قال عبادة بن الصامت- رضي الله عنه: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا». وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ القرآن في شهر. قلت: إني أجد قوة. قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» (1).
وكانت النتيجة لكل هذا أن عدد الحفاظ من الصحابة كان كبيرا، ويكفي أن نعلم أنه قتل منهم يوم بئر معونة ويوم اليمامة، أربعون ومائة، قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ببئر معونة- وما أدراك ما يوم بئر معونة- مثل هذا العدد!
غير أن الذين اشتهروا من الصحابة بحفظ القرآن: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعد، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وحفصة. كما حفظه من الأنصار في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وكثيرون غيرهم.
ويمكن القول إن حفظهم للقرآن بهذه الأعداد الكبيرة يمثل لونا من ألوان «التوثيق»، إلى جانب أن بعضهم ربما قرأ أو عرض ما يحفظه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري من حديث عبد الله بن مسعود- وقد جعله النبيّ صلى الله عليه وسلم واحدا من أربعة أمر بأن يؤخذ عنهم القرآن (2) - قال: قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ، قلت:
يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب- وفي رواية: أشتهي- أن--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري 6/ 114 وانظر فيه كذلك الرواية الأخرى المطوّلة، ص 113، وراجع: جامع الأصول لابن الجزري 2/ 471 - 473 تحقيق عبد القادر الأرناءوط، طبع دمشق 1389.
(2) صحيح البخاري 6/ 102، وفيه: «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبيّ بن كعب. وانظر جامع الأصول لابن الأثير الجزري 2/ 507.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) قال لي: كفّ أو أمسك، فالتفتّ إليه فإذا عيناه تذرفان! (1):
(ب) الكتابة والتدوين:
هذا في موضوع حفظ القرآن- بمعنى جمعه في الصدور- في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم. فإذا انتقلنا إلى «الكتابة» والتدوين نجد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد اتخذ كتّابا للوحي، أمرهم بكتابة كل ما ينزل من القرآن، منهم الخلفاء الأربعة وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب وثابت بن قيس، وغيرهم.
فكانوا يكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب واللخاف والرّقاع والأكتاف والأقتاب وقطع الأديم (2)، قال زيد بن ثابت: «كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلّف القرآن من الرقاع» وقال بعد أن أمر بجمع القرآن: (فتتّبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال) (3). وفي هذا دلالة على أن الشطر الأعظم من القرآن الكريم كان مكتوبا على الورق وسائر انواع الرقاع.
وفوق ذلك فقد نهاهم الرسول الكريم عن أن يكتبوا شيئا غير القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري- «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (4) وذلك- فيما يبدو- حتى تتوفر جهودهم وهممهم--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري 6/ 113، 114.
(2) العسب، بضم العين والسين، جمع عسيب: وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض. واللخاف، بكسر اللام، جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء، وهو الحجر الأبيض الرقيق. والرقاع جمع رقعة، وقد تكون من جلد أو من ورق أو كاغد. والأكتاف جمع كتف، وهم عظم البعير أو الشاة يكتبون عليه بعد أن يجف.
والأقتاب: جمع قتب- بفتحتين- وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.
(3) صحيح البخاري 6/ 98.
(4) - صحيح مسلم بشرح النووي 18/ 129.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
على حفظ القرآن في المقام الأول، وإن كان كثير من العلماء يرى العلة في هذا النهي خشية اختلاط القرآن بالحديث، وربما كان من صواب الرأي أن يقال إن هذا
الاختلاط- لو رخص لهم النبيّ بكتابة أحاديثه الشريفة- مأمون من أدنى نظر بين الأسلوبين، إلا أن يكون النهي عن جمعهما في صحيفة واحدة إن أمن صاحبها اللبس- لمكان معرفته وتفريقه- في السورة الكاملة أو الآيات الكثيرة، فلعلّه لا يأمنه في آية، كان ينزل بها الوحي، أو إن أمن هو كل ذلك، فقد لا يأمن على من تقع هذه الصحيفة في يده في وقت لا حق! وبخاصة إذا كان الذي كتب مع الآية تأويلها.
يؤكد ما أشرنا إليه من توافر الجهود الرئيسة أو الكبرى- زيادة في التوثيق- أن الحديث لا يخشى عليه مثل هذا الضياع والرسول بين ظهرانيهم، وفرصة الإعادة وتجدد مناسبة القول مفتوحة، وفي وسع من أراد السؤال أن يسأل. ولهذا- وهذا استطراد لا بد منه- لا نجد أي فرصة لاستغراب كثرة رواية أبي هريرة مثلا مع تأخر إسلامه، بل لعل الشطر الأكبر من الأحاديث النبوية قالها النبيّ الكريم أو أثرت عنه بعد الهجرة؛ والوحي الإلهي يلقي على عاتقه مع آيات التشريع وتوسع الحياة الاجتماعية أضعاف ما خصّه من الدور مع الآيات المكية التي كانت تدور في معظمها حول قضايا العقيدة وقصص الأنبياء والأمم السابقين.
