Arabic source text

📘 মাওসুআতুল মাজাহিবিল ফিকরিয়্যাতিল মুআসিরাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসুআতুল মাজাহিবিল ফিকরিয়্যাতিল মুআসিরাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الناحية الثانية: من جانب العدم وذلك بحفظ العقل من كل ما يؤثر فيه بشكل سلبي وهذا يتضح فيما يلي: أـ حرم الإسلام الجناية على العقل بالضرب والترويع، وجعل الدية كاملة على من تسبب في إزالته يقول ابن قدامة رحمه الله: " وفي ذهاب العقل الدية، لا نعلم في هذا خلافا .. " (1).ب ـ النهي عن كل ما يؤثر على وظائفه ومن ذلك: تحريم شرب الخمر وكل مسكر ومفتر قال القرطبي رحمه الله: " إن السكر حرام في كل شريعة لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدها وأصل المصالح العقل كما أن أصل المفاسد ذهابه فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه" (2).ج ـ ومن صور محافظة الإسلام على العقل، تحريم ما تنكره العقول وله تأثير عليها كالسحر الذي يذهب العقل كليا أو جزيئا فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر .. )) (3).
4ـ العقل مناط التكليف: من القواعد المعلومة في هذا الدين أن العقل مناط التكليف في الإنسان وإذا زال العقل زال التكليف فالتكليف يدور مع العقل وجودا وعدما ومن هنا يتبين أهمية العقل ومكانته في الإسلام إذ بالعقل الذي هو عمدة التكاليف يكون التفضيل لهذا الإنسان كما بين ذلك القرطبي رحمه الله بقوله: "والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء" (4).ويقول الشاطبي رحمه الله " إن مورد التكليف هو العقل وذلك ثابت قطعا بالاستقراء التام حتى إذا فقد ارتفع التكليف رأسا وعد فاقده كالبهيمة المهملة" (5).
5ـ العقل له دور فعال في قضية الاجتهاد: من المعلوم أن استنباط الأحكام فيما لا يوجد نص من كتاب أو سنة أو إجماع يرجع إلى الاجتهاد الذي يقوم مداره على العقل حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضا عليه ـ عند فقد النص: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) (6).فجعل من اجتهاد العقل أساسا للحكم ـ لمن هو أهله ـ عند فقدان النص مع تثبيت الأجر عند الخطأ. (7).
ثانيا: مكانة العقل في الإسلام:
العقل نعمة عظيمة امتن الله بها على بني آدم وميزهم بها على سائر المخلوقات غير أن هذا التكريم لا يتحقق إلا إذا كان العقل مهتديا بوحي الله محكوما بشرع الله وبذلك ينجو صاحبه من الضلال ويهتدي إلى الحق كما قال تعالى وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [آل عمران:101]
أما إذا كان العقل مقدما على وحي الله حاكما على شرع الله فقد ضل صاحبه سواء السبيل كما قال تعالى فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50]--------------------------------------------
(1) ((من العقيدة إلى الثورة)) (2/ 602).
(2) انظر ((التراث والتجديد)) " الكتاب كله "، ((دراسات إسلامية)) " الكتاب كله".
(3) انظر: حول الموضوع كتاب ((التفسير الماركسي للإسلام)) محمد عمارة.
(4) انظر: مفهوم النص: ((دراسة في علوم القرآن)) (38 – 65).
(5) انظر ((مجلة قضايا إسلامية معاصرة)) – (عدد 19 ص 90 - 100).
(6) انظر كثيرا من النصوص في هذا المجال في كتاب: ((العصرانيون)) (ص274).
(7) ((التراث والتجديد)) (ص69).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

ومن هنا وقف الإسلام موقفا وسطا تجاه العقل فلم يتخذ مسلك الفلاسفة والمعتزلة الذين غالبوا في تقديس العقل وجعلوه الأصل لعلومهم ومعارفهم وسبيل الوصول إلى الحقائق والحكم المقدم على النقل والشرائع.
.......... كما أن الإسلام لم يتخذ مسلك الصوفية والرافضة الذين ذموا العقل وعطلوه واعتقدوا ما لا يقبل ولا يعقل من الحماقات والخرافات.
...... إن الإسلام كمنهج رباني أنزله اللطيف الخبير ـ جلا وعلا ـ اتخذ مسلكا وسطا تجاه العقل حيث عرف للعقل قدره فوضعه في مكانه اللائق به بلا إفراط ولا تفريط وإليك كلاما نفيسا بحق ـ يكتب بمداد من ذهب على صفحات من نور ـ لشيخ الإسلام ابن تيمية يوضح فيه حقيقة تلك المسالك المنحرفة تجاه العقل مع بيان المنهج الوسطي (المنهج الحق) في هذه القضية يقول رحمه الله: " ولما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف وأرباب العمل والصوت عن القرآن والإيمان: تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة يجعلون العقل وحده أصل علمهم ويفردونه ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له.
...... هكذا وقف الإسلام متمثلا في منهج أهل السنة والجماعة موقفا متميزا تجاه العقل أما الليبراليون فقد اتخذوا مسلك الفلاسفة والمعتزلة تجاه العقل يظهر هذا بجلاء من خلال الجوانب الآتية:
1ـ تقديس العقل في مقابل التهوين والتهكم من شأن النصوص: أـ خالص جلبي يدعو إلى أن يتجاوز العقل نطاق الثوابت الدينية ويقفز عليها يقول " المواطن العربي اليوم محاصر في مثلث من المحرمات بين الدين والسياسة والجنس كل ضلع فيه مثل حاجزا شاهقا لا يستطيع أفضل حصان عربي رشيق أن يقفز إلا بالقفز إلى الإعدام فأمام حائط الدين يطل مفهوم الردة وأمام جدار السياسة يبرز مصطلح الخيانة، وعند حافة الجنس تشع كل ألوان الحرام والعيب فالعقل مصادر ومؤمم وملغى حتى إشعار آخر" ثم يدعو إلى ثورة عقلية: " لا بد من تدريب عقولنا على النقاش والجدل وذلك يفتح طرقا عصبية رائدة فالعقل النقدي والعقل النقلي ميت" (1).
ب ـ وها هو يوسف أبا الخيل يرى أن النصوص في الشريعة الإسلامية جاءت محدودة بطبيعتها باعتبار توقف الوحي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هنا اقتصرت الشريعة بناء على تلك النصوص على بيان الفروض والحدود أما ما سوى ذلك فهو ميدان العقل والتدبير الإنساني وقد استند أبا الخيل في رأيه هذا على كلام لابن المقفع الفارسي!
وها هنا حقيق بك أن تعجب أخي القارئ غاية العجب أتدري لمََ؟ لأن هذا الرجل الذي جعله أبا الخيل عمدته فيما ذهب إليه من رأي هو رجل متهم بالزندقة (2).
2ـ تقديم المصلحة المتوهمة على النص:
هذا الموقف المنحرف متفرع عما سبق من غلوهم في جانب العقل على حساب النقل ـ عياذا بالله ـ حيث اعتقدوا أن العقل له الصلاحية الكاملة والأهلية التامة في أن يستقل بإدراك المصالح والمفاسد بعيدا عن نور الوحي وهذا بلا ريب مصادم للحق والحقيقة إذ إن العقل ـ كما ذكرنا آنفا ـ تابع للشرع وخاضع تحت حكمه فلا يجوز له حينئذ أن يتخطى ما حده الشرع زاعما أنه إنما يتبع المصلحة ويرد الإحسان والتوفيق بل الحكم الأول والأخير للشريعة.--------------------------------------------
(1) انظر: ((العصريون معتزلة اليوم)) (يوسف كمال)، و ((العصرانيون بين مزاعم التجديد)) و ((ميادين التغريب)) محمد حامد الناصر، و ((مفهوم تجديد الدين)) بسطامي محمد سعيد.
(2) انظر: ((الإسلام والعصر)) (ص194)، وانظر نصوص كثيرة في ((العصريون معتزلة اليوم)) (30 - 40).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)

