هذا وقد جرى استعمال الطبري وأكثر المتقدمين «للتأويل» على أنه مرادف للتفسير، وقد جرت عادة الطبري في تفسيره باستعمال عبارة: (القول في تأويل قوله تعالى
كذا … ) وعبارة: (واختلف أهل التأويل في هذه الآية) وإنما يعني بذلك التفسير كما هو معلوم.
أما التأويل في الاصطلاح فهو: «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب من التجوز، من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقاربه … أو غير ذلك من الأشياء التي تعورفت في أصناف الكلام المجازي» (1) ويقرب من هذا التعريف الذي ذكره ابن رشد ما عقّب به الغزالي على تعريفه هو للتأويل حين قال: «ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للّفظ عن الحقيقة إلى المجاز».
وكأن الحاجة إلى التأويل تظهر بعد «تفسير» الألفاظ الواردة من النص لمعرفة ما يدل عليه ظاهره، فيحمل دليل ما- عقلي أو نقلي أو عرفي- على أن المراد بالكلام غير ظاهره» وأنه يجب حمله على المجاز فيؤول؛ أي فيحمل على المجاز دون الحقيقة.
وبذلك يكون التأويل خطوة تالية لخطوة التفسير، كما عبر بعض الباحثين.
أما الراغب الأصبهاني فقد جعل التفسير أعم من التأويل لأن أكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني، قال في شرح قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14) [سورة الفجر، الآية 14] تفسيره: إنه من الرصد، يقال: رصدته:
رقبته، والمرصاد مفعال منه. وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه، سبحانه وتعالى (2).--------------------------------------------
(1) فصل المقال لابن رشد ص 14 وقارنه بتعريف الإمام الغزالي رحمه الله في المستصفى 1/ 157.
(2) انظر مقدمة الراغب ص 403، المطبعة الجمالية بمصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ثانيا- مصادر التفسير ومراحله:
قلنا إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم. وينبغي على هذا أن يكون مأخذ تفسير القرآن من اللغة، أو بعبارة أخرى: أن تكون اللغة العربية طريق معرفة القرآن، قال تعالى: حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) [سورة فصّلت، الآيات 1 - 3].
دلّت هذه الآيات على أن العالم باللغة محجوج بالقرآن، ويدل قوله: (لقوم يعلمون) على أن التفسير لمن عرف اللغة جائز. ومن هنا جاء قول ابن خلدون:
«فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه وتراكيبه» علما بأن الصحابة كانوا متفاوتين في هذا العلم، وربما ندّ عن بعضهم مدلولات بعض الألفاظ، أو المراد من بعض العبارات.
ولكن لا خلاف على كل حال على أن آيات القرآن الكريم واضحة المعنى، وبخاصّة تلك التي تتعلق بأصول الدين وأصول الأحكام، وهذا النوع من الآيات يستطيع فهمه جمهور الناس، ولا سيما من كانوا عربا بسليقتهم. وفيه إلى جانب ذلك آيات مبهمة أو متشابهة، يصعب فهمها على العامة، ولا يقف على معناها إلا الخاصة، وفي هذا أيضا يأتي القرآن على قواعد العرب وعادتهم في الكلام؛ قال ابن قتيبة: «إن القرآن الكريم نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار والإطالة والتوكيد، والحقيقة والمجاز، وإغماض بعض المعاني وإظهار بعضها … إلخ». وقال أيضا: «ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا، حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة، وماتت الخواطر .. ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة» (1).--------------------------------------------
(1) تأويل مشكل القرآن ص 64، بتحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
وغني عن البيان أن الصحابة- الذين عاصروا التنزيل وشاهدوه- كانوا أقدر الناس على فهم القرآن على الرغم من قلة ما روي عنهم في التفسير، الذي اختلفوا فيه اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ، كما شرحه ابن تيمية في رسالته «مقدمة في أصول التفسير» (1).
ويعود السبب في هذا الاختلاف إلى تفاوت حظهم من المعرفة بالأدب الجاهلي وغريبه، وإلى تفاوتهم في ملازمة النبيّ صلى الله عليه وسلم والوقوف على أسباب نزول الآيات. بالإضافة إلى اختلافهم في معرفة عادات العرب في أفعالهم وأقوالهم، ونحو ذلك من الأسباب.
والمهم هنا أن المؤرخين للتفسير والمشتغلين بعلوم القرآن اصطلحوا على تسمية تفسير القرآن بالقرآن، والتفسير المرفوع إلى النبيّ، والمنقول عن الصحابة ب «التفسير المأثور» فقد قالوا في تعريفه «هو ما جاء في القرآن والسنّة وكلام الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه».