والنقاط التي يمكننا أن نفصّل فيها تفسيرنا السابق لموضوع النهي كثيرة، ونكتفي هنا بالقول: إن هذا النهي على كل حال يمثل لونا آخر من ألوان التوثيق في الكتابة يحسن التنويه به والإشارة إليه.
ثانيا- جمع القرآن على عهد أبي بكر الصدّيق- رضي الله عنه-:
يحدثنا زيد بن ثابت كاتب الوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري- فيقول: «أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة (1) فإذا عمر بن الخطاب--------------------------------------------
(1) أي بعد مقتل من قتل في وقعة اليمامة، وهي الموقعة التي دارت بين المسلمين والمرتدين- من أتباع مسيلمة الكذاب- والتي استشهد فيها من القرّاء سبعون رجلا كما أشرنا إلى-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
عنده، قال أبو بكر- رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ (1) يوم القيامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه- فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن- قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حتى خاتمة براءة، [الآيتان 128 - 129]، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما» (2).--------------------------------------------
ذلك، وكان منهم سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه الذي تقدم لحمل الراية بعد أن استشهد زيد بن الخطاب رضي الله عنه ووقعت الراية! فقال المسلمون: يا سالم! إنا نخاف أن نؤتى من قبلك. فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبلي! فلما انكشف المسلمون قال سالم: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحفر لنفسه حفرة وقام فيها- ومعه راية المهاجرين- فقاتل حتى قتل شهيدا رضي الله عنه وأرضاه. وحين انكشف المسلمون في هذه الوقعة الشديدة ثلاث مرات أهابوا بحملة القرآن أن يتقدموا الصفوف، ففعلوا حتى استحرّ القتل فيهم. راجع مجمع الزوائد للهيثمي 9/ 322 والاستيعاب لابن عبد البر 1/ 194. وقيل: إن عدد من قتل من القرّاء في هذا اليوم سبعمائة! القرطبي: 1/ 50.
(1) أي اشتد.
(2) - صحيح البخاري 6/ 98 - 99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
1 - يدل هذا النص على أن الباعث على الجمع الذي تم في عهد الصّدّيق وكان بإشارة من ابن الخطاب- رضي الله عنهما هو الخوف من أن «يذهب كثير من القرآن». ولم يفهم «جيفري» - الذي علمت خبره- من هذا الخوف أنه تحرّ في الصيانة والحفظ، ولكنه فهم أن القرآن لم يكن مكتوبا في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإلا لماذا يخاف عمر من استشهاد الحفاظ؟! وندع ما أشرنا إليه من أن القرآن الكريم «كتب» على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم لنقول: إن ذهاب الحفاظ في المواطن أمر يخاف منه في الغد القريب أو البعيد، لأن طريقة أداء المكتوب لا يتأتى إلا عن طريق التلقين والرواية، وذهاب الذين حفظوا القرآن أيام النبيّ صلى الله عليه وسلم يعوق طريقة الأداء. بل إن ذهاب هؤلاء الحفاظ أمر يخشاه عقل حازم ونظر نافذ كعقل عمر بن الخطاب ونظره و «وثائقيته» المشهورة … يخشاه من حيث هو، ويخشاه كذلك لأن القرآن كما قلنا لا بد فيه من الكتابة والحفظ جميعا! يؤكد هذا: المنهج الذي رسمه أبو بكر لزيد بن ثابت في هذا الجمع.
2 - يتلخص منهج الجمع، كما رسم لزيد وأمر بتنفيذه، في وجوب الاعتماد على مصدرين: أولهما: ما كتب بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم. وثانيهما: ما كان محفوظا في صدور الرجال.
قال زيد: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» وفي الحديث الآخر الذي أخرجه ابن أبي داود من طريق عبد الرحمن بن حاطب قال:
«قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فليأت به- قال: وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب- وكان زيد لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان» قال السخاوي: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد شارك عمر زيد بن ثابت في موضوع الجمع، بإشارة من أبي بكر، وكانا يطلبان على الحفظ كذلك شهادة شاهدين، جاء في حديث منقطع رجاله ثقات أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
أبا بكر قال لعمر وزيد: «اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه» وقد فسّر بعض العلماء هذين الشاهدين: بالحفظ والكتابة.
