Arabic source text

📘 আল ঈমান বিল ইয়াওমিল আখির ওয়া আসারুহু আলাল ফারদি ওয়াল মুজতামা (মাজেন বিন মুহাম্মদ বিন ঈসা)

📘 الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع (مازن بن محمد بن عيسى)

📘 আল ঈমান বিল ইয়াওমিল আখির ওয়া আসারুহু আলাল ফারদি ওয়াল মুজতামা (মাজেন বিন মুহাম্মদ বিন ঈসা)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
إن الإيمان باليوم الآخر، له أكبر الأثر على النفس البشرية في تحمل أعباء الطاعة، بل والتلذذ بها، يقول الإمام ابن كثير في تاريخه في ترجمة روح بن زنباع: "وقد حج مرة، فنزل على ماء بين مكة والمدينة، فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل، إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه، وقال: إني صائم، فقال له روح: في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامي من أجل طعامك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكاناً فنزله، وترك روح بن زنباع، فقال روح بن زنباع:
لقد ضننت بأيامك يا راع إذ جاد بها ورح بن زنباع
ثم إن روحاً بكى طويلاً، وأمر بتلك الأطعمة فرفعت، وقال: انظروا هل تجدون لها آكلاً من هذه الأعراب، أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان، وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه، وصغرت إليه نفسه"(1).
ويقول الإمام ابن رجب وهو يحكي حال بعض الصالحات، من صاحبات علو الهمة في الطاعة:" كانت بعض الصالحات، تتوخى أشد الأيام حراً فتصومه، فيقال لها في ذلك، فتقول: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد تشير إلى أنها لا تؤثر إلا العمل، الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس لشدته عليهم، وهذا من علو الهمة "(2).
وقد بلغ الحال في علو الهمة عند الأكابر أنه لو قيل لأحدهم: إنك غداً تموت، أو إن القيامة غداً ما ازداد من عمله؛ لأن حياته كلها مليئة بأنواع الخيرات، وصنوف الطاعات.--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، ط 1 1408 هـ، (9/ 68).
(2) ابن رجب: لطائف المعارف، دار ابن حزم، ط 1 1424 هـ، ص (322).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 700)

فهذا زكريا بن يحي بن عبد الملك، كان من كبار الأخيار، يقول محمد بن جعفر بن سام: لو قيل لأبي يحي الناقد: غداً تموت ما ازداد في عمله، وقال:" اشتريت من الله تعالى حوراء، بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول: وفيت بعهدك، فها أنا التي قد اشتريتني، فيقال: إنه مات عن قريب"(1).
وهذا صفوان بن سليم الزهري، أحد الأكابر، يقول عنه أنس بن عياض: "رأيت صفوان بن سليم لو قيل له: غداً القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة"(2).
وهذا حماد بن سلمة، الزاهد العابد، يقول عنه الإمام عبد الرحمن بن المهدي:" لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزد في العمل شيئاً "(3)، ولذا حَسُنت خاتمته، فمات في المسجد وهو يصلي.
ويحكي حماد بن سلمة، عما رآه من همة أبي سليمان التيمي فيقول: "ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل، إلا وجدناه مطيعاً، فإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا، فإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً، أو مريضاً، أو مشيعاً لجنازة، أو قاعداً يسبح في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز وجل"(4).
إن همم الصحابة رضي الله عنهم أعلى الهمم، فقد بلغوا في الطاعة غايتها إلا أن بعضهم غلا في التعبد، رغبة في الأجر، حتى حرموا أنفسهم الحلال.--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (1/ 517).
(2) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (1/ 384).
(3) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (2/ 214).
(4) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (2/ 176).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 701)

أخرج الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(1).
الهمة العالية في الطاعة، ليست مستلزمة لترك ملاذ الدنيا، وما أحل الله جل وعلا فيها، فالعبادة مع الحياة تمثل علاقة تكامل، وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، وهذه أعمال لا يقوم بها إلا أهل الهمم الصلبة، والنفوس الزكية الأبية.
يقول الإمام ابن القيم: "فالهمة العالية على الهمم، كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت، بعدت عن وصول الآفات إليها(2).
ويصدق عليهم قول القائل:
له همم لا منتهى لكبارها … وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها على البر كان البر أندى من البحر(3)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح ح (5063) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة ح (1401).
(2) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (3/ 163)
(3) وهو قول بكر بن النطاح، قاله للقاسم بن عيسى، انظر: المبرد: الكامل في اللغة والأدب (3/ 95).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 702)

