Arabic source text

📘 মাওসুআতুল মাজাহিবিল ফিকরিয়্যাতিল মুআসিরাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসুআতুল মাজাহিবিল ফিকরিয়্যাতিল মুআসিরাহ (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌سادسا: الانتشار ومواقع النفوذ
يوجد كثير من الشباب العربي ومن المفكرين العرب الذين يحملون هذا الفكر، كما توجد عدة أحزاب قومية منتشرة في البلاد العربية مثل حركة الوحدة الشعبية في تونس، وحزب البعث بشقيه في العراق وسوريا، وبقايا الناصريين في مصر وبلاد الشام، وفي ليبيا.
· كثير من الحكام يتبارون في ادعاء القومية وكل منهم يفتخر بأنه رائد القومية العربية ويدعي أنه الأجدر بزعامتها!
يلاحظ أن الفكر القومي الآن هو في حالة تراجع وانحسار.

‌‌المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

‌‌سابعا: كيف تسربت دعوى القومية إلى البلدان العربية والإسلامية؟
البلدان العربية والإسلامية أعزها الله بالإسلام الذي يجعل أتباعه كالجسد الواحد. وقد عاش المسلمون ردحا من الزمن ما كانوا يعيرون القومية الجاهلية أدنى اهتمام سواءً كانوا حكاما أو محكومين. إلى أن بدأ المسلمون في الضعف والتقهقر فنفذ أعداء الإسلام مخططاتهم بتفريقهم على أيدي القوميين وحينئذ مدوا أيديهم إلى فتات الغرب القذر. فإذا بهم أمام القوميات فدخلها الكثير من أوسع أبوابها مصدقين الدعايات الغربية أنها ثقافة وعلم مادي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه من التقدم والرقي. بزعمهم ولم يفطن إلا القليل جدا إلى خطر القوميات وأبى الكثير بسبب ما كان عالقا بأذهانهم من وجوب استعادة الأمجاد السابقة للآباء والأجداد يساعدهم في هذا الاتجاه كل أعداء الإسلام من الصليبيين الذين تكبدوا في حروبهم مع المسلمين أفظع الهزائم التي لم يعرف في التاريخ لها أي مثيل ومستغلين كذلك الحملة ضد الحكم العثماني التركي على أيدي الصليبيين العرب في لبنان وسوريا. يقول محمد قطب: "وقد كانت دعاوى القومية والوطنية المصدرة عن عمد إلى العالم الإسلامي من بين وسائل الغزو الفكري الذي استخدمه الصليبيون المحدثون في غزو العالم الإسلامي " (1).
وكان أوسع الأبواب لدخول القومية إلى بلدان المسلمين هو المناداة بإقامة الأمجاد والمفاخر – الزائفة – بالتراث الجاهلي الذي سلبه الأتراك ممثلا في الدولة العثمانية بزعمهم وكان الذي فتح هذا الباب الواسع هم اليهود الذين هم وراء كل جريمة فقد أشعلوا الخلاف الشديد بين الأتراك الذين ما كانوا يعيرون القومية التركية أدنى اهتمام وبين العرب الذين كان ولاؤهم للإسلام. فجاء دعاة القومية وحرضوا الأتراك على إقامة قوميتهم الطورانية كما حرضوهم على تتريك العرب أيضا ليتم التصادم بين الجميع وأنه لا يجب على الجميع احترام القومية الطورانية. ورمز الذئب الأغبر الذي تجتمع عليه قومية الأتراك وتم لجمعيات اليهود أن ينادوا بتمجيد القومية الطورانية بالنسبة للأتراك حيث جعلها عدو الله أتاتورك بديلا عن الدين الإسلامي وعرفوا كيف ينفخون في أذهان العرب بإيجاد أنفة شديدة في نفوسهم من خضوعهم للأتراك وقامت الدعايات والمؤامرات والكتاب وكل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة قامت كل تلك الوسائل كالصاعقة لإحياء تلك النعرات الجاهلية القومية والوطنية عند العرب والأتراك جميعا وما تبع ذلك من الرغبة الشديدة في إشعال الثورات المتلاحقة للتخلص من الحكم العثماني بفعل دسائس أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في رد فعل عارم على القومية الطورانية.
وكان ذلك كله بمرأى ومسمع من دهاة البشر وخبثائهم الدول الغربية المؤيدة لليهودية العالمية إلى أن سقطت الخلافة العثمانية جسما هامدا وجاء الحكام الجدد الذين لا هم لهم إلا تثبيت كراسيهم في الحكم على مفهوم القومية والوثنية ثم البعثية وصاروا يرددون كالببغاوات كل ما يسمعونه من مختلف الشعارات البراقة وكان أول بلد نجم عنه قرن القومية لبنان وسوريا بزعامة نصارى هذين البلدين- عيون الغرب الصليبيي في بلاد المسلمين – ومنها انتشرت الدعوة إلى القومية والوطنية بتأثير الدعايات والدراسات في الغرب وشراء الضمائر .. وما إلى ذلك من الوسائل الكثيرة التي استخدمت لإيصال هذه الأفكار وإخراجها كأمر واقع لابد منه لإيجاد الأمجاد العربية؟!. ولقد كان لليهود نصيب الأسد في إحياء القومية الطورانية لحقدهم الشديد على الدولة العثمانية التي أبت أن تمنحهم موضع قدم يمتلكونه في فلسطين وغيرها من بلدان المسلمين فكان من الطبيعي أن يستغل اليهود تلك النعرة الجاهلية ليحققوا من ورائها أهدافهم في الإطاحة بالخلافة الإسلامية ممثلة في السلطان عبد الحميد – رحمه الله – الذي قال: " لن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا وليحتفظ اليهود ببلايينهم " (2).
ومن ها هنا قرر اليهود إنشاء جمعية " الاتحاد والترقي " والحقيقة أنها عكس هذا الاسم تماما – وكل أعضائها فيما يذكر الباحثون أنهم غير أتراك وغير مسلمين حقيقة وكانت المساعدات المالية تأتيهم كلها من الدول الغربية النصرانية ومن يهود الدونمة.

‌‌المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 921--------------------------------------------
(1) ((معارج القبول)) (1/ 378).
(2) انظر مثلا: مجلة قضايا إسلامية معاصرة، عدد (31، 32) (شتاء وربيع 2006م).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