أما تفسير القرآن بالقرآن فهو من أولى خطوات المنهج السليم في تفسير القرآن كما سنشير إلى ذلك في صفحة قادمة، وإن كانت تسميته تفسيرا «بالمأثور» فيها نظر. أما المرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أنيطت به مهمة البيان عملا بقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [سورة النحل، الآية 44]- فهو لبّ التفسير بالمأثور، وإن كان مقداره ليس كبيرا إلى جانب التفسير الاجتهادي. أما المنقول عن الصحابة فهو عندنا تفسير «بالمأثور» إن كان فيما لا مجال فيه للرأي- كسبب النزول ونحوه- وإلا فهو داخل في حدود «الاجتهاد» في تفسير القرآن، بحسب المعرفة باللغة وبشروط التفسير الأخرى؛ لأن المصدر--------------------------------------------
(1) ارجع إلى هذه المقدمة، بتحقيقنا. وانظر فيها تفصيل القول فيما أجملنا خطوطه الرئيسة في هذا الفصل، حول أصول التفسير، وطبقات المفسرين، وحكم التفسير بالرأي … وغير ذلك. وانظر تعليقاتنا هناك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
الثاني للتفسير عندهم بعد «المأثور»: الرأي أو الاجتهاد، وعليه أن يعرف مع ذلك الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد في مثله من الشعر الجاهلي ونحوه، ويقف على ما صح عنده من أسباب النزول، وقواعد الترجيح … يقدم المفسر مستعينا بهذه الأدوات ويفسر القرآن بحسب ما أداه إليه اجتهاده. والواقع أن كثيرا من الصحابة كان يفسر الآيات من القرآن بهذا الطريق.
ويبدو أن هذين الاصطلاحين (التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي) لم يدلّا على منهجين متميزين في التفسير إلا في آخر هذه الخطوات التي تلخص تاريخ التفسير وتدوينه على حد سواء، والتي نوجزها فيما يلي:
1 - اتخذ التفسير في مرحلته الأولى شكل الحديث، بل كان جزءا منه وبابا من أبوابه. ومن المعلوم أن الحديث كان هو المادة الواسعة التي شملت جميع المعارف الدينية تقريبا، لأنه كان يقوم على الرواية، التي هي الأصل في نقل جميع العلوم الدينية واللغوية والأدبية …
وفي هذه المرحلة أخذ المؤلفون في آخر العصر الأموي وأول العباسي يجمعون «الأحاديث» المتشابهة المتعلقة بموضوع واحد، كما فعل الإمام مالك في «الموطأ» ومحمد بن إسحاق في كتاب «السيرة النبوية».
ويلاحظ في هذه المرحلة أن ما روي عن الصحابة في تفسير القرآن كان قليلا وأن أكثر الصحابة قولا في التفسير: ابن عباس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعلي بن أبي طالب. كما يلاحظ أن «طبقات المفسرين» بدأت تتضخم شيئا فشيئا، لأن «التابعين» «رووا» كل ما ذكره الصحابة- نقلا أو اجتهادا- ومنهم من «فسر» أيضا، ثم جاءت الطبقة التي تلتهم ففعلت مثل ذلك. وكان لبعض رجال هذه الطبقات اتصال ببعض رجال أهل الكتاب- اليهود- الذين دخلوا في الإسلام، وكان هذا مبدأ دخول «الإسرائيليات» في كتب التفسير، وإن كان عدم التزام المنهج العلمي والموقف الذي أمر النبيّ باتخاذه من رواياتهم- كما فصله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
ابن تيمية بدقة في مقدمته في أصول التفسير- قد أدى في المراحل القادمة إلى نتائج سيئة!! حيث ألحقت تشويها ببعض كتب التراث، أو ببعض صفحاته على الأقل. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم.
إمّا أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه». قال ذلك في الوقت الذي سمح بالتحديث عن بني إسرائيل … إشارة إلى أننا نملك أداة الحكم على مروياتهم وكتبهم … من خلال المقياس الذي لا يلحقه خلل ولا نقص ولا تشويه، وهو القرآن الكريم … ولكن ولع بعض المفسرين بالغرائب أو بتفصيلات وفرعيات لا طائل تحتها … أوقعهم في كثير من المحاذير، حتى صعب على بعض الناس في بعض الصور- جهلا أو رغبة في الإساءة والتشويه- أن يفرقوا بين فهم المفسر للقرآن، وبين النص القرآني نفسه … وأوضح ما كان ذلك في الإسرائيليات التي دارت حول الكون والطبيعة، وحول قصص الأنبياء وحياتهم (1) …--------------------------------------------
(1) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص (فتح الباري 6/ 388) والإمام أحمد في المسند، والترمذي وقال: حسن صحيح. (المسند 9/ 250 والجامع 7/ 314) ط حمص) وقوله عليه الصلاة والسلام: «ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» بلغ مبلغ التواتر؛ راجع فتح الباري 1/ 161 - 165 والترمذي 7/ 307 ومجمع الزوائد 1/ 142 - 148.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: «من المعلوم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحديث بالكذب، فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحديث به عنهم». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد! وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام: «أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته … وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني» مثل أسماء-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
2 - وفي الخطوة- أو المرحلة- الثانية تم تجريد ما ورد في الحديث المرفوع والموقوف من «التفسير». وقد عني بذلك قوم من التابعين حيث تخصص- اولا- كل جماعة بجمع تفسير عالم مصرهم، ثم جاءت طبقة جمعت كل أقوال الصحابة والتابعين في الأمصار المختلفة، شأنهم في ذلك شأن المحدّثين، كسفيان بن عيينة (ت 198)، ووكيع بن الجراح (ت 196)، وإسحاق بن راهويه (ت 238)، الذين كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعا لباب من أبوابه.