‌‌8 - يورث محاسبة النفس:
كل من أيقن بموقف الحساب بين يدي الله عز وجل، وعلم أنه مسؤول عن الصغير والكبير، والجليل والحقير من أعماله، اجتهد في محاسبة نفسه في الحياة قبل الممات، وهذا شأن العاقل الحصيف، يقول ابن المقفع: "وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها، والقضاء عليها، والإثابة، والتنكيل بها"(1). … فمتى حاسب العاقل نفسه في الدنيا، شعر براحة النفس، وطرق أبواب … السعادة، الجالبة لمحبة الله جل وعلا ورضوانه.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)} [الحاقة:18] "(2)، وقال الحسن: "المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل، وإنما خف الحساب يوم القيامة، على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة، على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة "(3).
وقد أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفس، يقول الإمام العز بن عبد السلام:" أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفوس، فيما سلف في الأعمال وفيما يستقبل منها "(4).--------------------------------------------
(1) ابن المقفع: الأدب الصغير والأدب الكبير، دار صادر -: ص (18).
(2) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة، باب ح (2459).
(3) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1406 هـ، ص (60).
(4) العز بن عبد السلام: مقاصد الرعاية، دار الفكر - دمشق، ط 1 1416 هـ، ص (18).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 703)

وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} [الحشر:18] قال الإمام ابن القيم:" والمقصود من هذا النظر: ما يوجبه ويقتضيه، من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله "(1)، ولذا فإن صلاح القلب، بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها … والاسترسال معها(2).
وقد ذكر الأئمة جملة من الفوائد والمصالح المترتبة على محاسبة العبد لنفسه ومنها:
1 - اطلاع النفس على عيوبها.
2 - وأن يعرف العبد بذلك، حق الله تعالى عليه.
3 - وتضعف الأعمال السيئة وتوقفها.
4 - وتحض الإنسان على أعمال الخير.
5 - وتخلص النفس من العجب، ورؤية العمل.
6 - وتفتح للإنسان باب الذل والانكسار، والخضوع لله تعالى.
7 - وتوجب للإنسان أن يمقت نفسه، ويعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ورحمته(3).
وكل ما ذكر هو أثر من آثار استحضار الآخرة، ومشاهدة أحوالها وأهوالها ولذا انعكست هذه المحاسبة على نفوس المؤمنين، فأصبحوا في مخاصمة مع النفس، يسعون لأطرها على الحق أطراً، فهذا إبراهيم النخعي الإمام الزاهد العابد، يقول: ما قرأت هذه الآية قط إلا ذكرت الماء البارد: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ:54](4).--------------------------------------------
(1) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (1/ 187)
(2) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (1/ 84)
(3) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (1/ 84)
(4) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1410 هـ، (6/ 286)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 704)

ومقام المحاسبة في الدنيا، يقود إلى إحسان العمل، والاجتهاد في الطاعة والعبادة، يقول إبراهيم التيمي: مَثَّلثُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مَثَّلثُ نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس، أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي(1).
ومن هنا قال الحسن: إن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله تبارك وتعالى(2).
ويقول أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرة وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبداً. قال أبو بكر: فما نسيتها بعد(3).
وهذه المحاسبة التي تقود إلى الله تعالى، والتي منبعها الخوف من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، هي التي كان عليها السلف، وهم أحرص الناس على الآخرة، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه، سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً، وخرجت معه حتى دخل حائطاً، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: (عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخٍ، والله لتتّقينّ الله ابن الخطاب، أو ليعذبنك)(4).--------------------------------------------
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 405).
(2) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1406 هـ، ص (122).
(3) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1406 هـ، ص (122).
(4) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1406 هـ، ص (123).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 705)

ومما يُذكر في هذا المقام ما حكاه الكتاني قال: حُكي لي عن رجل من أهل الرقة، أنه كان محاسباً لنفسه، فنظر يوماً فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا في أحد وعشرين ألف يوم وخمس مائة يوم، قال: فصرخ صرخة وخر مغشيا عليه، وقال: يا ويلتاه … ألقى ربي بأحد وعشرين ألف وخمس مائة ذنب؟ على أن يكون في اليوم ذنب واحد، فكيف ولي في كل يوم عشرة آلاف ذنب! قال: فغشي عليه ثانياً، فحركوه فإذا هو ميت(1).
وهذه المحاسبة تبعث على أثر آخر، من آثار الإيمان باليوم الآخر، وهو:

