيل لوقا، مؤلفه القديس لوقا. وقد ألّفه على أرجح الأقوال في العصر نفسه الذي ألّف فيه مرقص إنجيله، أي حوالي سنة 63 أو 65، وألفه باللغة اليونانية. «وقد اختلف الباحثون في شخصية كاتبه، وفي صناعته، وفي القوم الذين كتب لهم، وفي تاريخ تأليفه. ولم يتفقوا إلا على أنه ليس من تلاميذ المسيح، ولا تلاميذ تلاميذه، وإلا على أنه كتب باليونانية» (1).
(د) أما إنجيل يوحنا، فينسب إلى الرسول يوحنا بن زبدي- أحد الحواريين الاثنى عشر- وألّفه على الأرجح باللغة اليونانية، وكان تأليفه له حوالي سنة 90 بعد الميلاد على أرجح الأقوال «فهو لذلك أحدث الأناجيل جميعا إذ تفصله عنها مرحلة زمنية كبيرة تبلغ زهاء ثلاثين عاما»، ويعد هذا الإنجيل في الوقت نفسه أخطر هذه الأناجيل لأن بعض فقراته تضمّنت ذكرا صريحا لألوهية المسيح! وقد كان هذا الاعتقاد هو الباعث على «تأليف» هذا الإنجيل، لأن بعض الناس- كما تقول الكنيسة- قد سادت عندهم فكرة أن المسيح ليس بإله! وأن كثيرين من فرق الشرق كانت تقرر تلك الحقيقة، فطلب إلى يوحنا أن يكتب إنجيلا يتضمن بيان هذه الألوهية، فكتب هذا الإنجيل! (2).--------------------------------------------
(1) محاضرات في النصرانية، ص 57. وانظر حول هذه الأناجيل جميعا: أبو زهرة رحمه الله، ص 46 - 66، والدكتور وافي: الأسفار المقدسة: 76 فما بعدها.
(2) أبو زهرة، المصدر السابق، ص 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وقد ارتاب في صحة نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري بعض الفرق المسيحية القديمة في أواخر القرن الثاني الميلادي، وكثير من الباحثين في المسيحية من قدامى ومحدثين. ومن هؤلاء: العلماء الذين أشرفوا على تحرير المسائل المسيحية في دائرة المعارف البريطانية، فقد قالوا: «إنه لا مرية في أن مؤلف إنجيل يوحنا شخص آخر غير يوحنا بن زبدي الحواري المشهور» ومن هؤلاء العلماء المحدثين كذلك: مؤلفو دائرة المعارف الفرنسية المشهورة باسم:
«لاروس القرن العشرين» فقد ذكروا أنه «ينسب ليوحنا هذا: الإنجيل، وأربعة أسفار أخرى من العهد الجديد- ثلاث من الرسائل الكاثوليكية ورؤيا يوحنا- ولكن البحوث الحديثة في مسائل الأديان لا تسلّم بصحة هذه النسبة» (1).
ثالثا- النتائج والملاحظات:
1 - يدل هذا العرض الموجز على أن هذه الأناجيل لم تنزل على المسيح عيسى بن مريم- عليه السلام ولم توح إليه .. وغني عن البيان أنه- عليه السلام أوحي إليه بإنجيل واحد .. علما بأن مؤرخي النصرانية مجمعون على أن الأناجيل- في تاريخ المسيحية- كثرت كثرة عظيمة! وحين أرادت الكنيسة في أوائل القرن الرابع الميلادي أن تحافظ على الأناجيل الصحيحة أو الصادقة- في نظرها- اختارت هذه الأناجيل الأربعة من بين عشرات الأناجيل!
2 - وليست هذه الأناجيل كذلك من «إملاء» المسيح، حتى تكون عند أصحابها بمنزلة السنّة عندنا نحن المسلمين- على سبيل المثال- بل هي أقرب ما تكون إلى سيرة المسيح وتاريخ حياته، كتبها بعض حواريّيه وسواهم على النحو الذي تذكّروه- بعد ثلاثين عاما من رفعه- عليه الصلاة والسلام أو على النحو الذي سمعوه .. مع ما أشرنا إليه في حديثنا السابق عن هذه الأناجيل من أنواع--------------------------------------------
(1) الدكتور وافي، ص 78 - 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
الجهالة التي اكتنفتها، من حيث المؤلف، والزمن، واللغة، والمترجم، وتاريخ الترجمة … وأخيرا: الشك في صحة النسبة من الأصل، كما رأينا في إنجيل يوحنا الأخير.