‌‌ثامنا: نتيجة ظهور القومية بين المسلمين
تبين من الحوادث التاريخية أن دخول القومية إلى البلاد الإسلامية والعربية بخصوصها إنما كان بدافع الحقد الصليبي واليهودي والرغبة في تمزيق الوحدة الإسلامية والانتماء إلى الإسلام لأن الانتماء إلى العربية سيسهل عليهم مهمة استعمارهم لبلدان المسلمين بعد أن يفرقوا بين العرب وسائر إخوانهم المسلمين على طريقتهم " فرق تسد " وهو ما وقع بالفعل فما أن ضربت القومية بجرانها على بلاد العرب إلا وتفرقوا فرقا وأحزابا لا يلوي بعضهم على بعض في عنجهية جاهلية قومية فتمكن المستعمرون أعداء الإسلام منهم حين عرفوا من أين تؤكل الكتف فتخطفوهم وأخرجوهم من دينهم الإسلامي إلا من حفظه الله تعالى وأخذوا طرقا كثيرة من بلادهم – وفلسطين أقوى شاهد - على ما وقع فيه المسلمون العرب من ضياع وهزيمة والعراق الذي يعيش اليوم مرارة هزيمته على أيدي الصليبيين ومن قبل ذلك أسبانيا والبرتغال والهند وغيرها. ومن الجدير بالذكر أن ظهور القوميات لم يستفد منها أحد مثلما استفاد منها اليهود حين نادوا بالتعصب لقوميتهم اليهودية المتمثلة في الصهيونية وذلك لأن اليهود – وهو أمر مهم – قد مزقهم الله تعالى وشتتهم بسبب خبثهم ورعونة أخلاقهم وهذا الشتات يشكل خطرا عليهم أن يذوبوا في المجتمعات التي يعيشون فيها وأقوى ضمان لبقاء تماسكهم هو تعزيز القومية في نفوسهم لكي يتم ربطهم بها فكانت القومية مفيدة لهم بقدر ما هي ضارة بأمة تربطهم عقيدة واحدة مهما اختلفت قومياتهم وواقع الجميع أقوى شاهد على ذلك (1) على حد ما قاله أحد الشعراء:
وتفرقوا شيعا فكل قبيلة … فيها أمير المؤمنين ومنبر
أما بالنسبة لاستفادة النصارى من وراء قيام القوميات فحدث ولا حرج فلقد غرسوها بين المسلمين وتعاهدوها بكل ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليها حتى أتت ثمارها الخبيثة التي كانوا يتوقعونها وقد ملؤوا الدنيا صياحا ونياحا على عودة العرب إلى القومية العربية وإلى التراث المجيد؟! الذي كان للعرب قبل مجيء الإسلام وإلى حضارات الفينيقيين والآشوريين والفراعنة .. الخ. فكم ألفوا من الكتب نثرا ونظما لملأ عقول الناس بتقبل القومية التي ستكون هي المنقذ الوحيد للعرب من الذل وسيطرة غيرهم عليهم والتي أيضا ستكون هي النبتة الجميلة لبدايات التطور والتقدم ونبذ الماضي البغيض – هو الإسلام – الذي أخر عجلة تطور الدول الإسلامية .. إلى آخر الدعايات التي أجادوا حبكها والتخطيط لها وتكاتفت جهود الأقليات النصرانية واليهودية المبثوثة بين المسلمين وجهود الدول الاستعمارية الصليبية التي كانت تتربص بالمسلمين الدوائر متمثلة في أمريكا وبريطانيا وأسبانيا والبرتغال وغيرها من دول النصارى صارت كل هذه القوى الهائلة تحت تنظيم دقيق وخطط أعدت في غاية من الدهاء والخبث لإدخال فكرة القومية إلى عقل كل مسلم وأن العرب بخصوصهم لا منقذ لهم غير هذه القومية المباركة التي ستجمعهم وتؤلف بين قلوبهم وتجعلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى؟!
وكانت دعوة القومية كعملة ذات وجهين الوجه الأول منها هو تلك الصورة الوردية والحلم السعيد والوجه الآخر هو ذلك الباب الذي ظاهره من قبله العذاب والذي صمم لتفريق وتشتيت الداخلين فيه تلقائيا وقد تمثل نشاط النصارى في الإرساليات التبشيرية والاستشراقية وفي إقامة نقاط التواصل القوي والتخطيط المشترك بين النصارى المنبثين في المجتمعات الإسلامية وبين النصارى الخارجين عنهم مستخدمين تلك الأساليب والوسائل التي تقدمت دراستها والنصارى على يقين من أن القومية لو انتصرت فإن انتصارها سيكون نصرا لكل نصراني في بلاد العرب فهي قوة في حقيقتها لهم حيث يكون شأنهم مثل شأن كل المسلمين وكل أصحاب الأديان لأن الرابط الجديد القومية والوطنية تعطيهم هذا الحق الذي لا يمنعه إلا الدين إذ لا يجتمع الحق والباطل وقد تأكد لدى كل نصراني أن إحلال القومية محل الدين هو السبيل لاستحمار المسلمين واستعمارهم ومن هنا نجد أن نصارى العرب كانوا الجواسيس الناصحين للنصرانية الغربية ومن أوفى المؤازرين لها ومن أكثر الناس نشاطا وأكثرهم اجتماعات ومؤامرات ومؤتمرات لدراسة كل الوسائل التي يستفيدون منها لإبعاد الإسلام وإحلال القومية محله.

‌‌المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 924--------------------------------------------
(1) انظر: ((نواقض الإيمان الاعتقادية)) (2/ 180).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

‌‌تاسعا: ماذا يراد من وراء دعوى القومية؟
من البديهي أنه لا يراد من وراء هذه الدعوى وجه الله عز وجل ولا إقامة شرعه ليكون للناس نورا يعيشون به. ولا يراد بها كذلك إعلاء شأن المسلمين وإقامة مجدهم وعزهم لأن مسلك القومية ونهايتها لا تؤدي إلى هذه النتيجة وعلى الافتراض البعيد نقول لو كان الهدف من وراء نشر القومية هي تلك الأهداف النبيلة بزعمكم لكان في تعاليم الإسلام والتمسك بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يغني ويكفي عن تعاليم القومية المخالفة لهما بل المضادة لهما ولو كان الهدف من ورائها إعلاء شأن المسلمين لكان في السير على نهج سلفنا الصالح ما لا يحتاج معه الشخص إلى أي شعار جديد يدعو الناس إلى الالتفاف حوله والنضال في سبيله.
وما زعمه القوميون – كذبا وزورا – من أن القومية العربية ستكون فجرا جديدا على العرب كافة إن هي إلا منكر من القول وزور بل كانت ظلمة وجهالة وتفريقا وتمزيقا لا يزال المسلمون يتجرعون غصصها إلى اليوم وكانت على – الحقيقة – فجرا جديدا وعهدا زاهرا فقط على اليهود والنصارى الذين برزت قرونهم عالية تحت مظلة القومية الجاهلية بحجة أن القومية العربية لا تفرق بين مسلم ويهودي ونصراني أو غيرهم وأن الجميع يشتركون في القومية والوطنية وكلهم من حقهم أن يصلوا إلى الحكم على حد سواء.
وإذا كان الأوروبيون قد نادوا بفصل الدين عن الدولة. للأسباب التي اضطرتهم إلى ذلك فإن الإسلام ليس فيه أي نزاع أو صراع بين الحكام والمحكومين لأنه ليس فيه طبقات كل طبقة تمثل جانبا في الحياة العامة بل إنه يعتبر المسلمين كلهم على درجة متساوية في المعاملات والقيام بالتكاليف الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلهم يجب عليهم الخضوع لشرع الله تعالى دون أن تستبد فئة بأخرى والحكام في الإسلام ليسوا في طبقة خاصة بل هم مثل سائر أفراد المسلمين لم تكن له مزية إلا تحمل الأمانة وتنفيذ شرع الله تعالى وأوجب لهم الإسلام السمع والطاعة في مقابل هذا العمل فأين هذا السلوك الذي تتحقق به سعادة الناس من سلوك الجاهليات الأوروبية وشرائعها القومية وإذا كان بعض المسلمين حكاما ومحكومين قد خالفوا هذا النهج الواضح فإن تبعة هذا الخلاف عليهم لا على الإسلام إذ الإسلام قد تبرأ من كل الجاهليات الوضعية وأبان حكمه في كل أمر فلا يجوز أن يحمل تبعة أي أمر لم يكن من تعاليمه.

