وقال العلامة القاري معلقاً على كلام النووي:" قلت: لو لم يكن إلا حديث واحد، وهو (سبقت أو غلبت رحمتي على غضبي) لكفى دليلاً على ترجيح الرجاء، ويعضده آية {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156]، بل هو أمر مشاهد في عالم الوجود، من غلبة آثار الرجاء على آثار الخوف "(1).
وقال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف:205]: "إلا أن هنا دقيقة: وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء، وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف، فلما وضع الابتداء بما يوجب الرجاء، علمنا أن جانب الرجاء أقوى"(2).
وقال العلامة الكرماني في شرحه لحديث البخاري: (أنا عند ظن عبدي بي)(3): "وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف "، قال الحافظ ابن حجر تعليقاً:" وكأنه أخذه من جهة التسوية، فإن العاقل إذا سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد، وهو جانب الخوف؛ لأنه لا يختاره لنفسه، بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد، وهو جانب الرجاء، وهو كما قال أهل التحقيق: مقيد بالمحتضر"(4).
وذهب الفضيل بن عياض وجماعة، إلى أن الخوف أفضل، قال الفضيل:" الخوف أفضل من الرجاء، ما كان الرجل صحيحاً، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل"(5).
ومن كلام الفضيل ننتقل للمسألة الثانية: وهي أي المقامين أحق بالتقديم؟ والعلماء مختلفون في هذه المسألة على أقوال:
فقيل: بأن مقام الخوف أفضل في حال الصحة والحياة، فإذا حضر الموت فالرجاء أفضل(6).--------------------------------------------
(1) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (4/ 1460)
(2) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (15/ 443)
(3) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى (ويحذركم الله نفسه) ح (7405).
(4) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ (13/ 385)
(5) ابن رجب: تفسير ابن رجب: (2/ 328)، ابن عطية: المحرر الوجيز: ط 1 1422 هـ (2/ 411)
(6) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2 - 1426 هـ (1/ 366).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 640)
وقيل: بأن مقام الخوف والرجاء في حال الصحة مستويان، فيكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء، واختاره الإمام النووي(1). وقال في سبب تغليب جانب الرجاء، متى دنت أمارات الموت: "لأن مقصود الخوف؛ الإنكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له"(2).
واستدل الإمام العراقي بحديث الرجل الذي قال لأهله: (إذا أنا مت فأحرقوني .. ثم قال: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يارب وأنت أعلم قال فغفر له) ، على أنه لا ضرر في غلبة الخوف ، وإن كانت بقرب الوفاة، ثم قال: "إن كان العلماء رجحوا في تلك الحالة، تغليب جانب الرجاء، على جانب الخوف"(3).
وقال إمام ابن الوزير: " والجمع بين الخوف والرجاء سنة الله، وسنة رسله عليهم السلام، وسنة دين الإسلام، والأولى للإنسان تغليب الخوف في حق نفسه، إلا عند اقتراب الأجل الاقتراب الخاص، أعني عند ظهور أمارات الموت في المرض الشديد، وإلا فالموت قريب غير بعيد، وذلك لما صح أن الله تعالى يقول: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاء»، ولهذا الحديث لم يكن تقديم عمومات الوعيد، أولى من تقديم خصوص آيات الرجاء وأحاديثه "(4).--------------------------------------------
(1) النووي: رياض الصالحين، المكتب الإسلامي - بيروت: ص (146).
(2) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (17/ 210).
(3) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط 1 1424 هـ (3/ 270).
(4) ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2 - 1987 م، ص (355).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 641)
وذهب البعض: إلى أنه لا يُهمل جانب الخوف، حين ظهور أمارات الموت بحيث يجزم بأنه آمن، ويؤيده ما أخرج الإمام الترمذي عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ»(1)(2).
وقيل: إذا كان في طاعة، فليغلب الرجاء، وأن الله يقبل منه، وإذا كان في المعصية، فليغلب الخوف؛ لئلا يقدم على المعصية(3). وقيل: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد والخوف سائق، والله الموصّل بمنه وكرمه(4).
