الحسرة الخامسة: قوة الإسلام: الله أكبر، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، هذا الدين الذي أنزله الله وأكمله وأظهره على الدين كله، وأخبر أن أعداءه يكيدون لهذا الدين كيدا؛ للقضاء عليه، ولطمس معالمه، ولكن يريدون ليطفئوا نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون، فمهما حاولوا، ومهما أجلبوا بخيلهم ورجلهم .. يبقى هذا الدين راسخا رسوخ الجبال، يعجز الكفار أن ينالوا منه حتى يقول قائلهم: (إنني أميل إلى الاتفاق مع فاندر وزويمر ومزيتاك وآخرون فيما ذهبوا إليه من أن الإسلام حركة دينية (1).، معادية للنصرانية مخططة تخطيطا يفوق قدرة البشر؛ لمقاومة إنجيل (2) ربنا يسوع المسيح، إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية، وترفض بكل وضوح صحة الإنجيل والثقة بما فيه، وأبوة الرب، وأن المسيح ابنه إلى أن يقول .. إنه الخلاف الأكبر في النصرانية وفي الكتاب المقدس، ولكن محرك هذا الخلاف هو الإسلام، وليس النصرانية وفي ذات الوقت فالنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا وسياسيا، ويفوق في ذلك النظام الشيوعي، ولكن هذه هي الحقيقة) (3)، وسبق هؤلاء (جاير دنر) في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر القاهرة التنصيري المنعقد عام (1910) م، إذ قال: (إن مشكلة الإسلام هذه، مسألة لا يمكن أن نتغافلها ببساطة، ليست في مواجهة الأوضاع العاجلة بطريقة لا يمكن وصفها، والتي تواجهنا في الشرق الأقصى وهذه أولا؛ لأن الإسلام على أبوابنا، فمن أقصى الساحل الشمالي الأفريقي يواجه أوربا، إنه فعلا يلمسها، ويمكن القول إنه يمسكها عمليا من طرفي البحر المتوسط .. فكروا في تلك الكتلة المركزية للعالم الإسلامي الصلب من شمال أفريقيا إلى غرب ووسط آسيا، إنه كإسفين ثابت يحجب الغرب المسيحي عن الشرق الوثني .. إلى أن يقول: فإن ذلك الوتد الغريب عنا والمعادي لنا، وهو غير منسجم أو متعاطف معنا، سيقطع العالم النصراني الشرقي والغربي كلية إلى نصفين، فاصلا الاثنين، مظهرا ليس فتقا فحسب، بل صدعا من القمة إلى القاع في ثوب الكنيسة التي لولا الإسلام لانتصر عليها المسيح، فحقا فلذلك يجب ألا نؤجِّل مشكلة الإسلام، إنها مشكلة اليوم كما رأينا) (4). بل الإسلام هو العقبة الكؤود التي ستقف أمام الجهود التنصيرية بإذن الله. يقول شارلي والحسرة تملأ قلبه: (والإسلام نفسه عقيدة تبشيرية عدوانية نجحت عبر التاريخ في ضمِّ العديد من الشعوب، ونتيجة للتفاعل بين الإسلام (الأصيل) وبين البيئات المحلية المختلفة ظهرت أمور جديدة واسعة نجدها في الإسلام المعاصر، كما أن تاريخ الاحتكاك الطويل بين المسلمين والنصارى جعل المسلمين يشعرون بأنهم يفهمون النصرانية على حقيقتها) (5). فالحمد لله الذي منَّ على أهل التوحيد بمعرفة النصرانية على حقيقتها، وجعل النصارى يعلمون ذلك من أهل التوحيد، فيزيدهم ذلك يأسا وقنوطا من دعوتهم إلى النصرانية. ومنذ ظهر الإسلام، وانتشر نوره في أرجاء الأرض، والنصرانية البائسة تحاول جاهدة أن توقف نموه، وأن تحول بينه وبين عباد الله يقول د.--------------------------------------------
(1) الإسلام ليس حركة دينية بل دين إلهي.
(2) الإسلام لا يقاوم إنجيل المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام بل يؤمن به، وإنما يحكم بتحريف وفساد أناجيل النصارى الموجودة اليوم الممتلئة بالكفر والبهتان.
(3) ((التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي)) (ص: 566).
(4) ((الوثيقة الإسلام الخطر)) (ص: 18 - 19).
(5) ((التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي)) (ص:202).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 38)
ماكس كيرشو: (منذ ظهوره في القرن السابع والإسلام يمثل تحديا لكنيسة يسوع المسيح، ولست بحاجة لسرد التقدم الذي أحرزه الإسلام في قرونه الأولى، أو تعداد المحاولات التي تمَّت لوقف المد الإسلامي بالقوة العسكرية، وبصورة عامة كانت الحملات التنصيرية غير فعالة نسبيا في استعادة مناطق إسلامية إلى المسيح، بينما استمر الإسلام في الانتشار على طول آسيا وأفريقيا، وينتشر اليوم في العالم الغربي) (1).فالحمد لله الذي كتب النصر والتمكين والبقاء لهذا الدين، وجعله في منأى عن كيد الفجار، وجعل مهمة من يروم دعوة أتباعه مهمة صعبة، بل عسيرة ومثبطة للعزيمة، وانظر إلى قول المنصِّر الخبيث زويمر - بعد أن أعياه هذا الأمر- (إن تنصير العالم الإسلامي مهمة عظيمة صعبة للغاية ومثبطة للعزيمة إلى درجة لا يمكن أن يشجع عليها إلا تطلع المتسلقين إلى الأعلى) (2).--------------------------------------------
(1) ((التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي)) (ص: 315). أكثرت النقل من هذا المصدر، لأنه جماع الأبحاث التي قدمت إلى المؤتمر التنصيري في كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية عام (1978) م، ولأن هذه الأبحاث قدمت إلى هذا المؤتمر في أجواء سرية مما صبغها بصبغة المصارحة.