‌‌المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 927

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

‌‌عاشرا: هل المسلمون في حاجة إلى التجمع حول القومية؟ من البديهي أن يأتي الجواب بالنفي مطلقا والأمر واضح تمام الوضوح فقد أغنى الله المسلمين عن التجمع حول أي فكر جديد أو شعار أو حزب بل إنه حارب كل تجمع يقوم على غير هديه القويم معتبرا المسلمين كلهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] " ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا)) (1) ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) (2).ونصوص أخرى كثيرة في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه كلها تحث المسلمين على أن يكون تجمعهم وتفرقهم وحربهم وسلمهم ومعاداتهم وموالاتهم كلها قائمة على هدى الله عز وجل لا إلى العرب أو العروبة أو القومية أو الوطنية فهي وغيرها شعارات جاهلية يبغضها الإسلام ويحاربها وكل دعوى لا تلتزم هدى الله فهي دعوى جاهلية يجب الحذر منها ولقد أعلنها المصطفى صلى الله عليه وسلم صريحة حيث قال للأنصاري الذي قال يا للأنصار وللمهاجرين حين قال يا للمهاجرين قال صلى الله عليه وسلم: ((ما بال دعوى أهل الجاهلية)) (3) وفي رواية ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)) (4).وفي بعض الروايات قال لمن افتخر بعروبته ((دعوها فإنها خبيثة)) (5) وفي رواية ((فإنها منتنة)) (6) وفي بعضها ((دعوها فإنها ليست لكم بأب ولا أم)) (7). لأن الإسلام أراد أن تجتث شجرة التعصب الخبيثة من أساسها لأن ثمارها لا خير فيها لأحد بل فيها العداوة والبغضاء والكبرياء والأحقاد وكل المساوئ والرذائل وأنها لا تؤلف القلوب بل تنفرها وتثير فيها كوامن حب التعالي والبغي بغير الحق فلا تفيدهم لا في دينهم ولا في دنياهم. ولقد جربت هذه الفكرة قديما وحديثا فكانت فاشلة تافهة ما إن يحصل خلاف وخصام بين أصحابها إلا ورموا بها عرض الحائط وصار بعضهم لا يخاف في الآخر إلاً ولا ذمة فهو لا يخاف من اختراقها نارا حامية ولا يرجو من تطبيقها جنة عالية فتكون النتيجة كما قال أبو فراس " إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر " (8).
وقد وضح لكل عاقل أن القومية لم تقدم أي نفع للناعقين بها بل إنها كانت معول هدم وتخريب وبغي فأي حاجة للمسلمين إلى النعرات الجاهلية بعد أن أعزهم الله بالإسلام الذي أكمله الله لهم ورضيه لهم إلى يوم القيامة. وجعل أحكامه شاملة كاملة وافية بجميع ما يحتاج إليه البشر لسعادتهم في الدارين أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].--------------------------------------------
(1) انظر: ((مدارج السالكين)) (1/ 366)، و ((معارج القبول)) (2/ 22).
(2) انظر: ((نواقض الإيمان الاعتقادية)) (2/ 183).
(3) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (28/ 548 – 551).
(4) انظر: حول استحلال الحكم بغير ما أنزل الله ((مجموع الفتاوى)) (27/ 58)، ((الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه)) (ص 165).
(5) انظر: ((الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه)) (ص 159 - 210).
(6) انظر: ((تحكيم القوانين)) (ص 5) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (1/ 137، 4/ 416).
(7) ((تحكيم القوانين)) (ص 6)، وقد نقل الدكتور المحمود نصوص خمسة عشر عالما يكفرون هذا النوع من الحكم بغير ما أنزل الله، انظر (ص 75 – 204).
(8) انظر تفصيل ذلك في: ((الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه)) (ص 205 – 209).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

إن الدعوة إلى القومية دعوى إلى الفرقة والفخر والتعالي حيث يدخل التعصب بجميع أشكاله من جميع الأبواب فما الذي يمنع في شرع القومية أن يفتخر العربي بأنه عربي ومن بلد كذا وكذا والعجمي بأنه عجمي ومن بلد كذا وكذا سيفتخر حتما في شرع القومية العربي بعربيته والفارسي بفارسيته والهندي بهنديته والصيني بصينيته.
وهكذا كل قوم أو بلد سيجدون ما يفتخرون به بالحق وبالباطل فالقومية ستلهمهم جميعا صواب ما يريدون وستعطي كل حزب أدلته على أنه أفضل عناصر البشر وأن وطنه أفضل الأراضي وأن كل ذرة منه مقدسة ومعلوم أنه لم يحتج المسلمون في تاريخهم الطويل – قبل انحرافهم عن الجادة – إلى قومية تجمعهم ولا أي رابط يربطهم غير كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
يقول د. جمعة الخولي بعد أن ذكر أن دول أوربا تحولت إلى شتات من البشر لا رابطة بينهم بعد أن أبعدوا عنهم النصرانية ورجال دينها وأنهم لجؤوا إلى القوميات كوسيلة لربط الشعوب كالقومية الألمانية والقومية الفرنسية والنمساوية .. إلخ وأنهم لم ينتفعوا بها بل كانت فتنة لهم وسببا من أسباب الحروب بينهم.
ثم جاء يوم تحاربت فيه على أساس هذه القوميات في الحربين العالميتين الأولى والثانية فلما أحست بلعنة القومية أخذت تتخلى عنها وعد كثير من مفكريها العودة للدعوة لها دليلا على الرجعية والتخلف وعنصرا هداما للإنسانية واعتبروها نوعا من التجارب التي لجأت إليها أوروبا في ظروف خاصة وفي وقت محدود، ثم نقل عن المؤرخ الشهير " أرنولد توينبي " قوله: " القومية لا تستطيع أبدا أن توحد الإنسانية بل إنها توزعها وتشتت شملها ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل وأنها لا تستطيع إلا أن تدفن الإنسانية في ركامها وأننا إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا من الهلاك والدمار فينبغي أن تحتضن الإنسانية كلها من غير استثناء ونتعلم كيف نعيش كأسرة واحدة ".
ثم ألا يعلم القوميون العرب بخصوصهم أن العرب قبل الإسلام كانوا في غاية الأنفة والحمية والفصاحة العجيبة فما الذي أغنت عنهم وهل جنبتهم غضب الله أو جنبتهم الذل لغيرهم من سائر الأجناس أليس كان الفرس ينظرون إلى العرب كما ينظرون إلى الحشرات لا يقيمون لهم وزنا ولا قيمة فلماذا لم تدافع عنهم القومية وهل ستدافع عن المسلمين والعرب اليوم لولا ذوابها؟! وكم دعوا لها وكم لاذوا بها فكانت النتيجة ما نشاهده اليوم من تفرقهم وتشتتهم وذلهم الذي بلغ ذروته مع وصول القومية إلى ذروتها على أيدي ملاحدة البعث ونصارى العرب وغيرهم من مغفلي المسلمين وأصحاب المصالح الذين أذلتهم بطونهم ومطامعهم الذين هم أشبه ما يكونون بالقطط الذين يشبعون والنمور جياع، ثم أليست شريعة القوميين هي نفسها الشريعة التي كانت في الجاهلية من التعصب القبلي – انصر أخاك ظالما أو مظلوما – ومن الدعوة إلى الفجور والفواحش ومن التعالي والبغي على الناس بغير الحق ومن تقديس رؤوس الكفر واحترامهم وعدم وجود العزة والأنفة التي يتميز بها المسلم أمام أعداء الإسلام من اليهود والنصارى حتى أصبح راضيا مطمئنا بأن يتولى عليه من لا يساوي شراك نعله من ضلال اليهود والنصارى وغيرهم من كبار الفساق لأن شريعة القومية توجب ذلك لأن العروبة حين تجمع بين هؤلاء جميعا لا يبقى أي مزية للمسلم على الآخرين وهذا المفهوم منطقي مع استبدال الدين بالقومية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