وبعد هذا النقل عن العلماء، يتبين لنا فضل هذين المقامين، وعلو منزلتهما وأن المرء لا غنى له عنهما، فالرجاء مقصوده: إحسان الظن بالله عند حصول التقصير والخطأ، مع رجاء محو الذنب والخطأ، مع التنبه إلى أنه ليس المقصود بالرجاء: هو الأمان والتفريط، وتضييع الأعمال، واطراح التقوى فهذا من عمل الجهال البطالين(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرف الجبين ح (983)، وقال الإمام الترمذي: وهذا حديث غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، مكتبة البابي - مصر، ط 2 - 1395 هـ (3/ 302)
(2) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ (11/ 301)
(3) العثيمين: شرح رياض الصالحين، دار الوطن - الرياض، 1426 هـ، (3/ 337)
(4) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (1/ 513)
(5) ابن حجر: فتح الباري،: (11/ 513) ، ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق: ص (354)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 642)
وقد ذكر الإمام ابن القيم فوائد الرجاء وأطنب فيها، وذكر منها:" إظهار العبودية، والفاقة، والحاجة، إلى ما يرجوه من ربه، ويستشرفه من إحسانه وأنه لا يستغني عن فضله، وإحسانه طرفة عين "(1).
6 - محبة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام:
إذا علم المرء بما أعده الله تعالى للطائعين، من أنواع النعيم، وصنوف التكريم، ثم بينت له الطرق الموصولة إليها، وسبل الشيطان المانعة منها تعلق قلبه بالله وحده، فأحبه وأثنى عليه بما هو أهله؛ لأنه الجواد الكريم وأحب رسوله عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه السبب في وصول هذا الخير إلينا، وهذا النور الذي بين يدينا، فكان هذا موجباً لشكر الله تعالى والاستقامة على دينه. ومعلوم أن محبة الله تعالى، ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، "من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الدين والإيمان"(2).
"وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع، إنما يطمع فيما يحبه، لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف؛ لينال المحبوب"(3).
وهذه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، هي محركات القلوب إلى الله تعالى وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف، فإنه يزول في الآخرة(4).
إن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على زيادة مقامات الإيمان وشعبه العلية كالخوف، والرجاء، والمحبة، ولذا تجد المرء المتيقظ الذي لا يفارقه ذكر الآخرة، يعيش دائماً في ثنايا هذه المقامات وغيرها.--------------------------------------------
(1) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (2/ 513)
(2) ابن تيمية: التحفة العراقية، المطبعة السلفية - القاهرة، ط 2 - 1399 هـ، ص (59).
(3) ابن تيمية: التحفة العراقية، المطبعة السلفية - القاهرة، ط 2 - 1399 هـ، ص (66).
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (1/ 95).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 643)
وقد أوجد الإيمان بالآخرة، نماذج حية شاهدة على أثره في الخائفين الوجلين الراجين المحبين، فكم من خائف أقلقه ذكر الآخرة، وكم من راج يرجو مكرمات الرب في الآخرة، وكم من محب زادته آثار الآخرة شوقاً ومحبة لها، فلا عجب أن ترى رجالاً ونساءً على مدى الحياة، سطر التاريخ سيرهم، وخط الزمان أخبارهم، فتعلقت في قلوب الأجيال مآثرهم، لا تقلب طرفك في مجال خير إلا وجدتهم، فهم السابقون للخيرات، الراعون للحرمات.
ولذا فلا عجب أن تقرأ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مرّ يوماً بدار إنسان وهو يصلى ويقرأ سورة (والطور) فوقف يستمع فلما بلغ قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8)} [الطور:7 - 8] نزل عن حماره، واستند إلى حائط، ومكث زماناً، ورجع إلى منزله فمرض شهراً يعوده الناس، ولا يدرون ما مرضه(1).
إن المرض الذي أمرض أمير المؤمنين، هو قلق يسري في قلوب المؤمنين حين تمر سحائب الآخرة إلى أسماعهم، فنستقر في وجدانهم وصدورهم فيستولي على جوارحهم، فلا يطيقون له دفعاً، ولا يجدون عنه محيصاً، إنه أثر الإيمان باليوم الآخر في قلوب المؤمنين الموقنين الصادقين.
نعم، لقد "أزعج ذكر القيامة قلوب الخائفين، وقلقل خوف العقاب أفئدة العارفين"(2)، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما، عن الخائفين فقال: "قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت من ورائنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله موقفنا"(3).--------------------------------------------
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 184).
(2) ابن الجوزي: التبصرة، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط 1 1406 هـ، ص (213).