ومعلوم أن العلماء جعلوا المصالح على أنواع منها: مصالح معتبرة يؤخذ بها وهي ما دل الدليل على اعتبارها وجوازها وحليتها ودعا إليها ومصالح ملغاة لا اعتبار ولا ميزان لها وهي ما جاء النص صراحة بإلغائها كما حرم الخمر مع اشتماله على بعض المصالح وهي مصالح ملغاة بنص الشارع الحكيم وأصحاب هذه المدرسة يصرحون ـ كما سوف يأتي ـ باعتبار المصالح الملغاة ويضربون بالنصوص الشرعية التي جاءت مصادمة لهذه المصالح عرض الحائط فيصبح الدين تبعا لهوى وما تمليه الشهوات والأهواء لا عبودية لرب الأرض والسماء …
ثم نحن نتساءل أخيرا: إذا كان العقل له الصلاحية الكاملة والأهلية التامة ـ كما يعتقد الليبراليون ـ في أن يستقل بإدراك المصالح والمفاسد بعيدا عن نور الوحي فما الفائدة إذا من إنزال الكتب وإرسال الرسل؟! كما أن هذا الاعتقاد قد يقودهم إلى أمر خطير للغاية ألا وهو: اتهام الله ـ جل وعلا ـ بالعبث في أفعاله وتقديره ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ ذلك لأن من غايات إنزال الكتب وإرسال الرسل تعريف الناس بالشر والخير وبيان المصالح والمفاسد لهم (1). فإذا كان العقل البشري يستقل بمعرفة ذلك ـ كما يعتقد كثير من الليبراليين ـ كان إنزال الكتب وإرسال الرسل حينئذ ـ لا طائل من ورائه ولا جدوى فيه وهذا هو حقيقة العبث الذي يتعالى الله عنه علوا كبيرا.
إن هذه المفاسد الخطيرة الناجمة عن اعتقادهم باستقلال في إدراك العقل وفي إدراك المصالح والمفاسد تكفي العاقل المنصف في بيان فساد هذا الاعتقاد وانحرافه عن جادة الصواب.
أقوال الليبراليين في هذا الجانب:
أما أقوال الليبراليين التي تبرهن على أنهم يقدمون المصلحة المزعومة على النص الشرعي فهي كما يلي: أـ يقول مشاري الذايدي: " نحن مطلوب منا أن نمارس السياسة وفق مصالحنا وحيث ما كانت المصلحة كان دين الله هكذا أفهم الأمور هكذا أفهم الأمور" (2).ب ـ يقول محمد المحمود: " ما نحتاجه الآن: قطيعة نوعية مع تراث بشري تراكم على مدى أربعة عشر قرنا يقابله اتصال خلاق بالنص الأول في مقاصده الكبرى وليس مجرد ظاهرية نصوصية لا تعي ما بين يديها ولا ما خلفها" (3).
ـ دعوى تعدد قراءات النص الواحد: يعتقد الليبراليون أن النص الشرعي له قراءات متعددة وتفسيرات متنوعة وكلها صحيحة وهذه العقيدة من الفساد بمكان لأنها تفتح الباب على مصراعيه لكل مبطل أن يستدل على مذهبه الفاسد من النص الشرعي بدعوى (تعدد قراءات النص) ولا ريب أن هذا أصل خطير يسوغ زندقة كل متزندق وكفر كل كافر فالباطني مثلا الذي يفسر قول الله تعالى إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً [البقرة: 67] بأنها عائشة رضي الله عنها بناء على ذلك الأصل قوله حق والذي يقول: إنها البقرة المعروفة قوله حق. (4).ويطلق بعض الأئمة على هذا الأصل (دعوى عدم إفادة النص للعلم واليقين) (5).--------------------------------------------
(1) مثل محمد أركون، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد وخليل عبد الكريم، والعفيف الأخضر، وسيد القمني ونوال السعداوي، وأحمد البغدادي ومحمد عشماوي، وطارق رمضان، وغيرهم.
(2) نشأ الحزب أولا في اسطنبول ثم نقل مركزه إلى باريس، وأصدروا جريدة لكن الحزب انحل بعد 1871م عندما سمح لزعمائه بالعودة من المنفى. انظر: ((الفكر العربي في عصر النهضة)) (ص91).
(3) ((أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك)) (ص 98).
(4) انظر: ((تركيا الفتاة)) (ص39)، نقلا عن ((العلمانية وآثارها على الأوضاع الإسلامية في تركيا)) (ص190)
(5) أبرز أعضاء الوفد: مصطفى فهمي، سعد زغلول، أحمد لطفي السيد، مصطفى النحاس، وغيرهم. وقد ذهب الوفد للتفاوض مع بريطانيا لنيل الاستقلال.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)

والعجيب أن زنادقة عصرنا من المتكلمين الذين يسمون (مثقفين!!) و (عصريين!!) اتكأووا على هذا الأصل لتسويغ باطلهم وتمرير انحرافهم ولهذا زعم من زعم منهم أن القرآن يمكن أن يدل على كل مذهب في الأرض. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أن أصل هذا المذهب الفاسد، يرجع إلى قول السوفسطائية من الفلاسفة، ثم أخذه عنهم طوائف من ملاحدة الصوفية (1).
والفلسفة المعاصرة أخذت في بعض تقاريرها بهذا المذهب الفاسد، فصححوا كل الأديان والمذاهب الباطلة، ولم يجعلوا لنصوص القرآن والسنة منزلة ولا حرمة، فكل شخص يفهم النص بما يريد ويشتهي لا بما هو عليه الحقيقة.
أقوال الليبراليين في هذا الجانب:
يوسف أبا الخيل يزعم أن دعوى تعدد قراءات النص الواحد قد أصلها علي –رضي الله عنه بينما القول بوجود قراءة واحدة للنص هو مذهب الخوارج!! ويقول أيضا:" إن أول خطوة في مكافحة العصاب الوسواسي للتعصب تكمن في تقديري في إصلاح مناهج المواد الدينية التي تقدم للناشئة في مراحل التعليم العام؛ بما يؤدي بها إلى أن تقدم مضمونا يعلم الطالب التفرقة بين النص الديني في ذاته المتعالية وبين قراءته البشرية، بحيث يتم (تعبئته) الذهنية الطرية الغضة بأن النص في ذاته كبنية متعالية هو واحد لا يتعدد ولا يتنسب (من النسبية)، أما قراءة البشر لهذا النص فهي تتعدد وفقا للدوافع الرغبوية للقارئ وللظروف الزمانية والمكانية والحاجات المعيشية والنوازل الجديدة التي تحيط به سواء أكان هذا القارئ فردا أو جماعة أو مذهبا أو طائفة". (2).
4 - رد السنة صراحة لأنها لا تتوافق مع العصر ومتطلباته ومستجداته:

‌‌المصدر:التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 31--------------------------------------------
(1) مثل محمود سليمان، وحسن عبد الرزاق، وحمد الباسل، وفخري عبد النور، وسليمان أباظة، وعبد الرحمي الدمرداش، وعلي شعراوي، وغيرهم. انظر: ((الاتجاهات الوطنية)) (1/ 94).
(2) يشمل الشرق الأوسط الكبير: الدول العربية، وباكستان، وأفغانستان، وإيران، وتركيا، وإسرائيل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)

‌‌المعلم الثاني موقفهم من قضايا العقيدة وأصول الدين الكبرى
موقفهم من قضايا التوحيد والإيمان:
موقف الليبراليين من قضايا التوحيد والإيمان موقف في غاية القبح والشناعة، حيث يلوح في مقالاتهم التهوين والتقليل من شأن قضايا التوحيد، بل وصل الأمر ببعضهم إلى درجة الاستخفاف والسخرية بهذا الأصل العظيم الذي قامت من أجله السماوات والأرض.
كما أنهم حرفوا مفهوم الإيمان، وأخرجوه عن مدلوله الشرعي الذي جاء واضحا بينا في نصوص الوحيين، كذلك فإنك تلحظ في كتابات بعضهم النزعة الإلحادية المادية كقولهم: إن الطبيعة هي التي تعطي وهي التي تمنح!!
أقوال الليبراليين في هذا الجانب: يرى محمد المحمود أن تطبيق التوحيد على أرض الواقع من المنظور السلفي يقارب الهوس الأيديولوجي؛ حيث يقول:"إن السلفية التقليدية المتغلغلة في أعماق وعينا الاجتماعي والثقافي، تزعم أن (التوحيد) هو مرتكز خطابها، وأنها – كخطاب أيديولوجي نشط – تسعى للقضاء على مظاهر التوثن، أيا كانت تمظهراتها في المجتمع، هذا الزعم يكاد – إبان محاولة موضعته في الواقع – يقارب درجة الهوس الأيديولوجي، أو يتم من خلاله ممارسة سلوك النفي (المفاصلة) للآخر الإسلامي في الداخل والخارج، تحت وعاء التمذهب والافتراق" (1).كما يقول:"ربما كان من قدر المرأة لدينا، أن تواجه أكثر من سور منيع، يحول بينها وبين الحصول على أقل القليل من حقوقها الفطرية، تلك الحقوق التي منحتها إياها الطبيعة ابتداء" (2).
وهاهو المحمود يضع تفسيرا غريبا لمعنى الإيمان ومدلوله بعيدا عن المعنى الشرعي المنصوص عليه، حيث يجعل الإيمان مرتبطا بالإنسان والعلم المادي، قائما عليهما كما هو الشأن في عصر التنوير الأوروبي، يقول:"لم ينهض التنوير الأوروبي المجيد، الذي أخرج إلى الإنسانية من ظلمات الجهل والتخلف والانحطاط، إلى نور العلم والتقدم والمدنية الإنسانية، إلا على إيمان راسخ وعميق بهذا الإنسان، إيمان متفائل، يتكئ على فعاليات عقلية، ومعطيات تجريبية من عالم الوقائع المادية، ولكنه – قبل ذلك وبعده – يكاد يكون عقيدة كلية، تستولي على مشاعر أولئك الفلاسفة العظام، في عصر النهضة الأوروبي"
موقفهم من قضايا الولاء والبراء والحكم بما أنزل الله:
يتضح من خلال كتابات الليبراليين التحريف والتبديل والتشويه لهذه القضايا العقدية.--------------------------------------------
(1) انظر: ((قاموس إنجليزي، عربي)) (ص ـ 586) لمنير البعلبكي و ((دائرة المعارف البريطانية، 1954م)) و ((مفهوم تجديد الدين)) (96، 97، 101، 102، 103، 105، 106) لبسطامي محمد سعيد، ((اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر في مصر)) (ص 552) لمحمد حامد الناصر.
(2) انظر ((مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي، رؤية نقدية في ضوء الإسلام)) لعبد الرحمن بن زيد الزنيدي ((المدرسة العقلية الحديثة)) (ص ـ 9) لناصر العقل ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)