‌‌9 - التوبة إلى الله عز وجل:
يقول الإمام ابن القيم:" التوبة بين محاسبتين، محاسبة قبلها تقتضي وجوبها ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها، فالتوبة محفوفة بمحاسبتين "(2). ولذا كانت منزلة التوبة من المنازل العظيمة، والمقامات الجليلة، يقول الإمام ابن القيم:" ومنزل التوبة، أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته"(3).
والتوبة النصوح والاستمرار عليها، أمر عزيز، يحتاج إلى صبر ومجاهدة والناس في هذا المقام على طبقات:
- فمنهم من يستقيم على التوبة إلى آخر عمره.
- ومنهم من يتوب، ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب، فيقدم عليها؛ لعجزه عن قهر الشهوة.
- ومنهم من يتوب، ويجري مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكاً، من غير أن يُحدّث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله فيخاف على هذا من سوء الخاتمة(4).--------------------------------------------
(1) أبو عبد الرحمن السلمي: الفتوة، دار الرازي - الأردن، ط 1 1422 هـ، ص (23).
(2) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (1/ 187).
(3) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (1/ 196).
(4) ابن قدامة: مختصر منهاج القاصدين، دار البيان - دمشق، 1398 هـ، ص (266).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 706)

إن أنجع دواء للتوبة، معرفة أسباب الداء، ثم القضاء عليه، فسبب الإصرار على الذنوب، والبعد عن علام الغيوب: الغفلة والشهوة، ولا يضاد الغفلة إلا العلم، ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة، "فلا دواء للتوبة، إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر"(1).
ولذا كان مجمل ما ينبغي على العبد في التوبة، وما تعلق بها عشر خصال(2):
1 - فرض عليه ألاّ يعصي الله تعالى.
2 - إن ابتلى بمعصية لا يُصرُّ عليها.
3 - التوبة إلى الله تعالى منها.
4 - الندم على ما فرط منه.
5 - عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت.
6 - خوف العقوبة.
7 - رجاء المغفرة.
8 - الاعتراف بالذنب.
9 - اعتقاد أن الله تعالى قدَّر ذلك عليه، وأنه عدل منه.
10 - المتابعة بالعمل الصالح؛ ليعمل في الكفارات لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا «(3).
وأولى ما يدفع المرء إلى التوبة، خوف خاتمة السوء، ولقاء الله تعالى بما يغضبه، ووقوفه بين يديه، فذكرى الآخرة في القلوب، حياة لها.
"قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدو إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: يا عمر، اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة"(4).--------------------------------------------
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 5).
(2) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2 - 1426 هـ (1/ 304).
(3) أخرجه الترمذي جامعه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس ح (1987) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (4/ 355) مكتبة البابي - مصر، ط 2 - 1395 هـ.
(4) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، 1415 هـ، (45/ 151).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 707)

كلمات الغلام، أقضت مضجع عمر، وحركت مكامن الخوف في داخله ولكنها انتزعت الشاب المرفه، فجعلته في قامة العباد الزاهدين. وكم أقضّت هذه الكلمات مضاجع الصالحين، وأراقت دموع الخائفين الوجلين، فهذا حرم بن حيان العبدي، يحكي عن حممة بن أبي حمية الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: إنه بات عنده، فرآه يبكي الليل أجمع، فقال له هرم: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تتناثر النجوم(1).
وحكى الإمام الذهبي في السير: "أن بعض الخلفاء سأل عمر بن ذر عن القدر، فقال: هاهنا ما يُشغل عن القدر؟ قال: ما هو؟ قال: ليلة صبيحتها يوم القيامة، فبكى وبكى معه "(2).
ولذا يقول أبو نواس(3):
سبحان ذي الملكوت أيَّة ليلة … مخضت صبيحتها بيوم الموقف
لو أن عيناً وهّمتها نفسها … ما في المعاد محصلاً لم تطرف
إن ذكرى الآخرة، أقوى معين على التوبة، يقول الحماني: كان بدء توبة داود الطائي، أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول:
مقامي إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يُرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة … وتسلى كما تبلى وأنت حبيب(4)

‌‌خلاصة المطلب:
أن الإيمان باليوم الآخر، له دور فاعل، في بناء الأخلاق الفاضلة، وردم الأخلاق السيئة المهينة.
وأن الإيمان باليوم الآخر، يخلق في نفس المؤمن أملاً، بأن حقه لن يضيع وعمله لن يذهب سدى، لذا فهو يسعى بكل ما أوتي من قوة، نحو الأعمال الصالحة؛ مخافة أن يدركه الموت قبل أن يدركها.
وأن الإيمان باليوم الآخر، مشعل نور وهداية للمؤمن، ينير له دروب السعادة، فيعيش هادئ البال مطمئنا، لا تزعجه حوادث الدهر، راضياً بما قضاه الله وقدر.--------------------------------------------
(1) ابن الأثير: أسد الغابة، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1، (2/ 75).
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث - القاهرة، 1427 هـ، (6/ 387).
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث - القاهرة، 1427 هـ، (8/ 48).
(4) ابن قدامة: كتاب التوابين، دار ابن حزم، ط 1 1424 هـ، ص (126).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 708)