(3) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 184).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 644)
إن التربية النافعة لأفراد الأسرة المسلمة، يجب أن تقوم على ميزان المراقبة واستشعار الخوف من الله تعالى، حينها ستجد ثماراً يانعة، وأشجاراً باسقة من فلذات الأكباد، وثمرات الفؤاد، وحينها لن تعجب حين تسمع أو تقرأ عن مثل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لما كان غلاماً صغيراً فبكى، فبلغ ذلك البكاء أمه! أرادت أن تعرف سر بكائه، فقالت له: ما يبكيك؟، هنا الخاطر يجول فيقول: لعله بكى لفقدان شيء ثمين؛ لأنه كان ثرياً، أو لأنه يريد النزهة فمنع، أو غيرها من التخمينات التي تجول في الخاطر، تبحث عن سر بكاء هذا الغلام! ولكن تفاجأ أشد المفاجأة، حين تعلم أن سر هذا البكاء، هو قوله: (ذكرت الموت)(1)، وما الذي يعني ذكر الموت لغلام! ولكنها التربية القائمة على الخوف والمراقبة، والجزاء والمحاسبة، تورث هذا الغلام وأمثاله.
يقول أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها، وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينا الحسن ذات يوم جالس، إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبراً واسعاً، وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة، لطال بكائي، كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور، ووحشتها وبيت الظلمة والدود(2).
لا يمكن التغلب على أفراد مجتمع، تفشت فيه أدواء الشهوة بجميع أشكالها وصورها، وألوانها، حتى أصبحت أمراً معتاداً، إلا بالتربية على الإيمان باليوم الآخر، ومتى خفي هذا المعنى من معاني التربية الإسلامية، فقل على الدنيا السلام.--------------------------------------------
(1) المزي: تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة - بيروت ن ط 1 1400 هـ، (21/ 437).
(2) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (2/ 243)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 645)
فأين لنا في مجتمعنا مثل عمر بن عبد العزيز، مزج الدنيا بالآخرة فحصلهما وأين لنا مثل صفوان بن سليم الزهري، حوى بين جنباته كل معاني الخير حتى لو قيل له: غداً القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة(1).
وأين لنا مثل علي بن الفضيل بن عياض، حين بكى فقال له والده: ما يبكيك؟ قال: يا أبه أخاف ألاّ تجمعنا القيامة(2). إنها آثار التربية على الإيمان باليوم الآخر.
7 - حفظ الجوارح والأعضاء عن المحارم:
إن من أعظم الأسباب المعينة على حفظ الجوارح عن المحارم، هو تذكر الآخرة، واستشعار الوقوف بين الله يدي الله تعالى ، وأن هذه الأعضاء هي أحد الشهود، التي ستشهد على الإنسان، بما عمل في دنياه، من خير وشر.
فمتى استقر ذكر الآخرة في القلب، انتهت الجوارح عن المحارم، ولذا كان حفظ الجوارح عن المحارم فريضة(3)، وهي "رأس المال والربح بعد ذلك فمن ليس له رأس مال، كيف يطمع في الربح؟
وهذه الجوارح السبعة هي: العين، والأذن، والفم، واللسان، والفرج واليد، والرجل، هي مركب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها وعدم حفظها، ونجا من نجا، بحفظها ومراعاتها، فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر"(4).
وحفظ هذه الجوارح منبعه القلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)(5).--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (1/ 384)
(2) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (1/ 433)
(3) الحارث المحاسبي: رسالة المسترشدين، مكتب المطبوعات الإسلامية - بيروت: ص (112)
(4) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (1/ 80)
(5) أخرجه البخاري كتاب الإيمان: ح (52)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق: ح (1599).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 646)
يقول الإمام الغزالي في قاعدة حفظ الجوارح الظاهرة:" وأعمال الجوارح إنما تترشح من صفات القلب، فإذا أردت حفظ الجوارح، فعليك بتطهير القلب، فهو تقوى الباطن، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، فاشتغل بإصلاحه؛ لتصلح به جوارحك، وصلاحه يكون بملازمة المراقبة"(1).
إن حفظ الجوارح عن المحارم، سبب لحفظ الله تعالى للعبد، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ تجده تجاهك … )(2).
إن الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله في أوامره ونواهيه، حفظه الله تعالى في نفسه، وأهله، وماله، ودينه، وإيمانه.