ألم يعلم الأشرار دعاة القومية أن المسلمين كانت لهم بالإسلام عزة طأطأ الجبابرة لها جباههم ذلا وانكسارا وملكوا بها الشرق والغرب ودخل الناس في الإسلام أفواجا راهبين وراغبين فاغتبطوا به وفازوا في الدنيا والآخرة وأصبح المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكانوا قلبا واحدا هدفهم واحد وتفكيرهم واحد وعبادتهم واحدة نشروا الإسلام رغبة في الأجر العظيم من الله لا حبا في التملك ولا رغبة في السيطرة حتى أدوا ما أوجبه الله عليهم من نشر دينه وقمع الفساد والمفسدين.
وإذا كنا ننكر الدعوة إلى القوميات عموما والقومية العربية بخصوصها فما ذاك إلا من شدة الحرص على أن لا تفوت البقية الباقية من عز العرب المسلمين وليس تجاهلا لفضل العرب والعربية وليس ما نذكره هنا في فضل العرب بمبرر للافتخار به على طريقة القومية الجاهلية وإنما هو تبيان للحقيقة.
فالعرب هم أول من أبلوا في سبيل الله وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأسدوا إلى البشرية عامة ما صلح به أمر دينهم ودنياهم ولا ننس كذلك أفذاذا من غير العرب كانوا إلى جانب الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار وقد اختار الله عز وجل نبيه من العرب وأرسله رحمة للعالمين وفضله على جميع البشر كما أن الأماكن التي كان ينزل وحي الله فيها لا شك أنها محط الأنظار ومهوى الأفئدة.
وقد شرف الله اللغة العربية وكرمها بنزول القرآن بها وهو معجزة المسلمين الخالدة كما لا ننس ما امتاز به العرب من صفات حميدة سجلها لهم التاريخ من الوفاء والكرم وحفظ حقوق الجار والشجاعة والفصاحة وغير ذلك من الصفات ولكن يجب أن نتفطن لأمر مهم جدا وهو أن العربية والعرب ما كانوا شيئا يذكر لولا الإسلام فالعربية هي إحدى اللغات في هذه الأرض والعرب هم أحد الأجناس من هذه الأمم فلا مزية لهم إلا بالدين الإسلامي ولنا أن نسأل الذين يتشدقون بأمجاد العرب قبل الإسلام ما هي ألم يعترف فضلاء الصحابة بأنهم كانوا جهالا وفقراء وقاتلين قبل الإسلام وأن الله رفعهم بالإسلام وأعزهم به.
والآن تريد القومية العربية إرجاع العرب إلى حالتهم تلك السابقة وإبعادهم عن دينهم ومصدر مجدهم الحقيقي فأي جريمة سيرتكبونها بحق العرب وسائر المسلمين لو تم لدعاة القومية ما يهدفون إليه وليت تلك الدعوات إلى القومية الجوفاء كانت دعوة موجهة إلى لم شمل المسلمين عموما والعرب خصوصا في ظل ما يحدق بهم من أخطار تتهددهم على طول تاريخهم وإلى أن يتكاملوا فيما بينهم في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية وإلى أن يكونوا منهم عالما قويا ثابت الأقدام كما كان أسلافهم ثم لتكن تسمية هذا المسلك أياً ما تكون ما دام الهدف واضح المعالم لأنه إذا كانت كلمة الإسلام تجمعهم سيصبحون قلبا واحدا وهدفا واحدا ويصبح العربي وغير العربي المسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكم ضحى العربي بنفسه في سبيل نجاة أخيه المسلم غير العربي وكم ضحى غير العربي عن أخيه العربي المسلم بنفسه في ميادين القتال وكم سجلوا جميعا أروع الانتصارات وأروع الإيثار.
وليتذكر العرب والمسلمون جميعا تلك المواقف التي سجلها المماليك في رد الصليبيين عن بلاد العرب والمسلمين وليتذكروا صلاح الدين الأيوبي وهو من الأكراد ماذا سجل للمسلمين في إرجاع القدس وبلاد الشام ودحره النصارى وكم كانت من المواقف العظيمة التي خاضها المسلمون من أجناس شتى في آسيا وفي إفريقيا وفي أوروبا دفاعا عن الإسلام والمسلمين فكم كان المسلمون سيخسرون لو كانت الدعوة قومية من أول يوم؟

‌‌المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 292

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

‌‌حادي عشر: هل تحققت السعادة المزعومة في ظل القومية؟
لقد نادى القوميون وملئوا الدنيا صياحا بأن الدعوة القومية ستحقق لمعتنقيها كل السعادة وأنهم سيعيشون في جنة عالية وعز لا يرام إذا طبقت الشعوب القومية سواء أكانت تلك الشعوب عربية أم غير عربية فالسعادة تنتظر الجميع وأنها تجمع ولا تفرق وتؤلف القلوب وتوحد الأحوال الاقتصادية وتحقق القوة على الأعداء أيا كانوا إلى غير ذلك من أنواع المديح والتزكية للقومية والقوميين.
ولكن هل تحققت تلك المزاعم لأي قومية من القوميات عربا أو عجما؟ لقد قال بعضهم إن الناس بطبيعتهم فيهم غرائب لؤم فإن الشخص يبغض الآخرين لأنهم لا يتكلمون بلغته فإذا تكلموا بلغته فإنه يبغضهم لأنهم ليسوا من وطنه فإذا كانوا من وطنه بغضهم لأنهم ليسوا من قبيلته فإذا كانوا من قبيلته بغضهم حسدا على ما عندهم.
والعرب بحد ذاتهم حينما مالوا إلى القومية ووالوا وعادوا من أجل العروبة ماذا كانت نتيجتهم لقد ازدادوا فرقة وفقرا وعداوة فيما بينهم وكاد بعضهم للبعض الآخر بل ودارت بينهم حروب شرسة حين بغى بعضهم على بعض ببركات حب القومية وافتخار كل بقومه فقامت الأحزاب والتكتلات الصغيرة والكبيرة على حمية القومية الجاهلية فازدادت المسافة بينهم وبين الوصول إلى السعادة المنشودة في ظل القومية وليت هؤلاء الهاربون عن طريق السعادة الحقيقية يرجعون بذاكرتهم إلى تاريخهم المشرق ويتذكرون حين قال رسول سعد بن أبي وقاص لرستم حينما سأله ما الذي أخرجكم علينا فقال له: أمرنا أن نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وفي نهاية اجتماعهم قال له " واعلم أن لكم عندنا ثلاث خصال. إما الإسلام أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون أو القتال". وهو كلام ما كان يحلم به العرب في يوم من الأيام أن يواجهوا به سادة الفرس الذين كانوا يعتبرون العرب أذل البشر قبل أن يعزهم الله بالإسلام وقبل أن يصبحوا خير أمة أخرجت للناس حينما نبذوا جميع الخرافات الجاهلية وافتخروا بدينهم فوجدوا السعادة الحقيقية فيه، تراحموا بعد أن كانوا أشد الناس عداء فيما بينهم يقهر القوي الضعيف ويستعبد الأغنياء الفقراء تراحموا حتى أصبحوا كالجسد الواحد يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يقول الشخص منهم للآخر تعال أقاسمك مالي وأهلي فيقول له صاحبه بارك الله في مالك وأهلك دلني على السوق، تراحموا حتى مدحهم رب العالمين بقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:29].
ولقد نجوا من الهلاك الذي كان ينتظرهم باستمرارهم على الشرك حيث امتن الله عليهم بذلك فقال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

وصاروا ينظرون إلى الشرك وأهله بعين الاحتقار والازدراء والرحمة لحال المشركين أن يموتوا على شركهم فكانوا يذهبون إلى القباب وإلى الأصنام فيهدمونها ويكسرونها دون خوف أو وجل يا عزى لا عزى لك إني رأيت الله قد هانك، واتجهوا إلى عبادة خالقهم وحده فارتاحت نفوسهم من تشتت الفكر وعبادة الأرباب المتشاكسين والخوف من أصحاب القبور والجن والسحرة والمشعوذين وحققوا التوكل على الله فكفاهم الله كل ما يخيفهم أو يحزنهم لا تزيدهم الشدائد إلا صلابة: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:174].
وصار فخرهم بالإسلام وحده بعد أن كان فخرهم بأمجادهم الجاهلية وبآبائهم وقبائلهم وغير ذلك من المفاخر الجاهلية وصار شعارهم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم
وصارت مراقبة الله تعالى نصب أعينهم في بيعهم وشرائهم وجميع معاملاتهم لا ربا ولا غش ولا فجور ولا ظلم ولا سوء خلق.
فهل توجد هذه الأخلاق في القوميات؟ هيهات هيهات وهل يتصور القوميون أن العودة إلى تلك الحال المظلمة للجاهلية هو الذي سيجمع شمل المسلمين – والعرب خصوصا – وأنه سيكون منهم أمة ذات حضارة وسيادة تحت مظلة القومية البالية؟!
وأما غير العرب فإن الأتراك أقرب مثال لنكسة القومية لهم حينما فشت فيهم نخوة القومية الجاهلية ماذا كانت النتيجة لقد تفرقوا وفتر نشاطهم في حرب أعداء الإسلام بل وضعفوا واستكانوا وهانوا على الدول الغربية إلى يومنا الحاضر حيث يطلب حكامها الدخول في المنظمة الأوروبية ومع ذلك يتجاهل الغرب مطالبهم في احتقار لا يحتمله الأحرار دون أن يتذكروا ماضيهم في ظل الإسلام وكيف كانوا سادة كثير من بلدان العالم وقادتهم يحسب لهم أعداؤهم ألف حساب قبل التفكير في التنغيص عليهم ولو بأدنى اعتداء.
ذهب بعض دعاة القومية إلى ابتكار حيل وتلفيق شبهات كاذبة مفادها أنه لا فرق بين الالتزام بالقومية والالتزام بالدين وأنه لا تعارض بينهما مادام الشخص متمسكا بدينه وبعروبته أيا كان دينه مسلم أو نصراني إذ اسم العروبة يجمعهم.
ثم زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم وحد العرب تحت راية العروبة وأوجب على كل مسلم أن يستشعر القومية العربية قبل كل شيء وأن جهاده في نشر الإسلام هو نشر كذلك لسيادة القومية العربية.
ومن أدلتهم الباطلة على هذا الزعم قول الله تعالى: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ [التوبة:120]، لأن واجب العروبة يحتم عليهم الوفاء لهذا النبي العربي ومثلها الآيات الأخرى التي فيها التشهير بالمتخلفين من الأعراب عن الجهاد في سبيل الله الذي هو جهاد في سبيل رفع راية العروبة أيضا؟!
ومما استدلوا به كذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2]، وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا [الرعد:37]، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3].
وكل هذه الآيات في خيالهم السقيم دعوة إلى تمجيد العربية والعروبة ويجعلون جهاد أولئك الميامين إنما كان لنصرة العروبة لإيمانهم بها ومعنى كلامهم أن انتصار الإسلام هو انتصار للعروبة بل هي هدف من الأهداف المهمة التي كانت في ذهن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حسب زعم دعاة القومية العربية المفترين.
واستدلالهم بما تقدم إنما هو من باب أن الغريق بكل حبل يمسك فالنصوص في واد وفهمهم لها في واد آخر وهل يليق وصفهم للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بأنهم كانوا يهدفون إلى تقوية العرب؟ فلماذا حاربوهم إذا كان كلام دعاة القومية صحيحا.