وأن الإيمان باليوم الآخر، يرقى باهتمامات الفرد المسلم، فيغرس في نفسه علو الهمة، والرقي نحو الكمال، وينقل اهتماماته من الدنيا إلى الآخرة؛ لأن الآخرة دار الجزاء، فحينها يشعر المرء بحاجته لخلق توازن بين عمل الدنيا والآخرة.
وأن الإيمان باليوم الآخر، له أثره على الفرد المسلم، فيرقى بعباداته وعاداته فعبادته ترقى لدرجات الإتقان والإحسان، وعاداته ترقى لتصل لمقام العبادات بالنية الصالحة، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "إني احتسب نومتي كما احتسب قومتي "(1).
وأن الإيمان باليوم الآخر، يجعل لحياة المرء هدفاً وغاية، يسعى لتحقيقها والوصول إليها، ويبذل في سبيل تحقيق أهدافه، كل ما يملك من إمكانات ولذا فإن من أثر هذا الإيمان، أنه يرقى بحياة الفرد؛ لتصل إلى الكمال المنشود وليعيش حياة سعيدة، لها أهداف بعيده، وغايات محمودة، وبذا تختلف حياته عن حياة البهائم.
وأن الإيمان باليوم الآخر، يُعين المرء على الحفاظ على وقته والضن به وعدم صرفه إلا فيما يعود عليه بالنفع، ويشعره بكمال المسؤولية عليه؛ لأنه سيسأل عنه يوم القيامة. وأن الإيمان باليوم الآخر ، يُعلي الإنسان على رغبات نفسه، ويجعلها قادرة على مواجهة إغراءات النفس، فيقوى على كبح جماحها واطرها على الحق. وأن الإيمان باليوم الآخر، بوابة لاكتساب الكثير من الأخلاق الحميدة، والأعمال الفاضلة، فتجد المرء محباً للخير، ساعياً في أبواب البر، تظهر عليه آثار هذه الأخلاق الكريمة، من الرحمة، والشفقة والإحسان، والإيثار، والإنفاق، والبشاشة، والتواضع، جماع أمره … {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2].--------------------------------------------
(1) ابن رجب: لطائف المعارف، دار ابن حزم، ط 1 1424 هـ، (125).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 709)

وأن الإيمان باليوم الآخر، يجعل الإنسان كثير الحيطة والحذر، يخشى من مواقعة المحارم؛ خوفاً من موافاة الأجل، وهو على هذه الحال السيئة، ولذا فإن الإيمان باليوم الآخر، يهيئ المؤمن لأن يلقى ربه بعمل صالح، يرجو به رحمته. وأن الإيمان باليوم الآخر، يكسب المؤمن العزة، فلا يخاف في مواقف الشدة أحداً إلا الله تعالى. وإن الإيمان باليوم الآخر، يؤدي إلى إفاضة السلام على روح المؤمن وعالمه، ونفي القلق، والسخط والاضطراب، والقنوط(1). … وأن الإيمان باليوم الآخر، حاجز دون الصراع المجنون المحموم، الذي تداس فيه القيم، وتهان فيه الحرمات، بلا تحرج ولا حياء، فالآخرة فيها عطاء، وغناء، وعوض عما يفوت.
"وهذا التصور من شأنه، أن يفيض السلام على مجال السباق والمنافسة وأن يخفف السعار الذي ينطلق من الشعور، بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود "(2).--------------------------------------------
(1) أحمد فائز: اليوم الآخر في ظلال القرآن، مؤسسة الرسالة - بيروت: ص (17 بتصرف)
(2) أحمد فائز: اليوم الآخر، في ظلال القرآن، مؤسسة الرسالة - بيروت: ص (17 بتصرف)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 710)