(2) ((التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي)) (ص: 43) وقصد بقوله: المتسلقين إلى الأعلى: متسلقي الجبال الذي يبذل الواحد منهم جهده لتسلق الجبل، ونادرا ما يرى القمة، لأنه مشغول بالنظر إلى مواقع أقدامه ومتوجس من الهوة السحيقة التي تحته، ولهذا يشعر بالتعب المتزايد والعبء الثقيل والفشل المتوقع، والخسارة العظيمة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 39)
الحسرة السادسة: مقاومة المسلمين للنصرانية وبغضهم للمناشط النصرانية: أخبر الله في محكم تنزيله عن صفة هذه الأمة في الكتب السابقة، فقال جل ثناؤه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29]. وقال عزَّ من قائل: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22]. فالحمد لله الذي وفَّق هذه الأمة للتمسك بدينها، وغرس في قلوب أبنائها منافرة أعدائها، فمهما ضعفت الأمة، ومهما افتقرت، ومهما تناحرت فيما بينها، إلا أنها تبقى وفيَّة لدينها، كافرة بمن كفر بربها، كارهة لكل كافر يلبس لبوس الرحمة والشفقة؛ ليقدم لها في يوم جوعها لقمة تسد رمقها؛ ليسرق منها دينها، وينتهك عفافها (1)، ولما ذكر تشارلس كرافت أحد أساليب فرض النصرانية بالقوة في المجتمعات الإسلامية، قال معلقا على ذلك: (لقد قاوم المسلمون بصورة عامة- بالطبع- هذا الإكراه الثقافي وخاصة في المسائل اللاهوتية، وبهذا تركونا بدون استراتيجية تنصيرية، علينا لذلك أن نتعلم كيف نكسب أو ننال حق الإصغاء إلينا) (2).
وقال زويمر في كلمته التي ألقاها أثناء انعقاد مؤتمر القدس التنصيري عام (1935) م، ردا على ما أبداه المنصرون من روح اليأس التي كانت مخيمة على المؤتمرين: (إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم أحد ثلاثة:
1 - إما صغير لم يكن له من أهله من يعرِّفه ما هو الإسلام.--------------------------------------------
(1) خير شاهد على ذلك موقف المسلمين المستضعفين في الصومال الذين شردتهم الحرب وأرهقهم الجوع والمرض ولم يمدوا أيديهم إلى الجمعيات التنصيرية.
(2) ((التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي)) (ص: 166).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 40)
2 - إما رجل مستخفٌّ بالأديان لا يبغي غير الحصول على قوته، وقد اشتدَّ به الفقر، وعزَّت عليه لقمة العيش.3 - وإما آخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية (1).وهذا منصِّر آخر بعد أن ذكر حسد المنصِّرين للمسلم على عبادته لربه وخضوعه واستسلامه له، وأن تقوى المسلم وولاءه لربه ودينه كادت أن تجرَّ المنصِّرين إلى ترك حقائق دينهم؛ لشدة إعجابهم بتقوى المسلمين، فيقول: (ويمكن أن يكون العاملون في مجال التنصير في هذه الأيام- والذين كيَّفتهم الظروف- قد تأثَّروا كثيرا بالتقوى والولاء الديني لكثير من المسلمين حتى كادوا يهملون حقائق الشهادة الإنجيلية الواضحة تماما، والتي تعرضنا لها قبل قليل، وكان تركيزهم منصبًّا على هذه التقوى المثيرة للإعجاب بحيث إنهم جعلوها نقطة البداية في تفسيراتهم اللاهوتية حول المواجهة الدينية، لقد وقفوا بكل رهبة أمام المسلم المنهمك في عبادة الله وقوته وعظمته، وتجاوبوا مع التزامه المحسوس للخضوع لرغبة الله، إنهم يحسدون غيرة المسلم على عبادة الرب الواحد الذي يتصرَّف في ملكوته .. إلى أن يقول: سيكون غريبا ومزعجا أن تواجه مسلما ورعا) (2).وقد تضمَّن البحث الذي قدَّمه جورج بينرز بعنوان: (نظرة شاملة عن إرساليات التنصير العاملة وسط المسلمين) أسباب قلة المسلمين الذين تحوَّلوا إلى النصرانية فقال: (أولا: كان المسلمون عبر تاريخهم متدينين ومتشددين ومكافحين، بل أكثر المتدينين تعصبا) (3).
وأقول: أبشر بالذي يسوؤك؛ فكل يوم يمرُّ يكتشف فيه المسلمون النصارى على حقيقتهم، وتنكشف أمامهم غايات النصارى وأهدافهم مما يزيدهم منافرة لكم ومقتا لأعمالكم، ووحشة من طروحاتكم. فالحمد لله الذي جعل إنفاقكم لأموالكم في هذا السبيل خسارة عليكم، وأعمالكم حسرات عليكم، قال تعالى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: 167]. وكما أن أعمالهم حسرات عليهم، فإن تكذيبهم بهذا القرآن حسرة عليهم يوم القيامة، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ [الحاقة: 48 - ] 50. وما ذاك إلا لأنهم استحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، وصدوا عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، قال تعالى: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [إبراهيم: 3]. وقال جل ثناؤه: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود: 19 - 20].
المصدر: التنصير لعبد الرحمن الصالح
ويتضح مما سبق:--------------------------------------------
(1) ((تنصير المسلمين)) (ص: 20).
(2) ((تنصير المسلمين)) (ص: 186).
(3) ((تنصير المسلمين)) (ص: 556).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 41)
أن التنصير حركة سياسية استعمارية تستهدف نشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث عامة، وبين المسلمين على وجه الخصوص. ويستغلُّ زعماؤها انتشار الجهل والفقر والمرض؛ للتغلغل بين شعوب تلك الأمم، متوسلين بوسائل الإعلام التقليدية من كتب ومطبوعات وإذاعة وتلفاز وأشرطة سمعية ومرئية، فضلاً عن المخيمات والتعليم والطب، إلى جانب الأنشطة الاجتماعية الإنسانية والإغاثية الموجهة لمنكوبي الفتن والحروب وغفلة، وتساهل حكام بعض الدول الإسلامية. وتعتمد تلك الحركة في تحقيق أهدافها على تشويه صورة الإسلام وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، مسخرين إمكاناتهم الضخمة لتحقيق مآربهم.