3 - ثم تم بعد هذا الجمع الخاص الشامل: اعتبار التفسير علما قائما بنفسه بعيدا عن الحديث، ووضع التفسير لكل آية من القرآن بحسب ترتيب المصحف، كما فعل بقيّ بن مخلد الأندلسي (ت 276) والإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى سنة 310).
4 - وهنا نصل إلى تميز المنهجين السابقين، حين وجد أن ما نقل عن النبيّ والصحابة في تفسير القرآن لم يكن يشمل جميع القرآن، وإنما كان تفسيرا لما غمض أو لما كان من «غريب» القرآن بالنسبة لهم أو لبعضهم. وكانت الحاجة إلى التفسير تزداد يوما بعد يوم، كلما بعد الناس عن عصر النبيّ والصحابة. وكلما اتسعت الفتوح وكثر اختلاط العرب بالعجم والموالي، فاجتهد المجتهدون وقامت حركة التفسير، ونشطت، واستوت على سوقها، وآتت ثمراتها … حيث ولدت مدرستان كما حصل في الفقه والتشريع «مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث، فتعمقت فكرة التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي».
5 - ولما دوّنت علوم اللغة والنحو والفقه، وأثيرت مسائل الفلسفة--------------------------------------------
أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت … وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة! ونوع الشجرة التي كلّم الله منها موسى … «إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن مما لا فائدة من تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم» راجع مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، بتحقيقنا ص 99، طبع دار القرآن الكريم ببيروت 1972. وانظر فيها تعليقاتنا على هذا الموضوع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
والكلام وبحثت في العصر العباسي أثّرت في علم التفسير أثرا كبيرا، وبخاصة إذا ذكرنا أن القرآن الكريم هو عماد الأمة والمجتمع والدولة … وأن عقيدة المسلمين كانت نابعة منه، وراجعة إليه، فإذا كانت حركة البدء والانطلاق والتكوين منه وفي رحابه، فإن أي أمر طارئ كذلك لا بد من أن يحكم هو فيه، لأن هذا الأمر الطارئ- كما حصل أيام الترجمة- لا يكون مقبولا، ولن تكتب له الحياة إلا بمقدار موافقته. فكتب النحاة في «إعراب القرآن» والفقهاء في «تفسير آيات الأحكام» ودخل المتكلمون- وعلى رأسهم المعتزلة- باب «التأويل» لطائفة معينة من الآيات، واصطدموا مع المحدّثين، وأسسوا ما دعي بالمنهج العقلي في تفسير القرآن، الذي يدخل إلى تفسير النص القرآني بمقدمات عقلية ومقررات فكرية مسبقة! كما حاول الصوفية أن يجدوا مواجيدهم ومذاويقهم في ظلال النصوص القرآنية بإشارات بعيدة أو قريبة فولد «التفسير الإشاري».- وقد تعرضنا لنقد هذه المناهج في مقدمتنا لرسالة ابن تيمية في اصول التفسير، وفي بعض كتبنا الأخرى- وبحسبنا هنا بمناسبة هذه الإشارة إلى التفسير الإشاري أن نفرّق فيه بين صنفين: صنف اخترعته الزنادقة ليعطلوا أحكام الشريعة، أو ليقلبوا حكمة القرآن إلى معان سخيفة- كما يقول محمد الخضر حسين- رحمه الله وهذا باطل ببداهة العقول، وهذا الصنف يعرف عادة بالتفسير الباطني، أو تفسير أهل الباطن.
وصنف ينسب إلى الصوفية، وهو الذي يدعى عادة بالتفسير الإشاري. والفرق بين هذا التفسير وتفسير الباطنية: «أن الباطنية يفسّرون الآيات بتلك المعاني المنبوذة على أنها هي المقصود من القرآن، أما أصحاب الإشارة فيسلّمون أن المراد من القرآن تلك المعاني التي يذكرها أهل العلم بالتفسير، غير أنهم يذكرون عند تفسير الآية معاني تخطر أذهانهم عند التلاوة وإن لم تدل عليها الآية بطريق من طرق الدلالات المعروفة في الاستعمال العربي» (1).--------------------------------------------
(1) من بلاغة القرآن للشيخ محمد الخضر حسين ص 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
يقول الشيخ محمد الخضر حسين- رحمه الله: «ومع هذا الفرق الواضح بين صنفي التفسير بالباطن، فإن الاقتصار في تفسير ألفاظ القرآن على ما يقتضيه استعمالها العربي، يكفي لتقويم العقول، وتزكية النفوس وإرشادها إلى وجوه الإصلاح الذي تدرك به السعادة في الآخرة والأولى» (1).
