فإن معظم أقسام العراق والشام، وجميع أنحاء إفريقية الشمالية- من مصر والسودان إلى المغرب الأقصى- كانت غير عربية، ولم تستعرب إلا بعد الإسلام».
وليس معنى ذلك أن العرب بقوا منطوين على أنفسهم في جزيرتهم على كرّ الأزمان، بل إنهم كانوا ينزحون من الجزيرة إلى تلك البلاد المجاورة، إلا أن قبائلهم التي نزحت قبل حمل رسالة القرآن «كانت تفقد صلاتها مع موطنها الأصلي، وتتعرض إلى سلسلة من الأحداث والتطورات التي تنسيها ماضيها، وتؤدي إلى اندماجها بسكان البلاد التي تستوطنها». ويضيف ساطع الحصري- صاحب الاتجاه العلماني المعروف- قائلا: «ولكن الموجة البشرية التي تدفقت من الجزيرة العربية عند ظهور الإسلام، (قلت: أو التي رفعت راية الإسلام، ومشت في ركاب الفتح الإسلامي، للهداية والتحرير) قد امتازت عن سابقاتها من هذه الوجوه امتيازا هاما جدا، إنها لم تفقد صلتها بمنبعها الأصلي، بل ظلت وثيقة الاتصال به من الوجهتين المادية والمعنوية، وفضلا عن ذلك: استطاعت أن تنشر لغتها في مواطنها الجديدة، وانتهت إلى تعريب سكان أقطار واسعة من البلاد المفتوحة تعريبا تاما» (1).
هذا هو دور القوة الدافعة الذي تم بفضل القرآن الكريم، والذي يمكن تلخيصه بنشر اللغة العربية وتوسيع آفاقها.
يضاف إلى ذلك أن القرآن الكريم ترك أثرا واضحا في لغات الشعوب الإسلامية التي آمنت بالقرآن، ولكن لم يكتب لها أن يتعرب لسانها، كالفارسية والتركية. وأثرا آخر أكثر وضوحا في اللغات التي شاركت لغة القرآن في صنعها بين--------------------------------------------
(1) ساطع الحصري: ما هي القومية؟ ص 206 الطبعة الثانية. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1985 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
ظهرانيهم، كالأوردية على سبيل المثال. بالإضافة إلى إصابة هذه الشعوب جميعا قدرا لا بد منه من اللغة العربية، وهو القدر الذي تقيم به بعض سور القرآن الكريم لأداء الصلاة والعبادة وبعض القراءات والأحكام الدينية الأخرى.
وإن من أهم الأمور التي يجب اعتبارها في هذا الموطن أن القرآن الكريم قد تعبّد المسلمون بتلاوته وألفاظه وحروفه. لأن التحدي- كما سنرى في تعريف القرآن- قد وقع بلفظه ومعناه، ولهذا لم يكن القارئ لترجمته قارئا للقرآن، وعلى هذا: لا يترتب على تلاوته هذه أي أثر من آثار الثواب الذي وعد به النبيّ صلى الله عليه وسلم قارئ القرآن، وهو أن له بكل حرف عشر حسنات- كما جاء في الحديث- قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها؛ لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (1) ومعنى ذلك أننا نملك معادلتين اثنتين، تنص الأولى على ثواب قارئ القرآن وتحض المسلمين- كل المسلمين- على تلاوته وتدبره. وتنص الثانية على أن الترجمة لا تعتبر قرآنا، كما أجمع على ذلك العلماء في جميع العصور. وبهذا يغدو التعريب بالقرآن وتحت رايته جزءا لا يتجزأ من رسالة الإسلام.
- حول تخلف حركة التعريب عن انتشار الإسلام:
إن لتخلف حركة التعريب عن انتشار الإسلام في بعض المواطن أسبابا تاريخية وموضوعية لا مجال هنا للإفاضة في الحديث عنها، ولكن في وسعنا أن نشير إلى أن انتشار الإسلام الذي تم في جزائر الهند الشرقية ووصل إلى أقاصي أندونيسيا قد تم بجهود أفراد من التجار الذين كانوا يرحلون من جنوب الجزيرة العربية بحرا بالسفن الشراعية، وإن هؤلاء مع بعض الدعاة القلائل كانوا قادرين على دعوة الناس إلى الإسلام بعملهم وقولهم، ولكنهم لم يكونوا يملكون القدرة على تحويل الناس عن لغة معاملتهم وخطابهم … هذا بالإضافة إلى ما تم في هذه--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
البلاد- مثلا- من تعريب شامل في معاهد العلم الديني والدراسات الإسلامية بعد ذلك. وقل مثل ذلك أو قريبا منه في انتشار الإسلام في إفريقية جنوب الصحراء.
كما أن انتشار الإسلام في بعض المراحل تم على أيدي المغول وعلى أيدي السلجوقيين والعثمانيين، بعيد حملهم لرسالة القرآن، وقبل أن يتعلموا هم لسانه العربي المبين!