المصدر:الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي
مراجع للتوسع:
- الفكر الإسلامي الحديث، د. محمد البهي - ط8 - مكتبة وهبة بالقاهرة – (1395هـ/1975) م.
- التبشير والاستعمار، المستشار محمد عزت إسماعيل الطهاوي - المطابع الأميرية بالقاهرة - (1397هـ/1977) م.
- التبشير والاستعمار، د. مصطفى الخالدي ود. عمر فروخ - ط5 - (1973) م.
- الغارة على العالم الإسلامي، أ. ل. شاتليه، ترجمة محب الدين الخطيب ومساعد اليافي - ط3 - المطبعة السلفية - (1385) هـ.
- معاول الهدم والتدمير في النصرانية والتبشير، إبراهيم سليمان الجبهان - ط4 - عالم الكتب - الرياض - (1981) م.
- أضواء على الاستشراق، د. محمد عبد الفتاح عليان - ط1 - دار البحوث العلمية (1400هـ/ 1980) م.
- قادة الغرب يقولون، جلال العالم - ط2 - (1395هـ/ 1975) م.
- مجلة البلاغ، العدد (484) في (14/ 2/1979) م.
- دائرة المعارف الإسلامية، The Encyclopaedia of Islam.
- دائرة معارف الدين والأخلاق، Encyclopaedia of religion and Ethics 11 – Focus on Christian – Muslim relations.
- التبشير بالنصرانية خطر مغلف، ندوة عقدتها جريدة الرياض السعودية ونشرت بتاريخ (13) ربيع الأول سنة (1403هـ الموافق 28 ديسمبر 1982) م العدد (5312).
- مجلة الأمة القطرية، عدد شوال (1401) هـ.
- التنصير في الخليج، معالي عبد الحميد حمودة.
- مذكرة عن التنصير، رابطة العالم الإسلامي.
- التنصير: خطة تنصير العالم الإسلامي، وهي ترجمة لبحوث مؤتمر كلورادو عام (1978) م، صدر بالإنجليزية بعنوان: The Gospel And Islam.
المصدر: الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 42)
المبحث الأول: تعريف الاستشراق: هو دراسات أكاديمية يقوم بها غربيون كافرون من أهل الكتاب بوجه خاص للإسلام والمسلمين من شتى الجوانب عقيدة وشريعة وثقافة وحضارة وتاريخاً ونظماً وثروات وإمكانيات؛ بهدف تشويه الإسلام، ومحاولة تشكيك المسلمين فيه وتضليلهم عنه، وفرض التبعية للغرب عليهم، ومحاولة تسويغ هذه التبعية بدراسات ونظريات تدَّعي العلمية والموضوعية، وتزعم التفوق العنصري والثقافي للغرب المسيحي على الشرق الإسلامي (1).
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 171
والمستشرقون هم: أدمغة الحملات الصليبية الحديثة، وشياطين الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، ظهروا في حلبة الصراع في فترة كان المسلمون فيها يعانون من الإفلاس الحضاري والخواء الروحي وفقدان الذات؛ مما جعل الفرصة سانحة لأولئك الأحبار، والرهبان، وجنود الصليبيين الموتورين كي يثأروا لهزائمهم الماضية، وينفثوا أحقادهم الدفينة (2).
والمستشرقون يلتقون مع المبشرين في الأهداف؛ فكلهم يهدف إلى إدخال المسلمين في النصرانية، أو رد المسلمين عن دينهم، أو- في الأقل- تشكيكهم بعقيدتهم، كما أن من أهدافهم وقف انتشار الإسلام.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 171--------------------------------------------
(1) انظر ((رؤية إسلامية للاستشراق)) ، أحمد عبد الحميد غراب (ص: 7).
(2) ((العلمانية)) (ص: 453).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 43)
المبحث الثاني: خصائص الاستشراق: أما خصائص الاستشراق فيمكن إيجازها فيما يلي (1):
1_ أنها دراسات ذات ارتباط وثيق بالاستعمار الغربي.
2_ أنها دراسات ذات ارتباط وثيق بالتنصير.
3_ أنها دراسات تسهم في صنع القرار السياسي في الغرب ضد الإسلام والمسلمين.
المصدر:رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 171--------------------------------------------
(1) ((رؤية إسلامية للاستشراق)) ، أحمد عبد الحميد غراب (ص 8 - 9).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 44)
المبحث الثالث: المقصود بالاستشراق:
الاستشراق هو الوجه الآخر لعملة التنصير، تنوعت الأسماء والهدف واحد، كما أن التنصير ظاهر والاستشراق نفاق، أو هو النار تحت الرماد.
المقصود به في الظاهر حسب زعم علماء الغرب دراسة كل ما يتعلق بشؤون الشرق من جميع الجوانب الدينية والثقافية والاجتماعية وغير ذلك، نسبوا أنفسهم إلى الشرق الإسلامي، وزعموا أن كل اهتمامهم ينصبُّ على معرفة شتَّى الاتجاهات الإسلامية والشرقية ودراستها بدقة؛ ليفيدوا بها أممهم إذا رجعوا إليهم مع تظاهرهم بأنهم على الحياد في دراستهم، وأنهم يريدون الوصول إلى الحقائق دون أي اعتبار آخر.