أقوال الليبراليين في هذا الجانب: يوسف أبا الخيل يرى أن الأخوة ينبغي أن تبنى على أساس الإنسانية لا على أساس الدين والمعتقد، ولا ريب أن هذا هو دين الماسونية الخبيث، وليس دين الإسلام الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم ، يقول: "الإنسانية بآفاقها الرحبة الواسعة، والطائفية بأفقها الضيق المنعزل، ضدان لا يلتقيان ......... " (1).ويوسف أبا الخيل له فلسفة منحرفة للولاء والبراء، حيث يقول:" … مفهوم الولاء والبراء من هذه الزاوية يشير إلى موالاة الموالي المسالم الجانح للسلم والبراءة من المعتدي أيا كانت نحلته وديانته، ومن غير المعقول لكل من استقرأ نصوص الشريعة ومقاصديتها أن يتصور مفهوما ينادي بالولاء للمعتدي لأنه فقط يتمظهر أو ينطق بالإسلام وبنفس الوقت البراءة وما سيترتب عليها من استحقاقات أخرى من غير المسلم ولو كان مسلما برا مؤديا لشروط العلاقة السلمية مع المسلمين، هذا مفهوم مغلوط ومشين تتنزه عنه الشرائع السماوية فضلا عن الإسلام وهو خاتم الديانات؛ لأنه تعد صريح على عدل الله تعالى بين خلقه، ولا يمكن أن تستقيم علاقة سلمية تعاونية مؤدية لخير الإنسانية ما دمنا نتصور أن علاقة الولاء والبراء مبنية على الولاء للمسلم ولو كان من جنس "الحجاج بن يوسف أو صدام حسين" والبراءة من غير المسلم ولو كان على شاكلة داعيي السلام والإنسانية "المهاتما غاندي ونلسون مانديلا" (2).
ولم يقف يوسف أبا الخيل عند ذلك الانحراف الخطير في قضية الولاء والبراء، بل تعدى ذلك إلى القول بأن عقيدة الولاء والبراء التي طبقها النبي – صلى الله عليه وسلم – في المجتمع المدني قامت على أساس الوطن والبلد الواحد بغض النظر عن ملة الشخص وانتمائه الديني.
ويدخل في دائرة انحرافهم في عقيدة الولاء والبراء: الثناء والمدح لأرباب الضلال والانحراف، سواء أكان ذلك على مستوى الأديان والمذاهب الأرضية المعاصرة كالشيوعيين والزنادقة والفلاسفة أو على مستوى الفرق الضالة المبتدعة كالمعتزلة والجهمية، والترويج لما يحملونه من أفكار ومعتقدات.--------------------------------------------
(1) انظر ((موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية)) القاهرة، 2000م (1699)،محرر المادة. محمد أبو شامة.
(2) انظر ((مفهوم تجديد الدين)) (ص120).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)

أقوال الليبراليين في هذا الجانب: يقول جودت سعيد:"والشعور بالأناقة – المدنية – قد يكون في صورة انتصار عسكري، أو عدالة اجتماعية، كما في الثورة البلشفية، أو في صورة حقوق إنسان، كما في الثورة البلشفية … " (1).وها هو خالص جلبي (شيخ العصرانيين في القصيم) يشيد بالزنديق (محمود محمد طه) ويكيل له الثناء العاطر، ويتباكى على إعدامه من قبل الحكومة السودانية في عهد الرئيس محمد جعفر النميري، يقول:"وفي عام 1971م أعدم "محمود طه" في السودان بيد الطغمة العسكرية بتهمة الردة، وكان رجلا مجددا، ولم يكفر ولم يرتد، ولكنها السلطة التي لا تتحمل النقد والمعارضة" (2).ج- أما محمد بن علي المحمود، فقد أثنى على رموز التنوير من الفلاسفة، والتنويريين، حيث يقول:"بينما كان فيلسوف التنوير الأكبر (فلوتير) على فراش الموت حضر إليه رجل الدين الكهنوتي، يطالبه بالاعتراف؛ ليحقق له الغفران، وبما أن فيلسوف التنوير قضى عمره الطويل في العمل في فضح الدجل الكنسي، وتعرية الاستغلال الكهنوتي، فقد رفض هذا الإجراء الذي لو قبله لكان تضحية فضائحية، بمسيرة عمره التنويري المليء بالصراع مع عالم الخرافة" (3). ويقول:"رحلة البحث عن الإنسان، من خلال البحث عن العقل الممكن وإمكاناته، ومن خلال التمحور الحقوقي حول حريته المسلوبة، ومن خلال البحث عن سبل انعتاقه من أسر ماضيه، ووضعه على عتبات المستقبل، كانت ملحمة من أروع الملاحم في تاريخ البشرية. تلك الرحلة التي بدأت بوادرها الخافتة منذ القرن الثالث عشر الميلادي، وظهرت جلية في المنجزات النظرية التي تعكس الوعي، كما عند لوثر، وسبينوزا، وديكارت .. إلخ، إلى راسل، وهيدجر، وفوكر، ودريدا .. إلخ، مرورا بكانت، وهيجل، وروسو، وفولتير" (4).ويقول:"لم ينهض التنوير الأوروبي المجيد، الذي أخرج الإنسانية من ظلمات الجهل والتخلف والانحطاط، إلى نور العلم والتقدم والمدنية الإنسانية إلا على إيمان راسخ وعميق بهذا الإنسان، إيمان متفائل، يتكئ على فعاليات عقلية، ومعطيات تجريبية من عالم الوقائع المادية ولكنه – قبل ذلك وبعده – يكاد يكون عقيدة كلية، تستولي على مشاعر أولئك الفلاسفة العظام، في عصر النهضة الأوروبي" (5).ويقول مشجعاً لنشر ثقافة رواد التنوير: "إن كثيرا من كتب رواد التنوير العربي منذ الطهطاوي وإلى آخر كتاب ثقافي صدر في دور النشر العربية لا وجود لها في ذاكرة أبنائنا" (6).
ونقول لهذا الكاتب المفتون: ماذا تركت للأنبياء والمصلحين؟!

‌‌المصدر:التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 56--------------------------------------------
(1) انظر ((مجلة البيان)) العدد (219) ذو القعدة 1426هـ.
(2) انظر ((الإسلام الليبرالي)) (93،109) لمحمد إبراهيم مبروك و ((مجلة البيان)) العدد (219) ذو العقدة 1426هـ.
(3) انظر: الموقع الإلكتروني: www. mengos.net.
(4) (( مستقبل الثقافة في مصر)) (ص43).
(5) ((مستقبل الثقافة في مصر)) (ص 48)، ويمكن مراجعة نقد الأستاذ سيد قطب له، وكتاب: ((تحت راية القرآن)) لمصطفى الرافعي.
(6) انظر حول هذا الموضوع: ((دعوى الإسلام الليبرالي)) (ص369).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)