ومعنى ذلك: الاكتفاء بشاهد واحد على الكتابة، ومثله على الحفظ! ولو صح هذا التفسير المخالف لما ذهب إليه جمهور العلماء- سواء صح الحديث السابق أم لم يصح- لما كان هنا لك من داع ليخص زيد بن ثابت- في رواية البخاري السابقة- آخر سورة «براءة» بالذكر! إن كان لا يتطلب على «الكتابة» أكثر من شاهد واحد! ومن نافلة القول أن نشير إلى أن قوله: «لم أجدها مع أحد غيره» لا يجوز تفسيره بأنه لم يجدها «محفوظة»!! لأنه كان- رضي الله عنه يبحث عن آية «يحفظها» هو! قال الزركشي: «وقول زيد: لم أجدها إلا مع أبي خزيمة، ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد، لأن زيدا كان سمعها وعلم موضعها في سورة التوبة بتعليم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكذلك غيره من الصحابة … » قال: «وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم». وقال الحافظ ابن حجر- رحمه الله: «ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة» (1).
بل إن من الواضح أن طلب مثل هؤلاء الشهود لا يراد به أكثر من مجرد الاستظهار والاستيثاق وتسهيل عمل زيد بن ثابت … لأن الأصل هو في الحفظ المتواتر من قبل جمهور الصحابة- رضوان الله عليهم- … وهذا معنى تخوّف الفاروق الذي لم يفهمه «جيفري» مرة أخرى! ولهذا فإن التواتر هنا في نقل القرآن الكريم لا يمكن في الشاهدين أو في الأربعة شهود، حتى نقول مع بعض العلماء:
إن الاستظهار المتواتر لآخر سورة براءة من قبل الصحابة قام مقام الشاهد الآخر على أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) … لأن هذا عكس ما يجب قوله في هذا--------------------------------------------
(1) فتح الباري 9/ 12.
(2) انظر كتاب «علوم القرآن» للأستاذ الدكتور صبحي الصالح رحمه الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
المقام، لأن التواتر إنما يكمن حقيقة في موافقة هذا المكتوب في الصحف، بشهادة أي عدد كان، لما كان يحفظه الصحابة في صدورهم- بل إن الكتابة ليست شرطا في التواتر أصلا- حيث تلقوا عمل أبي بكر بالقبول، وتمت عليه موافقتهم ..
فكأن جمع المتفرق- «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» - كان سبيلا ليعارض بالمجتمع «ليشترك الجميع في علم ما جمع فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ولا يشكّوا في أنه جمع عن ملأ منهم» (1) كما قال الزركشي- رحمه الله.
هذا الجمع العلني والإعلامي، في مجتمع فضل وعلم ودين، هو الذي قال فيه علي بن أبي طالب- رضي الله عنه: «أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله» (2).
3 - وأخيرا، فإن من أبرز ما تضمنه حديث زيد السابق (3) أن الصحف التي جمع فيها القرآن- بين لوحين أو أجزاء متفرقة- كانت عند أبي بكر الخليفة- رضي الله عنه، ثم آلت إلى سيدنا عمر من بعده، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر أمير المؤمنين، ولم توضع عند عثمان لأن عمر- رضي الله عنهما ترك الخلافة شورى من بعده في ستة فلا يحسن دفع هذه الصحف إلى واحد منهم، ولعله لو فعل ذلك لفهم على أنه من أمارات الترجيح! يضاف إلى ذلك أن حفصة- رضوان الله عليها- هي زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين، وكانت متمكنة من--------------------------------------------
(1) راجع البرهان للزركشي 1/ 234 تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم رحمه الله.
(2) أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» بإسناد حسن.
(3) من هذه الأمور: الثقة المطلقة بزيد من قبل أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، هذه الثقة التي لم يؤكدها أنه كاتب للوحي، فحسب، حتى دل عليها بمكانه في الورع والتقى- لخشيته في الأمر- إلى جانب ما اتصف به رضي الله عنه من الحزم والعقل، والتحري والضبط جميعا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
القراءة والكتابة، فضلا عن حفظها للقرآن الكريم عن ظهر قلب، فبقيت هذه الصحف عندها إلى أن طلبها منها الخليفة عثمان بن عفان، كما سنرى في الفقرة التالية:
ثالثا- نسخ المصاحف على عهد عثمان- رضي الله عنه-:
1 - كان الجمع الذي تم في عهد الصدّيق، إذن، جمعا عاما، أو جمعا «رسميا» قام به الخليفة، وشارك فيه جمهور الصحابة أو جماعة المسلمين: الحافظ بحفظه والكاتب بكتابته. إلا أن هذا الجمع لم يرد له أبو بكر- رضي الله عنه أن يكون «قاضيا» على الصحف الخاصة التي جمع فيها بعض الصحابة القرآن لأنفسهم، كما فعل عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري والمقداد بن عمرو وأبيّ بن كعب وعلي بن أبي طالب- وكان غالب هذا الجمع يتمثل في تسجيلهم لما كانوا يسمعونه من النبيّ صلى الله عليه وسلم من القرآن- لأن همّ أبي بكر وعمر كان مصروفا لمبدأ الجمع الموثق الذي يتم على ملأ من الحفاظ وعامة المسلمين، والذي كان من أركانه بعض أصحاب هذه الصحف أو المصاحف؛ ولهذا فإن هذه الصحف لم تختلف عن المصحف السابق إلا في ترتيب السور من ناحية، وفي بعض القراءات التفسيرية والقراءات ذات الطابع اللهجي
من ناحية أخرى (1)، لأنهم إنما كانوا يدونون هذه الصحف لأنفسهم، وتأكيدا أو تطبيقا لمبدأ نزول القرآن على سبعة أحرف، كما سنشير إلى ذلك في بحث قادم.