أما البلاد التي دخلها القرآن في زمن الفتوح الأولى، فإن اللغة العربية لم تنحسر عنها، والمثال الرئيسي هنا هو بلاد فارس، إلا بعد بضعة قرون على التحقيق، وبعد الحركات الشعوبية والانفصالية التي قادها حكام طامحون وقاوموا في تيارها ما يستطيعون مقاومته من عوامل الاستعراب … على أن التعبير هنا بالانحسار لا يبدو أنه تعبير دقيق، فإن هذا لم يتم في أي عصر من العصور.
يقول الدكتور طه حسين: «وما كاد العرب بعد الفتوح يدخلون في بلاد فارس ويستقرون فيها حتى تعلم الفرس هذه اللغة الجديدة، وغلبت على ألسنة كثير منهم وأقلامهم، وما أكثر الفرس الذين شاركوا في إنشاء علوم اللغة العربية وتدوينها، وما أكثر الفرس الذين استأثروا ببعض هذه العلوم حتى أصبحوا كأنهم أصحابها، وكلنا يعلم أيضا استئثار الفرس بتدوين علوم البلاغة العربية».
ويضيف الدكتور طه: «ومع أن الفرس قد أحبوا لغتهم الفارسية ونظموا فيها الشعر منذ أواسط القرن الرابع للهجرة فقد ظلت اللغة العربية لغة العلم والفلسفة عندهم إلى أواخر القرون الوسطى (!!) وانظر إلى كتب ابن سينا والتفتازاني والسيد الجرجاني والطوسي وغيرهم. وكل هذا بفضل القرآن الكريم، فبفضله انتشر الإسلام» (1).--------------------------------------------
(1) من المقدمة التي كتبها الدكتور طه حسين رحمه الله لكتاب: القرآن الكريم واللغة العربية، للشيخ أحمد حسن الباقوري. طبع دار المعارف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
ولا يحسن إنهاء هذا الحديث الموجز عن القوة الدافعة التي أصابتها اللغة العربية بفضل القرآن الكريم، قبل الإشارة إلى أنه لا يصح تفسير هذا المد الهائل الذي أصابته اللغة العربية بغير عوامل جلال القرآن ورسالته، وعامل حب هذه اللغة وتفضيلها على اللغات المحلية الخاصة السابقة لدخول أصحابها في الإسلام، ولهذا فإن من فساد الرأي ما ذهب إليه بعض المغرضين من أن اللغة العربية اعتمدت في انتشارها على السلطة الحاكمة، أو السلطة الغازية، لأن هذه المنطقة غزيت قبل الإسلام وأيّدت لغة الغازي بالسلطة السياسية، لكن الشعوب المغلوبة رفضتها متشبثة بتراثها ولغتها، وبقيت متشبثة بها حتى دخول الإسلام، ثم تم هذا التخلّي بعد ذلك في ظل القرآن، وغير بعيد في الوقت نفسه عن قوانين علم الاجتماع، تقول الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن:
«ولم يكن موقف الشعوب من لغة القرآن أن فرّطت في ألسنتها فجأة، أو أكرهت على التخلي عنها بحد السيف، كما ذهب المؤرخ (فيليب حتى) في تاريخه الكبير، ولا صدرت قوانين ملزمة به من الدولة، وإنما مر الصراع اللغوي في مراحله الطبيعية التي تحكمها سنن الاجتماع، فبدأ بمرحلة عزلة تفاوتت بين قطر وآخر باختلاف طبيعة الإقليم قربا وبعدا، وميراثه الفكري والحضاري ومسلكه الصوتي واللغوي … » ثم تقرر أن هذه «المرحلة اللغوية لم تطل، والقرآن الكريم هناك يفتح للعربية قلوب من أسلموا» (1).
وتقول في التعقيب على انتصار العربية على اللغات الأجنبية المفروضة على المنطقة- الرومانية واليونانية والفارسية والبيزنطية- ثم في مواجهتها للّغات الوطنية:
«وكان من المتصور أن تجمع هذه الشعوب بين العربية لغة دين، وبين لغاتها القومية التي صانتها طويلا ضد الغزو، لغة حياة، ولكن لم يمض جيل أو جيلان--------------------------------------------
(1) كتاب: لغتنا والحياة، للدكتورة بنت الشاطئ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
حتى كانت العربية اللسان المشترك لشعوب أمة واحدة، هجرت إليها ألسنتها القومية دون أن يجبرها أحد على ذلك، كما لم يكرهها مكره على أن تتخلى عن عقائدها وأديانها لتعتنق الإسلام، بل تركت لغة العرب تخوض معركتها مع لغات الشعوب الداخلة في الإسلام» (1).
(ب) القوة الواقية:
أما «القوة الواقية» أو دور حفظ اللغة العربية وتحصينها، الذي تم بفضل «وجود» القرآن الكريم فهو أخطر دور يمكن أن يؤديه كتاب للغة من اللغات، هذا إن وجد كتاب آخر- سماوي أو وضعي- أدّى قريبا من مثل هذا الدور أو عشره في لغة من لغات الأرض! وغني عن البيان أن مثل هذا الكتاب- أيا كان مصدره- ليس له وجود.