ونضيف إلى ذلك أن السماح بالخروج عن الاستعمال العربي، وعن المواضعات اللغوية طريق محفوف بالمخاطر، كما رأينا ذلك في بعض التفاسير الصوفية المتداولة، والتي عرف أصحابها فيما نعلم بنزاهة القصد، وصحة العقيدة، ولا يزكّى على الله أحد، والله تعالى أعلم (2).--------------------------------------------
(1) من بلاغة القرآن ص 24.
(2) انظر خلاصة لنقد تأويلات الباطنية في كتابنا «متشابه القرآن» دراسة موضوعية ص 168 - 176. طبع دار الفتح بدمشق 1389 هـ/ 1969 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
الفصل الثاني معالم التفسير البياني
أما معالم «التفسير البياني» للقرآن، فقد وزعت بين كتب الإعجاز وكتب البلاغة، وفي كثير من الصفحات المتقاربة في كتب التفسير- على اختلاف ألوانها- وفي بعض الصفحات المتباعدة في كتب الأدب والثقافة العامة، وبخاصة كتب الأمالي. وقد اشتهرت بعض التفاسير بعنايتها بإظهار مواطن البلاغة والإعجاز في النص القرآني، مثل كتاب «الكشاف» للزمخشري.
وفيه تحدث العلّامة عبد الرحمن بن خلدون- رحمه الله عن هذا اللون من ألوان التفسير مع الصنف الثاني من صنفي التفسير: الأول: «النقلي المسند إلى الآثار المنقولة عن السلف» - على ما وجه إليه من نقد بسبب التساهل في قبول الأخبار والروايات (1) - «والصنف الآخر: هو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب»، ولم يفته--------------------------------------------
(1) قال ابن خلدون: «وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات …
فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد ابن عطية من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى، وتبعه القرطبي في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالمشرق» مقدمة ابن خلدون، تحقيق الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي ص 1132. طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
- رحمه الله أن يلاحظ أن هذا الصنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأول، ولكن «إنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة» قال: «نعم، قد يكون في بعض
التفاسير غالبا. ومن أحسن ما اشتمل على هذا الفن من التفاسير كتاب (الكشاف) للزمخشري من أهل خوارزم العراق» (1).
وهذا الغالب هو ما نودّ هنا أن نشير إلى منهجه الخاص، أو قواعده التي يسير عليها … والتي يمكن من خلالها- مرة أخرى- التمييز بين أصناف، أو «ألوان» من هذا التفسير الأدبي نفسه.
والأصل في منهج التفسير الأدبي أو البياني: أن يقدم الدارس على دراسة النص القرآني وتحليله على نحو ما يفعل في سائر النصوص الأدبية العالية من منظوم ومنثور- وإن كان لا سبيل إلى مقارنتها بالقرآن الكريم في إعجازه البياني كما رأيت- وليس في هذا ما يخرجنا من نطاق «التفسير» إلى نطاق «الأدب» من كل وجه، لأن التحليل الأدبي للقرآن لا يستغني عن بعض قواعد التفسير، حتى لا يخطئ الدارس في فهم المعنى المراد، ويضيع عليه، من ثم، فهم المفردات والتراكيب ونواحي البيان.
ويمكن إجمال هذه القواعد بالأمور التالية:
1 - ضرورة الوقوف على سبب النزول، لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب؛ ولهذا فإن سبب النزول يعين على فهم أدق وأحكم للنص القرآني وربما حجز المفسّر عن الوقوع في الخطأ أو اللبس في فهم الآية أو الآيات في بعض الأحيان.--------------------------------------------
(1) ويضيف ابن خلدون: «إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد، فيأتي بالحجاج على مذاهبهم الفاسدة … فصار ذلك للمحققين من أهل السنّة انحراف عنه … مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة. وإذا كان الناظر فيه واقفا مع ذلك على المذاهب السنيّة، محسنا للحجاج عنها، فلا جرم أنه مأمون من غوائله، فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه في اللسان» المقدمة ص 405، طبعة دار الشعب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
وغني عن البيان أن سبب النزول كان موضع عناية المشتغلين بالتفسير المأثور، بوصفه واقعة تاريخية أو أمرا وقع في عصر التنزيل، وأن سبيل معرفته- لذلك- تتوقف على الرواية والنقل الصحيح. بل كان كذلك موضع عناية المشتغلين بالتفسير بالرأي إلى حد كبير «لأنه طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز». كما قال أبو القاسم القشيري (1). والواقع أنه لا بد من العناية به والوقوف عنده في جميع الأحوال؛ وبخاصة إذا كان مرويا في كتب السنّة التي تلقّتها الأمة بالقبول.
ولكن يجري عليه التأكيد هنا في التفسير البياني- ونحن أمام كلام معجز- لأن الوقوف عليه أولى من معرفة المناسبة التي قيلت فيها القصيدة من الشعر، أو النص النثري البليغ من كلام العرب، ومعلوم أن الجهل بهذه المناسبة يفوّت علينا الكثير من أغراض النص وآفاقه ومراميه. بل يمكن القول: إن سبب النزول يقوم مقام معرفة المناسبة وحال المتكلم والمخاطب- في دراسة النصوص الأدبية الأخرى- بل لعلّه يغني كذلك عن دراسة البيئة ونحو ذلك من العوامل المساعدة في شرح هذه النصوص وتحليلها.