وقد علّل صاحب كتاب المباني اختلافهم في ترتيب السور «بأن الواحد منهم إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتبها ثم خرج في سرية فنزل في وقت تغيّبه سورة، فإن كان إذا رجع فأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته فيتتبع ما--------------------------------------------
(1) انظر دراسة مطولة لهذه المصاحف في كتاب «تاريخ القرآن» للدكتور عبد الصبور شاهين ص 125 - 189 وانظر كتاب «الفصل في الملل والأهواء والنحل» للإمام ابن حزم 2/ 76 - 80.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
فاته على حسب ما يستهل له، فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير من هذا الوجه». قال:
«وليس يقدح في الثقة بالقرآن أن كانت السور متفرقة على غير ولاء، بعد أن كانت معروفة عند عامّتهم، محفوظة عن أن يزاد فيها أو ينقص، كما أنه ليس يقدح في قصائد زهير والأعشى وغيرهما من الشعراء أن تكون قصائدهم متفرقة، ثم تجمع بين دفتين فتقدم قصيدة وتؤخر أخرى» (1).
أما الاختلاف بالزيادة والنقص- فيما وراء الأحرف السبعة- أو بعبارة أدق:
الاختلاف بالنقص، فلم يكن له وجود، ومن ظن ذلك فقد غفل عن النقطة التي أشرنا إليها، وهي أن هذه الصحف صحف خاصة، وربما دوّن صاحبها على صحيفة من الصحف دعاء أو حديثا وهو يأمن أنه ليس من القرآن، أو ترك تدوين سورة يعلم أنها من القرآن … فمصحف ابن مسعود- على سبيل المثال- زعم بعضهم أنه كان يخلو من سورة الحمد! قال ابن قتيبة: «وكيف يظن به ذلك وهو- أي ابن مسعود من أشد الصحابة عناية بالقرآن؟ ولكن ذهب فيما يظن أهل النظر إلى أن القرآن إنما جمع وكتب بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد- فاتحة الكتاب- … فلما أمن عليها العلّة التي من أجلها كتب المصحف ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن» (2).
غير أن تعدد المصاحف بجوار مصحف أبي بكر، وانتشار القراء في الأمصار، تسبب في تعدد القراءات، واختلاف القراء. فكانت الحلقة الثالثة أو المرحلة الأخيرة من مراحل جمع القرآن الكريم، أو من مراحل توثيقه ونشره، قام بها عثمان بن عفان- رضي الله عنه. وفي ذلك يروي لنا البخاري الخبر التالي:--------------------------------------------
(1) «مقدمتان في علوم القرآن» ص 32 - 33.
(2) تأويل مشكل القرآن ص 47 تحقيق وشرح السيد أحمد صقر رحمه الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
«عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى! فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة:
إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة. فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (1).
وتوضح بعض الروايات الأخرى عند أبي داود وفي كتابي (البرهان) و (الإتقان) أن الاختلاف في القراءة الذي لاحظه حذيفة، والذي ظهر عند اجتماع الجيوش الإسلامية الوافدة من الأقاليم- سورية والعراق- يعود إلى أن أهل الشام كانوا يتبعون قراءة «أبيّ بن كعب» والعراقيين يتبعون قراءة ابن مسعود .. وبعضهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، فقال بعضهم لبعض: «قراءتنا خير من قراءتكم … » (2) وهذا أمر يفزع من مثله، وإن دلّ على شيء- فيما وراء--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري 6/ 99. قال القرطبي، معقبا على هذه الرواية: «وكان هذا من عثمان رضي الله عنه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلّة أهل الإسلام وشاورهم في ذلك، فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت في القراءات المشهورة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم واطّراح ما سواها، واستصوبوا رأيه وكان رأيا سديدا موفّقا، رحمة الله عليه وعليهم أجمعين» 1/ 52.