لقد وقف القرآن، وخصوصا في الزمن الذي انقسمت فيه الدولة العربية الإسلامية إلى مدن ودويلات، حائلا وسدا دون سريان اللهجات المحلية وانتشارها، ولولا هذا الكتاب الكريم الذي صانه الله تعالى عن التحريف والتبديل، وتكفّل بحفظه إلى يوم الدين، لما كان نصيب اللغة العربية من التجزؤ والانقسام بأقل منه في اللغة اللاتينية وما آلت إليه اليوم … وبفضل هذا الكتاب الخالد بقيت الوحدة اللسانية- والفكرية- قائمة بين شعوب الأقطار العربية، وبفضله كذلك نقرأ اليوم أدب العربية من عصر الجاهلية إلى العصر الحديث … في مدة ستة عشر قرنا من الزمان! (2).--------------------------------------------
(1) لغتنا والحياة ..
(2) هذا هو منشأ هذه الظاهرة الفريدة، بل لو قدر الله تعالى لرجل مات من ألف عام أن يسمع اليوم المتحدثين بالعربية لعرفها وما أنكرها. وربما علل بعضهم ما أشرنا إليه من عدم تعرّض العربية لخطر التفكك والانحلال بأن ذلك يعود إلى عناية علماء الإسلام بضبط لغتهم، وذلك من أجل المحافظة على القرآن الكريم. وهذا عندنا وارد بدون شك ولا-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
يقول ساطع الحصري: «ومما يجب أن لا يغرب عن البال أن اللغة العربية، بعد أن أصبحت لغة الجميع في هذه البلاد الشاسعة (المشار إليها في الفقرة السابقة) تعرضت إلى محن خطيرة، مدة قرون طويلة، بسبب ما طرأ على العالم العربي من التفكك السياسي، والجمود الفكري والاجتماعي، والانحطاط الثقافي، لأن كل ذلك كان من شأنه أن يؤدي إلى انحلال الروابط المادية والمعنوية بين مختلف الأقطار العربية، ويفسح مجالا واسعا لتغلب العامية، ويطلق العنان للهجات المحلية. ولذلك أصبحت اللغة العربية معرضة لخطر التفكك التام، والتفرع إلى لغات عديدة يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا، لا يترك مجالا لتفاهم المتكلمين بها … وذلك مثلما حدث للغة اللاتينية» (1).
ثم يقول: «ولكن القرآن وقف سدا منيعا أمام هذه الأخطار الجسيمة، وحال دون استشراء هذا التفكك، وذلك لكونه عربيا، ولكون الديانة الإسلامية تفرض على جميع المسلمين والمسلمات حفظ طائفة من آياته، وتلاوتها كل يوم عدة مرات خلال الصلوات».
ونستطيع أن نقول في التعقيب على هذا الموضوع- بكلمة عابرة-: إن الدعوات المشبوهة إلى العامية- التي أرّخت لها بدقة الدكتورة نفوسة زكريا في كتابها: تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر (2) - سيكون نصيبها الفشل المحقق، لا نقول هذا رجما بالغيب، ولكن بالنظر إلى التاريخ الذي تحدثنا عنه--------------------------------------------
يعارض ما قدمناه، ولكن ذلك الضبط لم يكن في وسعه حماية اللغة العربية من تلك الأخطار لولا وجود القرآن الكريم نفسه. ومعنى ذلك أن القرآن الكريم كان «باعثا» على ذلك الضبط، و «حافظا» لهذه اللغة.
(1) ما هي القومية؟ ص 207 ويضيف الحصري: «وغني عن البيان أنه لو حدث ذلك، لأدّى حتما إلى انشطار الأمة العربية إلى أمم مختلفة، ولما بقي على البسيطة شيء يستحق التسمية باسم القومية العربية».
(2) طبع منشأة المعارف بالإسكندرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
قبل قليل، والذي أثبت استعصاء اللغة العربية الفصيحة على الاضمحلال والتفكك والزوال، ما دام القرآن موجودا يعلن خلود لغته خلوده،، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9)، وصدق الله العظيم.
إن التكفل الإلهي بحفظ القرآن الكريم- بوصف الإسلام الدين الخاتم إلى يوم الدين- يتضمن تلقائيا، أو في طياته تكفلا بحفظ اللغة العربية من التحلل والتفكك والزوال … فبقاء القرآن يعني بقاء لغته الشريفة! أن اللغة العربية لن يأتي عليها زمان- من وقت نزول القرآن إلى يوم الدين- تصبح فيه لغة ميتة أو تاريخية … أو بحيث يصبح فهمها والتعامل معها- فضلا عن استخدامها- لا يقوى عليه إلا الخاصة، أو يحتاج إلى ترجمان! ولسوف تبقى العربية مع ذلك التكفل الإلهي لسان الملايين … وبخاصة إذا تذكرنا أيضا قول الله تبارك وتعالى:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) [سورة القمر، الآية 17].