2 - أن يهتدي الدارس بمألوف استعمال القرآن نفسه للألفاظ والأساليب، ولا يتم ذلك إلا بتعاهد نصوصه المكية والمدنية، والوقوف- مهما أمكن- على المعاني التي تدور عليها اللفظة الواحدة في استعمالاتها المختلفة، كما يتضح ذلك في ألفاظ «الهداية» و «الضلال» وبعض الألفاظ الأخرى على سبيل المثال (2).--------------------------------------------
(1) البرهان للزركشي 1/ 22 وانظر مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير، بتحقيق المؤلف ص 47.
(2) راجع على سبيل المثال شروح القاضي عبد الجبار لهاتين اللفظتين في كتابه «متشابه القرآن» الذي نشرناه في القاهرة عام 1969، دار التراث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
ولو أن دارسا لنص قرآني دراسة أدبية حمل قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) - في سورة الأعلى- على غير الهداية العامة التي تشمل جميع المخلوقات لذهب بمعنى الآية ونظم السورة جميعا! يقول الشيخ محمد عبده:
«فعلى المحقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملته من الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه».
3 - ثم يقول الأستاذ الإمام- رحمه الله: «إن القرآن يفسّر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ:
- موافقته لما سبق من القول.
- واتفاقه مع جملة المعنى.
- وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته!» (1).
ومعنى ذلك أنه لا بد للدارس هنا أن يراعي التناسب بين السابق واللاحق:
بين فقرات الآية الواحدة، وبين الآيات بعضها وبعض، أي إن وجه هذا الارتباط بين الآية الواحدة، وبينها وبين سائر الآيات، يجب ألا يهمل على الإطلاق للمفسر بوجه عام، ولعل الخلافات الشديدة التي قامت بين المتكلمين وبين الفقهاء في فهم الآيات كان مصدرها- أو أحد مصادرها الأساسية- عدم مراعاة هذا الارتباط وهدم فكرة النظم- كما تدعى في بعض الأحيان- أو وحدة الموضوع!
إن الواقف على الصورة الأدبية للقرآن، الملم بإعجازه وأسلوبه، لا يقبل أن--------------------------------------------
(1) يمكن القول: إن الأستاذ الإمام رحمه الله يعد، بهذا المنهج الذي أشار إليه، وبما سماه «الأحسن … » في النقطة السالفة، واضع اللبنات الأولى فيما أضحى يعرف اليوم بالتفسير الموضوعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
يقدّر في أسلوب القرآن تلك التقادير البعيدة والمجازات المعقدة التي تجوز على شعر الشمّاخ والطّرمّاح، كما يقول أبو حيان في مقدمة تفسيره الواسع: «البحر المحيط» (1). ولهذا فهو أولى «المفسرين» بمراعاة ذلك التناسب، وهو في نفس الوقت أقدرهم على الكشف عنه من أقرب طريق … ومن هنا صحّ لبعض الدارسين المحدثين ما نادى به من ضرورة تقدم «الدراسة الأدبية للقرآن» لأية دراسة أخرى لهذا الكتاب الكريم (2)،- سواء أخرجتنا هذه الدراسة من نطاق «التفسير» إلى نطاق الأدب من جميع الوجوه، أم من وجه دون وجه- تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن: «إن الدراسة الأدبية لأثر عظيم كهذا القرآن هي ما يجب أن يتقدم كل دراسة أخرى فيه، لا لأنه كتاب العربية الأكبر فحسب، ولكن- كذلك- لأن الذين يعنون بدراسة نواح أخرى فيه، والتماس مقاصد بعينها فيه، لا يستطيعون أن يبلغوا من تلك المقاصد شيئا دون أن يفقهوا أسلوبه الفذ ويهتدوا إلى أسراره البيانية، كيلا يختلط عليهم الأمر أو يغيب عنهم شيء من مدلول اللفظ القرآني وإيحاء التعبير به. فسواء أكان الدارس يريد أن يستخرج من القرآن أحكامه الفقهية، أو يستبين موقفه من القضايا الاجتماعية أو اللغوية أو البلاغية، أم كان يريد أن يفسر آيات الذكر الحكيم تفسيرا عاما على النحو الذي ألفناه في كتب التفسير، فهو مطالب بأن يتهيأ أولا لما يريد، ويعدّ لمقصده عدته: من فهم مفردات القرآن وأساليبه، فهما يقوم على الدرس الأدبي المتذوق، المدرك لأقصى ما يستطيع من إيحاء التعبير» (3).--------------------------------------------
(1) كلام الله تعالى أفصح كلام، فلا يجوز فيه ما يجوّزه النحاة في شعر امرئ القيس وغيره! انظر مقدمة البحر المحيط المذكور. وراجع البرهان 1/ 306.
(2) الأستاذ الدكتورة عائشة عبد الرحمن في مقدمة كتابها- أو سلسلتها-: التفسير البياني للقرآن الكريم. طبع دار المعارف بالقاهرة.