يقول الإمام ابن دقيق العيد:" (احفظ الله يحفظك)، ومعناه: كن مطيعاً لربك، مؤتمراً بأوامره، منتهياً عن نواهيه"(3). أي: كن حافظاً لحدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه.
يقول الإمام ابن رجب:" وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه إلى ما ينهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله، الذين مدحهم الله في كتابه، وقال عز وجل: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)} [ص:53]، وفُسِّر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه؛ ليتوب منها"(4).
ومما يجب حفظه هذه الجوارح، فيحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى فيحفظ سمعه، وبصره، ولسانه، وبقية جوارحه عن المحارم، ومن حفظها في الصغر، حفظها الله له في الكبر.--------------------------------------------
(1) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج جدة، ط 1 1425 هـ، ص (58)
(2) أخرجه الترمذي \كتاب صفة القيامة، باب 59 ح (2516) ، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(3) ابن دقيق العيد: شرح الأربعين النووية، مؤسسة الريان، ط 6 1424 هـ، ص (76)
(4) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت ن ط 7 1422 هـ، (1/ 462)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 647)
يقول الإمام ابن رجب:" ومن حفظ الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره، وضعف قوته، ومتعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله. كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة، وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر … فحفظها الله علينا في الكبر، وعكس هذا: أن بعض السلف رأي شيخاً يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره "(1).
ومن حفظ الله في صحته حفظه الله في مرضه، يقول العلامة شمس الدين المنبجي:" فمن خاف الله وحفظه في صحته، حفظه الله في مرضه، ومن راقب الله في خطر، حرسه الله في حركاته وسكناته، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»، وفي قصة يونس عليه السلام: لما تقدم له عمل صالح، قال: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} [الصافات:143 - 144].
ولما لم يكن لفرعون عمل خير قط، لم يجد وقت الشدة متعلقاً، فقيل له: … {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)} [يونس:91]، فمن ضيع الله في صحته، فإنه يضيع في مرضه"(2).
فالإيمان باليوم الآخر، "هو صمام الأمان في هذه الأرض، وهو الضابط الوثيق الذي يحرس الأخلاق، والحارس الأمين الذي يضمن تنفيذ الشريعة في هذه الدنيا، فهو الذي يمنع لحظة العين أن تمتد إلى محرم، ويمنع النفس أن تهجس بهواجس الشر، ويردع الفم أن يهمس ولو بكلمة واحدة لا يرضاها ربه؛ لأنها كلها مسجلة معروضة محصية عليه، أنفاسه وكلماته وحركاته "(3).--------------------------------------------
(1) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 7 1422 هـ، (1/ 462)
(2) المنبجي: تسلية أهل المصائب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2 - 1426 هـ، ص (28)
(3) عبد عزام: العقيدة وأثرها في بناء الجيل، وزارة الأوقاف السعودية، (30)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 648)
8 - يورث مراقبة الله جل وعلا:
إذا علم المرء بأن الله تعالى مطلع عليه محص عليه كل ما يعمل، موكل به ملكين يكتبان أعماله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق:18]، أورثه ذلك خوفاً وذلاً، ومراقبة لله عز وجل، ولذا يقول الإمام أبو الوليد الباجي في نصيحته لولديه:" وإياكما ومواقف الخزي وكل ما كرهتما أن يظهر عليكما فاجتنباه، وما علمتما أن الناس يعيبونه في الملأ فلا تأتياه في الخلاء "(1).
فهي تربية على مراقبة الله جل وعلا، في السر والعلن.
وينبغي أن تستولي مراقبة الله تعالى، على جميع حركات المرء وسكناته وخطراته ولحظاته، وأقواله وأفعاله، فمن راقب الله تعالى، كان في حرز منيع من خطوات الشياطين، وسبل المضيعين.
والمراقبة من أشرف المقامات وأفضلها(2)، وتكون في ثلاثة أشياء:
مراقبة الله تعالى في طاعته بالعمل، ومراقبة الله تعالى في معصيته بالترك ومراقبة الله في الهم والخواطر(3)، ومراقبة الله في الخواطر، سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سره، حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته(4).