‌‌المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 936

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

‌‌ثاني عشر: إبطال فكرة القومية
إن أول ما يدل على بطلان فكرة القومية وأنها شر لا خير فيها أن وراء قيامها اليهود والنصارى وسائر الملاحدة فماذا ننتظر أن تأت به من الخير للبشرية أو للمسلمين بخصوصهم بعد هذه التيارات المنشئة لها.
ألم يكن غرض القوميون هو تفتيت أي مجتمع متماسك والانفراد بكل تجمع لا يتفق وأهدافهم؟
ألم يتفرق المسلمون بعد دخول القوميات بينهم اعتزاز كل قطر بقوميته ومآثره الجاهلية؟ وأصبح المسلمون بصفة عامة لا يلوي بعضهم على بعض بعد أن تقطعت الدولة الإسلامية إلى أوصال ممزقة يقاتل بعضهم بعضا في حروب أهلية تأخذ الأخضر واليابس والقومية تمدهم بكل المبررات لهذا السلوك الذي حذر منه الإسلام؟
وبالرغم من تلك المناداة الجوفاء التي أطلقها دعاة الفكرة القومية من أن الناس سيعيشون في منتهى السعادة حينما يطبقون تعاليم القومية بحذافيرها وأن كل قطر يلتزم بها سيصبح محترما فكانت النتيجة أن حل بهم الشقاء والذل سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بل لقد شقى بها من كان مهد نشأتها من الدول الأوروبية ونداءات من ينتسبون إلى العرب بخصوصهم إنما هي دلالات على حمقهم ورعونتهم وإلا فأي مستند لهم أفي القرآن الكريم؟ أم في السنة النبوية؟ هل وجدوا نصا فيهما يمجد العروبة أو يدعو إليها؟ كلا.
نعم ورد في القرآن الكريم ما يفيد نسبة الشخص إلى قومه وهذا معروف فإن لكل شخص قوما وفيه نسبه بحسب الواقع وهي أمر معروف وبدهي وليس في القرآن الكريم الافتخار بالقومية أو الدعوة إلى التجمع حولها أو جعلها بديلا عن الدين بل ما ورد في السنة يدل على عكس ذلك حيث وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها دعوى جاهلية وأنها خبيثة يجب الانتهاء منها.
ودعاة القومية تجدهم في تلمسهم لأي أمر يمدحون به القوميات الجاهلية يذكرون بعض الصفات الحميدة من الصدق والكرم والشجاعة والإيثار ونحو ذلك ويجعلونها حضارة عريقة لهم ويهولون من أمرها ليحببوا الناس إلى الرجوع إليها. ويكرون كذلك بعض الآثار من العمران أو التحف ثم يقفون أمامها خاشعين ذليلين زاعمين أن أهل العصور المتأخرة لا يمكنهم بحال عمل ذلك أو ما يقاربه وذلك ليملأوا فراغ قلوب من يصغون لكلامهم ممن قصر فهمهم للإسلام.
ومن غرائب الأمور أن ينادي القوميون سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم بأن في التمسك بالقومية تحقيق للوحدة والتآلف فهل تمت الوحدة الشاملة التي ينادي بها زعماء القومية العربية أو غيرهم أم أن القومية كانت هي المعول الهدام للوحدة في كل بلد حلت به من بلدان العرب أو من غير العرب فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور [الحج:466].
لقد ظن دعاة القومية – إن أحسنا بهم الظن – أنها رابطة حقيقية لتوحيد من يتعصبون لهم أيا كانت تلك القومية إما وطنية أو اللغة بعينها أو تاريخا مشتركا ولكنها في الحقيقة سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
فقد ثبت بتجارب الأمم على مر التاريخ أن الذي يوحد الناس حقيقة ويؤلف بين قلوبهم ويجعلهم كالجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا إنما هو الالتزام بمنهج الله تعالى ودينه القويم وما عدا ذلك فإنه خدع وتضليلات يراد من ورائها مصالح بشرية تزول بزوال تلك المصالح شأن التشريعات والاجتماعات الجاهلية التي أبت شرع الله تعالى ورضوا بالتحاكم إلى الطاغوت والاجتماع على ما يمليه عليهم.
وعلى القوميين أن يتفهموا مقالة الناس"الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"، أو قولهم "الاعتراف بالحق فضيلة".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

‌‌ثالث عشر: نقض الأسس التي قامت عليها القومية
لم يكن لدعاة القومية أسس خاصة في الدعوة إليها وأنى يجدون ذلك وهم مختلفون فيما بينهم اختلافا كثيرا فلم يجدوا غير آراء تصوروها لبناء القومية ثم اختلفوا أيضا فيها – شأن الباطل دائما – وقد عرفت فيما سبق أن من القوميين من ذهب إلى أن أساس القومية هو الاتحاد في اللغة ومنهم من قال الاتفاق في التاريخ ومنهم من جعلها الأرض ومنهم من قال هي المصلحة المشتركة بين أفراد الأمة، ولعل سبب اختلافهم يعود إلى هذه الآراء التي لا تركن إليها النفس تماما ولا تصل إلى حد القناعة التامة فلهذا كل أدلى بدلوه أو رمى بحجره عله يصيب.
(أ) أما اللغة
فالقول بأنها رباط قومي كذب ينقضه واقع حياة الناس فقد وقع أن أمما كثيرة تتكلم لغة واحدة ولكن بينهم من التفاوت بل والعداوة ما لا يخفى وأقرب مثال على ذلك العرب أنفسهم فهم يتكلمون لغة واحدة ولكن كم الفرق بين العربي اليهودي والعربي النصراني والعربي المسلم والعربي المشرك؟ بل وأين المسلم من غير العرب من غيره أيضا ممن يتكلم بلغته؟ ولماذا لم تتحد أمريكا وبريطانيا في قومية واحدة ما دامت اللغة الإنجليزية تجمعهم؟ وبالتالي يقال لهم كيف تجمع أهل سويسرا واتحدوا مع أنهم يتكلمون ثلاث لغات دون تمييز بينها (1) وكثير من الأمم على هذا النحو لم يكن للغة أي تأثير في سير حياتهم وانتماءاتهم وإنما هي لإتمام مصالحهم الدنيوية.
(ب) وأما التاريخ
فإن التاريخ مراحل تمر بها البشرية تشتمل على صعود وانحدار على خير وشر وتقدم وتأخر في جميع نواحي الحياة ويحوي كذلك اختلافات كثيرة أما بالنسبة للمسلمين فإن تاريخهم الحقيقي المشرق إنما يبدأ بظهور الإسلام يحنون إليه خلفا عن سلف إلا من أفسدت الحضارة الأوروبية فطرته منهم حين يحن إلى الحضارات الجاهلية السابقة ويتباكى عليها ويفتخر بها ويود بجدع الأنف لو عاد عهدها وهي حضارات قديمة عاشها أهلها بخيرها وشرها ولم يعد لها في حياتنا الإسلامية أي أثر وبالتالي تكون المناداة بإقامة القومية على تلك الحضارات إما بسبب الجهل المطبق وإما لأغراض أخرى وفي أولها الانفلات من الشريعة الإسلامية وربط المسلمين بالغرب أو بالشرق بعيدا عن كتاب ربهم وسنة نبيهم.
لأن هؤلاء الدعاة قد تشبعوا بثقافات وتاريخ تلك الأمم المعادية للإسلام فلا يعرفون بعد ذلك مسلكا إلا الانضواء تحت الرايات الجاهلية وكل إناء بما فيه ينضح.
وأنى للتاريخ المشترك أن يوجد الألفة الحقيقية بين المختلفين فكريا وعقديا فليس وراءه لا ثواب ولا عقاب يرجى بعد الموت فأي مبرر يجعل الإنسان يؤثر غيره على نفسه ولو أدى إلى موته هو؟
(ج) أما الأرض--------------------------------------------
(1) انظر: ((العبودية)) لابن تيمية، كاملا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