(3) التفسير البياني للقرآن الكريم للدكتورة عائشة عبد الرحمن 1/ 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
4 - وأخيرا، فإن الوقوف على القيم والمبادئ التي نزل بها القرآن، ومعرفة طرف من قيمتها الحقيقية، تحتم على الدارس أن يكون ملما بالحالة التي كان عليها العرب في الجاهلية وفي عصر التنزيل- مع الإلمام بأحوال الجاهليات الأخرى كذلك- حتى يدرك معنى الجديد، الإنساني والعالمي، الذي جاء به القرآن، ومدى الأثر و «التأثير» الذي أحدثه في النفس العربية … وفي العالم! وليقف على البعد الاجتماعي لهذا الكتاب الخالد! … وقد روي عن عمر بن الخطاب في ذلك كله كلمة بعيدة الدلالة حين قال: «إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى أن ينقض عرى الإسلام عروة عروة!» لأن من جهل تلك الأحوال يجهل معاني القرآن ويجهل أثره … ويجهل جديده الذي جعله الله مغيرا لأحوال الناس … هذا، وإن ميزة الوقوف على أحوال الجاهلية العربية أوضح بطبيعة الحال من أجل فهم اللغة العربية ومدلولاتها.
ونؤكد أخيرا، أو مرة ثانية، على القول: إن سبيل التفسير- أيا كان لونه- لا يتم بدون معرفة رسالة القرآن الأساسية ووجهه الأول، وهو أنه «كتاب هداية وتشريع، ودستور جامع للحياة الإنسانية المثلى» على ما احتوى عليه من حقائق كثيرة وإشارات متنوعة عن النفس والطبيعة والسنن الكونية والحضارة والتاريخ والاجتماع؛ لأن هذه الحقائق وتلك الإشارات إنما جاءت في معرض الدلالة والعظة والتفكر والاعتبار، ويجب أن تفهم و «تفسر» في ظل الرسالة السابقة والوجه الأول، بحيث ننزّه النص القرآني عن «الفروض» العلمية، والآراء «النظرية»! ونخرجه عن أن يصبح كتابا في «تاريخ العلم» أو تاريخ الأحياء …
على نحو ما فعل بعض «المفسرين» في أسوأ حالات «الجزر النفسي» الذي عانت منه الأمة الإسلامية في وقت ليس ببعيد! (1).
إن الإشارات العلمية التي وردت في القرآن الكريم- في أبواب العلم--------------------------------------------
(1) انظر حيث شئت في تفسير طنطاوي جوهري: جواهر القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
المختلفة- جاءت كإطار أو حوافز للعقل الإنساني، أو كتطبيق على المنهج العلمي الذي جاء به القرآن، ورسم خطواته. ولم يرد لهذه الإشارات، التي يتم فهمها أو الوقوف عليها خلال العصور، أو مع ارتقاء الإنسان في الكشف عملا بذلك المنهج، لم يرد لها أن تكون بديلا عن العقل أو التجربة الإنسانية! لأن هذا على الضدّ مما دلّ عليه القرآن، أو مما قصده وحثّ الإنسان عليه!
ولهذا، فإن ما يزعمه البعض من أن القرآن الكريم انطوى على حقائق العلم وسنن الكون أو الطبيعة، أو ما يسمّى النظريات العلمية، جميعها … لا يعدو أن يكون تبريرا لواقع الكسل والجمود، ونكوصا عن الامتثال لأوامر القرآن بالنظر والملاحظة والتجربة … ولا يجوز الاحتجاج بقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: الآية 38] لأن هذه الآية الكريمة يجب أن تفسّر أو تفهم في ضوء قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: الآية 9].
وفي ضوء رسالة القرآن التي جاء بها أو نزل من أجلها … وهي رسالة الهداية والتوحيد، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ قال تعالى في مطلع سورة إبراهيم: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2) [الآيتان 1 - 2].
وفي الفصل التالي مزيد من البيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
الفصل الثالث التفسير «العلمي» لآيات الكون والطبيعة
أولا- معنى التفسير العلمي وأسباب ظهوره:
يعد التفسير العلمي أحد فروع أو ألوان التفسير المعاصر. ويراد به: الاستناد إلى حقائق العلم التجريبي- ونظرياته- في شرح آيات الطبيعة والإنسان- آدم وبنيه- والتي وردت في القرآن الكريم في سياقات شتى، ومواضع متعددة.