وهذا هو السبب في أن القصص شغلت أكبر حيز من كل إنجيل من هذه الأناجيل … وبخاصة قصة مريم وحملها بالمسيح، وولادته، وما أحاط بها من عجائب وغرائب، وما كان يحدث من أمور خارقة للعادة، وكيف دعا إلى دينه، واجتبى إليه الحواريين … إلى جانب الحديث عن «صلبه»! - على زعمهم- وقيامه … إلخ. والعجيب- بهذه المناسبة- أن توصف مريم- عليها السلام في بعض فقرات إنجيل متّى بأنها كانت مخطوبة ليوسف النجار قبل أن تحمل بالمسيح- عليه السلام، وفي فقرات أخرى من الإنجيل نفسه بأنها كانت زوجة له!! (1).
3 - على الرغم من اتفاق هذه الأناجيل الأربعة في جوهر القصص والعقيدة والتشريع والأخلاق والزواج- مع الاختلاف المشار إليه في إنجيل يوحنا- «فإنها تختلف فيما بينها في كثير من التفاصيل، ويبدو خلافها هذا حتى في القصص نفسه» وقد كتب الإمام ابن حزم- رحمه الله في بيان وجوه الخلاف بين هذه الأناجيل، وما تشتمل عليه من «أكاذيب ومتناقضات ودلائل دامغة على التحريف» وفعل ذلك أيضا بعض العلماء والباحثين المعاصرين من مسلمين وأوروبيين (2).--------------------------------------------
(1) انظر الفقرات 16 - 21 من الإصحاح الأول من إنجيل متّى. وراجع الأسفار المقدسة، للدكتور وافي رحمه الله ص 79.
(2) راجع الأسفار المقدسة، ص 79 - 86، والفصل لابن حزم 2/ 1 - 70 وكتاب إظهار الحق لمؤلّفه رحمة الله الهندي الذي أحصى من الخلافات بين الأناجيل أكثر من مائة موضع. طبع إدارة الشئون الدينية بدولة قطر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
رابعا- أسماء أخرى للقرآن، ولون آخر من ألوان الحفظ:
نعود بعد هذا الحديث، أو هذه الإلمامة السريعة عن الكتب السماوية السابقة، والتي كان لا بد منها لبيان حقيقة المزية الإسلامية، أو للوقوف على طرف من هذه المزية التي تفرد بها القرآن الكريم في تاريخ النبوات والكتب السماوية.
نعود لتأكيد هذه المزية- مزية الحفظ والخلود- التي ذهب بها القرآن في هذا التاريخ، نفاذا للتكفل الإلهي ووعد الله سبحانه الذي لا يتخلّف … وذلك من خلال الإشارة إلى بعض أسماء القرآن الكريم التي سمّى الله تعالى بها كتابه. ودلالة هذه الأسماء على أعلى درجات الحفظ والتوثيق التي هيأها الله سبحانه وتعالى لكتابه الكريم، والتي سنقف على دلالتها وتطبيقاتها في المبحث الخاص- القادم- بجمع القرآن وتدوينه.
سمّى الله تعالى القرآن الكريم بأسماء أخرى كثيرة من أشهرها: الذّكر، والتنزيل، والكتاب، والفرقان. وقد ورد اسم «الكتاب» في عدد من الآيات القرآنية الكريمة، قال الله تعالى في أول سورة البقرة: الم (1). ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ. وقال تعالى في أول سورة الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) وقال تعالى: طسم (1). تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ- سورة الشعراء-.
و «الفرقان» مصدر أطلق على القرآن فصار علما عليه، كما يقول بعض العلماء؛ قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1) [الآية الأولى من سورة الفرقان]. والراجح أن هذا المصدر استعمل بمعنى اسم الفاعل، أي أنه كلام فارق بين الحق والباطل.
وقد قيل في تعليل تسمية القرآن «قرآنا» و «كتابا» أن التسمية الأولى روعي فيها كونه متلوا بالألسن، كما روعي في التسمية الثانية- الكتاب- كونه مدونا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
بالأقلام، فكلا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. قال الأستاذ العلّامة الدكتور محمد عبد الله دراز- رحمه الله: «وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، وأعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا … فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر».
قال الدكتور دراز: «وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيّها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفّل بحفظه حيث يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) [سورة الحجر، الآية 9]. ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس. فقال تعالى: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [سورة المائدة، الآية 44] أي بما طلب إليهم حفظه. والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادا مسدّها ولم يكن شيء منها ليسد مسدّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسّر له أسبابه، وهو الحكيم العليم» (1).