ولكن هذا المفهوم للاستشراق كذب، فإنهم يريدون على الحقيقة دراسة كل ما يتعلَّق بالإسلام والمسلمين، وضرب الحركات التصحيحية الصحيحة بصفة خاصة؛ خدمة لدينهم ولحكوماتهم المتطلعة إلى استعمار بلدان العالم الإسلامي، وهم عون للمنصرين في دعوتهم، وجواسيس أمناء للمستعمرين، وطليعة لهم، كما ظهر ذلك واضحا للمسلمين بعد فوات الأوان في كثير من البلدان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 45)
المبحث الرابع: حقيقة أمر المستشرقين:
لقد خدع ثعالب المستشرقين جواسيس الغرب كثيراً من الناس، فظنوا أن مهمة المستشرقين تنحصر فعلا في تلك الأهداف النبيلة والمجالات النافعة، وأنهم ليسوا جواسيس الغرب أو طلائع الاستعمار ومقدماته في ديار المسلمين، ولكن حينما نظرت الشعوب الإسلامية إلى الأفعال الحقيقية التي تصدر تباعا على أيدي المستشرقين علموا يقينا أن المهمة التي يخوض المستشرقون غمارها لم تكن طلب الحق والمعرفة والحياد في ذلك، وإنما هم حقيقة جواسيس لشعوبهم وحكامهم، وأن مهمتهم هي الاطلاع على كل أحوال المسلمين ودراستها دراسة شاملة، ومعرفة مدى قوة المسلمين وأماكن ضعفهم، والإسهام في تفريق كلمتهم، وبذر أسباب النزاع، وإيقاع الفتن بينهم، وملاحقة كل حركة إصلاحية، وتوجيه الدعايات السيئة ضدها، وإحياء البدع والخرافات بين المسلمين، وإعادة طبع الكتب التي تشتمل عليها، والإشادة بها، مثل كتب الصوفية الخرافية، وكتب ابن عربي والحلاج وغيرهما من دعاة الضلال، كما تتمثل مهمتهم في إحياء النعرات الجاهلية والقوميات، وسائر التراث الجاهلي والحضارات الجاهلية، وحبك الخطط والمؤامرات، فلا ينبغي الالتفات إلى زخارف أقوالهم ودعاياتهم الباطلة أنهم على الحياد، أو أنهم طلاب معرفة وبحوث علمية عن الشرق الإسلامي، وللإنصاف نذكر أن بعض المستشرقين كان هدفه فعلا الاطلاع والدراسة، دون أن يكون مدفوعا من قبل التبشير، ولهذا نجد في كلام كثير منهم ذكر الحقائق بإنصاف، وبعضهم دخل في الإسلام، وكانت لهم جهود واضحة في خدمته، وهم قلة قليلة جدًّا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 46)
المبحث الخامس: السبب في تغيير الغرب اسم التنصير إلى الاستشراق:
بعد أن عرف المسلمون أهداف التنصير، وبدؤوا يحذرون منها، غيَّر الغرب التسمية من التبشير إلى الاستشراق، مع بقاء الهدف كما هو، والغرب يجيدون التلاعب بالمسميات والأفكار، ومن واقع دراستهم المتلاحقة للعالم الإسلامي عرفوا كيف يتعاملون مع الأحداث التي تطرأ على المسلمين، فيتعاملون معها حسبما يلائمها، ويتلونون كما تتلون الحرباء، على أنه لم يكن التغيير فقط في المجالين السابقين، بل هناك عدة مجالات كثيرة يعرفون وجوه الاحتيال فيها، ويخترعون لها تسميات ظاهرة، فهي الرحمة واللين، وحقيقتها المكر المبين، وهذا يكثر في إرسالهم الجمعيات المختلفة إلى العالم الإسلامي تحت أي غرض من الأغراض الإنسانية، كما يسمونها.
ولأنه قد لحقت بالمنصرين مساوئ كثيرة نفرت الناس عنهم، فاخترعوا لهم تسمية المستشرقين من باب التجديد والتمويه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 47)
المبحث السادس: العلاقة بين الاستشراق والتنصير وحكومات الدول النصرانية:
العلاقة بين الاستشراق والتنصير علاقة وثيقة، وفي غاية المتانة، ذلك أن الاستشراق هو الرافد الآخر للتنصير، وكلاهما ينبعثان من الكنيسة، فهم قساوسة جميعا، ويخدمون الكنيسة على حد سواء، وتتركز مهمة الجميع في هدم الإسلام، أو تشكيك أهله فيه، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية ونبيها العظيم، وجعل العالم الإسلامي مناطق نفوذ للغرب، ولهذا يلقى المستشرقون بسخاء من كافة الدول الكبرى التي تتطلع إلى العودة لاستعمار الدول الإسلامية من جديد، وقد أقيمت لهم مختلف الجامعات لدراسة كيفية التنصير والاستشراق؛ للتغلغل إلى ديار المسلمين وإلى قلوبهم وإلى استعمار بلدانهم، وإيجاد المبررات لذلك، ومن هنا فإنه يجب التنبيه لمغالطتهم في زعمهم أن الاستشراق هو غير التنصير، وأن الاستشراق يخدم الثقافة بعيدا عن التأثير بأي معتقد، وقد عرفت أن الغرض الحقيقي لدعاة التنصير هو الرغبة في إدخال الناس النصرانية، فلا ريب أن من صدق هذا فقد جانب الحقيقة.
نعم قد تختلف الوسائل بين المنصرين والمستشرقين، ولكنها في النهاية تصبُّ في مكان واحد، وعن الفرق بين المستشرقين والمنصرين في الوسائل كان القسيس (إبراهيم خليل أحمد) ممن هداه الله إلى الإسلام، وكتب بعد ذلك في بيان مكر المستشرقين في كتابه (المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي) حيث بيَّن فيه أهداف المستشرقين وما يبيتونه للعالم الإسلامي من ويلات لإخراجهم عن دينهم الحنيف إلى مناطق نفوذ للنصرانية الوثنية، ولا شك أن شهادته لها وزنها بحكم خبرته السابقة عن هؤلاء؛ لأنه كان واحدا منهم - كما - بيَّن في ذلك الكتاب:
1ـ أن التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم قيام الاستعمار في البلاد التي يغزونها ويمهدونها لاستقبال المستعمرين.
2ـ الاستشراق والتبشير والاستعمار كلهم يسيرون حسب خطة مرسومة، الاستشراق مهمته اجتذاب الناس عن طريق العلم والتعليم، والتبشير مهمته اجتذاب الناس عن طريق الدعوة المباشرة، وتحبيب النصرانية إلى القلوب بكل وسيلة يستطيعونها.
3ـ استطاع المبشرون الأمريكيون بحكم امتيازاتهم أن يتغلغلوا إلى كل مكان يريدونه في آسيا وأفريقيا.