لقد عني بعض المشتغلين بالتفسير، وبعض الباحثين والكتّاب المسلمين بهذا الضرب من ضروب التفسير، أو بهذا النوع من آيات الكتاب العزيز، في ضوء الأسباب التالية:
1 - الكشوف العلمية، التي امتاز بها العصر الحديث، والتي تناولت الطبيعة في مظاهرها وفروعها المتعددة: «النبات، الحيوان، الفلك، الجغرافية …
الفيزياء … إلخ» وكذلك الإنسان في مراحل خلقه المختلفة وفي جوانبه المادية أو العضوية. فإذا علمنا أن القرآن الكريم أشار إلى بعض هذه الجوانب والمراحل، وأشار كذلك إلى الكثير من مظاهر الطبيعة تلك؛ أدركنا السبب في اتجاه بعض الباحثين والمفسّرين نحو هذه الكشوف يستعينون بها في التفسير، أو يحاولون فهم الآيات الكريمة في ضوئها أو انطلاقا منها. ساعدهم على ذلك- أو دفعهم إليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
فيما يبدو- ما وقفوا عليه من شروح المفسّرين القدامى لهذه الآيات! والتي عبّرت عن فهم غير سديد تارة، أو عن رأي لا يزيدنا علما بفهم الظاهرة تارة أخرى …
بل إن الأمر وصل في كثير من الأحيان إلى حد الاستعانة بالروايات الإسرائيلية، انطلاقا من أن هذه الاستعانة لا ضرر معها، لأنها لا تنطوي على تحريم حلال، أو تحليل حرام! مع ما تضمنته بعض هذه الروايات من تصورات خرافية، كما تبين لنا فيما بعد.
ومن هنا، فإن هذه المشكلة، أعني مشكلة تفسير بعض الآيات القرآنية بمثل هذه التصورات، واجهت المسلمين في عصر لا حق، ولم يشعر بها من اعتمدها أو نقلها من المفسّرين السابقين، نظرا لأن الوقوف على التفسير الصحيح لتلك الإشارات القرآنية مشى في ركاب الكشوف العلمية التي جاء بها العصر الحديث.
2 - محاولة بعض المسلمين اللحاق بركب التقدم العلمي، والتأكيد على عدم معارضة القرآن والإسلام للعلم! وإذا كان مثل هذا التأكيد لا يحتاج إلى بيان، كما سنشرح في الفقرة التالية، فإن الإصرار على تفسير آيات الطبيعة في القرآن بحقائق العلم التجريبي ونظرياته، تحمل في طياتها نقدا للمفسّرين السابقين أو اعتذارا عنهم، من جهة. كما تحمل الدلالة على أن القرآن الكريم لا يعارض العلم، وأن المعارضة إنما تكمن في بعض شروح المفسّرين، من جهة أخرى.
ولكن المشكلة في هذه المحاولة أنها وصلت في كثير من الأحيان إلى حد التبرير لقعود المسلمين وتخلّفهم في ميدان البحث والاكتشاف العلمي! أو أنها انطوت على معنى (التعويض) عن هذا القعود والتخلف، على أقل تقدير! وكأن لسان الحال يقول: وما علينا! وقد سبق القرآن هؤلاء العلماء بمئات السنين!
والعجيب في هذه النقطة أن أشد الناس غلوا في الدعوة إلى تفسير القرآن بتلك النظريات أو إلى التفسير العلمي للقرآن كما قلنا؛ والذي كاد أن يقلب كتب التفسير إلى كتب في علم الأحياء أو الفلك أو الطب، لم يخطئ في نقد العلماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
الأقدمين لإسرافهم في علم الفقه والتوحيد، وتقصيرهم في علوم الكون والطبيعة- حتى وقعوا فيما وقعوا فيه من أخطاء في تفسير آيات القرآن الكريم- ولكنه أخطأ أو أسرف في ظنه أن الطريق إلى هذه العلوم هو تفسير المفردات والجمل والتراكيب. أو نقل ما اكتشفه الأوروبيون في هذا الباب، وحشو كتب التفسير فيه، لأدنى مناسبة، أو لمجرد أن آية من آيات الكتاب العزيز جاء فيها ذكر السماء والأرض، أو أشارت إلى نبات أو حيوان!
لقد أخلّ المفسّر المشهور الشيخ طنطاوي جوهري- رحمه الله في كتابه الجواهر- وهو المقصود بهذا الإسراف في الاعتبار الأول- برتابة كتب التفسير التي عرفها عصره، أو انحدرت إليه، … وهذا مما يحمد له، ولكنه أخطأ طريقه إلى التقدم العلمي، حين وقف عند حدود النقل، أو حين ظن أن هذا التقدم يتحقق بحشو كتب التفسير بهذه النقول، وبطريقة إجراء المطابقة بين كشوف القوم العلمية وآيات القرآن الكريم، وبغض النظر عن التعسف في إجراء هذه المطابقة في معظم الأحيان. لقد وصف الشيخ الطنطاوي جوهري كتابه بأنه يشتمل «على عجائب بدائع المكونات، وغرائب الآيات الباهرات»! وقال فيه أيضا: «بهذا الكتاب وأمثاله سيستيقظ المسلمون سريعا، وسيجيء جيل لم تشهد الأرض مثله … أيها المسلمون هذا هو علم التوحيد في الحقل والجبل والزرع والشجر والثمر والشمس والقمر، لا في الكتب المصنّفة المشهورة، هي والله مبعدة عن حكمة الله، ومبعدة عن معرفة آياته» (1)!!
لقد أبعد الشيخ- رحمه الله النجعة، ولم يتحقق له ما أمّل أو أراد!