ونشير أخيرا إلى ما ذكره بعض العلماء من معاني «الذّكر» الذي سمى الله تعالى به كتابه الكريم في آيات كثيرة.--------------------------------------------
(1) النبأ العظيم 8 - 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
قال ابن عطية- رحمه الله:
«وأما الذّكر فسمّي به- القرآن- لأنه ذكّر به الناس آخرتهم وإلههم وما كانوا في غفلة عنه، فهو ذكر لهم. وقيل: سمّي بذلك لأن فيه ذكر الأمم الماضية والأنبياء. وقيل سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمد وقومه وسائر العلماء به» (1).--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 1/ 69، طبع قطر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الفصل الثاني الوحي أو مصدر القرآن الكريم
قلنا في الفقرة السابقة في تعريف القرآن، إنه كلام الله تعالى، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم … وهذا يقتضينا أن نعرض بعد ذلك، لزاما واختصارا، لإثبات أنه من كلام الله تعالى … غير أن الأدلة هنا واسعة ومتشعبة ومترامية الأطراف … بل إن أطرافها لا تحصى فقط بمناهج الدارسين والباحثين، على اختلاف أساليبهم ووسائلهم وتنوع ثقافتهم ومعارفهم، … في القديم والحديث، حتى ينضاف إليها رحابة الموضوعات القرآنية ذاتها وسعة آفاقها … وفهمها المتجدد الذي لا يبلى، والذي يحمل في كل يوم دليلا آخر على مصدر القرآن الكريم، وأنه تنزيل من رب العالمين.
ولهذا، فقد رأيت أن أعرض لهذا الموضوع من زاويتين اثنتين: الأولى ظاهرة الوحي، وهي الظاهرة التي جرت العادة بعدم إغفالها في كتب علوم القرآن، أو في أي مدخل للتفسير وعلومه. والثانية: حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم كدليل على ذلك المصدر، وأن الدور الأساسي للنبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن هو «الحكاية والتبليغ».
ونذكّر هنا- على أية حال- بأن هاتين النقطتين أو الزاويتين ليستا أكثر من مدخل إلى هذا البحث وإشراف على ساحته. وأن كثيرا من موضوعاتنا القادمة، وبخاصة موضوع الإعجاز، والخصائص الأدبية والأسلوبية وطريقة القرآن في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
خطاب الإنسان، ستحمل لنا المزيد من الأدلة، وتصب في نهاية المطاف في هذا البحر المحيط.
أولا- ظاهرة الوحي:
(أ) مقدمة عن عالم الغيب:
تمثل ظاهرة الوحي مبدأ اتصال عالم الغيب بعالم الشهادة- بحسب المصطلح القرآني عن الطبيعة وماوراء الطبيعة- كما يمثل الوحي، مصدر المعرفة الإنسانية عن عالم الغيب، في حين يشكل العقل- والحواس- مصدر هذه المعرفة عن عالم الشهادة. والأمر الجوهري الذي لا غنى لنا عن الإشارة إليه هنا بين يدي الكلام على ظاهرة الوحي أن الإيمان بعالم الغيب ليس خارجا عن نطاق القدرة العقلية، فضلا عن أن يكون فيه مناقضة لهذا العقل أو خروج عن قوانينه الفطرية. إن في وسع العقل- بوصفه صاحب الدور الأول في إدراك عالم الشهادة (1) - أن يستدل بعالم الشهادة على عالم الغيب، أو على رأس الإيمان بعالم الغيب، وهو الإيمان بالله تعالى، ولا يكون العقل بذلك قد سلم بسر باطل أو عقيدة مستحيلة. نذكر هنا من القوانين التي تحكم عالم الشهادة، والتي جعلها الفيلسوف الشهير «كانت» من جملة قوى العقل وقوانينه الفطرية، قانون السببية أو العليّة الذي يملي فيه العقل البحث عن المؤثر عند حدوث الأثر، وعن الصانع عند رؤية المصنوع. إن هذا القانون، كما يتناول الظواهر الجزئية في الكون فيطلب لكل معلول علة، ولكل مسبّب سببا، يتناول من باب أولى مجموع الكون ككل، فيتطلب بالبداهة نفسها علة وسببا لوجوده. وممارسة هذا القانون- قانون العلية- وتطبيقه على
الكون ككل، وطلب علة له بجملته واقع في دائرة القدرة العقلية بدون--------------------------------------------
(1) الحواس هي منافذ للمعرفة، والعقل هو الذي يقف وراءها فيجعل من إحساساتها إدراكات أو معارف حقيقة، بمعنى أنه ينقلها من الغرائز والانعكاسات التي يشترك فيها سائر الحيوانات التي تملك مثل تلك الحواس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
شك، لأن عالم الحس كما يشمل المحسوسات الجزئية فإنه يشمل المحسوس العام الأعظم وهو العالم .. بل إن العقل «مضطر» إلى هذا الطلب … صعدا من طلبه علة لكل شيء جزئي محسوس (1).