(2) انظر البرهان 1/ 139 والإتقان 1/ 102 - 103 وانظر كتاب مدخل إلى القرآن الكريم للدكتور دراز ص 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
الاختلاف في القراءة الذي يسمح به نزول القرآن على سبعة أحرف- فإنما يدل على أن شيئا من الطابع الفردي أو الشخصي قد أسبغ على مصحف أبي بكر على الرغم من العناية التي بذلت في جمعه (1) وإن الذي ساعد على ذلك- فيما يبدو لنا- بقاؤه محفوظا بعناية عند الخليفتين الأولين، إلى جانب طبيعة المكانة المتكافئة أو المتقاربة التي يحتلها الصحابة عموما، والتي لا تجعل من الخليفة رجلا متميزا في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت. ولهذا فإن الواجب الآن، بعد الاختلاف الذي أشار إليه حذيفة، يقتضي إعطاء مصحف أبي بكر فرصة النشر والتعميم على الأقاليم الإسلامية، وجعله وثيقة للناس كافة. وهذا ما فعله عثمان بن عفان كما تدل على ذلك الروايات الكثيرة، وكما أقره عليه الصحابة- رضوان الله عليهم- عند ما قالوا له: نعم ما رأيت (2).
3 - تشير رواية البخاري السابقة إلى أن اللجنة التي انتدبت للقيام بهذا العمل كانت مؤلفة من أربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ، ثلاثة من قريش، وواحد من الأنصار
وهو زيد بن ثابت.
وجاء في بعض الروايات أن الذين انتدبوا للقيام بهذا العمل أكثر من هذا العدد (3)، ويبدو أن اللجنة التي «كلّفت» من قبل الخليفة تتألف من أربعة، إلا أن اجتماع الصحابة على العمل واشتراكهم في الإقرار بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ على هذا النحو- الذي نجده الآن في المصاحف- وتثبّت الجماعة في ذلك .. هو الذي أوهم كثرة العدد في اللجنة الرسمية التي أنيط بها العمل المذكور؛ أخرج ابن أشتة من طريق أيوب عن قلابة أن عثمان بن عفان- وقد راعه اختلافهم- قال: يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما، فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا--------------------------------------------
(1) انظر الدكتور دراز، المصدر السابق.
(2) «مقدمتان في علوم القرآن» ص 44، والإتقان 1/ 103.
(3) الإتقان 1/ 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله فلانا، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا وكذا، فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكانا.
وفي رواية أخرى أن عثمان، بعد أن أحضروا الصحف التي كانت في بيت حفصة «كان يتعاهدهم، فكانوا إذا ادّرءوا في شيء أخّروه. قال: فظننت إنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله (1).
وتشير هذه الرواية، مع سابقتها: كيف أقرأك رسول الله؟ إلى أن الخلاف كان في الحرف، أو في وجه القراءة، على التحقيق. بالإضافة إلى الخلاف في طريقة الرسم والكتابة، كما دلّت عليه رواية البحاري.
4 - وقد استهدف عثمان- رضي الله عنه من عمله في نشر القرآن وتعميمه أمرين أساسيين:
الأول: منع التماري في القرآن والشجار بين المسلمين بشأن القراءات المختلفة، لأن المصاحف العثمانية أضفت الصفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون، ولها أصول نبويّ مجمع عليه.
الثاني: حماية النص القرآني ذاته من أي تحريف، نتيجة إدخال «بعض العبارات المختلف عليها نوعا ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد أضافوها إلى مصاحفهم بحسن نية» (2).
ومن هنا يمكن لنا أن نتبين قاعدة اللجنة العثمانية في جمع القرآن على النحو التالي:--------------------------------------------
(1) راجع الإتقان 1/ 104.
(2) «مدخل إلى القرآن الكريم» للدكتور دراز ص 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
رابعا- قاعدة عثمان في الجمع ومزايا المصاحف العثمانية:
1 - كتابة القرآن بلغة قريش لأنه إنما نزل بلسانهم، وهكذا احتفظت كلمة «تابوت» التي كانت تكتب «تابوه» في المدينة بشكلها المكي. أخرج البخاري والترمذي، قال ابن شهاب: اختلفوا يومئذ في (التابوت) فقال زيد: (التابوة) وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص (التابوت) فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال اكتبوه (التابوت) فإنه بلسان قريش (1). قال ابن عطية: قرأه زيد بالهاء، والقرشيون بالتاء، فأثبتوه بالتاء (2).
2 - جرّدت المصاحف العثمانية من كل ما ليس قرآنا، كالشروح والتفاسير التي كان يكتبها بعض الصحابة في مصاحفهم مثل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [سورة البقرة، الآية 198] فقد كتبها ابن مسعود:
«ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم (في موسم الحج) (3) وقرأ غيره «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة- صالحة- غصبا» بزيادة كلمة «صالحة» بطريق الشرح والتفسير، أو للإشارة إلى سبب النزول أو أخذا منه، لأنهم- كما قدمنا- كانوا يكتبون هذه المصاحف لأنفسهم، ويدونون عليها بعض التفاسير؛ لأنهم محققون لما تلقوه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرآنا، فهم آمنون من الالتباس.
3 - كانت هذه المصاحف خالية من الإعجام أو النقط والشكل، مما فسح--------------------------------------------
(1) جامع الأصول لابن الأثير الجزري 2/ 506.
(2) القرطبي 1/ 54.