4ـ استخدم المبشرون عملاءهم في كل دولة؛ للقيام بمهمتهم دون أن يثيروا أي مشكلة بحكم انتماء أولئك العملاء الوطني.5ـ استعان التبشير بالقوى العسكرية الاستعمارية لحمايته؛ كي يعملوا على هدوء واستقرار (1)
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 37]--------------------------------------------
(1) ((أجنحة المكر الثلاثة)) (ص 157 - 162) نقلا عن كتاب ((المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي)) تأليف: إبراهيم خليل أحمد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 48)
المبحث السابع: متى ظهر الاستشراق؟ اختلف الباحثون في بداية وقت ظهور الاستشراق، وتعود صعوبة تحديد الوقت إلى أن الأفكار تسير متغلغلة دون أن تحدد بزمن دقيق؛ إذ لا يمكن التحديد إلا بأمرين: أحدهما: أن يصرِّح به صاحب الفكرة الأساسي. وثانيهما: أن يتمَّ التحديد في وقت ظهور الفكرة عند انتشارها، ومما قيل عن تحديد نشأة الاستشراق (1)
قيل: إنه ظهر في أيام الدولة الإسلامية في الأندلس حينما وفد إليها كثير من فرنسا وغيرها للتعلم. ....... وقيل: إنه ظهر في أيام الصليبيين وحروبهم مع المسلمين في بداية القرن الثامن عشر الميلادي بداية الاستعمار. وقيل: إنه ظهر في القرن الثاني الهجري، وأنه نشط في بلاد الشام في بدايته.
وإذا لاحظنا أن الاستشراق هو امتداد للتنصير، فلا يمنع أن يحدَّد ظهوره بالعصور الأولى للدولة الإسلامية، ولهذا أرجعه بعضهم إلى القرن الأول الهجري، إلا أنه كان على صورة غير نظامية، فإنه بدأ يكتمل بوجهه الجديد في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث أنشئت المدارس النظامية، وعقدت المؤتمرات، وفتحت المراكز والبعثات والجمعيات والمعاهد، وكان هذا بعد انتهاء الحروب الصليبية، ولا جدال في أن النصارى وقفوا ضد الإسلام من أول ظهوره، وكل رجال الكنيسة من البابوات وزعماء الدول الغربية ينظرون بحقد شديد إلى انتشار الإسلام وقوة المسلمين، حيث رأوا أخيرا أنه لا يمكن وقف المدِّ الإسلامي إلا بغزوه فكريا مع إبداء الصداقة للعرب، وغيرهم من المسلمين، في الوقت الذي يبذلون فيه غاية جهودهم لمقاومة الإسلام، والتصدي للمسلمين؛ لإطفاء نور الإسلام، وقد ظلَّ هذا التوجه للنصارى قائما في شكل صراع محتدم على طول تاريخ الغرب النصراني والشيوعي على حد سواء، حيث أدَّى ذلك إلى اختلاف العلماء في تحديد ظهور الاستشراق أول مرة، ولكنه بالتأكيد كان بعد قيام الحرب الصليبية والهزائم التي أُلحقت بالنصارى.--------------------------------------------
(1) ((الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي)) ط ج 1 (ص: 697). وانظر ((أجنحة المكر الثلاثة)) (ص 120).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 49)
المبحث الثامن: أهداف المستشرقين:
• المطلب الأول: الأهداف الدنيوية:.
• المطلب الثاني: الأهداف السياسية:.
• المطلب الثالث: الأهداف الدينية:.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 50)
المطلب الأول: الأهداف الدنيوية:
فمن أهمها - كما عرفت - تنبيه حكوماتهم إلى نهب خيرات البلدان الإسلامية، خصوصا البترول والمعادن الأخرى، والمخطوطات الإسلامية، وكذلك الوصول إلى مكاسب تجارية من وراء بيعهم لمذكراتهم التي يكتبونها عن الشرق الإسلامي، وبيع أفلامهم التي يصورونها عن الحياة الشرقية، كما يسمونها في دعاياتهم، وكذا بيع جميع أجهزتهم، وبيع ما لا يحتاجون إليه منها، وهم دائما يتسابقون إلى خدمة أي دولة إسلامية، خصوصا في المجالات التجارية التي تبرمها شركاتهم مع العالم الإسلامي، بغرض بسط نفوذهم التجاري، وفرض هيمنتهم على اقتصاد تلك الدول الفقيرة التي ستصبح عالة على تلك الشركات العملاقة والمهندسين فيها من دعاة الاستشراق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 51)
المطلب الثاني: الأهداف السياسية:
فقد أصبحت واضحة مهما حاول البعض تجاهلها، فقد تابع المستشرقون تجسسهم على جميع النشاطات الإسلامية ورصدها بدقة، وأرسلوا أخبارها مهما دقَّت إلى حكوماتهم الغربية، فكانوا العون الحقيقي الخفي لجيوش المستعمرين التي ضربت العالم الإسلامي، وأتت على الأخضر واليابس، وجهَّلوا المسلمين بدينهم، ونهبوا تراثهم، وأرسلوه إلى مكتباتهم في الغرب، ومهَّدوا المسلمين للاتجاه إلى الغرب، واعتمادهم عليهم حتى في الشؤون السياسية التي تهمُّ مصالح المسلمين، وقسَّموهم إلى ولاءات مختلفة الاتجاهات، وقد شمل نشاط المستشرقين مختلف القضايا، إلا أنهم أولوا بعض الجوانب مزيد عناية واهتمام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 52)
المطلب الثالث: الأهداف الدينية:
فتظهر بوضوح في خدمة عقائدهم النصرانية أو اليهودية أو الشيوعية؛ إذ الغرض الرئيسي هو إخراج المسلمين عن دينهم، وليذهبوا إلى أي ملة، وقد اتضحت جهودهم في خدمة اليهودية في قيام دولة في قلب العالم الإسلامي، فإنهم هم أول من أشار بقيام دولة يهودية في فلسطين في مؤتمر لندن سنة (1907) م، كما أن من أهدافهم تشويه الإسلام، وهذا هو الأساس الذي تمَّ عليه الاستشراق، فقد دأبوا على الافتراء بأن الإسلام إما هو مأخوذ عن الديانات السابقة ومستمد منها، وأن الأصل إنما هو ما جاء في الكتاب المقدس، وأن الخلاص كله في اتباع الطرق الغربية في كل المجالات الدينية والسياسية والاجتماعية، وفي جميع المظاهر الحضارية التي وصل إليها الغرب، وتخلَّف عنها المسلمون بسبب دينهم – كما يفترون – ومن المؤسف أن تسمع مختلف الصيحات من الإذاعات العربية المنتمية إلى الإسلام بالمناداة باللحاق بالحياة الأوروبية المتطورة، أو اللحاق بركب التقدم، وأننا نحتاج إلى سنين عديدة للوصول إلى ما وصل إليه الغرب من الحضارة العصرية، وغير ذلك من الأقوال التي تدلُّ على انبهار هؤلاء بالحياة الغربية، وتفضيلهم لها على ما جاء به الإسلام، وفيها الغمز الخفي في الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم حينما يصدقون دعاة النصرانية في أن تأخر المسلمين يكمن في تمسكهم بالإسلام.