‌‌المعلم الثالث موقفهم من التراث والتاريخ الإسلامي
المتأمل في مقالات الليبراليين، الدارس لها بتفحص وتمعن يظهر له – بجلاء – أن موقفهم من التراث يتمثل في الجوانب الآتية:
الجانب الأول: وصم هذا التراث بالرجعية والتحجر والجمود على الماضي وعدم استشراف المستقبل، وبالتالي عدم جدواه في ظل المستجدات الحديثة: يقول محمد المحمود:"لن نستفد من تراثنا ما لم نسلط عليه ترسانة العلوم المعاصرة، لن نصنع عالمنا ما لم يحرر تراثنا من أسر الفهوم التي تشل قدرة هذا التراث على الفعل الإيجابي في سياق العصر" (1).ويقول بكل استخفاف:"تصنيم التراث لم يقتصر على التراث، وإنما تعداه إلى سدنة التقليد، المتشدقين بصوت التراث وحمايته، لقد أصبح هؤلاء السدنة أعظم صنمية من مقولات التراث ذاتها" (2).
وقد ترتب على هذا الموقف السلبي من تراث الأمة دعوة خطيرة إلى التحرر من هذا التراث والانعتاق منه، وضرورة نقده بدعوى التجديد والاجتهاد كما ظهر ذلك جليا من خلال النقولات السابقة.
إن هذه الدعوة الخطيرة ترفع في ظاهرها شعارات خلابة كالتجديد والاجتهاد غير أنها تحمل في طياتها سما زعافا ورجسا قذرا فهي كما يقال: (كلمة حق أريد بها باطل)؛ ذلك أنها لم تؤسس في حقيقتها على تقوى من الله، ولا على هدى منه – جل وعلا -، ولك أن تبصر ذلك من خلال النقاط الآتية:
أنهم ينطلقون في حركة تجديدهم واجتهادهم من نظرة استعلائية ملؤها الغطرسة والغرور؛ حيث ينظرون إلى هذا التراث وأصحابه نظرة احتقار وازدراء كما تقدم معنا.
أنهم ينطلقون في حركة التصحيح والنقد من منهج تغريبي خارج عن تراث الأمة وقيمها الأصيلة.
أنهم يرمون من وراء ذلك إلى تمييع الدين، وإفراغه من معانيه الأصيلة وحقائقه الشرعية، وتطويعه بحيث يكون ملائما لأسيادهم الغربيين.
أنهم لا يملكون أدوات التجديد الاجتهاد الشرعية؛ إذ أنهم أجهل الناس بها، ومع ذلك تراهم عبر المجلات والجرائد والقنوات الفضائية ينعقون ويصيحون بضرورة هذا الأمر.
فدعواهم إذا بالتجديد والاجتهاد في هذا التراث لا تعدوا – في حقيقة الأمر – أن تكون إلا تحريفا وتخريبا وتدميرا لهذا التراث – عياذا بالله -.
الجانب الثاني: وصم هذا التراث بالتشدد والعنف والإقصاء واللا إنسانية، وأنه المنبع الأساسي للتفكير والتبديع والتضليل الظالم: يقول منصور النقيدان:"الجنون الذي نراه اليوم عرض من أعراض المرض، والعلة التي استشرت في جسد هذه الأمة وثقافتها، وهذه راجعة أساسا إلى تراث متعفن، وثقافة الصديد والضحالة التي يربى عليها أبناؤنا صباحا ومساء، في المساجد، وعبر خطب الجمعة، وفي دروس الدين، ومن إذاعة القرآن الكريم" (3).
تعليق:--------------------------------------------
(1) ((التجديد الإسلامي وخطاب ما بعد الهوية)) ((إسلام أون لاين)) ((الإسلام وقضايا العصر)) 23/ 2/2004م.
(2) ينظر إنتاج هذا الخطاب في بعض مطبوعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وموقع الملتقى الفكري للإبداع، ومجلة الاجتهاد والتجديد، وبعض المقالات في موقف إسلام أون لاين.
(3) ينظر كتاب ((العصرانيون)) (175 - 341).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)

فانظر – يا رعاك الله – كيف تكون الجرأة والتطاول أن يوصف تراث الأمة بالمتعفن!! ويقول محمد بن علي المحمود:"ثقافة الإرهاب المعلنة التي تدعو صراحة إلى التكفير والقتل تُشَرعن لذلك بطرح شرعي سلفي يتكئ على مقولات السلف واستدلالاتهم، والإعلام الذي يصدر التفجير والقتل – بجز الرؤوس – كل ذلك خدم الإرهاب الخفي الكامن في خطاب التطرف المتعاطف مع الإرهاب" (1).ويقول:"الإرهاب جزء من مكونات السلفية التي كانت ولا تزال تتغنى بقتل المعارضين بوصفهم زنادقة ومارقين وربما بوصفهم عقلانيين … " (2).
الجانب الثالث: وصم هذا التراث بعدم الموضوعية والانزواء عن الواقع، وأنه قائم على الخرافة والتنكر للعقل: يقول محمد المحمود: "إن النقد الحقيقي لا بد أن يفك البنية العامة للمناهج تلك البنية التي تكونت بفعل الوعي الجماهيري المتلبس بالخرافي والعاطفي". (3) عبد الله بن بجاد يرى أن الكرامات هي من قبيل الخرافات التي تنافي العقل. (4) ويقول: "ومما لا شك فيه أن ضخ هذا الكم الهائل من الرؤى التنويرية في المجتمع ساعد إلى حد كبير في مواجهة كتب الخرافة التي تبحث في عالم الأرواح والشياطين وأحوال الجان وثعابين القبور" (5)
الجانب الرابع: وصم هذا التراث متمثلا في كتاب الاعتقاد بأنها كتب تجسيم وتشبيه: يقول حسن المالكي: "وقد احتوت كتب العقائد ومن أبرزها كتب عقائد الحنابلة – على كثير من العيوب الكبيرة التي لا تزال تفتك بالأمة ولعل من أبرزها: التجسيم الصريح" (6)
الجانب الخامس: وصم هذا التراث بأنه نشأ نتيجة لدوافع وصراعات سياسية:
هكذا استبان لك أخي الكريم – بما لا يدع مجال للشك والريب – موقف الليبراليين السلبي المخزي من تراث الأمة ورموزها، ونحن هاهنا نعني بالأمة، وبخاصة في المجال العقدي والتشريعي، نعني (أهل السنة والجماعة) الذين هم على الامتداد الطبيعي للأمة الواحدة المجتمعة على عقيدة ومنهج واحد في زمن الرسالة، وذلك قبل نجوم الفرق والمسالك الضالة المنحرفة، فأهل السنة والجماعة هم المعبر الفعلي عن الأمة (الصحابة رضي الله عنهم وتراثهم هو الممثل الحقيقي لتراث الأمة، ذلك لأنه قائم على الأصول العلمية التي كان عليها الصحابة، رضي الله عنهم.--------------------------------------------
(1) انظر: ((الندوة المصري)) ((الفرنسية السادسة)) (الليبرالية الجديدة)) (ص259).
(2) انظر حول هذا الاتجاه: ((موقع التجديد العربي))، و ((إنتاج مركز دراسات الوحدة العربية)) وبرنامج "مشروع دراسات الديمقراطية ".
(3) وجد في تلك الفترة "حزب الأمة " وهو حزب ليبرالي متعاون مع الاحتلال، ويشابه الليبراليين الجدد هذه الأيام، و " الحزب الوطني " وهو حزب ليبرالي وطني يقف ضد الاحتلال، ويشابه موقف الليبرالية القومية، وكما وقع خلاف قديم بين الحزبين، فقد وقع خلاف بين هذين التيارين: انظر حول الحزبين: ((الاتجاهات الوطنية)) (1/ 94) وما بعدها، و (1/ 175) وما بعدها.
(4) ((من هم الليبراليين العرب الجدد، وما هو خطابهم؟)) - شاكر النابلسي – جريدة إيلاف الإلكترونية.
(5) انظر: ((من هم الليبراليين العرب الجدد، وما هو خطابهم؟))، وانظر: ((الفكر العربي في القرن العشرين)) (1950 – 2000) شاكر النابلسي -.
(6) انظر ((من هم الليبراليين العرب الجدد، وما هو خطابهم؟)) - شاكر النابلسي – جريدة إيلاف الإلكترونية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)

وهذا لا يعني بطبيعة الحال العصمة المطلقة والقداسة التامة لهذا التراث في الجانب الاجتهادي القابل للخطأ والصواب، فهذا غلو مذموم نرفضه بشدة ذلك بأن القائمين على هذا التراث مهما بلغوا من العلم والفضل فإنهم لا يزالون في دائرة البشرية ولم يخرجوا عن طوقها، وما دام الأمر كذلك، فإن هذا التراث لا يخلوا من وجود أخطاء وسقطات وهفوات تحتاج إلى حركة نقد وتصحيح، وهذا - ولله الحمد والمنة – موجود في علماء هذا التراث نفسه قديما وحديثا، فترى الواحد منهم يستدرك على الآخر، ويبين خطأه نصحا للأمة، وإبراءً للذمة، بل ترى العالم نفسه يستدرك على نفسه، ويصحح خطأها.
كذلك فإن من السمات البارزة لأهل السنة أن العصمة المطلقة ليست لأحد سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما زال علماؤنا الأخيار يرددون أن كلا يؤخذ من قوله ويترك مهما كانت منزلته ومهما بلغ علمه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.
وما زال أهل السنة والأثر من قديم الزمان وإلى عصرنا الحاضر يقومون بعملية النقد والتصحيح لهذا التراث في إطار النقد العلمي الذي يبني ولا يهدم وهاهي المكتبة الإسلامية تزخر بالمؤلفات الضخمة التي تشهد لهذه الحقيقة.
أما تراث أهل الانحراف والضلال كالفلاسفة والمعتزلة ومن دار في فلكهم فهو التراث الجدير حقا بالإبعاد والنفي عن تراث الأمة.
موقفهم من التاريخ الإسلامي: دأب الليبراليون على تشويه التاريخ الإسلامي، وشن حملات التزوير والتخريب عليه ولم تقف هذه الحملات الضارية على عصر دون عصر بل امتدت لتشمل كافة العصور الإسلامية حتى إن الصفحات المشرقة في تاريخنا لم تسلم من ذلك (1).
أقوالهم في هذا الجانب:
خالص جلبي يعلنها حربا شعواء على العصر الإسلامي في زمن بني أمية يقول: "هناك حزمة أمراض ثقافية تبلغ العشرة منها: أن العالم العربي ما زال يحكم بسيف معاوية، بعد انطفاء الوهج الراشدي … وأن الثقافة العربية تستحم بالعنف منذ المصادرة الأموية، وتوديع حياة الراشد، واعتناق حياة الغي، وتفش روح الغدر والقتل والانقلابات والتآمر، فليس بعد الرشد إلا الغي" (2).
وانظر- يا رعاك الله – كيف يتهجم خالص جلبي على الفتوحات الإسلامية بكل شناعة وفظاعة، ويشبهها بالجرائم اليهودية يقول: "إن السلطان محمد الفاتح، وفتح المدينة (القسطنطينية) يذكر بشارون وهو يريد احتلال القدس، وطرد أهلها منها. وبغض النظر عن فظاعات الفتح، وحجم النهب والسلب، والاغتصاب على يد الانكشارية، فإن أول ما فعله (محمد الفاتح) أن وضع يده على أقدس مقدساتهم: أياصوفيا، تلك التحفة التاريخية، ليحولها إلى مسجد، لم يكن هذا الفتح انتشاراً على منهج النبوة، بل اجتياحا عسكريا .... ونسميه إسلامياً؟!! " (3).