‌‌المبحث الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع
لا يخلو أي مجتمع من أفراد، والحكم على أي مجتمع بالصلاح أو الفساد منوط بأفراده، ولذا سعت الأمم لاستصلاح مجتمعاتها بشتى الوسائل فبذلت من أجل ذلك كل إمكاناتها، وسخرت كل طاقاتها؛ أملاً منها بقيام مجتمع صالح، وبيئة يمكن من خلالها، ممارسة الفرد لحقه دون ممانع.
إلا أن المجتمعات التي قامت على استصلاح أفرادها، على مبدأ دنيوي بحت، ثم أتاحت له كل المغريات وأنواع المنكرات، رغبة منها لإسعاد أفرادها، قد سقطت في أوحال الرذيلة، والأخلاق المشينة ، ففسد المجتمع وانحطت الأخلاق، وساءت المعاملة، ولم يبق لمعاني الرحمة، والتعاون والتكافل فيها أثر؛ لأن كل فرد في هذا المجتمع، يسعى لملء رغباته وإشباع نزواته، دون أي وازع ولا رقيب، فانهارت هذه المجتمعات أخلاقياً، وسلوكياً، ونفسياً، وإن ظهر لها نوع تقدم في النواحي الدنيوية المادية، إلا أنها في الحقيقة، دمرت أخلاقيات المجتمع، وهدمت سمعة أفراده.
فهذه المجتمعات وأمثالها التي خلت عن المعاني الإنسانية السامية، هي وإن كانت تشبع رغبات أفرادها المادية، إلا أنها أعجز المجتمعات، عن إشعارهم بالطمأنينة والسعادة، وأبعدها عن جعلهم جسداً واحداً متماسكاً متوادين، متراحمين، متعاطفين.
ولذا انهارت هذه المجتمعات، وانحدرت للهاوية، فلا غرابة حينها، أن تشيع في هذه المجتمعات الأنا الذاتية والأنانية، وغيرها من الأخلاق المشينة نتيجة لغياب الدين في حياتهم، وعدم الرقابة المبنية على خوف المجازاة في الآخرة.
أما المجتمعات القائمة على مبدأ الرقابة الذاتية، والخوف من الجزاء الأخروي، فهي مجتمعات متماسكة متلاحمة، مترابطة، مستقرة، بعيدة كل البعد عن الأنانية المفرطة، والنزعات المغرضة.
إن المجتمعات المسلمة، تُربي أفرادها على معرفة الحقوق والواجبات، فكل فرد في المجتمع المسلم، له حقوق يجب أن تستوفى له، وعليه واجبات يجب أن يقوم بها على أكمل وجه، ولذا متى قصّر في أداء هذه الواجبات، لحقه العتب وربما العقاب.
ومن هنا يُلزم الأفراد في هذه المجتمعات، بتقديم كل ما فيه رُقي أخلاقي واجتماعي، وهي من الحقوق التي أناطها الإسلام بالأفراد.
والإسلام يربي أفراده على الرقابة الذاتية، وعلى منهج الإحسان الذي يستشعر فيه المسلم معية الله ورقابته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 711)

"وحين توجد في القلب هذه الحساسية المرهفة تجاه الله، تستقيم النفس ويستقيم المجتمع، وتستقيم جميع الأمور، ويعيش المجتمع نظيفاً من الجريمة نظيفاً من الدنس، نظيفاً من الأحقاد؛ لأنه لا يتعامل في الحقيقة بعضه مع بعض، وإنما يتعامل أولاً مع الله"(1).
إن الإيمان بالآخرة، له أثره الفعال في إقامة مجتمع راقي المشاعر، راقي التفكير، طاهر في العمل والتعامل.
إن الإيمان بالآخرة، جدير بتحقيق الأخلاق الفاضلة المطلقة، في السلوك والحياة، تحقيقاً فعليا مستمراً ثابتا غير متقلب، بلا نفاق، ولا رياء، وهذا لا يكون إلا نتيجة حتمية للإيمان باليوم الآخر(2).
ففرق بين المجتمعات التي قامت على أسس الأخلاق، فعاشت عيشة هنية رضية حميدة، وماتت ميتة شامخة سعيدة، وبين المجتمعات التي قامت على أنقاض الأخلاق الحميدة، وتنكرت لكل الآداب الكريمة، والعادات السليمة المستقيمة.
فعاشت في ظلها، عيشة نكدة خالية عن كل معاني الإنسانية، وماتت ميتة سيئة، لم تخلف إلا الدمار الأخلاقي، والضياع الأسري، والتفكك الاجتماعي؛ لأنها لم تحفظها بسياج يحميها من الانهيار ،كما حُفظت في المجتمعات المسلمة، الموقنة المصدقة بما عند الله جل وعلا من الخير والفضل
الإيمان باليوم الآخر، له آثار إيجابية على المجتمعات ، تنعكس على أفراده فيعيش كل فرد من أفراده ، مطمئناً على نفسه، وعرضه، وماله في ظل الإسلام، في حين ترى أن المجتمعات التي خلت قواميسها عن الإيمان بالآخرة، مجتمعات سلبية، تكثر فيها العداوة والبغضاء والحسد، وتنتشر فيها الأخلاقيات السيئة، التي تهدد بخطر اجتماعي جسيم، فلا ينعمون بأمن، ولا يحظون برغد العيش، وإن شعروا به لحظة فقدوه لحظات، ولذا حياتهم مليئة بالخوف، الذي يهدد كيانهم النفسي، والأخلاقي، والاجتماعي.
وللإيمان باليوم الآخر آثار حميدة على المجتمعات وتنتظم هذه الآثار في مسألتين:--------------------------------------------
(1) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، ط 16، (1/ 59).
(2) النحلاوي: أصول التربية الإسلامية، دار الفكر، ط 25 1428 هـ، ص (83 بتصرف).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 712)

1) أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية التعبدية.
2) أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية السلوكية والأخلاقية.

‌‌المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية التعبدية
لا شك أن المجتمعات التي تعيش في ظل الإسلام، الذي من أصوله وأركانه: الإيمان باليوم الآخر، ستعيش في ظلال هذه العقيدة في أمن وأمان يرفل أفرادها برغد العيش، وطمأنينة النفس، وستنشأ في هذه المجتمعات، كثيرا من المبادئ والقيم الإنسانية؛ لأن قوام هذه المجتمعات المسلمة على الإيمان الذي يتيح للمرء الأخذ المباح، ويوجب عليه الإعطاء، يقول جل وعلا في تعداد صفات المؤمنين: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)} [المعارج:24 - 25].
ولذا فإن أثر الإيمان باليوم الآخر، على هذه المجتمعات من الناحية التعبدية أثر كبير، يظهر في الصور التالية:

‌‌1 - ينمي روح التآخي، ويزيد الألفة بين أفراد المجتمع:
الأخوة الإسلامية ركيزة رئيسة، من مرتكزات المجتمعات المسلمة، ولذا كان هذا الرباط بين المسلمين، هو رباط تذوب فيه العصبيات، وتسقط فيه فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد، أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه(1). ولذا كانت هذه الركيزة، هي إحدى الأسس التي بُني عليها المجتمع المسلم الأول، حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقد ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم عمله في المدينة النبوية، بإيجاد الروابط التي تربط آحاد الجماعة الإسلامية وتُكَوِّن وحدة تضم بها العناصر المختلفة الأنساب والأماكن، وأن يجعل من ذلك المختلف أنساباً وقبائل، مجتمعاً مؤتلفاً في شعوره، تمحى فيه الفوارق(2).--------------------------------------------
(1) محمد الغزالي: فقه السيرة، دار القلم - دمشق، ط 1 1427 هـ، ص (179).
(2) أبو زهرة: خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، دار الفكر العربي - القاهرة، 1425 هـ، (2/ 490).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 713)

وإن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد: يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد، بإمرة قائد واحد(1). الأخوة الصادقة هي التي تؤتي ثمارها في الدنيا قبل الآخرة، بخلاف الأخوة المزيفة، التي بنيت على المصالح المادية فقط، فسرعان ما تنهار، أما في الآخرة فالقرآن أبان العلاقات الباقية والمنتهية، يقول المولى جل وعلا: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)} [الزخرف:67]، في ذلك اليوم العظيم تنقطع كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله تعالى، وتنقلب عداوة ومقتاً، إلا خلة المتصادقين في الله تعالى، فإنها الخلة الباقية(2).يقول الإمام ابن عطية عن القيامة:" وإنها لهول مطلعها والخوف المطبق بالناس فيها، يتعادى ويتباغض كل خليل كان في الدنيا على غير تقى؛ لأنه يرى أن الضرر دخل عليه من قبل خليله، وأما المتقون فيرون أن النفع دخل بهم من بعضهم على بعض، هذا معنى كلام علي رضي الله عنه"(3).
إن الحافز لحسن الصحبة، وكمال المودة، وصفاء الأخوة، هو الإيمان بما أعده الله تعالى للمتحابين في الآخرة، من الخير العميم، والفضل الكبير:
فالأخوة الصادقة، سبب من أسباب الاستظلال بظل العرش يوم القيامة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، ....... وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ عز وجل، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ..... «(4).--------------------------------------------
(1) محمود شبث خطاب: الرسول القائد، دار الفكر - بيروت، ط 6 1422 هـ، ص (71).
(2) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط 1 1419 هـ (3/ 280)
(3) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1422 هـ (5/ 63)
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين ح (1423) ، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة ح (1031).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 714)