وقد تركَّز اهتمام المستشرقين بالجوانب الثقافية وأولوها مزيد العناية والاهتمام عن طريق الآتي:
1ـ الوصول إلى وسائل التعليم والتدريس.
2ـ تحقيق بعض الكتب، والنشر والترجمة، والاهتمام بالمخطوطات العربية.
3ـ الوصول إلى المجامع العربية اللغوية والعلمية بهدف الدسِّ في اللغة العربية، والحطِّ من قيمة الفكر الإسلامي واللغة العربية، وأنها عاجزة عن متابعة ما تزخر به الحضارة الغربية من وسائل الصناعات.
4ـ تأليف الكتب التي تطعن في الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وعظماء المسلمين بطريقة صريحة، أو بطرق غامضة لا يفطن لها إلا الدارس المتخصص، وهي مملوءة بالدسِّ وتشويه حقائق الإسلام، وإعطاء معلومات غير صحيحة. وانتشرت بعض هذه الكتب في المكتبات الإسلامية بصورة خطيرة مثل كتاب (دائرة المعارف الإسلامية) والموسوعة العربية الميسرة وكتاب (يقظة العرب) وكتاب (المنجد)، وغير هذه الكتب التي قلما تخلو منها مكتبة في ديار المسلمين (1)--------------------------------------------
(1) انظر ((سموم الاستشراق)) أنور الجندي (ص 16 - 17).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 53)
المبحث التاسع: أساليب المستشرقين:
ومن أساليب المستشرقين في غزوهم الفكري للمسلمين كذلك: بعث الخلافات القديمة، وإحياء الشبه المدفونة، ويظهر هذا بوضوح في نبشهم لخلافات حدثت بين المسلمين، وانتهى الأمر فيها، ولم تعد بحاجة إلى إعادة الخلاف فيها، سواء كانت مسائل عقدية أو فقهية أو غير ذلك، فإذا بأولئك يبعثون الشبه حولها، ويقترحون الحلول، ويعقدون المقارنات بينها، واستغلوا مشكلة الخوارج، كما استغلوا قضية الخلاف بين السنة والشيعة نقطة انطلاق، وما وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما منطلقا، وما وقع بين الدولة الأموية والعباسية من أمور سياسية وجفاء، أمثلة لوحشية المسلمين بزعمهم.
ومن الأساليب أيضا: صرف همم المسلمين إلى الاتجاهات الأدبية والنظرية، وتحويل أنظارهم عن الاتجاه إلى العلوم التجريبية حتى يظل العالم الإسلامي بعيدا عن أسباب التقدم العلمي.
ومن أساليبهم: الدعوة إلى تحريم الجهاد حتى أصبحت كلمة الجهاد كأنها وصمة عار في تاريخ المسلمين، بحجة أن الجهاد تخلُّف ووحشية، ومخالف للتمدن، وقام أذيالهم في البلاد الإسلامية بترديد نفس هذه الفكرة الباطلة، بينما قتلهم للمسلمين بالقنابل السامة والمدافع والصواريخ والرشاشات التي تأكل الأخضر واليابس تعتبر رحمة وتمدنا، في حين أن الإسلام لا يجيز قتل أحد إلا أن يكون مستحقا للقتل، إما لأنه طاغية يقف في وجه المسلمين، ويمنع انتشار الإسلام، ويحمل السلاح كذلك، ويأبى عن الإسلام أو الجزية أو غير ذلك من الأمور التي توجب قتله، فحينئذ يبيح إزالته ورفع أذاه، ولم يضعف المسلمون ويلاقوا ألوان الإهانات إلا حين تركوا الجهاد. ومن أساليبهم: إثارة وإحياء النعرات الجاهلية تتميما لما بذله المنصرون، فقد اهتمَّ المنصِّرون والمستشرقون بإثارة وإحياء النعرات الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، واعتبرها داء يجب علاجه من الدعوة إلى القومية والعرقية والوطنية والشعوبية، ومحاولتهم إلهاء المسلمين بها، وهم يتظاهرون بأن تحقيق القومية هو الذي يوحد الشعوب ويؤلف القلوب، ولقد صدَّقهم الكثير من مرضى القلوب من المنتسبين إلى الإسلام، وكأن هؤلاء الجهال لا يرون ماذا يحدث عند قيام الحروب الأهلية من فظاعة بين أبناء الوطن الواحد ذوي القومية الواحدة (1)--------------------------------------------
(1) سنبحث قضية القومية بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 54)
ومن أساليبهم: إثارة الفتن الطائفية بين المسلمين، وقد كان من توصيات رؤساء الدول الغربية ومفكريهم الاهتمام بإثارة الفتن الطائفية، واستغلالها؛ لإشغال المسلمين عن التوجه لخدمة دينهم وبلدانهم، ولكي يجدوا مجالا للتدخل، وعلى رأس الفتن الطائفية استغلال النصارى في أي بلد إسلامي لإثارة القلاقل والفتن فيه، واستغلال الحروب، وقيام المعارك التي تحصل بين المسلمين والنصارى، وتسليمهم فيما بعد زمام السلطة، وإضعاف المسلمين، وإقصائهم عن مراكز الحكم الهامة، كما فعلوا في لبنان والحبشة وإريتريا وغيرها من بلدان المسلمين. ومن أساليبهم: التدخل في أنظمة الحكم في العالم الإسلامي، ولا ريب أن القارئ الكريم يعرف أنه مرَّت فترات بالمسلمين كان الغربيون هم المسيطرين على أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية، ولكن المسلمين استيقظوا وأشعلوا مقاومة عنيفة لإخراجهم بالقوة، حتى تمَّ لهم ذلك، إلا أن الغربيين عادوا من وراء الستار حتى لا يثيروا مشاعر الشعوب مرة أخرى، فإن التدخل في هذه المرة كان على الحياة الغربية، وتربوا في مدارسهم، فقد عاد هؤلاء وهم ينظرون إلى الحياة الإسلامية باشمئزاز تام، ويريدون تغيير الحال ولو بجدع الأنف فكان هؤلاء أشد على شعوبهم من أولئك بعد أن تركوا دينهم وباعوا ضمائرهم ولا يخفي الغرب هذا الأسلوب بل يفتخرون علنا ويتمدحون بأنهم هم الذين ربوا حكومات أكثر الدول الإسلامية (1)
ومن أساليب التدخل في مناهج التعليم في العالم الإسلامي على منوال ما كان يفعله المنصرون وقد تحقق لهم:
1ـ إبعاد دراسة الدين الإسلامي ما أمكن، وإحلال دراسة بعض الشبهات حول الإسلام محله.