وعلى الرغم من اعتقادنا الجازم بأن مسألة انتصار اللغة العربية الفصيحة على سائر اللهجات و «العاميّات» في البلاد العربية، مسألة محسومة، ولا تحتاج منا إلى جهد يذكر! فإننا ننظر إلى دعوة بعضهم- اليوم وبعد الاستعمار اللغوي الثقافي الطويل في الجزائر وغيرها- إلى الكتابة بالعامية- كسعيد عقل ولويس عوض وضربائهما- على أنها دعوات مشبوهة، هدفها الأخير قطع الأمة العربية الإسلامية عن ماضيها وتراثها وتاريخها، لتبدأ- على زعمهم- من الصفر، ولتتمزّق من ثم إلى شعوب متباينة وأمم شتى! وكأن أصحاب هذه الدعوى- بالنظر إلى ما قدمناه من فضل القرآن الكريم ويده الطولى على العربية، بل ما منحه إياها من الشرف والرفعة والسموّ والقداسة- إن صح التعبير- يقومون بحركة التفاف وتطويق حول القرآن الكريم نفسه، وحول الثقافة العربية والفكر الإسلامي على وجه العموم؛ علّهم ينجحون حيث أخفق الكثير من محترفي الاستشراق والتبشير: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) [سورة الأنفال، الآية 30].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ثانيا- الأثر الموضوعي للقرآن في اللغة العربية:
أما الأثر الخاص أو الموضوعي الذي تركه القرآن الكريم في اللغة العربية، فأكبر من أن تتسع له هذه الصفحات أو المقدمات. وبحسبنا أن نشير إلى ما نقله السيوطي في التدليل على أن القرآن الكريم كان السبب المباشر في نشأة معظم علوم العربية والعلوم الإسلامية، وكيف أن العلماء تفرغوا على خدمته والعناية به في علوم كثيرة أنشئوها لذلك … وما زالت هذه العلوم تنمو وتتفرع حتى قامت على سوقها في القرن الرابع الهجري الذي يعتبر أزهى عصور التأليف في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية.
وربما كان موضوع العلوم التي نشأت راجعة إلى القرآن الكريم، أو نشأت في سبيل خدمته وتيسير فهمه أدخل في الأثر التاريخي السابق، أو أدخل في باب الثقافة التي سنتحدث عنها في فقرة ثالثة. ولكننا على كل حال نذكّر هنا بالآثار الموضوعية- المباشرة والمحدودة- التالية:
1 - توحد لهجات العرب: كان للعرب قبل نزول القرآن الكريم لهجات كثيرة متباينة تربو على العشرين (1) - منها الرديء المستنكر؛ ومنها الفصيح المقبول- نتيجة لاختلاف الأقاليم وظروف الحياة البدوية والحضرية ونحو ذلك،--------------------------------------------
(1) انظر الكتيب الخاص بهذه اللهجات بعنوان «لهجات العرب» للعلامة المحقق أحمد تيمور باشا رحمه الله. المكتبة الثقافية بمصر، العدد 290. وقد عدّ من هذه اللهجات: القطعة:
كقوله يا بلحكم، بدل: يا أبا الحكم- فيقطع كلامه-. وهي لثغة في بني طيّئ.
والعجعجة: إبدال الياء- جميعا- جيما في الوقف، نحو تميمج- في تميمي. وهي في قضاعة وناس من بني سعد. والعنعنة: إبدال العين من الهمزة. وتنسب إلى تميم، قال ذو الرمة: أعن ترسمت من خرقاء منزلة. أراد: أأن. والكشكشة: إبدال الشين من كاف الخطاب. والتلتلة: كسر أول حرف المضارعة. والطمطمانية: ما يشبه كلام العجم، والطمطمة: إبدال اللام ميما. والتضجع: إمالة الحرف إلى الكسر. والفحفحة: جعل الحاء عينا … إلخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
ولكنها على ذلك متقاربة في أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها، ولم تكن المغايرة بينها تخرجها- على كل حال- عن اعتبارها في الأصل لغة واحدة ذات قوانين تطرد في جميعها، ما عدا لغة حمير فإنها تخالف لغة مضر خلافا ظاهرا، ولا توافقها في أكثر أوضاعها ومقاييسها (1).
وإلى جانب هذا الاختلاف من حيث هيئة النطق وما إليه مما يسمى باللهجة؛ فقد كان هنالك اختلاف لغوي آخر من حيث معاني الكلمات، على نحو ما ذكر السيوطي في كتابه «المزهر» وأكده ببعض القصص، على بعد بعضها وغرابته!!