يقول الإمام ابن القيم:" والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ العليم، السميع، البصير، فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة "(5).--------------------------------------------
(1) الباجي: النصيحة الولدية، دار الوطن - الرياض، ط 1 1417 هـ، ص (22)
(2) المحاسبي: آداب النفوس،، دار الجيل - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (52)
(3) المحاسبي: رسالة المسترشدين، مكتب المطبوعات الإسلامية - بيروت، ط 2 - 1391 هـ، ص (181)
(4) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (2/ 66)
(5) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (2/ 66)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 649)
ومن تدبر قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)} [العلق:14]، استحيا من ربه حق الحياء، يقول الإمام ابن القيم:" أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياءً منه، يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة"(1)، ومتى قل نظره إلى ربه، أورثه هذا اجتراء على المعصية، وانغماس في الذنب.
ولذا كان الأئمة يتمثلون هذه الأبيات(2):
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ما مضى ولا أن ما تخفي عليه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب
وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ينهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء، فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لابنة لها: ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت؟ فقالت الجارية: كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق، فقالت: قد مذق الناس فامذقي فما يدري أمير المؤمنين، فقالت: إن كان لا يعلم فإله عمر يعلم، ما كنت لأفعله وقد نهى عنه، فوقعت مقالتها من عمر، فلما أصبح دعا ابنه عاصماً فقال: يا بني اذهب موضع كذا وكذا، فاسأل عن الجارية ووصفها له، فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال، فقال له عمر: اذهب يا بني فتزوجها، فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب، فتزوجها عاصم بن عمر، فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فتزجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم، فأتت بعمر بن عبد العزيز(3).
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأ تقول:
ألا طال هذا الليل وازور جانبه … وليس إلى جنبي خليل ألاعبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبه … لزعزع من هذا السرير جوانبه--------------------------------------------
(1) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (2/ 253)
(2) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط 1 1422 هـ، (6/ 448)
(3) عبد الله بن عبد الحكم: سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه مالك وأصحابه، عالم الكتب ص (24)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 650)
مخافة ربي والحياء يعفني … وأكرم بعلي أن تنال مراتبه
ولكنني أخشى رقيباً موكلا … بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
فسأل عمر نساء: كم تصبر المرأة عن الرجل؟ فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفد الصبر، فكتب إلى أمراء الأجناد: ألا تحبسوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر(1).
وعن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع ابن عمر رضي الله عنهما إلى مكة فعرسنا، فانحدر علينا راع من جبل، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم قال: بعني شاة من الغنم؟ قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك أكلها الذئب قال: فأين الله عز وجل؟ قال ابن عمر: فأين الله، ثم بكى، ثم اشتراه بعد فأعتقه(2).
فمن أعظم ثمرات الإيمان باليوم الآخر، شعور المرء بمراقبة الله عز وجل فلولا خوف الصالحين من مغبة الوقوع في المعصية في الآخرة، لربما تجرؤوا عليها، ولكن حجبهم عنها خوف الله تعالى ومراقبته، وأنه سبحانه مطلع عليهم، عليم بأعمالهم، بصير بحركاتهم، سميع بما تكنه صدورهم، يخافون من مغبة ذلك اليوم، كما قال تعالى على لسان نبيه: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)} [الأنعام:15].
9 - سبب لصلاح القلب:
هذه المضغة الصافية التي خلقها الله عز وجل، قابلة لملئها بالخير أو الشر إلا أنها لمكامن الخير أكثر استعداداً، وأشد قبولاً، فمتى قوي في القلب وازع الآخرة، وشاهد القيامة، امتلأ هذا القلب بما فيه صلاحه، من محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم -ومحبة المؤمنين، ونزع عنه كل ما يشينه، من سيئ الأخلاق ورديء الآداب.--------------------------------------------
(1) محب الدين الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الكتب العلمية - (2/ 392)
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث - القاهرة، 1427 هـ، (4/ 310).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 651)
والشريعة جاءت بالحض والتأكيد على صلاح القلب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: … «وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»(1). يقول الإمام النووي:" وفي هذا الحديث التأكيد على السعي في صلاح القلب، وحمايته من الفساد"(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان ح (52)، وأخرجه مسلم، كتاب الطلاق ح (1599).