وهي كذلك سبب لنيل محبة الله تعالى: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ « …(1).
إن الأخوة الإسلامية الصادقة، تعني:
- إزالة الفوارق الطبقية والاجتماعية، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
- القوة والاجتماع على الحق.
- التعاون في مقارعة الباطل الدعي، والهوى الزائف.
- تقوية أواصر المحبة.
- تحقيق التكافل والعدالة الاجتماعية.
- بناء مجتمع إسلامي، يعرف كل فرد ماله وما عليه.
ومن مقتضيات الأخوة الإسلامية الصادقة(2).
- حسن العشرة.
- وحسن الظن.
- وحفظ العهد.
- وإقلال العتاب.
- والتواضع، والإيثار والكرم.
- وحفظ الأسرار، والذب عن الأعراض.
- واحتمال الأذى.
- والتغافل، وقبول الاعتذار، وفي هذا يقول الأبرش:
هبني أسأت كما زعمت … فأين عاطفه الأخوة
أو إن أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروة(3)--------------------------------------------
(1) أخرجه مالك في ا/موطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في المتحابين في الله ح (3507).
(2) محمد الغزي: آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة، مطبوعات مجمع اللغة العربية: ص (56).
(3) ابن حبان: روضة العقلاء، دار الكتب العلمية - بيروت ص (185).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 715)

‌‌2 - أن يأخذ الإنسان ما له، ويؤدي ما عليه:
وهذا الأثر من الآثار الرئيسة للإيمان باليوم الآخر، الذي ينتج عنه طمأنينة المجتمع، والشعور بالأمن والعدالة، وذلك أن الإيمان باليوم الآخر، له أثره المباشر على الأفراد جميعاً، فمتى وقر الإيمان بالآخرة في القلوب، ورجت ما عند علام الغيوب، آثرت أن تعيش مع الآخرة، ولا تنس نصيبها من الدنيا وهذا مؤداه الطبيعي، أن يقوم كل فرد من أفراد المجتمع، بأداء واجباته تجاه بقية الأفراد، ولا يمكن حينها أن يضيع حق، أو توجد مظلمة. وبعيداً عن المثالية المجتمعية، يمكن القول بأن معدلات التظالم بين الأفراد، تقل كثيراً حين يوجد الوازع الديني، المبني على الخوف من الله تعالى، ورجاء ما عنده في الدار الآخرة؛ لأنه متى تيقن الفرد الجزاء والحساب، وأن مظالم العباد تُوفى فيها بالحسنات والسيئات، أخذ ما له، وأدى ما عليه؛ ليقدم على ربه خفيف الحمل من أعباء المظالم.
أما حين يغيب زاجر الآخرة عن القلوب، فلا تسل حينها عن فقد كثير من المعاني الإنسانية، التي ينتج عن فقدها، الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل والتعدي على الحرمات.
ومن هنا لا يمكن أن تعيش المجتمعات آمنة مطمئنة، ترفل بالسعادة والرفاهية، ورغد العيش، إلا في ظل الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر.
وهذا الأثر ينتج أثراً آخر، من آثار الإيمان باليوم الآخر وهو:

‌‌3 - رد الحق لأهله (رد المظالم):
إن رد المظالم، من شروط قبول التوبة النصوح، وهي التي قيل عنها: "التوبة النصوح: هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات"(1).
والموفق من حاسب نفسه، وتدارك وقته، ورد المظالم، وتحلل كل من تعرض له بلسانه، ويده، وحتى سوء الظن بقلبه؛ حتى يلقى الله سبحانه ولم تبق عليه مظلمة.--------------------------------------------
(1) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط 1 1415 هـ، ص (216).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 716)

"وإن مات قبل رد المظالم، أحاط به خصماؤه، فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بلببه، هذا يقول: ظلمني، وهذا يقول: شتمتني وهذا يقول: استهزأت بي، وهذا يقول: ذكرتني في الغيبة بما يسوؤني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول: عاملتني فغششتني، وهذا يقول: بعتني فغبنتني، وأخفيت عني عيب سلعتك، وهذا يقول: كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول: رأيتني محتاجاً، وكنت غنياً فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلوماً، وكنت قادراً على دفع الظلم عني فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينا أنت كذلك، وقد أنشب الخصماء فيك مخالبهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحير من كثرتهم وقد ضعفت عن مقاومتهم، ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك؛ لعله يخلصك من أيديهم، إذ قرع سمعك نداء الجبار جل جلاله: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)} [غافر:17] "(1).
فقه هذا الأمر عمر بن عبد العزيز فرد المظالم، يقول محمد بن قيس: "رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلى العشاء، دعا بشمعة من مال الله؛ ليكتب في أمر المسلمين والمظالم، فترد في كل أرض، فإذا أصبح جلس في رد المظالم، وأمر بالصدقات أن تقسم في أهلها، فلقد رأيت من يُتصدق عليه في العام القابل له إبل فيها صدقة"(2)، هذه صورة العدل ونتيجته.--------------------------------------------
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 521).
(2) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1410 هـ (5/ 268).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 717)