وعلى أية حال فقد قضى القرآن الكريم حين نزل بلغة قريش على هذا التناكر والاختلاف، وجمع العرب على هذه اللهجة- أو اللغة- على المدى البعيد، وقد قيل في لغة قريش: إنها كانت أفصح اللغات وأعذبها لأنها صقلت بحياة الحضر، وبكثرة الاختلاط بالقبائل العربية، نظرا لمكانة قريش الدينية والتجارية في جزيرة العرب، وقد كانت هذه اللغة يومئذ أوسع اللغات انتشارا في الجزيرة، وكان الناس يقبلون عليها ويستريحون إليها أكثر من غيرها. ويوجز الشيخ العلامة محمد الخضر حسين أسباب تفضيل لغة قريش عن سائر لغات العرب، واعتبارها أفصح هذه اللغات، بوجهين:
أحدهما: بعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم. ولهذا لم يحتجّ أهل الصناعة العربية إلا بلسانهم أو ما كان قريبا منه، ولم يعتمدوا لغات القبائل التي--------------------------------------------
(1) اللغة العربية (لغة مضر أو عرب الشمال في نجد) هي إحدى اللغات الأعرابية التي يقال لها خطأ: «اللغات السامية». وإذا نظرنا في تمام القاموس العربي وفي كمال الصرف والنحو، وجب أن نعدّ اللغة العربية أمّا للغات الأعرابية جمعاء. وهذه اللغات هي: العربية والحميرية والعبرية والآرامية والبابلية وأخواتها. وسماها الدكتور فروخ أعرابية، لأنها كلها نشأت في شبه جزيرة العرب. راجع كتاب: عبقرية اللغة العربية للأستاذ الدكتور عمر فروخ رحمه الله، ص 7 دار الكتاب العربي- لبنان 1981.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
تجاور غيرها من الأمم، كلغة لخم وجذام وقضاعة وغسان، ولم يخالفهم في شرطهم هذا إلا أبو عبد الله بن مالك، فنقل في كتبه لغة لخم وقضاعة وغيرهم ممن يسكن أطراف الحجاز.
ثانيهما: أن العرب كانوا يفدون عليهم في موسم الحج ويقيمون عندهم قريبا من خمسين يوما، فيتخيرون من لغات أولئك الوفود ما تعادلت حروفه وخف وقعه على الأسماع، ويرفضون كل ما يثقل على الذوق ولا يجد في السمع مساغا (1).
فإذا ذكرنا الجامعة التي أقامها القرآن للعرب، وتوحيدهم الذي تم على يديه، ذكرنا فضله في الذهاب بالجانب الأعظم من تناكر اللغات واختلاف اللهجات، وهم يقرءونه
بلغة قريش في الاعتبار الأول.
2 - أثر القرآن في ألفاظ العربية ومعانيها: أما التأثير الذي أحدثه القرآن في ألفاظ العربية ومعانيها فهو تأثير هائل، أو هو ثورة كبرى في الواقع. وهذا الموضوع جدير بأن يفرد ببحث جاد دقيق، وبحسبنا في هذا التقديم السريع أن نقول: إذا كانت اللغة صورة لحياة الأمة وبيئتها ومعارفها، ووعاء لأفكارها وثقافتها؛ فإن تأثير القرآن الكريم في كل ذلك بالنسبة للعرب كان هائلا … لقد تأثرت ألفاظ اللغة العربية تأثرا مباشرا من حيث تهذيبها وترقيق حواشيها- والقرآن ينقل العرب من حال إلى حال، من البداوة إلى الحضارة، ومن الجزيرة إلى الأمصار- ومن حيث هذا الحشد من الألفاظ المشتركة والاصطلاحية والألفاظ الإسلامية الجديدة.
أما الألفاظ الاصطلاحية فيراد بها تلك التي خرجت عن دلالتها الأولى إلى الدلالة عن معان جديدة- اصطلاحية- لم تكن معروفة وموجودة عند العرب، فقد اقتضى القرآن- فوق الحياة الجديدة ونظام الدولة وما يتصل بذلك- علوما--------------------------------------------
(1) دراسات في العربية وتاريخها ص 128 طبع دار الفتح بدمشق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
شرعية ولغوية وكلامية وطبيعية … وفي كل علم مصطلحاته وتعريفاته … حتى لقد قام بعض المصنّفين بوضع معاجم خاصة لتلك المصطلحات العلمية مثل كتاب «التعريفات» للجرجاني و «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي …
قال ابن فارس: «كان العرب في جاهليتهم على إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر، بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت، فعفّى الآخر الأول، وشغل القوم- بعد المغاورات والتجارب وتطلّب الأرباح والكدح للمعاش في رحلة الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصيد والمعاقرة والمياسرة- بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبالتفقه في دين الله عز وجل، وحفظ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام.
فصار الذي نشأ عليه آباؤهم ونشئوا عليه كأن لم يكن!
وحتى تكلموا في دقائق الفقه وغوامض أبواب المواريث وغيرها من علم الشريعة وتأويل الوحي بما دوّن وحفظ حتى الآن».
وبعد أن ذكر ابن فارس طائفة من العلوم الشرعية ومصطلحاتها التي جدت على لغة العرب، قال: «فسبحان من نقل أولئك في الزمن القريب بتوفيقه عما ألفوه ونشئوا عليه وغذوا به، إلى مثل هذا الذي ذكرناه».