(3) أخرج البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام فكأنهم تأثّموا أن يتّجروا في المواسم، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
في مواسم الحج. قرأها ابن عباس هكذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
المجال لقراءة القرآن بأي من الحروف السبعة التي نزل عليها، وبذلك لم يسقط عثمان- رضي الله عنه شيئا من قراءات القرآن، ولم يمنع أحدا من القراءة بأي حرف شاء ما دامت هذه الحروف كلها منقولة بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ورسول الله يقول: «فأيّ ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا» كما سنوضح ذلك في بحث الأحرف السبعة.
(أ) فإن كان في الكلمة الواحدة أكثر من قراءة، وكان رسمها يقرأ بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل، وبجميع القراءات، رسمت في جميع المصاحف برسم واحد، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [سورة الحجرات، الآية 6]. فقد كانت تكتب «فسوا» وتصلح أن تقرأ «فتثبتوا» وهي قراءة أخرى. وكذلك كلمة «ننشزها» من قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [سورة البقرة، الآية 259] فإنّ تجرّدها من النقط والشكل يجعلها صالحة لأن تقرأ «ننشرها» وهي قراءة معروفة أيضا.
فإن قيل إن الرسم العثمان الخالي من الشكل والنقط، يتيح المجال للكثير من الألفاظ القرآنية أن تقرأ بأكثر من وجه واحد، فهل تجوز القراءة بهذه الوجوه؟
قلنا إن الأمثلة المذكورة التي صلح الرسم فيها للقراءتين المذكورتين إنما جاز القراءة فيهما لورود الدليل القاطع على صحة القراءة بهما؛ إما لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما، أو لأن أحد الصحابة قرأ بأحدهما بحضوره فأقرّه النبيّ ولم ينهه عن ذلك. أما ما وراء ذلك فلا تجوز القراءة فيه بغير الوجه الواحد المروي بطريق التواتر. ولذلك اعتبرت قراءة «شاذة» كل ما وجد عليها دليل آحادي غير متواتر ولو صلح الرسم للقراءة بها، كقراءة: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع لفظ الجلالة ونصب كلمة «العلماء» فهي قراءة شاذة، لأن القراءة المروية عن الثقات؛ بنصب لفظ الجلالة ورفع العلماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
(ب) أما إذا كان اللفظ القرآني الذي جاء فيه أكثر من رواية متواترة يتعذر رسمه في الخط محتملا لجميع الوجوه- بدون إعجام- فإنهم كانوا يرسمونه في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة- أو حرف- وفي بعض آخر برسم يدلّ على قراءة أخرى، كقراءة «وصّى» بالتضعيف، و «أوصى» بالهمز، الواردتين في قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [سورة البقرة، الآية 132].
وغني عن البيان أنهم لم يكونوا يكتبون بالرسمين في مصحف واحد! حتى لا يظن أن الثاني تصحيح للأول- على سبيل المثال- خصوصا إذا كتب أولهما في الأصل، والآخر في الحاشية، أو أن الأول أصل، والثاني فرع أو جائز أو محتمل، فيرجح أحدهما على الآخر بدون مرجح. أو حتى لا يتوهم متوهم أن اللفظ نزل مكررا بالوجهين في قراءة واحدة.
ونقول هنا تعقيبا على هذه الفقرة (ج) بنقطتيها هاتين: إن المصاحف العثمانية التي كتبت على هذا النحو، وأضحت معتمد القرّاء في البلاد التي وجّه إليها عثمان بهذه المصاحف .. كانت وراء اختيارات القرّاء من الأحرف التي نزل عليها القرآن الكريم، أو السبب في التزامهم برسم المصحف الذي وصل إلى مصرهم؛ قال القرطبي: إن عثمان- رضي الله عنه «وجّه للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قرّاء الأمصار معتمد اختياراتهم، ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه. وما وجد بين هؤلاء القرّاء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم، فذلك لأن كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض؛ إشعارا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة» (1).
وأخيرا، فإن عثمان- رضي الله عنه كلّف اللجنة بنسخ عدد من--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي 1/ 54 وانظر مناهل العرفان 1/ 252.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
المصاحف بعث بها إلى عدد من الأمصار في الدولة الإسلامية، قال بعض العلماء:
إنها سبع نسخ، ورجح الأكثرون أنها كانت خمس نسخ؛ أخرج ابن أبي داود من طريق حمزة الزيات قال: «أرسل عثمان أربعة مصاحف، وبعث منها إلى الكوفة بمصحف، فوقع عند رجل من مراد، فبقي حتى كتبت مصحفي منه» وقال ابن أبي داود: «وسمعت أبا حامد السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف. فبعث واحدا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى الكوفة …
وحبس بالمدينة واحدا» (1).