فقد صادف دعاة القومية في بناء قومياتهم على الأرض المشتركة متاعب وتناقضات جمة وذلك أن الذين يتكلمون لغة واحدة وفوق أرض واحدة ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم من جنس واحد وعلى لغة واحدة من البداية إلى النهاية في أي أرض فقد تنشأ لغة جديدة في بلد وتنتهي عن بلد لأمور كثيرة اعتقادية أو سياسية إذ لا يمكن لأي أمة أن تدعي أنه لا يوجد لأي شخص بينهم انتماء إلى غيرهم ومن الأمثلة القريبة على ذلك الأمة العربية قبل الإسلام وبعده إذ أنه قبل الإسلام كانت الأرض العربية هي شبه الجزيرة ولكن بعد مجيء الإسلام دخلت أمم أخرى في الإسلام وحين أن الإسلام لا يشعر أحد بأنه غريب عنه وأن الأرض كلها مخلوقة لأجله فقد دخلت تلك الأمم في الإسلام وأحبوه وأحبوا لغته وصارت هي اللغة الأساسية بينهم كمصر والمغرب وغيرهما من البلدان التي أصبحت عربية تعتز بدينها ولغتها فهل يقال أن الأرض هي التي وحدت بينهم وبين سائر إخوانهم العرب المسلمين إن قالوا هذا فقد ظهر كذبهم وإن قالوا إنه الإسلام فقد قالوا بالحقيقة التي تناقض دعواهم صلاحية التجمع القومي على الأرض بدلا عن الإسلام.
بل كان الجاهليون العرب أفقر منهم لأن هؤلاء ما كانوا ينادون لا بالقومية العربية ولا بالتحزب والتعصب لها وحينما جاء الإسلام لم يذمهم على عدم شعورهم بأنهم على أرض العروبة وإنما أخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم وعزهم وهو الشعور بالفخر بالإسلام وتعاليمه وأن العرب قد جاءهم ما يحفظ وحدتهم في اللغة والأرض والتاريخ وسائر الاتجاهات فكانوا في جهادهم يدعون الناس إلى الدخول في الإسلام لا إلى الإنضمام إلى العربية أو إلى شبه الجزيرة العربية.
ولو أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت موجهة من أول يوم إلى التعصب للعروبة والقومية وما إلى ذلك لسارع كل العرب إلى الالتزام بذلك والترحيب بها بسبب ما كانوا يحسون به من ضعف عام وتشتت وتمزق في الآراء والأفكار والأنظمة.
فكانوا في حاجة إلى أي شخص يتزعمهم على أي نعرة جاهلية ليحققوا به مبادئهم انصر أخاك ظالما أو مظلوما. وليحققوا به شيم النفوس حينما توغل في الظلم كما قال شاعرهم:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
فكانوا لا ينقصهم إلا الشخصية المؤهلة لتتزعمهم، لأن الشجاعة موجودة والإحساس بالفوضى في حياتهم موجود وكذا الإحساس بالظلم الفادح بل إن الإحساس ببعدهم عن ربهم كان موجودا وما عبادتهم للأصنام إلا لتقربهم إلى الله زلفى بشفاعتها لهم لشعورهم بالذنوب والتقصير في جنب الله تعالى وكثير منهم كان يعلم أن شريعة "من عز بز ومن غلب استلب" ليست هي الطريق الصحيح وأن ما هم فيه من الذل لغيرهم والفقر الشديد والحروب المستعرة.
وأحيانا على بكر أخينا إذ ما لم نجد إلا أخانا
كانوا يشعرون بأنها أوضاع فاسدة لا يمكن أن تصلحها لا القومية ولا الوطنية ولا سائر النعرات الجاهلية. وإنما يصلحها أمر لا يمكن أن يأتي من قبل الإنسان الظلوم الجهول وحينما عرفوا الإسلام وجدوا الحقيقة التي كانت تنقصهم ولا يعرفون الطريق إليها.

‌‌المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 942

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

‌‌رابع عشر: الإسلام والقومية العربية
ذكرنا في البداية أن الإسلام لا يقف في طريق الشخص إذا انتسب لقومه أو لوطنه أو أهله بل إنه يشجع هذا المسلك ويحبذه إذا كان على أساس التواصل وصلة الرحم بل أخبر الله تعالى أن انقسام الناس إلى شعوب وقبائل هو أمر منه عز وجل أن الحكمة من وراء هذا بينها عز وجل بقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13].وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينتسب الشخص إلى غير أبيه أو ينتمي إلى غير مواليه (1) ولا يمنع كذلك أن ينتسب الإنسان إلى الوطن الذي يعيش فيه ولا لوم عليه إذا أحبه لا على أساس الفخر الجاهلي وإنما لأنه وطنه أواه فإن تلك الأمور كلها لا حرج فيها وواقع تعيشه البشرية كلها ولا يمنعها الإسلام إلا في حالة واحدة وهي الحالة التي يصبح ولاء الناس ومعاداتهم ومحبتهم واجتماعهم وافتراقهم كله قائم على دعوى القومية والتعصب لها وتقديمها على الأخوة الإسلامية لأن هذا الوضع منحرف لأنه يصبح تشريعا جديدا لا تستند فيه مشروعية إلا على الحكم الوضعي البشري لا إلى حكم الله تعالى وما أجمل أن يترك الإنسان كل علاقة خارجة عن الإسلام محاكيا في ذلك قول سلمان رضي الله عنه حينما سمع بعض الناس يفتخر بنسبه وبقومه فقال عن نفسه:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم
وأما حينما يصل التعصب للقومية إلى أن يقدم الشخص ولاءه ومحبته للآخر لأنه من قومه بينما يبتعد عن الآخر من غير قومه حتى وإن كان صالحا تقيا فهذا لا يعترف به الإسلام بل تعترف به القومية الجاهلية وما أكثر ما ورد عن سير السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة ومن بينهم إحسان ما أكثر ما ورد عنهم تقديم أخوة الإيمان على أخوة النسب أو الدم ولنا في مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في أول الإسلام خير شاهد على ذلك فإن قصصهم العطرة وسيرتهم المرضية لا تزال تضيء نورا وهاجا وعبيرا فواحا إلى يومنا هذا تخليدا من الله تعالى لهم وإكراما لأوليائه.--------------------------------------------
(1) ((العبودية)) (ص 38).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