(2) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (11/ 29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 652)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على الحديث:" فبيّن أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح، دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح"(1)، فمتى رُمت صلاح القلب … مع سوء القصد والعمل، فقد رمت الممتنع، فالعمل " له أثر في القلب، من نفع، وضر، وصلاح، قبل أثره في الخارج، فصلاحها عدل لها، وفسادها ظلم لها"(2). وأصل صلاح القلب هو حياته واستنارته(3)، قال تعالى: {أَوَمَنْ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} [الأنعام:122]. يقول الإمام ابن تيمية:" وأصل صلاح القلب، صلاح إرادته ونيته، فإن لم يصلح ذلك، لم يصلح القلب"(4). وقد ذكر الله جل وعلا في قوله: {أَوَمَنْ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} أصلين بهما صلاح القلب، يقول الإمام ابن القيم:" إن صلاح القلب، وسعادته، وفلاحه، موقوف على هذين الأصلين"(5).--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (14/ 121)
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (10/ 98).
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (10/ 100).
(4) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة النبوية، ط 1 1403 هـ (2/ 34).
(5) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (1/ 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 653)
وهذان الأصلان هما: الحياة والنور، "فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه، وعفته، وشجاعته، وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة … ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح، فكلما قويت حياته، قويت فيه هذه الصفات وإذا ضعفت حياته، ضعفت فيه هذه الصفات … وإذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حسن الحسن بنوره، وأثره بحياته، وكذلك قبح القبيح"(1).
فصلاح القلب هدف وغاية، فإن "المقصود بالأعمال كلها، ظاهرها وباطنها؛ إنما هو صلاح القلب وكماله، وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه … وإلهه"(2).
"وفي القلب بروج، وهي برج الإيمان، وبرج المعرفة، وبرج العقل، وبرج اليقين، وبرج الإسلام، وبرج الإحسان، وبرج التوكل، وبرج الخوف وبرج الرجاء، وبرج المحبة، وبرج الشوق، وبرج الوله، فهذه اثنا عشر برجاً بها دوام صلاح القلب"(3). وكذا من موجبات صلاح القلب:
- قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر فيه.
- إطعام المسكين، ومسح رأس اليتيم.
- قيام الليل وإحياؤه بالعبادة.
- التضرع عند السحر.
- مجالسة الصالحين.
- ترك الخوض مع الناس فيما لا يعني.
- أكل الحلال، ومحاسبة النفس.
يقول أبو عثمان الحيري:" صلاح القلب في أربعة خصال: في التواضع لله والفقر إلى الله، والخوف من الله، والرجاء في الله"(4).
فالإيمان باليوم الآخر له أثره على قلب الفرد، فإنه يوجب صلاح القلب وسعادته، وذلك بغرس القيم، وتأله القلب لله تعالى، ويوجب تطهيره من دنس الأعمال الرذيلة، والعقائد الفاسدة، والظنون السيئة الخبيثة والعواطف الشهوانية الفاسدة المنحرفة، ومن جملة المعاصي والسيئات، فيعيش المرء هادئ البال، مطمئناً سعيداً.--------------------------------------------
(1) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (1/ 20).
(2) ابن القيم: بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (3/ 192).
(3) الخلوتي: روح البيان، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (6/ 237).
(4) الأصفهاني: سير السلف الصالحين، دار الراية - الرياض:، ص (1119).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 654)
10 - أنه يوجب تعزيز التقوى في نفس الفرد:
إذا كانت التقوى "ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله"(1)، أو "ترك حظوظ النفس، ومباينة النهي"(2) فإن أولى ما يعزز هذه المعاني، ويعين النفس على اتقاء المحارم، وفعل الفضائل، هو استشعار اليوم الآخر، ومشاهدة أهواله وأحواله، فمن خاف وعيد الله تعالى، انتهى عن المحرمات، ولذا لا ينتفع بمواعظ القرآن، إلا من وقرت الآخرة في قلبه، قال تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)} [ق:45]، يقول الإمام الرازي:" وقوله (وعيد) إشارة إلى اليوم الآخر"(3)، وهذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45)} [النازعات:45]، تدل على أن الانتفاع محصور في المؤمنين بالآخرة.
يقول الإمام أبو حيان:" والتقوى في عرف الشرع والقرآن، عبارة عما يُتقى به من النار "(4)، وأخرج الإمام ابن أبي حام في تفسيره عن طلق بن حبيب أنه قال:" التقوى: أن يعمل بطاعة الله، رجاء رحمة الله، على نور من الله، والتقوى: أن يترك معصية الله، مخافة عذاب الله، على نور من الله"(5).--------------------------------------------
(1) البعلي: المطلع على ألفاظ المقنع، مكتبة السوادي، ط 1 1423 هـ، ص (125).