خامسا- حرق الصحف والمصاحف الأخرى: (شبهات وردّ):
ثم أمر سيدنا عثمان بعد ذلك بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرّق لأن الأمر لم يعد يحتمل التهاون أو التأخير بعد ما نجم من خلاف، وبعد ما تمّ من التحرّي والضبط في نسخ مصحف أبي بكر- رضي الله عنه، أو الصحف التي كانت لدى السيدة حفصة- رضي الله عنها. ولهذا فقد استجاب أصحاب «المصاحف» السابقة لأمر الخليفة وقاموا بحرق مصاحفهم سوى عبد الله بن مسعود الذي لم يكتف بالرفض .. حتى حرّض الآخرين- وقد أزعجه استجابتهم فيما يبدو- على الرفض!
وبخاصة حين وصلت نسخة الكوفة من مصاحف عثمان السابقة. أخرج ابن أبي داود في «المصاحف» والترمذي مرسلا من حديث الزهري «أن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ المصحف، ويتولّاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر! - يريد زيد بن ثابت- يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عند كم وغلّوها، فإن الله يقول:
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة آل عمران، الآية 161] فاتقوا الله--------------------------------------------
(1) كتاب المصاحف، ص 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
بالمصاحف. قال الزهري: فبلغني أن ذلك كره من مقالة ابن مسعود: رجال من أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1).
قلت: ولعبد الله بن مسعود- رضي الله عنه أن يغضب لعدم مشاركته، أو لعدم استدعائه للمشاركة في هذا العمل التاريخي المشرّف، ولكن ما كان لغضبه أن يصل إلى حد التعريض بزيد بن ثابت الذي كان كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأمر لا يجمل التعريض بمثله؛ علما بأن بعض العلماء يقول: إن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله؛ إذ وعاه كله ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيّ- ووعاه معه على هذا النحو:
أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وحفصة، وعائشة … وآخرون- في حين أن ابن مسعود حفظ منه في حياة رسول الله نيّفا وسبعين سورة، ثم تعلّم الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم (2).
يضاف إلى ذلك أن زيدا- رضي الله عنه لم يشتهر عنه اختيار قراءة بعينها- أو الانحياز لها- كما فعل ابن مسعود، علما بأن الأمر الآن أو في هذه المرحلة: أمر تقعيد الأحرف، وحسم الاختلاف في القراءة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن عمل اللجنة نسخ أو استنساخ، وليست جمعا جديدا للقرآن، كما قد توهم بعض الروايات الضعيفة! (3) ومعنى ذلك أن الدواعي لتكليف ابن مسعود في هذا العمل، أو لانتظار حضوره من الكوفة إلى المدينة .. لم تكن قائمة! قال الحافظ ابن حجر: «والعذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة، وعبد الله بن مسعود بالكوفة. ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر. وأيضا فإن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر .. وكان الذي--------------------------------------------
(1) جامع الأصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير الجزري 2/ 506 - 507 والمصاحف ص 14. ومعنى: غلّوها: اكتموها واخفوها، وأصله من الغلّ بمعنى الخيانة.
(2) انظر تفصيلا لهذه النقطة التي ذكرها ابن الأنباري، في تفسير القرطبي 1/ 53.
(3) راجع المرشد الوجيز لأبي شامة، ص 65 فما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
نسخ ذلك هو زيد بن ثابت، وكان كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولوية ليست لغيره» هو وسائر أعضاء اللجنة من قرّاء المدينة- رضي الله عنهم أجمعين-.
وعلى أية حال، فإن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه بعد أن سكت عنه الغضب، أو بعد أن ذهبت حدّة المفاجأة، وربما بعد أن اطلع على عمل اللجنة من خلال مصحف الكوفة- فيما نرجح- قام بإحراق مصحفه، وأقر بما قام به الخليفة الراشد- رضي الله عنه. وقد أشار إلى ذلك صاحب كتاب «المصاحف» في فقرة خاصة عقدها تحت عنوان: «رضا عبد الله بن مسعود لجمع عثمان- رضي الله عنه في المصاحف».