وأما القومية العربية التي دعى إليها ساطع الحصري فهي قومية جاهلية مغرضة لها نفس الأهداف التي كانت نصب أعين المتربصين بالإسلام كما أنه هو نفسه أحد أولئك وإن ظهر بمظهر الغيور على مجد العرب كما يزعم فإن العرب لا مجد لهم بغير الإسلام بل هم أمة كانوا في حمئة الجاهلية كسائر الأمم حتى أنقذهم الله بالإسلام ورفع شأنهم به ومن زعم غير هذا فقد جانب الحقيقة وكذب على التاريخ وتشبع بما ليس فيه ولا قيمة لأمجاده التي يزعمها قبل الإسلام فإن زعمه هذا هو من جنس مزاعم هذا العصر المعكوسة التي تسمي الأشياء بغير اسمها فتستحل الحرام وتحرم الحلال بذلك حيث أضحت الخمر مشروبات روحية والربا فائدة والزنا حرية شخصية وعداوة الآخرين من غير وطنه وطنية والآراء الفاجرة حرية الكلمة واحترام الماديات والعلامات وبعض الأماكن واجب وطني لا يجوز الخروج عليه والمساس به وكأنه جزء من الدين فما الذي يبقى لله تعالى في قلب اقتنع بترهات القوميين ونسي أن المجد الحقيقي إنما هو في اتباع النور الذي أنزله الله. أما الخدع التي يرددها القوميون بتوافق الإسلام والقومية على أساس التسامح في الإسلام فإنه كذب محض وكذا دعوى أن القومية تتسع لكل الخلافات الدينية واستمع لما يقوله مصطفى الشهابي (1) من أن المسلم والنصراني كل واحد يؤدي عبادته في المسجد أو في الكنيسة مادام يجمعها حب القومية العربية لأن الإسلام سمح يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والنصرانية كذلك تأمر بالمحبة وكذلك سائر الملل والفرق لا لوم على أي واحد منهم مادام يتوجه إلى القومية ويتخذها رباطا جامعا لأن القومية قابلة لكل اختلافات الأديان وتذوب في القومية كل الاختلافات الدينية وهؤلاء الدعاة الذين لا يفرقون بين الإسلام وبين غيره من الملل والنحل هم أعداء الدين الإسلامي حقيقة وهم طلائع الاستعمار الشرقي والغربي وهم المفرقون بين الناس والمثيرون للعداوة والبغضاء بين الشعوب المتجاورة والمتعايشة على حسن المعاملة فيما بينهم مع اختلافهم أحيانا في المعتقدات. واستمع كذلك إلى مزيد من أكاذيب القوميين فيما يزعمه د. علي حسن الخربوطلي (2) من أن النبي حاول أن يتحرر عن القومية العربية ويعلن نفسه لجميع البشر ولكنه لم يستطع إذ غلبت عليه القومية العربية وصار يتعصب لها ويدافع عنها. وهذا من أشد الكذب والبهتان فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أشد أعداء الدعوات الجاهلية ومنها القومية والنصوص في هذا أشهر من أن تذكر.
ومن الأمور البديهة أن الإسلام ودعوى القومية لا يتفقان لأن مصدر الإسلام هو الله جل وعلا ومصدر القوميات هي الجاهليات وعقول البشر القاصرة وكذلك فإن إعراض القومية عن الدين وعدم تحكيمه والرجوع إليه والاستغناء عنه بشعار تلك الجاهليات أمر لا يقره الإسلام ولا يسايره بحال.--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي (2733) والنسائي (4078) قال النسائي في ((السنن الكبرى)) (3527): منكر. وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (6/ 182): في رجاله من تكلم فيه. وقال الألباني ((ضعيف الترمذي)) (3144): ضعيف.
(2) ((السيرة النبوية)) لابن كثير (1/ 464).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

كما أن تقديم الأخوة القومية على الأخوة على الدين هو كذلك أمر يرفضه الإسلام. وكذا الموالاة يجب أن تكون بين المسلمين لا أن تكون على أساس قومي وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:71]. كذلك فإن الإسلام يدعو إلى التآلف والتراحم والتساوي في الحقوق والواجبات وأن أكرم الناس هو أتقاهم لله تعالى بينما القومية لا تقوم على هذه المفاهيم المشرقة الجميلة بل تقوم على بغض الآخرين والتعالي عليهم والفخر بالأحساب والأنساب وغيرها من مخازي الجاهلية التي حاربها الإسلام.
بل إن القومية إضافة إلى أنها رجوع إلى الجاهلية هي كذلك قدح في كمال الإسلام ورد لما تفضل الله تعالى به على هذه الأمة من إكمال الدين ورضاه به وإخراجهم بالإسلام من الظلمات إلى النور وإخراج العرب بخصوصهم من حياتهم الجاهلية وخمول ذكرهم بين الأمم بالرغم من كل ذلك وغيره نجد الكثير من الكتاب السفهاء والكاتبات السفيهات يقلدون أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في ذم الإسلام والإلحاح في طلب العودة إلى الجاهلية التي كانت قبل الإسلام وإلى العودة إلى حضاراتها العظيمة وقوانينها التي هي في غاية العدالة وإلى تاريخها المجيد .. إلى آخر الأكاذيب التي تخيلوها وسجلوها في شكل كتب ونشرات وتمثيليات ومسرحيات وكلها توحي بصراحة إلى أن العرب وكل الأمم كانوا قبل الإسلام على خير عظيم وأنهم كانوا على جانب عظيم من الحضارة والقوة والمنعة ويمجدون ذلك مما يوحي إلى أن الإسلام هو الذي عطل مواصلة تلك الحضارات وأن في الرجوع عنه التقدم والرقي والألفة ضاربين بكل ما عرفه الناس من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومما عرفه العقل والمشافهة عن من سبق من أخبار العرب بخصوصهم قبل الإسلام ضاربين بذلك كله عرض الحائط فمتى يدرك المنخدعون والمخادعون أن الخير كله في هذا الدين الذي أخبر عنه رب العالمين وشهد له بالخير والحق والكمال.

‌‌المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 950

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

‌‌خامس عشر: مصادر دعم القومية
• (أ) اليهود.
• (ب) النصارى.
• (ج) الحرب على الدين.
• (د) الحركات والمذاهب الهدامة الأوربية.
• (هـ) العلمانية والعلمانيون.
• (و) الاشتراكية والشيوعية.
• (ز) قيام حزب البعث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