‌‌المصدر:التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 76--------------------------------------------
(1) ((من هم الليبراليين العرب الجدد، وما هو خطابهم؟)) - شاكر النابلسي – جريدة إيلاف الإلكترونية.
(2) انظر ((من هم الليبراليين العرب الجدد، وما هو خطابهم؟)) - شاكر النابلسي – جريدة إيلاف الإلكترونية.
(3) إنتاج هذا التيار موجود في: ((جريدة إيلاف الإلكترونية وموقع الحوار المتمدن))، و ((صحيفة الشرق الأوسط))، و ((صحيفة الأحداث المغربية))، و ((صحيفة السياسة الكويتية))، و ((صحيفة الاتحاد الإماراتية))، وفي كتابات: شاكر النابلسي، و ((العفيف الأخضر))، وإحسان الطرابلسي، ومأمون فندي، وفؤاد عجمي، وكنعان مكية، وغيرهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)

‌‌المعلم الرابع الموقف من الغرب عموما
المتأمل في مقالات هؤلاء الليبراليين، يجد أنهم مفتونون غاية الافتتان بالقيم الغربية والحرية حسب المفهوم الغربي وحدث والألم يعتصر قلبك عن إعجابهم شبه المطلق بالغرب بشكل عام، ووضعه مقياسا للحضارة والتقدم وحقوق الإنسان، ولنا أن نبرز موقفهم من الغرب، كما يلي:
تقديم حسن الظن بهم، وأنهم لا يكيدون للإسلام ولا أهله وأن المتدينين يعيشون عقدة المؤامرة.
اتهام المسلمين بأنهم سبب العداء الذي يعيشه العالم الإسلامي مع الغرب: يقول البليهي: "المحيط الحقيقي هو أن نزكي أنفسنا ونحن بهذا الوضع السيئ، العرب والمسلمون الآن أضحوكة في العالم، يعني ونحن كنا أضحوكة، ولا يهتم لنا أحد، لكننا الآن أصبحنا نعلن لهم أننا نبدع في قطع الرءوس ونبدع في القتل، وفي التفجير يعني هذا أقصى ما نستطيع أن نبدع فيه، وهذه معضلة كبرى يعني أصبحنا لسنا فقط عبئا على أنفسنا، وإنما أصبحنا عبئاً على العالم … أنا أعتقد أن العالم كله يتقهقر بسبب أفعالنا يعني مثلا البلدان الغربية البلدان الديمقراطية أمريكا وأوروبا وبريطانيا وغيرها يعني أصبحت تعدل أنظمتها بما يقيد الحريات" (1).
الدعوة إلى عدم المواجهة والمقاومة واتخاذ السبل السياسية والنقد اللاذع لمن يدعوا لمقاومة المحتل.
الانبهار بالحضارة الغربية والإشادة بأصحابها. يقول خالص جلبي: "يجب أن نحزن لحزن أمريكا لأن فشلها فشل لكل الجنس البشري، ولأنها تمثل طليعة الجنس البشري" (2).
ويقول مشيداً بالعدوان السافر على المسلمين في أفغانستان من قبل أمريكا:"والطالبان كانت دولة إسلامية تحكم بالشريعة، فقطعت الرءوس والأطراف، ووأدت المرأة، ونفت العقل إلى المجهول، ودمرت آثاراً إنسانية بدعوى الأصنام، فانتقمت أمريكا لبوذا، فدمرت الطالبان تدميرًا" (3).ويقول محمد بن علي المحمود في معرض انبهاره بالعالم الغربي: "لقد كان العالم المتحضر يعاملنا باحترام، حتى ضربناه في عقر داره، قبل اليوم وفي المملكة المتحدة (بريطانيا) التي أشرق منها نور الحضارة المعاصرة، حيث شق الهدى (هدى الحضارة الإنسانية) أكمامه، وتهادى موكبا دون موكب .... " (4).ويمضي المغرور بزيف ذلك العالم في تصوره الأعمى قائلا: "لا جدال في أن الولايات المتحدة وبريطانيا، هما الدولتان الأكثر تعبيرًا عن قيم العالم المتحضر وعن حضارته وأنهما – والعالم الغربي (أوروبا الغربية وأمريكا) من ورائهما – التجلي الأكبر لاتجاهات الليبرالية العالمية التي صنعت هذا العالم المتحضر، وكان لها - أي الليبرالية – الفضل الكبير في مناعته ضد الانهيار" (5).ولك أن تتصور أخي القارئ كم هم القوم مفتنون بالحضارة الغربية، منبهرون بمكتشفاتها العلمية!! حينما تطالع هذا النص للكاتب نفسه (محمد المحمود): "لقد كانت الحضارة الغربية – إبان لحظة اللقاء – معجزة إنسانية لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، بل لم يوجد ما يقاربها، ولو في أدنى مستوياتها البدائية التي أفرزتها فترات الإصلاح الديني" (6).

‌‌المصدر:التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 89--------------------------------------------
(1) ((الاستقامة)) (2/ 157) لابن تيمية.
(2) ((لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضيئة في عقيدة الفرقة المرضية)) للسفاريني (1/ 105).
(3) انظر ((الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين)) لسعد بن عيضه الزهراني (1/ 44، 46)
(4) ((المغني)) (12/ 497) لابن قدامة.
(5) ((المغني)) (12/ 497) لابن قدامة.
(6) رواه البخاري (2766) ومسلم (89).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)

‌‌معالم متفرقة القدح في أئمة السلف والزعم بأنهم سبب رئيس للغلو والتكفير عبد الله بن بجاد في مقال له بعنوان: "الذاكرة التراثية العوراء" يطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ويتهمه بالتناقض، حيث يقول: "ويقال لمن خرج عن موجب الإنسانية في الأخلاق ونحوها: هذا ليس بآدمي ولا إنسان، ما فيه إنسانية ..... (1).
وانظر - يا رعاك الله – إلى منصور النقيدان كيف يتهجم بأسلوب ساخر مقذع على أئمة الإسلام من حيث اتهامهم بالتناقض والقلق وهو في الحقيقة أولى الناس بهذه الصفات؟!:قال: "إنه نشر مقالا عن محنة خلق القرآن، قال وذكرت فيه الموقف المتناقض لأحمد بن حنبل كيف كفر ابن أبي دؤاد، وتغاضى عن المأمون. اهـ. وقال في إحدى الإجابات: وما قرأت ما قاله أحمد بن حنبل لعبد الرحمن بن ميمون: إياك أن تقول بمسألة ليس لك فيها إمام"، ما قرأته إلا قلت، يا حسرة على العقول. ا. هـ. (2).وقال عن ابن تيمية – رحمه الله – في إحدى الإجابات: "وابن تيمية نفسه من الشخصيات القلقة التي عرفها تراثنا الفكري والديني" (3).ثم قال: "وإن هناك آثارا ومظاهر أزمة روحية كانت تلم به" ا. هـ. (4).
إنكار قضية سد الذرائع، والتشنيع على من يقررها من المتقدمين والمتأخرين من أهل العلم.
الهجوم على مناهج التعليم الشرعية في السعودية: شن الكاتب الليبرالي (محمد بن علي المحمود) هجوما ضاريا على المقررات الشرعية في المنهج التعليمي في المملكة، وذلك في مقال طويل له بعنوان "مفهوم التسامح، 2 - 2" (5).
دعوتهم للحرية بمفهومها المنحرف: يقول منصور النقيدان: "أعتقد أن الحل يمكن في أن يكون هناك حرية، وأن يطرح الجميع ما لديهم" (6).
نقد الثوابت والتشكيك فيها:
مارس أرباب هذا الفكر وأساطينه أساليب متنوعة، واتخذوا طرائق متعددة، لهدم الأصول، وهز الثوابت، والتشكيك بالمسلمات تحت مظلة (العلمية والموضوعية، والتجرد، والحيادية، والنقد الذاتي، والتصحيح والنصيحة، والإنصاف والعدل) ، وبدعوى (نسبية الحقيقة) وعدم امتلاك أحد للحقيقة المطلقة.
إذاً فما هي الثوابت، وماذا يراد بها؟ وما مجالها؟ وهل هي ميدان فسيح يصلح للتطوير أو الاجتهاد؟ الثوابت هي: القطعيات ومواضع الإجماع التي أقام الله بها الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم والتي لا يحل فيها الاختلاف، ويضاف إلى ذلك بعض الاختيارات العلمية الراجحة التي تمثل مخالفتها نوعا من الشذوذ أو الزلل" (7).قال الشافعي رحمه الله: "كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بينا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه" (8).--------------------------------------------
(1) ((الجامع لأحكام القرآن)) (10/ 293).
(2) ((الموافقات)) (3/ 27) للشاطبي.
(3) رواه البخاري (7352) ومسلم (1716).
(4) ((العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون)) (29،30) لعلي بن حسن عبد الحميد.
(5) ((جريدة الرياض)) العدد (10349) بتاريخ: 24/ 10/ 1996م.
(6) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (6/ 209) ((البداية والنهاية)) (5/ 96) لابن كثير ((الوافي بالوفيات)) (6/ 11).
(7) انظر: ((الرسل والرسالات)): (ص- 43،55) للدكتور عمر سليمان الأشقر.
(8) انظر ((موقع قناة العربية)) ، برنامج إضاءات، بتاريخ: 22/ 12/2004م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)