(2) الجرجاني: التعريفات، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1403 هـ، ص (65).
(3) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (28/ 158).
(4) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، 1420 هـ، ت: صدقي جميل، ص (2/ 290)
(5) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز -مكة المكرمة، ط 3 1419 هـ (6 1 98)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 655)
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "التقوى: ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة"(1)، فالتقوى "جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر، وأنت ما حُفظ عنك شيء، فقال:
يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبي الله إلا ما أراد
يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا"(2)
ويشير الإمام ابن رجب رحمه الله إلى أعلى درجات التقوى فيقول:" ويدخل في التقوى الكاملة، فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك، فعل المندوبات، وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى"(3).
وقد ذكر ابن مسعود رضي الله عنه، التقوى: فأحسن في ذكره، وأوجز في عبارته فقال في قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]: "أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر"(4)، فملاك الأمر:"تقوى الله عز وجل، التي من تمسك بها فاز قدحه، وأمن سرحه، وتعيّن ربحه وتبين نجحه"(5).
قال العلامة فخر الدين عثمان بن علي ابن خطيب جبرين:(6)
ملاك الأمر تقوى الله … في الإسرار والعلن
فلازمها تصب خيراً وتكفى سائر المحن
تمسك بالذي يروى … من الآثار والسنن
من المختار كي تُحمي … من الأهواء والفتن--------------------------------------------
(1) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (2/ 268)
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط 2 - 1384 هـ، (1/ 162)
(3) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة - الرياض، ط 1 1422 هـ، (1/ 361)
(4) الحاكم: المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1411 هـ، (2/ 323)
(5) الصفوي: الوافي بالوفيات، دار إحياء التراث - بيروت، 1420 هـ، (29/ 38)
(6) تقي الدين السلامي: الوفيات، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 1 1403 هـ، (1/ 44)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 656)
والذي كان عليه أصحاب القرون المفضلة، تمام التواصي بالتقوى، يقول الإمام ابن رجب:" ولم يزل السلف يتواصون بها "(1). فلا "شيء يزين الإنسان، مثل تقوى الله تعالى، فإنه واسطة العقود في الصفات المحمودة، وزينة الوجوه في السمات المشهودة، تصدق يوم القيامة، إذ كذبت الظنون وتنفع {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)} [الشعراء:88] "(2).
وكن دائماً على نصيحه أحد أمراء دمشق (طرنطاي) حين قال:" .. فليكن تقوى الله عز وجل، ركنه السديد، وذخره العتيد، وكنزه الذي ينمي على الإنفاق، وكل كنز على طول المدى يبيد .... "(3).
المطلب الثالث أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية النفسية
مع اضطراب الحياة التي يعيشها الفرد، أصبح البعض منهم رهين القلق والحيرة والاضطراب، وهنا يأتي هذا الركن العظيم ركن الإيمان باليوم الآخر ليعمل في نفوس أولئك العجائب، فيحي تلك النفوس من غفلتها ويستنقذها من أوحال القلق والأوهام، التي كادوا يغرقون فيها، فيسطع أثر الإيمان باليوم الآخر على هذه النفوس؛ لتعيش حياة غير تلك الحياة، حياة مليئة بالطمأنينة، تغمرها أودية السعادة، بعد أن كانت مليئة بالشقاء والعناء فكادت أن تهلك في أودية الدنيا وأوحالها.
ومن الآثار التي يُحدثها الإيمان باليوم الآخر ما يلي:--------------------------------------------
(1) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة - الرياض، ط 1 1422 هـ، (1/ 365).
(2) الصفوي: أعيان العصر، دار الفكر المعاصر - بيروت، ط 1 1418 هـ، (4/ 261).
(3) الصفوي: أعيان العصر، دار الفكر المعاصر - بيروت، ط 1 1418 هـ، (2/ 583).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 657)
1 - قبول الحق وعدم رده:
متى استقر الإيمان باليوم الآخر في قلب المرء وسكن فؤاده، وعلم علم اليقين أنه يوم يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين، فيسألهم ربهم ويحاسبهم يقول الله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف:6]، فيسألهم: هل قبلوا دعوة الرسل، واستجابوا لها، وانقادوا وأطاعوا، أم قابلوها بالعناد، والاستكبار، واتباع الهوى، وتقليد الآباء، ثم طفقوا لمحاربتهم عليهم الصلاة والسلام، فمن استقرت في نفسه هذه المعاني وشعُر بعظم المسؤولية، وهول الموقف، واطمأن لحكم الله تعالى العدل، قبل كل ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من الشرائع والأحكام.