2ـ إحلال دراسة الحياة الغربية وتاريخها محل الإسلام.
3ـ الاهتمام بالرياضة وألعاب القوى والرسم، وغيرها من الأشغال البدنية.
4ـ إبعاد اللغة العربية إلا للضرورة، وإحلال اللغة الإنجليزية والفرنسية محلها، واعتبارهما اللغة الرسمية في الدراسة وفي سائر المعاملات.
5ـ إبعاد التاريخ الإسلامي، والاكتفاء ببعض الفقرات التي تعطي انطباعا بعدم كفاءة التاريخ الإسلامي.
وتدخُّل أقطاب النصرانية في البلدان الإسلامية أمر واضح إلى هذا الوقت - إلا من رحم الله - ولا ينكره إلا جاهل أو متجاهل، ويجب على المسؤولين في العالم الإسلامي أن يراجعوا جميع المناهج الدراسية إذا أرادوا لشعوبهم الخير والاستقلال الصحيح، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ومن أساليبهم: إبعاد الإسلام عن مجال الحياة، أو فصل الدين عن الدولة، والهدف من هذا الأسلوب هو عزل الإسلام، ورفع تشريعاته، وإحلال الأنظمة الجاهلية وقوانينها محله في التحاكم، مدعين أنهم اكتشفوا البديل عنه، وكذبوا على العلم فسموا ذلك الاكتشاف للقوانين الجاهلية (علمانية) نسبة إلى العلم، وهو خداع الديمقراطية التي زعموا فيها أن الناس سيصبحون فيها كلهم حكاما، يحكمون أنفسهم بأنفسهم دون الحاجة إلى الشرطة والجنود والسجون والمعتقلات، كما نجد أن الشيوعية كذلك ربطت الوصول إلى هذه الوعود الكاذبة الخادعة بتطبيق الشيوعية الجهنمية، بينما ربطتها النصرانية الاستشراقية بتطبيق الحضارة الغربية وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: 1]
ومن الظلم الصريح أن ينادوا بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية؛ لأنها لا تصلح لهذا العصر بينما هم من أجهل الناس بها، ليس لهم بها أي صلة، كما يقال: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وفاقد الشيء لا يعطيه.--------------------------------------------
(1) انظر كتاب ((احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام)) (ص 172).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 55)
ومن أساليبهم أيضا: القضاء على الترابط بين الأسر المسلمة، فجاء دعاة الشر من المنصرين والمستشرقين بتشجيع المجتمعات الإسلامية على التفسخ والاستهتار بالقيم الدينية، ونبذ الحياء، مستعينين بكل ما عندهم من وسائل الإغواء.
ومن أساليبهم: مسخ المرأة المسلمة التي لا يمكن أن تجد مكانتها الحقيقية إلا في ظل الإسلام، فأظهروا الاهتمام الكاذب بها في ظاهر دعاياتهم، فنادوا بتحريرها ومساواتها بالرجل، وتفننوا في الدعايات، فخدعوها عن عفتها حتى صارت لحما على وضم، وخدعوها عن بيت زوجها، فخرجت نافرة عنه، وخدعوها عن أولادها، فسلمتهم للمربية الجاهلة بهم، وخرجت هي للكدح والعمل، بعد أن نزعوا كل عرق ينبض بالحياء فيها.
ومن أساليبهم: الدعوة إلى تحديد النسل، ولقد بيَّن الله هذه القضية في كتابه الكريم، وبيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم بأوضح بيان، وفصَّل علماء الإسلام كل ما يدور حولها، وأصبح أمرها واضحا تماما.
ومن أساليبهم أيضا: القضاء على الحركات الإسلامية الصحيحة، وتشجيع الحركات الفاسدة؛ إكمالا لما بدأه المنصرون.
ومن أساليبهم: إنشاء الفرق الهدامة الضالة، ورعاية زعمائها ماديا ومعنويا، واستعملوا في ذلك وسائل لا حصر لها، كان من ضمن تلك الوسائل: تشجيع كل الحركات والأفكار الهدامة وتقويتها، وإمدادها بالمال والمفكرين، بل وأحيانا بالسلاح، فأنشؤوا القاديانية في الهند وباكستان، وأنشؤوا البابية في إيران، وأنشؤوا البهائية في فلسطين، وما من طائفة تدعو إلى محاربة الإسلام إلا وتجد لها المساعدة المادية والمعنوية عند أعداء الإسلام.
ومن الأساليب الهامة ما يتعلق بالمنح والقروض للدول الإسلامية الفقيرة، فإنه من البلاهة والبلادة أن يتصوَّر أي بلد مسلم أن ما يقدمه له أعداء الإسلام من نصائح أو قروض استثمارية أو منح أو هبات أن ذلك لأجل سواد عيون أهله، أو تشجيعا لهم على الحفاظ على إسلامهم، وإنما وراء ذلك مطامع سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لا حد لها ولا حصر، وقد تبين ذلك واضحا من خلال إذلال الشعوب المقترضة أو المتقبلة للهبات.