يضاف إلى ذلك أن العقل الإنساني نفسه لا يقنع بكل ما جمعته البشرية من علوم وفنون ومتع بدنية وعقلية فيستغني بها عن طلب تفسير لهذا الكون، أو عن دوره هو فيه ومصيره من بعده؟! وسوف يبقى أمام هذا العقل في طرفي الوجود، وهما المبدأ والمصير، أو المصدر والغاية، شيء لا تفسره المعارف العلمية بوجه من الوجوه.
نعود من هذا إلى القول إن التسليم بعالم الغيب ليس خارجا عن نطاق العقل، بل إن العقل نفسه يدل على ساحة هذا العالم، كل ما في الأمر أنه يعجز عن اقتحامها أو معرفة كنهها بوسائل عالم الشهادة- العقل والحواس-. وهنا يأتي دور الوحي الذي يعرّف الإنسان بحقيقة هذا العالم، ويقفه على طبيعة الصفات الإلهية، ويرسم له طريق الحياة الأمثل … إلى غير ذلك من موضوعات الوحي.
فاعجب بعد ذلك لمن يقدم على إنكار عالم الغيب أو ماوراء الطبيعة بحجة عدم دخوله تحت سلطان الحسّ والمشاهدة!! وإذا تركنا الحديث عن الوعي بوجود الله تعالى- أساس الإيمان بعالم الغيب- وأن هذا الوعي يخالط كل نفس إنسانية،--------------------------------------------
(1) يمكن القول هنا باختصار: إن وجود الكون يحتاج إلى تعليل، وحركته وارتباط أجزائه واقتران أسبابه بمسبباته وانتظام قوانينه وسننه يحتاج إلى تفسير. وهل يصدق العقل أن القوة التي تدفع كل جزء في الكون في وجهتها، وكل حادثة في خط سيرها بحيث يتكون من المجموع كلّ متناسق متكامل في عالم الجماد وفي عالم النبات وفي عالم الأحياء …
إلخ، هل يصدق العقل أن هذه القوة قوة ذاتية عمياء! ألا يثير موضوع «الخلق» من عدم نظر الإنسان إلى التفكير والاعتبار، كما قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ انظر كتاب «نظام الإسلام» لأستاذنا محمد المبارك رحمه الله: الجزء الأول، ص 45 فما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
فإن عدم تمكن العقل من الوقوف على كنه عالم الغيب، أو حقيقة الذات الإلهية، لا يضعف من شأنه أو دوره في عالم الشهادة، ولكنه يضعه في موضعه قادرا على تيسير الحياة لا تصوير الوجود، كما يقول برجسون، ويطامن من كبريائه حين يعلم أن هذه الوسيلة- العقل نفسه- لم تدرك حقيقة ذاتها بعد. والله تعالى أعلم.
(ب) معنى الوحي وصوره:
أصل الوحي لغة: الإشارة السريعة، وقيل: إنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوحى إليه بحيث يخفى على غيره.
وقد روعي في إعلام الله تعالى لأنبيائه- بأي صورة من الصور- المعنيان الأصليان لهذه المادة اللغوية (وحي) وهما: الخفاء والسرعة! ولهذا قيل في تعريف الوحي شرعا: «عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من قبل الله تعالى، بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يسمعه أو بدون صوت» (1).
وقد حددت الآية القرآنية التالية ثلاث صور للوحي، أو لهذا الإعلام الإلهي، قال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) [سورة الشورى، الآية 51].
وهذه الصور هي:
1 - إلقاء المعنى في قلب النبيّ، أو إلقاء الله تعالى ما يريد إعلامه أو وحيه مباشرة في قلب النبيّ الكريم، من غير واسطة الكلام أو توسط ملك الوحي. وهذه الصورة كما هو واضح هي أكثر صور الوحي- أو الإعلام- خفاء وسرعة! ولهذا أطلقت الآية اسم «الوحي» عليها، على الرغم من أن الصورتين التاليتين فيهما إعلام خفي وسريع، إلا أن الأولى منها يدخل فيها الكلام المسموع، وتتم الأخرى عن طريق ملك الوحي جبريل- عليه السلام.--------------------------------------------
(1) الوحي المحمدي للشيخ رشيد رضا رحمه الله، ص 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)