أما ما يزعمه الغلاة من الشيعة أن عثمان حرص على حرق المصاحف ليخفي التبديل الذي أحدثه في النص القرآني! فأهون من أن يلتفت إليه، بعد كلّ ما قدمناه عن كتابة القرآن وحفظه، وعن المنهج الذي اتّبع في جمعه ونسخه! ونكتفي- فقط- بالقول: إن عثمان رضي الله عنه لو فعل شيئا من ذلك- سواء أكان متعلقا بسيدنا علي- رضي الله عنه، على وجه الخصوص، أم بغيره- لراجعه حفظة القرآن! اللهم إلا إذا زعم هؤلاء أن هؤلاء الحفظة من المهاجرين والأنصار، من بقي منهم في المدينة، ومن تفرق منهم في سائر الأمصار .. تواطئوا جميعا على ذلك!! والأسئلة التي تطرح نفسها أمام هذا البهتان: لم يفعلون ذلك؟ وكيف؟
ولماذا لم يؤثر عن علي- رضي الله عنه إنكار أو اعتراض؟ ولمن شاء، من العقلاء، أو من أصحاب الأهواء، أن يصدّق أن الصحابة الذين لم يشفع عندهم تكرار البسملة في صدر ثلاث عشرة ومائة سورة من القرآن الكريم .. أن يصدّروا بها السورة الوحيدة الباقية- سورة التوبة- لأنهم لم يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح بها هذه السورة! أقول: لمن شاء أن يصدق أن هؤلاء الذين بلغ بهم الالتزام والتدقيق هذا المبلغ يحرّفون القرآن، أو يتلاعبون فيه بالزيادة والنقصان! أيّ سخف هذا؟ بل أي جهل وزندقة وإلحاد!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
ومن الجدير بالذكر أن ابن مسعود، في كل ما نقل عنه في اعتراضه أو ثورته السابقة، لم يعترض إلا على إلزامه بالأحرف أو القراءات التي تضمّنها مصحف عثمان، وهو- أي ابن مسعود- الذي قرأ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم! كما كان يقول (1)، ولم يعترض حتى على ترتيب هذا المصحف!
وبحسبنا في هذه العجالة أن نقول: إن من سهل عليه أن يطعن في جميع الصحابة والمسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار لزعم قامت الأدلة على نقيضه من القرآن نفسه، الذي أثنى الله تعالى فيه على صحابة نبيّه الكرام في أكثر من موضع، سهل عليه أن يقول ما شاء؛ يقول الدكتور محمد عبد الله دراز- رحمه الله: «ونظرا لغيرة
المسلمين الأوائل … يستحيل علينا أن نعلّل قبول الكافّة لمصحف عثمان دون منازعة أو معارضة بأنه راجع إلى انقياد غير متبصّر من جانبهم! ولقد قرر «نولدكه» أن ذلك يعد أقوى دليل على أن النص القرآني «على أحسن صورة من الكمال والمطابقة» (2).
وينقل عن «لوبلوا» قوله: «إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر». وكان «وموير» قد أعلن ذلك قبله إذ قال: «إن المصحف الذي جمعه- نسخه- عثمان قد تواتر إلينا بدون أي تحريف. ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة .. فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا--------------------------------------------
(1) قال عبد الله بن مسعود: قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين وسبعين سورة- أو ثلاثا وسبعين سورة- وقرأت عليه من البقرة إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ قال أبو إسحاق: وتعلّم عبد الله بقية القرآن من مجمّع بن خارجة الأنصاري.
القرطبي 1/ 58.
(2) الدكتور دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 39، دار القرآن الكريم- بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا … » (1).
هذا، وقد عبّر أحد علماء الشيعة الإمامية أو الجعفرية- شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي- عن هذا المعنى فقال: «إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم هو كل ما تحتويه دفتا المصاحف المتداول بين الناس. وعدد السور المتعارف عليه هو 114 سورة، أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة، وكذلك سورتا الفيل وقريش، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة. أما من ينسب إلينا الاعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كاذب» (2).
بل إن هذا الفرق في طريقة تقسيم السور وترقيمها فرق نظري عند هؤلاء العلماء لأن نسخهم في الواقع لا تختلف عن النسخ المتداولة عند المسلمين من أهل السنّة فيما نعلم. ويكفي إن زعم لك زاعم أن لديه «سورة مجهولة» أو نصا مفقودا، أن تلاحظ- فقط- الفرق بين التراكم الركيك من العبارات، والكلمات--------------------------------------------
(1) مدخل إلى القرآن الكريم، ص 39.
(2) المصدر السابق. قلت: وهذا واضح في الحكم على علمائهم الآخرين الذين قالوا بخلاف ذلك، أو زعموا أن تحريفا قد أصاب القرآن. أما طبعاتهم للقرآن الكريم التي رمز فيها بأعلى الصفحات إلى أحد هذه الكلمات: (خوب، وسط، بد) والتي تعني بالعربية: جيد، وسط، رديء. فإننا لم نطلع عليها. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن هذه الرموز ربما كانت للخيرة والفأل. وذكر أنه لديه نسخة طبعت في طهران، وهي بخط التعليق كتبها سيد حسين ميرخاني، تقع في 406 صفحات. وأنه قد أحصى فيها تلك الرموز أو الإشارات، فوجد الرديء يقارب نصف صفحات المصحف (194) صفحة. والجيد (خوب) قد بلغ (154) صفحة. والوسط بلغ (44) صفحة. وأن (14) صفحة خالية من أي إشارة؛ قال: «ولعل (الخيرة) تعاد إذا ظهرت الصفحة الخالية من الإشارة» وذكر أن من سور القسم الثالث (بد) سورة الفتح وسورة الحجرات … إلخ. انظر الصفحات 117 - 131 من كتاب: الخمينية تأليف وليد الأعظمي. دار عمار- الأردن 1408 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)