وهي التي يسميها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الشرع المنزل وهو ما شرعه الله ورسوله من الأقوال والأعمال مما ليس للاجتهاد فيه مجال. وحقيقته: اتباع الرسول والدخول تحت طاعته، واتباع هذا الشرع واجب، وليس لأحد إلا التسليم والإذعان كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا [الأحزاب:36].
وقال جل وعلا: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:65] ....... ومجال هذه الثوابت إنما يكون في كليات الشريعة ومسائل العقيدة وأصول الفرائض وأصول المحرمات وأصول الفضائل والأخلاق، وأبرز ميادينها: العقائد والعبادات والأخلاق وأصول المعاملات (1).
وتأسيسا على هذه المعرفة الكلية الواضحة لمصطلح الثوابت، وانطلاقا من تحديد مجالات الثوابت وميادينها نأتي الآن لذكر الشواهد والأمثلة الكلية والجزئية من كتابات العصرانيين التي توضح للقارئ الكريم حجم التشكيك والنقد الذي طال الثوابت من جهتهم وهم يعبرون عنها تارة بالمسلمات، وتارة بالحتميات، وتارة بالمعرفة الأولى .. إلخ، وهي دعوة خطيرة تكشف عن حقيقة ما يطرحونه من فكر.
ذكر الشواهد والأمثلة الكلية العامة:
أ- خالص جلبي يدعو إلى أن يتجاوز العقل نطاق الثوابت الدينية ويقفز عليها، فيقول: "المواطن العربي اليوم محاصر في مثلث من المحرمات، بين الدين والسياسة والجنس، كل ضلع فيه يمثل حاجزا شاهقا لا يستطيع أفضل حصان عربي شيق، أن يقفز إلا بالقفز إلى الإعدام، فأما حائط الدين يطل مفهوم الردة، وأما جدار السياسة يبرز مصطلح الخيانة. وعند حافة الجنس تشع كل ألوان الحرام والعيب، فالعقل مصادر ومؤمم وملغى حتى إشعار آخر" ثم يدعو إلى ثورة عقلية: "لا بد من تدريب عقولنا على النقاش والجدل، وذلك بفتح طرقا عصبية رائدة، فالعقل النقدي حي والعقل النقلي ميت" (2).
ب- المحمود يشن هجوما ضاريا على الثوابت تحت مسمى (الحتميات):يقول: "لا أريد أن أتحيز إلى تهميش الحتميات، بقدر ما أريد التأكيد على قدرة الإرادة الإنسانية على تجاوزها والتحرر منها مع الإقرار بنسبية هذا التحرر منها تحقيقا لتحرر الإرادة الإنسانية مما سوى الإنساني … " (3).
ج- يوسف أبا الخيل ينتقد الثوابت تحت مسمى (النظام المعرفي) ويدعو إلى فتح مجال الشك أمام العقل الناقد بدعوى (نسبية الحقيقة):هـ - يقول عبد الله بن بجاد العتيبي: "إذا فلا بد كمنطلق لعملية التنوير والإصلاح أن يدخل الشك في آلية العقل العربي الإسلامي الحالي أن يشك في قضية جوهرية وهي هل هو قادر على العمل الآن؟ هل آلياته ومناهجه ومنظومته المعرفية صالحة للتعامل مع الزمن الراهن" (4).و- يقول مشاري الزايدي في مقال له بعنوان: "وصية الغامدي: انج سعد .. فقد هلك سعيد: ولذلك فإن الحديث الذي لا معنى له عن حماية الثوابت، إن هو إلا فرضية ترفية لا تملك وجودًا حقيقيا في دنيا النقد التاريخي كثير من المفاهيم حورت، وشذبت، وتعرضت لإعادة تعبئة، طبقاً للمتغيرات الموضوعية، الإنسان هو من ينتج الفكر، وليس الفكر من يصنع الإنسان، حتى وإن توهم العقائديون الأشداء ذلك! " (5).

‌‌المصدر:التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 100--------------------------------------------
(1) ((جريدة الرياض)) الخميس25 ربيع الآخر 1426هـ، 2 يونيو 2005م، العدد: 13492.
(2) انظر ((مجموع الفتاوى)) (5/ 551).
(3) انظر ((الصواعق المرسلة)) (2/ 633، 793) لابن قيم الجوزية.
(4) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (2/ 98).
(5) ((جريدة الرياض)) ، بتاريخ: السبت 18 ذي القعدة 1427هـ 9ديسمبر 2006م، العدد 14047.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)

‌‌ثامن عشر: آثار وأخطار الفكر الليبرالي على المسلمين
هل الليبراليون يملكون مشروعا جادا وحقيقيا للنهضة؟
وهل لديهم رؤية ناضجة للإصلاح؟
الواقع الذي لا مراء فيه: أن غاية ما عند هؤلاء الليبراليين هو مسخ هوية المجتمع والانقلاب على الذات وتلميع الفكر الغربي، واستنساخه بدون وعي أو صدق مع الذات أو مع المجتمع!
وأحسب أن هذا التيار المنحرف ليس له جذور عميقة في المجتمع، وليس له امتداد أو قبول شعبي، لكن خطورته تكمن في أن بعض وسائل الإعلام المحلية والإقليمية صدرت رموزه، وجعلت منهم مفكرين إسلاميين، وخبراء في الحركات الإسلامية، وصناع للرأي العام!
وفيما يلي بعض آثار ومخاطر الفكر الليبرالي على المسلمين:
أولا: الآثار العقدية:
التشكيك في العقيدة الصحيحة وزعزعة الثقة بها، بمختلف الأسباب والطرق الملتوية الخبيثة، مما يؤدي عياذا بالله إلى انصراف الناس وعزوفهم عنها.
القطيعة التامة مع مصادر التلقي والاستدلال عند المسلمين والتزهيد، بل التشويه المتعمد للتراث الإسلامي عقيدة وشريعة.
إحياء التراث الفلسفي والمعتزلي، وتقريبه للناس في قالب جميل مزخرف مما يؤدي عياذا بالله إلى تقبل هذا التراث المنحرف في ظل الجهل الذي يخيم على كثير من الناس.
الهزيمة النفسية أمام الأعداء التي يريدون أن يغرسوها في أفراد الأمة شاءوا أم أبوا من خلال أمور عدة منها:
بهدم حاجز الولاء والبراء.
إلغاء الجهاد.
الترويج بأن المسلمين متخلفون، ولا يمكن أن يتقدموا أبدا والانبهار بالغرب رغم تراجع الحضارة الغربية والتنبؤات من قبل منظريهم بزوالها.
إفساح المجال أمام التيارات المنحرفة الزائغة، بدعوى حرية الرأي والانفتاح على الآخر.
الارتماء في أحضان الأعداء وتقليدهم، وتقبل الغزو الفكري بحجة صحة هذه الأديان وأن ما عندهم لا يخالف صراحة ما عندنا.
نشر ثقافة تقبل الآخر ولو كان ملحدا، وضياع ما أسماه العلماء بحفظ الضرورات الخمس وعلى رأسها (حفظ الدين).
ثانياً: الآثار التربوية والأخلاقية والاجتماعية:
إفساد المرأة المسلمة، وجعلها دمية يتلاعب بها المنحرفون سلوكيا وأخلاقيا.
طمس معالم الأخلاق الإسلامية، وذلك عن طريق الانحلال والتفسخ الأخلاقي، فلقد فتح هذا الفكر الباب على مصراعيه لدعاة التغريب بحيث لو طبقت المجتمعات كل ما يرونه ويؤصلونه لأصبحت مجتمعات منحلة لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا.
فها هو خالص جلبي يدعو إلى هذا التهتك والسفور بطريقة مثيرة للدهشة والاستغراب!! ،
يقول: "عند سكان أستراليا الأصليين، تتدلى أثداء النساء بدون أن تثير الفتنة. وفي كهوف الفلبين، يعيش الناس رجالا ونساءً مع أطفالهم في عري كامل، فلا يصيح واعظهم أن هذا مخل بالأخلاق!! وبالمقابل فإن كشف (يد) امرأة متلفعة بالسواد من مفرق رأسها حتى أخمص القدم في بعض المناطق من العالم العربي، يثير الشهوة عند رجال يعيشون في حالة هلوسة جنسية عن عالم المرأة" (1).
إماتة وإضعاف جانب الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.--------------------------------------------
(1) كتاب ((الرياض الإلكتروني حروف وأفكار)): (ص17) لمحمد بن علي المحمود في مقال له بعنوان (التقليد والتوثين) ، وقد نشر في جريدة الرياض بتاريخ: 1/ 9/2005م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)