ـ ومن أساليبهم: الغزو عن طريق التشكيك في القرآن الكريم:
1ـ زعموا أن القرآن الكريم ليس من عند الله تعالى، وإنما من تأليف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بينما ذلك الكلام الملفق في ما يسمونه بالكتاب المقدس هو كلام الله!!
2ـ وحينما رأوا ضعف قولهم بأن القرآن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، اخترعوا مقالة أخرى؛ ليجتثوا الفضائل كلها، فزعموا أن القرآن كله مقتبس من التوراة والإنجيل، ومن الوثنيات الأخرى، وأعماهم الحقد عن ما يعرفونه هم من تناقض التوراة والأناجيل، والتي فقدت عدة مرات وكتبها من لا يعرف حاله ممن أظهر الإلحاد، والدعوة إلى الفسق والفاحشة علنا في كلامه في التوراة والأناجيل.
افتراء للمتظاهرين بالإنصاف منهم: ولقد زعم بعض من يتظاهر من المستشرقين بالإنصاف والبحث العلمي المجرد أن القرآن هو مصدر إصلاحي، وليس بدين سماوي؛ لإجماعهم على أنه ليس كلام الله تعالى؛ لكي ينفذوا من خلال هذا التشكيك إلى إبعاد المسلمين عنه، كما يتمثل افتراؤهم في اهتمامهم بترجمة القرآن الكريم، فقد اهتمَّ هؤلاء المستشرقون والمنصرون بدراسة القرآن الكريم وترجمته إلى لغات عدة، ولكنهم يريدون من وراء هذه الترجمات هدم القرآن الكريم وتشويهه في أذهان المسلمين - ولن يتمَّ لهم هذا- وحينما يكملون ترجمته يكتبون على ظهر الغلاف (قرآن محمد) (1)، وكل تلك الترجمات على كثرتها مملوءة بالكذب على الله، وتزوير الحقائق، والحذف والإضافة المتعمدة؛ لتتوافق مع معتقداتهم.--------------------------------------------
(1) انظر ((الاستشراق)) (ص 121).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 56)
الغزو عن طريق مزاعمهم ضد السنة النبوية:
1ـ زعموا أنَّ السنة النبوية إنما هي أحاديث وضعت بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن المسلمين استجدَّت بهم أحداث لم توجد في زمن نزول القرآن الكريم، فاضطروا إلى إعطائها وجهة دينية بانتحالهم تلك الأحاديث، وعزوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليقبلها المسلمون باحترام ويعملون بها.
ومن الواضح أن هجوم أعداء الإسلام على السنة النبوية اتخذ أشكالا عديدة، فمنهم من يزعم بأنه يجب ردُّها تماما، والاكتفاء بما في القرآن الكريم، ومنهم من يطعن في صحة الأحاديث، ومنهم من يطعن في الأسانيد، ومنهم من يطعن في المتن.
ومن تلفيقاتهم ضد السنة أنهم زعموا أن كثيرا من الأحاديث والتشريعات الإسلامية إنما جاءت بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حيث واجهت المسلمين أحداث اقتضت حلولا لها، وأن تلك الحلول التي وجدت لها كانت هي الأحاديث التي نسبت بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا يزعمون، وهم بهذا يتجاهلون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بيَّن كل ما يحتاج إليه المسلم، ولعلهم يقصدون بكلامهم المفترى بحث المسائل الفقهية التي كانت تحصل بين الصحابة ومن جاء بعدهم، وهذا جهل منهم بحقيقة الأمر، ذلك أن تلك الاجتهادات الفقهية لم تقم على الهوى، وإنما قامت على ضوء أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعلى ضوء ما جاء في كتاب الله تعالى دون أن يكون لهم فيها إلا استخراج المعنى، والمراد الذي تهدف إليه النصوص، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يجرؤون على إصدار أي حكم إلا بعد الحصول على دليل له من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، عملا منهم بأمر الله عز وجل في التفكر في الدين، واستخراج أحكامه التي تقبل الاجتهاد، وإعمال الفكر والمقارنات بين النصوص في كل شيء للعقل مجال فيه، وهي منقبة عظيمة وليست مذمة.
الغزو عن طريق مزاعمهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم: لقد جاءت في كتابات بعض المستشرقين وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالبطل الشجاع، وبالمفكر الذي لا مثيل له في العرب، والعبقري النادر، وزعموا أنه كان يمارس تعلم الفصاحة حتى برع وفاق أقرانه، كما زعم المستشرق (مايور) (1) .... إلخ ما وصفوه به - وهو حقا كذلك وفوق ذلك - ولكن ما هو هدفهم من هذا الثناء؟
إنه ثناء الموتور ثناء من غمَّه الحقد، وأعيته الحيلة للنيل من خصمه، ذلك أن وصفهم للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه بطل شجاع إنما جاء ضمن أبطال ذكروهم في الوثنية، وأبطال في إشعال الحروب، وأبطال في قول الشعر والمجون، وأبطال في دعوى النبوة أو التدين، فمن نجح من أولئك فهو بطل، وبطولته لا لشيء إلا لأنه صاحب عزم نافذ استطاع أن يتغلب على قهر نفسه وترويضها، وقهر غيره وترويضه، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان كذلك فاستحق لقب (بطل) على حد قول الشاعر:
نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإحجاما
ومعلوم عند كل المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم بطل الأبطال، ولكنهم لا ينظرون إلى تلك البطولة مجردة عن عناية الله به، واختياره نبيا، ولا أنها نابعة من صدق يقينه، وقوة عزمه، بل ينظرون إليها على أنها نابعة من إيمانه بربه، ونصره له وتأييده، وإنزال السكينة عليه، وغير ذلك من اللوازم التي ينفيها عنه المستشرقون، حيث يصفونه بأنه من الأبطال شأنه شأن غيره من الأبطال الذين ذكروهم المجازفين في قومهم؛ للوصول إلى إعجابهم بهم، واعتبارهم في المجتمع.
الغزو عن طريق مزاعمهم ضد اللغة العربية:--------------------------------------------
(1) ((أجنحة المكر الثلاثة)) (ص 145).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 57)