‌‌(أ) اليهود
واليهود كما وصفهم وراء كل جريمة ومؤامرة فقلما تنشأ فكرة ضد البشرية إلا ووقفوا لتقويتها ولا طائفة تتربص بالدين إلا ووقفوا إلى جانبهم وهذا الإجراء منهم هو ما أوصتهم به كتبهم التي يقدسونها وحاخامتهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى.
ولقد حافظ اليهود على تماسكهم وتضامنهم طوال تاريخهم في اعتزاز بجنسهم وقوميتهم وعقائدهم التي ورثها لهم أكابرهم قديما، فلم يذوبوا في أي مجتمع مهما امتدت بهم السنوات ومهما كانت أعدادهم ومهما كان تفرقهم وبالإضافة إلى تعصبهم لقوميتهم فهم يتعصبون أيضا للغتهم العبرية وكان من مكاسب اليهود في انتشار القومية اليهودية والتدين بها هو الحفاظ على أفرادهم من الذوبان في أي مجتمع يكونون فيه وبالتالي فإن في انتشار القومية بين مخالفيهم أيضا مكسب لهم من حيث تمزق هؤلاء وتشرذمهم وانطواء كل جماعة على قوميتهم وما يتبع ذلك من التنافس بينهم واستعلاء بعضهم على بعض بحكم شريعة القومية وحينئذ يكونون لقمة سائغة لليهود لينفردوا بمن يشاءون منهم حتى يكتمل الدور عليهم جميعا وقد ظهر هذا واضحا في مكائدهم الكثيرة بالشعوب حكاما ومحكومين وما فعلوه تجاه الدولة العثمانية بالخصوص حين عملوا على تشجيع قيام القوميات والنعرات الجاهلية أقوى مثال ووصل الأمر حتى إلى قصور الخلفاء أنفسهم في آخر دولتهم فنسي الكثير منهم أن عزتهم إنما هي بالإسلام والتعصب له فاستخذوا أمام الضغوط اليهودية والنصرانية في كثير من المواقف بسبب تأثرهم بمختلف التيارات من ناحية ومن ناحية أخرى لخذلان المسلمين لهم.
وقد أقامت اليهودية العالمية روافد عدة لإحياء القوميات في النفوس من ماسونية وعلمانية وجمعيات أخرى وثورات عارمة للشعوب ضد حكامها ودعاوى الحرية والإخاء والمساواة وغيرها من الشعارات فكانت أكبر كارثة حلت بالمسلمين هي سقوط الدولة العثمانية بمؤامرات اليهود حينما ركن إليهم سلاطين هذه الدولة فكانوا كالذي يفقأ عينه بيده في سماحتهم وتساهلهم ضد أهداف اليهود ومطالبهم المتتابعة وما يتبع ذلك من استفحال العلمانية جنبا إلى جنب مع نعرات القومية التركية التي كان يذكي نارها جمعية الاتحاد والترقي التركية اليهودية الماسونية المعتقد أو كما يسمونها "تركيا الفتاة".
وكل هؤلاء أخذوا يرجعون إلى الوراء بصورة حثيثة لجعل القومية الطورانية هي كل الأمجاد والمعتقدات عليها يلتقون وعليها يفتقرون مدعين أن الإسلام هو الذي أخفت صوتها وحضارتها.
ومن الجدير بالذكر أن جمعية الاتحاد والترقي - أو تركيا الفتاة - ليسوا أتراكا حقيقيين ولا هم مسلمين أيضا وإنما وفدوا من عدة أقطار متظاهرين بالإسلام - وهم يهود في جملتهم - كما يذكر الباحثيون تظاهروا بالتباكي والحنين إلى القومية الطورانية لجمع الأتراك كلهم عليها. وقد علمت مما سبق أن اليهود قد عملوا على إثارة كل القوميات وضرب بعضها بالبعض الآخر فإنهم حينما أنشأوا حركة الطورانيين كان عليهم أن يثيروا الحركة العربية والاعتزاز بها في مقابل اعتزاز الأتراك بقومياتهم القديمة وأخذت تلك الحركات تشتعل لا تلوي على شيء في الوقت الذي نسي فيه الجميع الرجوع إلى الحق والدين واشتط الأتراك وبدؤوا في التعسف وإجبار الناس على اعتناق اللغة التركية وإحلالها محل كل لغة وهم يعرفون أن النتيجة ستكون فوضى وحمية جاهلية وهو ما حصل بالفعل حيث استطاع اليهود أن يثيروا حمية العرب لعربيتهم لجعلها مصدر إلهامهم بدلا عن الإسلام والاعتزاز به ليبقى الكاسب الوحيد لهذا التمزق والتفاخر الأجوف هم اليهود ولا شك أن النصارى سينالهم نصيبهم من هذه المكاسب أيضا فالكل عدو للمسلمين وللإسلام وتعاليمه وهو ما حصل بالفعل ولقد عرف العالم ويلات الحروب التي وقعت بين العرب والأتراك وتدخلات الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا العدو اللدود للمسلمين قديما وحديثا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

‌‌(ب) النصارى
لقد قام النصارى على مختلف عقائدهم واتجاهاتهم بالمؤامرات المستمرة لتمزيق وحدة المسلمين وإبعادهم عن دينهم بكل ما يستطيعون من جد واجتهاد وكان أشد هؤلاء النصارى إيغالا في المؤامرات هم نصارى العرب في لبنان وفلسطين وغيرهما من بلاد العرب بدعم مباشر من دول النصارى الكبيرة وكان أكثر تركيزهم يتمثل في استجلاب الشباب العربي إلى الدراسة في الدول النصرانية وفي المحاضرات والمراسلات بينهم وبين ممثلي النصرانية الحاقدة ومجيء المنصرين إلى بلاد العرب مدرسين وكتابا ووعاظا وفتحوا المدارس والمستشفيات وجادوا بشتى مطبوعاتهم من المقررات الدراسية إلى الموسوعات فأنشأوا أجيالا من دعاة القومية من شتى المراحل الدراسية وكانوا من ورائهم دعما وتوجيها وأصبحت تلك الأجيال من دعاة القومية المخلصين لها وكان للجامعة الأمريكية في بيروت حظ الأسد في نشر القومية العربية ولا تزال ولم ينس هؤلاء الدعاة إنشاء الجمعيات والمنظمات تحت هدف إحياء العربية وإيقاظ العرب بغض النظر عن الدين وأن الالتفاف على القومية يغني عنه ونشروا المقالات والأشعار يتغنون فيها بماضي العرب ويحضونهم على عداوة كل من ليس عربي وخصوصا الأتراك وكان أبرز القادة في هذا الميدان هم نصارى لبنان وسوريا الذين كانوا يتلقون الدعم السخي من دول النصارى الكبرى أمريكا وبريطانيا وفرنسا تملؤهم الغطرسة بإحياء القومية العربية وإحلالها محل الدين متباكين على حقوق العرب الضائعة ولغتهم المظلومة وحقوقهم المهضومة حسب مزاعم هؤلاء ومن مشاهير هؤلاء الدعاة ناصيف اليازجي اللبناني، وبطرس البستاني اللبناني، وإبراهيم بن ناصيف اليازجي. وعبد الرحمن الكواكبي، ونبيه فارس، وكان هؤلاء الزعماء يعرفون أنهم في حاجة ماسة إلى وقوف المسلمين إلى جانبهم في حربهم – خصوصا – مع الدولة العثمانية وحيث أنهم على اختلاف في الدين فإن القومية العربية هي القاسم المشترك والموحد بينهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)

‌‌(ج) الحرب على الدين
وهو مصدر هام من مصادر قيام القوميات ومحاولة من جملة المحاولات لتشجيع القومية وقيامها على البعد عن الدين وأن أوروبا لم يمكنها التخلص من الجهل والحال الذي هم فيه حسب زعمهم إلا بإعلان الحرب على الدين ومن يمثله بدعوى أن الذي جرهم إلى هذا المصير هو الدين والبابوات الذين كانوا يزعمون للناس أنهم مفوضين من قبل الرب المسيح ونادى أولئك الهاربون من الدين بأن البديل عنه موجود وهو الرجوع إلى القوميات السابقة وأمجادها الغابرة أما الدين فهو طغيان واستبداد واستعلاء بعض البشر على البعض الآخر. ولم تكن الحرب على الدين من قبل النصارى والملاحدة فقط وإنما وجد من بعض المغفلين المسلمين الذين تشبعوا بالقومية العربية من يحارب المسلمين بدافع من حرص على استعلاء القومية العربية وهذه هي إحدى المكائد التي نجح فيها أعداء الإسلام في محاربة الدين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)

‌‌(د) الحركات والمذاهب الهدامة الأوربية
حينما أفاق الأوروبيون ورؤوا ما حل بهم من الغبن الفاحش على أيدي رجال الدين النصراني هالهم الأمر وثاروا كالبركان الهادر في وجه الديانة النصرانية ورجالها الطغاة مستعملين كل ما لديهم من الأسلحة الفكرية وغيرها في إيقاف ذلك الطغيان فقامت حركات وآراء فكرية ومذاهب مختلفة كل يعمل من جهته والمصب واحد هو القضاء على الدين ورجاله وكانوا في ذلك الهياج العارم منطقيين مع الحال الذي أوصلتهم النصرانية وطغاتها إليه فلجئوا إلى القومية وإلى غيرها علهم يجدون فرجا مما هم فيه وكانت تلك المذاهب المختلفة تمثل تيارا عاتيا خارجا عن أي سلطة وفي الوقت نفسه كانت هذه المذاهب في حاجة لملأ الفراغ الذي خلفه ترك الدين فكانت القومية البديل الجديد في نظرهم إلى أن يتيسر ما هو أحسن منها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)