ثالثاً: الآثار السياسية: إقصاء الشريعة عن الحكم وعزلها عن الحياة، وحصرها في نطاق المسجد والعبادات الشخصية، وهو ما يعرف بـ (العلمانية) أو اللادينية فالدعوة الليبرالية في حقيقتها هي العلمانية، وإن وجد فاصل بينهم فهو رقيق جدا وكأنهما وجهان لعملة واحدة واسمان لمسمى واحد. (1).يقول عادل الطريفي: "إن حاجة كثير من البشر للإيمان بالدين هي في إعطائهم معنى روحيا لحياتهم، ولكن بعد ذلك تصبح الأديان غير قادرة على التدخل في تحديد النظم الحياتية للبشر، إنها تفيد في قيادة أخلاق الناس وتوجيههم الوجهة الروحية المطمئنة، ولكنها تخرج عن دورها المطلوب إذا فرضت شروطها على مواضعات البشر السياسية والاقتصادية والاجتماعية" (2).ويقول يوسف أبا الخيل: "الإسلام بصفائه الأول كما نزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يفرق تماما بين الناحية الروحية والناحية الاجتماعية بكافة ما تشتمل عليه من سياسة واقتصاد وتربية وتعليم وصناعة إلخ، الأولى تنظمها النصوص الصحيحة صحة قطعية ثبوتا ودلالة، أما الثانية فمتروك شأنها للعقل البشري ليرى فيها ما يشاء وفق مصالح الجماعة الراهنة المتأثرة بالمتغيرات الزمانية والمكانية، وهذه هي الحداثة بعينها بغض النظر تماما عما اصطحبته الممارسات التاريخية الاجتماعية منها والسياسية معها من تراث بشري خلط الروحي بالدنيوي والسياسي بالديني تبعاً لإملاءات أيديولوجية مختلفة" (3).
الولاء للفكر الغربي، والاستقواء بالأجنبي.

‌‌المصدر:التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص 135--------------------------------------------
(1) في مقال له بعنوان (المرأة … من الأيدلوجيا إلى الإنسان) نشر في ((جريدة الرياض)) ، بتاريخ: الخميس 24 المحرم 1427هـ فبراير 2006م، العدد 13758.
(2) في مقال له بعنوان (الإنسانية والطائفية: صراع الأضداد) نشر في ((جريدة الرياض)) ، بتاريخ: الأحد 20 المحرم 1427هـ فبراير 2006م، العدد 13754.
(3) في مقال له بعنوان (فلسفة الولاء والبراء في الإسلام) نشر في جريدة الرياض، بتاريخ: الثلاثاء 20 جمادى الآخرة 1426هـ يوليو 2005م، العدد 13546.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)

‌‌تاسع عشر: الحكم الشرعي في الليبرالية
الليبرالية – كما سبق – فكرة غربية مستوردة، وليست من إنتاج المسلمين، وهي تنفي ارتباطها بالأديان كلها، وتعتبر كافة الأديان قيودا ثقيلة على الحريات لابد من التخلص منها.
وقد تقدم الكلام حول حقيقتها، وتصورها لمفهوم الحرية، ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الليبرالية مناقضة للإسلام في أصوله ومنهجه وأخلاقه وقيمه.
ومحاولة التوفيق بين " الليبرالية " و " الإسلام " هي تغيير لمفهوم كل واحد منهما، وتبديل لمعناه يخرجه عن حقيقته إلى مفهوم مشوه، وصورة غير صحيحة لكل منهما.
ومن البديهي أن نقول: إن فلاسفة الليبرالية ومفكريها الذين وضعوا أصولها في فترات مختلفة قد شكلوها خارج إطار الأديان جميعا، ولم يدعي أحد منهم ارتباطها بدين من الأديان ولو كان دينا محرفا.
ومع هذا الوضوح يبقى من يصر من المسلمين على أنه بالإمكان الجمع بين منهج مادي يرفض قيود الأديان، ومنهج الإسلام الرباني، ولهذا سنبين بما لا يدع مجالا للشك أن الليبرالية تعني في الإسلام ألوانا متعددة من الكفر والشرك المناقض لحقيقته، وأشكالا مختلفة تنافي أخلاقه وقيمه الكريمة.
أولا: نواقض الإيمان في الليبرالية:
إن دارس الليبرالية يجد أنها دعوة إلى الإلحاد ورفض الأديان حيث لا تعترف بهيمنة الدين على الحياة الإنسانية، فقد نمت هذه الفكرة في أجواء رافضة للدين، ومعترضة عليه، وهي تريد أن تعطي الإنسان حريته المطلقة بالتحلل من قيود الأديان والقيم والأخلاق، فأساس الفكرة قائم على تعظيم العقل الإنساني وماديته، ولهذا ارتبطت عبارة " الفكر الحر" في كتابات الغربيين بالإلحاد والرفض للدين والقيم وعليه فإن الليبرالية لا تتفق مع الإسلام.
وفي هذه الفقرة سأذكر بعضا من أنواع الكفر والشرك الواقعة في الليبرالية، ليتبين من خلالها الحكم الشرعي في الليبرالية:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)

كفر الاستحلال: الاستحلال معناه: أن يعتقد في المحرمات أنها مباحة، ويجوز فعلها مع علمه بأن الله تعالى حرمها (1)، وقد أجمع العلماء على أن المستحل لما حرمه الله تعالى مما هو معلوم من الدين بالضرورة ومتواتر فهو كافر خارج عن دين الإسلام (2)، يقول القاضي " عياض ": " وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة، وبعض غلاة المتصوفة" (3) ........ وضابط الأمر المستحل هو أن يكون أمرا ظاهرا متواترا لا يوجد فيه خلاف ولا شبهة مثل تحريم الزنا والربا وأكل الخنزير وغيرها (4).وسبب كفر المستحل التكذيب أو العناد، فإن اعتقاد إباحة أمر محرم يدل على تكذيبه لمن حرمه أو عناده له، وكلاهما مناقض لحقيقة الإيمان (5).فلا يشترط لتكفير المستحل أن يصرح بالتكذيب أو يعتقده، لأن الجحود في حد ذاته كفر ينقل عن الملة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالفواحش والظلم، والخمر والميسر، والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح. فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل " (6).
وهذا النوع من الكفر موجود في الليبرالية، لأن من مفاهيم الليبرالية المتعلقة بالحرية " منع التحريم "، أو " منع المنع "، فلا يمكن أن يجتمع الفكر الليبرالي مع التحريم الإلهي المقيد لحرية الفرد، كما يقول جون مل: " إن التحريم يمس حرية الفرد لأنه يفترض الفرد لا يعرف مصلحة نفسه " ومن بديهيات الليبرالية " إباحة الزنا "، وهي إباحة عقائدية، وليست مجرد ممارسات عملية، ولا يمكن أن يكون الرجل ليبراليا وهو يعتقد تحريم الربا، والبيوع المنهي عنها لأن هذا يتعارض مع حرية التجارة والاقتصاد، كما أنه لا يمكن أن يكون ليبراليا وهو يعتقد تحريم الزنا والتبرج والشذوذ الجنسي لأن هذا يناقض الحرية الشخصية.
والليبرالية مذهب فكري يحدد للفرد الممنوع واللازم قبل أن يكون ممارسة عملية، فهو اعتقاد وتصور واع لسائر أنماط الحياة البشرية.
كفر الشك:
الشك هو عدم اليقين، والتردد بين شيئين، وعدم القطع بالصحة أو البطلان، أو الخطأ أو الصواب، ونحو ذلك، وعدم وجود القطع واليقين هو من الريب والشك.--------------------------------------------
(1) ((فقدان التوازن الاجتماعي)): (ص- 27) لجودت سعيد.
(2) ((مجلة الشرق الأوسط)) العدد (8324) في 12/ 9/2001م.
(3) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص 17) لمحمد بن علي المحمود، في مقال له بعنوان (التقليد والتوثين) ، وقد نشر في جريدة الرياض بتاريخ: 1/ 9/2005م.
(4) في مقال له بعنوان: (المستقبل لهذا الإنسان) ، نشر بتاريخ: الخميس 16 صفر 1427هـ 16 مارس 2006م، العدد 13779.
(5) في مقال له بعنوان: (المستقبل لهذا الإنسان) ، نشر بتاريخ: الخميس 16 صفر 1427هـ 16 مارس 2006م، العدد 13779.
(6) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص- 26) لمحمد بن علي المحمود.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)