ثم عرض لبعض التعريفات أو الألفاظ الإسلامية التي جاءت على وفق المعاني اللغوية، وما أضافته إليها وقيدته، وقال: «فالوجه في هذا إذا سئل الإنسان عنه أن يقول: في الصلاة اسمان لغوي وشرعي، ويذكر ما كانت العرب تعرفه، ثم ما جاء الإسلام به. وهو قياس ما تركنا ذكره من سائر العلوم … » (1).--------------------------------------------
(1) الصاحبي 44 - 47 المكتبة السلفية 1910.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
قلت: هذا كلام قيم، وإن كان الأمر أبعد من مسألة الاصطلاحات والتعريفات، لأنه ينطلق من أن القرآن الكريم كان المحور الذي نشأت حوله جميع معارف العرب التي جدّت في حياتهم بعد الإسلام، حتى صح لنا ما أشرنا إليه في مناسبة سابقة من أن القرآن الكريم يشكل المصدر الأول للثقافة العربية الإسلامية- وملاذها الأخير- هذه الثقافة الغنية الواسعة التي اشتملت على علوم القرآن والحديث، والأدب واللغة والسيرة والفلسفة والفقه والأصول … والتي اتسعت لها لغة العرب بعد نزول القرآن الكريم.
ولعل هذا يختصر علينا طريق المتابعة في الأغراض والمعاني التي تركها القرآن في اللغة العربية؛ لأن الألفاظ في الواقع ليست أكثر من وعاء للمعاني والأغراض الجديدة، ولكن كما أثّر القرآن في معاني اللغة من حيث ما جاء به من اشتراع جديد، كان له أثر في ظهور معان جديدة. «فقد تناول أيضا معانيهم التي كانوا يتعاورونها بينهم فتصرّف فيها وهذّبها، وزاد بها أو نقص منها ووضعها مواضع تناسبها، بحيث أصبحت تلائم كل الأذواق في كل العصور، بعد أن كان فيها ما لا يسمح لها بالبقاء إلا في عصر جاهليّ له ذوق خاص».
هذا وقد تأثرت معاني اللغة العربية أيضا من خروجها الجديد إلى الممالك المتحضرة تنتزع منها معاني وأخيلة هي وليدة الحضارة وربيبة المدنية، بل هي تراث أمم مختلفة ونتاج لغات متعددة.
وقد لخص العلّامة الشيخ محمد الخضر حسين- رحمه الله تأثير الإسلام في اللغة العربية- من هذه الجهة- بقوله:
«طلع الإسلام على العرب وفي هدايته من المعاني ما لم يكونوا يعلمون، بل في هدايته ما لم تف اللغة يومئذ بالدلالة عليه، فعبر عن هذه المعاني بألفاظ ازدادت بها اللغة نماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
«ومن الجليّ أن القرآن الكريم والحديث النبويّ قد سلكا في البلاغة مذاهب ينقطع دونها كل بليغ. ثم إن فتح الممالك الكبيرة كبلاد الفرس والروم زاد مجال اللغة بسطة
بما نقل إليها من المعاني العلمية أو المدنية».
ثم قال: «ففضل الإسلام على اللغة العربية يظهر في غزارة مادتها، وبراعة أساليبها، واتساع مذاهب بيانها، وكثرة الأغراض التي يتسابق إليها فرسان الخطابة والكتابة» (1).--------------------------------------------
(1) دراسات في العربية وتاريخها، مصدر سابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الفصل الثالث أثر القرآن الكريم في الحضارة والثقافة الإسلامية
وإتماما لموضوع القرآن الكريم واللغة العربية، نعرض هنا بإشارة عابرة إلى «الواقع» الحضاري- والثقافي- الذي أحدثه القرآن الكريم واتسعت له لغة العرب على نحو مثير للدهشة والإعجاب؛ لأننا نخشى أن يفهم من حديثنا السابق أن اللغة العربية تغيرت مع الثقافة الإسلامية أو الثقافة التي جاء بها القرآن الكريم بإضافة- أو حذف- كلمات تناسب الكلمات التي أدخلت أو أهملت … وأن الأمر وقف عند هذا الحد! ولو كان الأمر كذلك لما كانت اللغة أكثر من «قاموس» بأسماء الأشياء!! ولكن الواقع غير ذلك: «فاللغة هي عبارة عن نظام من الرموز ذات المعنى تعبر عن التنظيم الكامل لحياة وتفكير حضارة من الحضارات» (1) وإذا كانت «الثقافة» تتضمن أكثر من اللغة، كالتقاليد والمؤسسات والقوانين والآداب والفنون، والمهن والمهارات وكل ما صنعه الإنسان، فإن اللغة تحتل من بين جميع هذه المظاهر مكانا فريدا بوصفها «مرآة الثقافة كلها» لأن كل ما يصنعه الإنسان يحمل اسما، فقوانينه ومؤسساته ودياناته لها تعبيراتها اللفظية، والأشياء التي تكون في الطبيعة تظهر أيضا في اللغة، ولكن من وجهة نظر ثقافة معينة على الدوام.