إن المحل المهيأ للقبول، الذي هو محل الرضا والسخط، هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه، الخائف منه، الذي يبتغي رضاه، ويُومل في كرمه وجوده وسخاه، وهذه الصفات إنما هي نتاج الإيمان باليوم الآخر.
أما من خلا قلبه من الإيمان بالآخرة، وسكن فؤاده حب الدنيا، عَسُرَ عليه قبول الحق، وربما قُطعت عنه مادة الاهتداء، وهي إسماع قلوب وإفهامه ما ينفعه؛ وذلك لعدم قبوله وانقياده، "فإن الرجل إنما ينقاد للحق، بالخير الذي فيه، والميل إليه، والطلب له، ومحبته، والحرص عليه، والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس قلوبهم شيء من ذلك"(1).
فالإيمان باليوم الآخر أثره في القلب، كأثر الغيث النازل من السماء، الواقع في أرض طيبة قابلة، فأمسكت الماء وانبتت الكلأ والعشب، فالماء في نفسه رحمة وحياة، ووافق أرضاً قابلة له، فأصابها من هذه الرحمة والحياة، وهكذا أثر الإيمان بالآخرة، يقع على القلب المريض، فيفيض عليه من الأنوار، ما يكون سبباً في حياته واستقامته.
ولذا فلا بدّ من أمرين للعبد في هذا المقام:
1) التذلل للأمر، وذلك بتلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال، ومواطأة الظاهر الباطن، مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل، والإعانة عليه حال الفعل، وقبوله بعد الفعل.--------------------------------------------
(1) ابن القيم: إغاثة اللهفان: (2/ 171)، ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية -بيروت، ط 2 - 1393 هـ، ص (206).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 658)
2) الاستسلام للحكمين: الشرعي، بعدم معارضته برأي، أو شهوة والقدري: بعدم تلقيه بالسخط، والكراهة، والاعتراض(1).
2 - عدم الخوف من المستقبل:
إن أكثر ما يُشعر المرء بالحزن واليأس، هو خوفه من المستقبل الأخروي قبل الدنيوي، فالخوف من المستقبل الدنيوي منوط بأسباب ومسببات وكلها بمشيئة الله تعالى، ومع سؤال الله تعالى التوفيق، والأخذ بالأسباب قد يحصل للمرء نوع أمان واطمئنان لمستقبله، إلا أنه لا يزال هذا المستقبل مشوباً بالمنغصات، فإن سلم من الفقر لم يسلم من العطب، وإن سلم من العطب لم يسلم من حوادث الدهر، فهنا يعيش المرء بين إحجام وإقبال محاط بأوهام وخيالات، ربما أهلكته قبل أن يصل إلى الحلم المنشود.
ومع تلاطم هذه الأفكار المظلمة، والأوهام المحزنة، يسطع نور الإيمان وشعاع الأمان والاطمئنان، فيضيء له الطريق، وينير له الدروب، وحين يتغلغل حب الآخرة في قلب المسلم، يسلم من كل هذه الأوهام التي أقلقته والمخاوف التي أزعجته؛ لأنه يعلم أنه بتوكله على الله تعالى، واعتماده عليه وصدق الالتجاء إليه، واحتسابه الأجر لديه، تتبدد كل هذه المخاوف والأوهام، فلا تبقى حينئذ أي مخاوف تصيب المؤمن، الذي أيقن أن الدنيا معبر للآخرة، وأن ما عند الله خير وأبقى.
إن الإيمان باليوم الآخر يورث القلب ثباتاً، والنفس طمأنينة، تمكنه من مواجهة ما يدهمه من القلق والأوهام، بل وتوطن نفسه لمدافعة هذا الألم المزعج.
أما من خلا فكر الآخرة عن قلبه، فسرعان ما تتكالب عليه المخاوف وتتمكن منه المزعجات، فتنهار قواه، وتتشتت أفكاره، ويجتمع عليه من الخوف الخارجي، والقلق الباطني، ما يفقده توازنه وصبره، خصوصاً في المحال الحرجة، والأحوال المحزنة المزعجة.--------------------------------------------
(1) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (1/ 518).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 659)