ومن أساسيات الإسلام وجود اليقين في التوحيد والإيمان، فالتوحيد والإيمان لا يغني فيه إلا اليقين الجازم، ولهذا عده العلماء شرطا أساسيا من شروط لا إله إلا الله. يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15]، فاشترط في صحة إيمانهم عدم الريبة، وهي الشك والظن (1)، ولهذا جاء الشك والريب وصفا للمنافقين فقال تعالى: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة: 45]، ولقد جاء في الحديث: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)) (2). وجاء في حديث أبي هريرة مرفوعا: ((من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة)) (3). " فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط" (4).
....... والفكر الليبرالي لا يعتقد عقائد جازمة غير حق الفرد في الحرية الفردية مهما توصل له من أفكار وعقائد وآراء، فهو لا يملك عقيدة يقينية محددة، لأن كل عقيدة قابلة للتغيير، ومن حق الآخر أن يعتقد خلافها، وهذا الفكر لا يملك جوابا محددا على أوضح الأمور مثل وجود الله تعالى وربوبيته، لأن المنهج السيال الذي يعتمد عليه يجعل كل أمر قابل للصواب أو الخطأ، وربما أوصلت المنهجية الليبرالية إلى عقائد متناقضة.
وبهذا يتبين أن الليبرالية تصحح العقائد المتناقضة، والأفكار المتعارضة، ولا تجزم بحقيقة عقدية، وتبني قاعدة " قولي صواب يحتمل الخطأ، وقولك خطأ يحتمل الصواب "، وتجعل ذلك قاعدة عامة في أصول العقائد وسائر الأديان. فالمنتسب للإسلام منهم يعتقد أن إسلامه صحيح يحتمل الخطأ، وعقيدة الآخر (الكافر) خطأ يحتمل الصواب، ويرفضون الجزم العقائدي في جانب الصحة أو البطلان (5). وهذا هو الشك بعينه.--------------------------------------------
(1) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص- 14) لمحمد بن علي المحمود.
(2) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص- 14) لمحمد بن علي المحمود.
(3) انظر موقعه على الشبكة العنكبوتية.
(4) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص- 29) لمحمد بن علي المحمود، في مقال له بعنوان (قنوات الدعاية للإرهاب) وقد نشر في جريدة الرياض بتاريخ: 6/ 10/2005م.
(5) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص- 44) لمحمد بن علي المحمود، في مقال له بعنوان (مفهوم التسامح) (2/ 2).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

كفر الإباء والامتناع: حقيقة الإباء والامتناع هي عدم الانقياد والاستسلام لأمر الله تعالى وشرعه، ومن المعلوم أن الإيمان يتضمن أخبار تقتضي التصديق، وأوامر تقتضي الانقياد والتسليم، ومناقضة التصديق يكون بالتكذيب، ومناقضة الانقياد والتسليم يكون بالإباء والامتناع (1).وقد ينضاف إلى الإباء والامتناع " الاستكبار " مثل كفر إبليس وفرعون واليهود (2)، وقد يكون الإباء والامتناع دون " استكبار" (3).وقد قرر أهل العلم أن الطائفة الممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب قتالها، وأجمعوا على ذلك، كما فعل الصحابة مع الممتنعين عن أداء الزكاة، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن الطائفة الممتنعة إذا قاتلهم الإمام على ذلك فقاتلوه فهم كفار وليسوا بغاة (4).
...... ولا ريب أن الفكر الليبرالي يؤسس للامتناع عن شرائع الإسلام في مجال السياسة والاقتصاد، ولهذا تكونت الدول الليبرالية بعيدة كل البعد عن شرائع الإسلام في نظمها السياسية والاقتصادية.
ومن ذلك امتناع الدول الليبرالية من تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية، وكذلك الامتناع عن تحريم الربا في البنوك والمؤسسات المالية، وهكذا.
الحكم بغير ما أنزل الله: والمراد هنا: تشريع القوانين الوضعية المضادة لشريعة الله أو استحلال الحكم بغير ما أنزل الله (5) – وقد تقدم الكلام في الاستحلال -، وليس المعنى في هذه الفقرة: القاضي الملتزم بتحكيم الشرع ثم يحكم بهواه وشهوته دون تغيير أو تبديل للأحكام.
والتشريع حق خاص لله تعالى، وهو الأمر الشرعي في قوله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: 54]، ومن نصب نفسه مشرعا من دون الله تعالى فقد نازع الله في ربوبيته كما قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]، وحقيقة فعلهم أنهم أحلوا الحرام، وحرموا الحلال فاتبعوهم على ذلك.
وقد أوجب الله تعالى الحكم بشريعته، وجعله من العبادة فقال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ إِيَّاهُ [يوسف:40]، وقال: إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام: 57] وبين خطورة الإعراض عن الحكم بالشريعة فقال تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]--------------------------------------------
(1) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص 32) لمحمد بن علي المحمود، في مقال له بعنوان (من حديث المناهج: المرأة والحجاب)
(2) في مقال بعنوان: (هيمنة الخرافة) ، جريدة الرياض: الاثنين: 10 رجب 1426هـ 15 أغسطس 2005م، العدد 13566.
(3) كتاب الرياض الإلكتروني ((حروف وأفكار)) (ص 25) لمحمد بن علي المحمود، في مقال له بعنوان (من حديث المناهج: المرأة والحجاب)
(4) ((قراءة في كتب العقائد)): (ص- 96)
(5) انظر ((المدرسة العصرانية في نزعتها المادية)) (433 ،482)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

وقال تعالى أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ [آل عمران:23] وقال تعالى أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً [النساء: 51]، والكفر الأكبر في الحكم بغير ما أنزل الله ثلاثة أنواع (1):الأول: استحلال الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا أمر متفق عليه، ويدخل فيه: جحد أحقية حكم الله ورسوله، أو اعتقاد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، أو اعتقده مثله، أو اعتقد جواز الحكم بما يخالفه، أو اعتقد أن حكم الله ورسوله لا يصلح للتطبيق في زمن الحداثة، أو أنه سبب التخلف، أو أن الإسلام لا يتضمن منهجا للحكم، لأن الدين علاقة روحية بين العبد وربه، ونحو ذلك من العقائد المرتبطة بالاستحلال (2).
الثاني: التشريع المخالف لشرع الله تعالى، ويكون ذلك بتبديل الأحكام وتغييرها، وهذا ما يحصل في الأنظمة الديمقراطية حيث يرون أن المشرع هو الشعب.
يقول الشيخ " محمد بن إبراهيم آل الشيخ " عن هذا النوع: " وهو أعظمها وأشملها، وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية: إعدادا وإمدادا وإرصادا، وتأصيلا وتفريعا، وتشكيلا وتنويعا، وحكما وإلزاما، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة" (3).
ويدخل في هذا من جعل لنفسه حق التشريع، أو وضع نظاما وضعيا يحكم به غير الشريعة الإسلامية. الثالث: طاعة المبدلين مع علمهم أنهم خالفوا شريعة الله وحكمه (4).
والليبرالية هي عبارة عن اجتماع لهذه الأنواع المكفرة جميعا، لأنها تستحل الحكم بغير ما أنزل الله، وتعتبر أن من حق الفرد أن يشرع لنفسه ما يعتقد أنه الأصلح له، ولهذا فإن النظام السياسي المبني على الفكرة الليبرالية هو النظام الديمقراطي، وهو نظام يعتمد على أن الشعب هو مصدر التشريع الوحيد، وأن الدين لا دخل له في الحكم فهو مجرد علاقة روحية بين العبد وربه.
وكل من تصور الليبرالية، وعرف حقيقتها فإنه يجزم أنها لا تعترف بحكم الله، ولا تقر بشريعته، وترى أن الحرية الإنسانية كافية في إصدار التشريعات دون الرجوع إلى جهة إلهية خارج نطاق العقل الإنساني.--------------------------------------------
(1) جريدة الرياض، العدد (10692) ، في الأول من جمادى الآخرة 1418هـ
(2) جريدة الشرق الأوسط (العدد 8310) بعنوان: (لا إكراه في السياسة) ، بتاريخ: 29/ 8/2001م، ومن هنا لا تعجب أخي القارئ أن تفتح الصحف العميلة المشبوهة الأبواب على مصراعيها لأمثال هذا المهزوم المخذول.
(3) انظر موقعه على الشبكة العنكبوتية.
(4) ((جريدة الاقتصادية)) ، العدد (173) في: 4/ 2/2003م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)