ولهذا فإن اللغات لا تختلف فقط في الكلمات التي تعبر عن معان مشتركة، ولكنها--------------------------------------------
(1) فيليب هـ. فينكس: فلسفة التربية، ترجمة الدكتور لبيب النجيحي ص 649 دار النهضة العربية- القاهرة 1965.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
تختلف أساسا في الطرق المختلفة للتفكير، أو في مجموعة المعاني التي يعبر عنها خلال اللغة، فلكل ثقافة مفاهيمها الخاصة بالحياة والعالم، وتنعكس هذه المفاهيم على طبيعة لغتها.
يقول الأستاذ العلّامة فيليب هـ. فينكس: «ومن خلال اللغة يسهم الفرد في المعاني الحيوية للثقافة. والسبب الأساسي لتعلم اللغات الأجنبية أن يستطيع الفرد فهم الثقافات التي تمثلها هذه اللغات فهما حقيقيا ومن الداخل. فدراسة اللغة اللاتينية لا تستهدف تدريب العقل ولا مساعدة الفرد على فهم أفضل للّغة الإنكليزية فحسب … ولكن الهدف الأساسي من هذه الدراسة أن تقدم للفرد معنى الحضارة الرومانية، ذلك الكلّ المعقد الغريب من التقاليد والقوانين والمفاهيم التي أتاحت لقرون عديدة بعض الأساس للأمن والوحدة لشعوب عديدة يائسة. ودراسة اللغة اليونانية القديمة تربط الفرد ربطا وثيقا بحضارة تقوم على تأمل فلسفي عميق، وتتميز بالمسرحية والتاريخ، وبديمقراطية سياسية ذاتية، وبخلق فني جبار …
إلخ» (1).
والذي نود تقريره هنا: هو القول بأن دراسة اللغة العربية تقدم للفرد معنى الحضارة الإسلامية، وتربطنا ربطا وثيقا بهذه الحضارة التي تقوم على مبدأ الإيمان العميق بالإله الواحد جل وعلا، وتنبني على قواعد من التوازن والشمول والإيجابية، وتدور على مبررات إنسانية قوامها روح المساواة بين الأفراد وبين الأمم والشعوب.
فإذا علمنا أن هذه المبررات وتلك القواعد إنما جاء بها القرآن الكريم، وأضفنا إلى ذلك ما قدمناه في الأثر الموضوعي السابق، أدركنا معنى صدور الحضارة العربية والفكر الإسلامي عن القرآن، واستطعنا من خلال ذلك: التقدم لإيراد بعض الأمور الشارحة والموضحة لهذه الحقيقة الكبيرة:--------------------------------------------
(1) فلسفة التربية ص 652.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
لقد مرت البشرية- كما يلاحظ الكثيرون من مؤرخي الحضارات، وكما أكّده المفكر الجزائري الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله بأكبر تجربتين حضاريتين في التاريخ: التجربة الرومانية، والتجربة الإسلامية. وقد كانت الحضارة الأولى متجلية بالروح الإمبراطورية التي تقسم الإنسان أو الناس إلى مواطن روماني يتمتع بكامل الحقوق، وإلى غير مواطن مسلوب من جميع الحقوق وعلى هذا الأساس حكمت وقنّنت وعالجت ومنحت، وهي وإن أخفقت في معالجة مشكلات الإنسان قديما، فقد أتيح لها أن تبدو في صورة جديدة تتمثل في الحضارة الغربية المعاصرة التي أخذت من تلك الحضارة الرومانية روحها الاستعمارية، وتشرّبت مبادئها، وكثيرا من نظراتها الجوهرية؛ بعد أن تخطّت الحضارة الإسلامية التي جاءت في أعقاب الحضارة الرومانية وزاحمتها، وأزاحتها عن مقعد السيادة على مسرح التاريخ!
وتهمنا هنا الإشارة إلى أن الروح الاستعمارية في هذه الحضارة الأوروبية مساوية للروح الإمبراطورية التي عاشت عليها الحضارة الرومانية القديمة. في حين أن روح الحضارة الإسلامية، أو المبرر الذي عاشت عليه هذه الحضارة يتمثل في روح المساواة التي جاء بها القرآن الكريم ونطق بها النبيّ صلى الله عليه وسلم وأكدها في آخر خطبه الجامعة في حجة الوداع « … كلكم لآدم وآدم من تراب … لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أبيض فضل إلّا بالتقوى».
يضاف إلى ذلك أن النظرة إلى الوجود المتمثلة في مبدأ الإيمان بالله الواحد القهار- وما يتبع ذلك وينبني عليه من النظر إلى الكون والحياة والإنسان- هي التي أعطت للحضارة الإسلامية طابعها الخاص، وجعلتها- من قبل- قادرة على أن تهضم وتتمثل- ولا تذوب بالطبع- في تيار العقائد والمذاهب التي كانت سائدة في «بيئة» الحضارة الإسلامية. وهي البيئة التي شهدت في الواقع أعرق الحضارات القديمة في بلاد الشام والرافدين ووادي النيل وبلاد فارس …
ولا مجال هنا للإفاضة في هذه الجوانب المتشعبة من البحث، ولكن نكتفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
بالتذكير بأن القرآن الكريم الذي انبثقت منه روح هذه الحضارة؛ يشكل في نفس الوقت وبدرجة واحدة كذلك مصدر الثقافة الإسلامية الأول وملاذها الأخير. ولا نقوم هنا بتحليل عناصر «الثقافة» ولكننا نذكر بأن تصنيف هذه العناصر وتقديم بعضها على بعض (1) - وهو الذي يميز ثقافة عن ثقافة أخرى- يعود إلى الدين، أو ينطلق من القيم الدينية التي جاء بها القرآن الكريم، مع تسليمنا بما ذهب إليه الفيلسوف الناقد «ت. س. إليوت» من القول بالأصل الديني لكل الحضارات والثقافات، والذي بنى عليه قوله بوحدة الثقافة الأوروبية المعاصرة- على الرغم من تعدد اللغات والمذاهب والقوميات- وقوله بتلاشي هذه الثقافة حين تفقد أصلها الديني (2).--------------------------------------------
(1) انظر كتاب «مشكلة الثقافة» للأستاذ مالك بن نبي رحمه الله.