وذكر أهل التأريخ شيئاً من هذا، عن الملك المؤيد المظفر شمس الدين الإيلتمش التركماني، السلطان الصالح، فإنه "كان عادلاً صالحاً فاضلاً ومن مآثره: أنه اشتد في رد الظالم، وإنصاف المظلومين، وأمر أن يلبس كل مظلوم ثوباً مصبوغاً، وأهل الهند جميعاً يلبسون البياض، فكان متى قعد للناس أو ركب، فرأى أحداً عليه ثوب مصبوغ، نظر في قضيته، وإنصافه ممن ظلمه، ثم إنه أعيي في ذلك فقال: إن بعض الناس تجري عليهم المظالم بالليل، وأريد تعجيل إنصافهم، فجعل على باب قصره أسدين مصورين من الرخام، موضوعين على برجين هناك، وفي أعناقهما سلسلتان من الحديد فيهما جرس كبير، فكان المظلوم يأتي ليلاً، فيحرك الجرس فيسمعه السلطان وينظر في أمره للحين وينصفه"(1).
وهذا الأثر الإيماني الناشئ من الإيمان باليوم الآخر، سبب لـ:

‌‌4 - الشعور بالطمأنينة والأمن الدائمين:
ما فشا العدل، وانتفى الظلم، في مجتمع من المجتمعات، إلا وشعر أفراده بمنتهى الطمأنينة، وتمام السكينة، وحلول الأمن. إن الحياة معادلة سهلة الحل معروفة الأبعاد:
فالحياة الخالية من معاني الظلم، والأذى، والغش، هي نتاج الإيمان بالآخرة المؤدي إلى السعادة والطمأنينة، وإقامة العدل بين أفراد المجتمع.
يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [الأنعام:82].--------------------------------------------
(1) ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، أكاديمية المملكة المغربية - الرباط، 1417 هـ، (3/ 121).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 718)

فهذه الآية الكريمة، تعكس صورة المجتمع الذي يعيش بين الاهتداء والأمن، شريطة وجود الإيمان وانتفاء الظلم بجميع أنواعه، فهم آمنون من المخاوف والعذاب والشقاء، مهتدون إلى صراط الله المستقيم، وهذا الأمن والاهتداء حاصل بقدر إيمانهم،" فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً لا بشرك ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل كمالها"(1).

‌‌5 - مصدر من مصادر القوة للأفراد لمواجهة الباطل:
إن الباطل بجميع صوره وأنواعه، يقف حاجزاً أمام العاجزين، الذين لم تمتد أبصارهم إلى ما وراء الماديات، فلم يعرفوا إلا الحياة الدنيا، فاشتغلوا بها وجعلوها غاية ومقصداً، ولذا فهم عاجزون عن دفع أي شبهة وشهوة بخلاف من امتدت نفوسهم إلى ما وراء الماديات، وتعلقت قلوبهم بفاطر الأرض والسماوات، تجدهم أثبت الناس عند الفتن، وأشدهم في مواجهة الباطل.
فالقرآن الكريم يحكي عن سحرة فرعون، الذين أُغدق عليهم من نعيم الدنيا الموهوم، لم يشعروا بلذة السعادة والطمأنينة، إلا حين آمنوا بالله تعالى، فقالوا لفرعون بعد أن توعدهم: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} طه 72، أي:" أمرك وسلطانك في هذه الحياة الدنيا، وسيزول عن قريب"(2)، فإن قضاءك وحكمك إنما يكون في الدنيا، وهي كيف كانت فانية، وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمّل الضرر الفاني، المتوصل به إلى السعادة الباقية، وإن الذي يذكره فرعون محض الدنيا، وإن منافع الدنيا ومضارها، لا تعارض منافع الآخرة ومضارها(3).--------------------------------------------
(1) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ص (263).
(2) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط 1 1418 هـ (3/ 342).
(3) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (22/ 77 بتصرف).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 719)