3 - ويقرب من هذا السبب، أو يكمله ويتممه، أن المسلمين وجدوا في هذا اللون المعاصر من ألوان التفسير تأكيدا لإعجاز القرآن، أو بابا جديدا من--------------------------------------------
(1) تفسير الجواهر 1/ 66، طبع مصر 1352 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
أبوابه، حتى دعوه بالإعجاز العلمي، بل يمكن القول: إن التفسير العلمي والإعجاز العلمي، صارا قرينين أو شيئا واحدا في عرف كثير من الدارسين والباحثين.
والواقع أن المسلمين وجدوا في هذا اللون من ألوان التفسير، أو في هذا الوجه من وجوه الإعجاز- كما دعوه- ميدانا ملائما للدعوة إلى الإسلام، وإقامة الدليل على أن القرآن وحى يوحى، وأنه تنزيل من حكيم حميد، في الوقت الذي ضعفت سليقة العرب اللغوية، وأضحوا غير قادرين على «تذوق» الإعجاز البياني للقرآن الكريم … وفي
الوقت الذي عدّ فيه هذا «الإعجاز الجديد» قادرا على مخاطبة العرب وغير العرب، كما يقوى على إدراكه المسلمون وغير المسلمين، بل إن غير المسلمين من الأوروبيين المكتشفين للسنن، أو أصحاب التقدم العلمي المشار إليه، يأتون في مقدمة من يعقل عن القرآن هذا الإعجاز، أو بعبارة أدق:
هذا السبق العلمي الباهر الذي جاء به القرآن الكريم قبل مئات السنين.
ونحن هنا نؤرخ لظهور هذا اللون من ألوان التفسير، ونتحدث عن أسباب نشأته في هذا العصر، أو على هذا النحو. ولا ندقق في صحة هذا السبب الأخير، أو في صواب هذه التسمية: «الإعجاز العلمي» والذي يمكننا أن نقوله- باختصار شديد- إن الإعجاز الحقيقي في هذا الجانب، وأعني جانب الحقائق العلمية عن الكون والإنسان التي أشار إليها الكتاب العزيز، يمكن في طريقة القرآن في التعبير عن هذه الحقائق، لا فيما سمّيناه تفسيرا علميا قد نخطئ فيه أو نصيب! لقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحقائق على نحو يفهم خلال العصور! بمعنى أن أسلوب القرآن ونظمه وبيانه- الذي جعلناه مناط الإعجاز فيما سبق- اتّسع للتعبير عن هذه الحقائق العلمية على نحو لا يعجز عن خطاب الإنسان في أي عصر، ولا يحمّله كذلك أكثر مما يطيق. كما قلنا في ختام الفصل السابق. هذا هو وجه الإعجاز عندنا في هذه المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
وغني عن البيان أنه ليس في مقدور أحد من الثقلين أن يكتب بهذه الطريقة، أو أن يجيء بمثل ما جاء به القرآن. وهذا هو السبب في أن القرآن الكريم فهم وفسّر خلال هذه العصور. أما انفراد العصر الحديث- عصر الكشوف العلمية- بهذا اللون من ألوان الفهم، أو ألوان الشرح والتفسير، فيعود إلى أن إدراك المدلول (العلمي) أو الحقيقي للإشارات القرآنية المتعلقة بالطبيعة والإنسان، يتوقف على التجربة والعمل الإنساني، التي هي من عمل العصور القادمة لعصر التنزيل- والقرآن كما نعلم لجميع العصور- أي يتوقف على تطبيق المنهج القرآني في التعامل مع هذه الإشارات والظواهر، أو على الامتثال للأمر القرآني بالنظر والملاحظة والتجربة، كما سنوضح ذلك في الفقرة التالية:
ثانيا- بين التفسير العلمي والمنهج العلمي:
ما نسمّيه اليوم تفسيرا علميا لا يعدو أن يكون نوعا من المطابقة بين الإشارات العلمية التي وردت في القرآن الكريم وكشوف الآخرين لبعض السنن والقوانين الكونية، أو لمدلول لتلك الإشارات فيما يذهب إليه الشراح والمفسّرون.
وتشير هذه الحالة- البائسة- إلى مدى قصورنا نحن المسلمين وعدم امتثالنا للمنهج العلمي الذي تضمّنه القرآن الكريم نفسه ودعا إليه، بوصفه الطريق الصحيح للاكتشاف، وبوصف هذا التقدم والاكتشاف من عمل الإنسان في جميع العصور.
وبوصف القرآن- قبل ذلك جميعه- كتاب هداية وتشريع، ودستورا جامعا للحياة الإنسانية المثلى إلى يوم الدين. وليس كتابا في الطب أو الفلك أو تاريخ الأحياء! ولا تمكن «علمية» القرآن و «عصريته» في عدد السنن والقوانين والحقائق العلمية التي أشار إليها أو «أسهم» فيها في «تاريخ تطور العلم» أو في تاريخ العلم، ولكن في «المنهج العلمي» الذي جاء به، والشروط النفسية والاجتماعية التي أشاعها، أي في المناخ العقلي والعلمي الذي أوجده .. والذي يسمح للإنسان أن يفكر ويلاحظ ويجرّب، دون أن يصدّه عن ذلك صادّ، أو يقف في وجهه معترض!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)