(2) راجع كتاب «ملاحظات نحو تعريف الثقافة» لإليوت ترجمة الأستاذ الدكتور شكري عياد.
وقارنه بما كتبه الأستاذ مالك بن نبي في كتابه «شروط النهضة» وتحليله لعناصر الحضارة (إنسان+ تراب+ وقت) ودور العقيدة الدينية (كعامل مركب) لهذه الحضارة.
وانظر بسطا لهذا الموضوع في كتابنا: القومية والعلمانية. الفقرة الخاصة بموقف العلمانية من العقيدة الدينية. والفقرة التي تتحدث عن أثر المسيحية في الثقافة الأوروبية:
ص 127 - 137، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
الباب الثاني قطعية النص القرآني وتاريخ توثيقه
* الفصل الأول: القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة.
* الفصل الثاني: الوحي أو مصدر القرآن الكريم.
* الفصل الثالث: نزول القرآن والحكمة من تنجيمه.
* الفصل الرابع: جمع القرآن وتدوينه.
* الفصل الخامس: الآيات والسور وترتيبهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
الفصل الأول القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة
أولا- تعريف القرآن والفرق بينه وبين الحديث:
1 - هذه الكلمة «قرآن» لغة على وزن فعلان: لفظ مشتق من القرء، بمعنى الجمع؛ يقال: قرأ الشيء قرءا وقرآنا: جمعه وضم بعضه على بعض، ومنه قرأت الماء في الحوض: جمعته. قالوا: وسمي القرآن الكريم قرآنا لأنه جمع القصص والأمر والنهي، والوعد والوعيد، أو لأنه جمع الآيات والسور.
وقيل: إن هذا اللفظ- قرآن- مشتق من القرائن التي يصدّق بعضها بعضا، أو يشابه بعضها بعضا. وقالوا: وكذلك حال الآيات والسور في القرآن الكريم.
وقال اللحياني وجماعة من أهل اللغة: قرآن: مصدر كغفران، سمي به «المقروء» أي المتلوّ؛ تسمية للمفعول بالمصدر. ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) [سورة القيامة: 17 - 18] أي قراءته، والمراد:
جبريل عليه السلام. ومنه كذلك قول حسّان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان- رضي الله عنهما:
ضحّوا بأشمط عنوان السجود به … يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
أي: قراءة. ويقال: قرأ الرجل، إذا تلا، يقرأ قرآنا وقراءة.
وبغض النظر عن أصل اشتقاق هذا اللفظ، على دقة ما ذهب إليه اللحياني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وترجيحنا له؛ فإن «القرآن» بهذا اللفظ المعرّف صار علما شخصيا على «الكتاب» المعجز الموحى به من الله سبحانه، والمنزل على سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله الخاتم؛ سمي به هذا الكتاب كما سميت «التوراة» التي نزلت على موسى، و «الإنجيل» الذي نزل على عيسى عليهما الصلاة والسلام. قال تعالى:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [سورة الإسراء، الآية 9].
حتى قيل إن بعض العلماء، منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، عدّ هذا اللفظ المعرّف كما قلنا- القرآن- اسم علم غير مشتق، خاص بكلام الله تعالى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
2 - أما ما ذكره العلماء من تعريف «القرآن» - اصطلاحا- بالأجناس والفصول، لتمييزه عما عداه مما قد يشاركه في الاسم- ولو توهما- ذلك أن سائر كتب الله تعالى، والأحاديث القدسية، وبعض الأحاديث النبوية، تشارك القرآن في كونها وحيا إلهيا، فربما ظن أنها تشاركه في اسم القرآن أيضا، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به، ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع؛ فقال أكثرهم في تعريفه:
«هو الكلام المعجز، المنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته».
وأوجزه بعضهم بقوله: القرآن هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته».
وقد قيل في تحليل هذا التعريف الأخير: إن «الكلام» جنس شامل لكل كلام، وإضافته إلى «الله تعالى» تميزه من كلام من سواه، سواء أكان من الإنس أم غيرهم.
«المنزّل»: مخرج للكلام الإلهي الذي استأثر به في نفسه، أو ألقاه إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)