لما وقّر الإيمان في قلوب السحرة، وعلموا ما عند الله جل وعلا من الأجر والفضل، قالوا: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)} [طه 73]، أي: والله جل وعلا خير لنا منك، وأبقى وأدوم ثواباً مما كنت وعدتنا ومنيتنا(1).
والعجيب أن السحرة حين آمنوا وصدقوا وأيقنوا، تحولوا في لحظة من كفر وضلال، إلى إيمان واطمئنان وإجلال، وتحولوا من كفرة صادين عن سبيل الله تعالى، إلى وعاظ هادين إلى سبيل الرحمن، فكان من تمام وعظهم، ما قالوه لفرعون يحذرونه من نقمة الله، وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)} [طه:74 - 76].
يقول الإمام القرطبي:" ومن قال هذا من قول السحرة قال: لعل السحرة سمعوه من موسى، أو من بني إسرائيل، إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضاً المؤمن من آل فرعون، قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهاماً من الله لهم، أنطقهم بذلك لما آمنوا"(2).
فهذا الثبات والرسوخ، أثر من آثار الإيمان بالآخرة، إذ هو المحفز للصبر والتحدي، ومواجهة الباطل بكل عدته وقوته، ولذا قُلبت راية الكفر والظلم في الصباح، إلى راية الإيمان والعدل والتضحية في المساء.--------------------------------------------
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع ت: سامي سلامة (5/ 305).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط 2 - 1384 هـ، (11/ 227).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 720)
وهذا الثبات والصبر على الإيمان، هو الذي دفع بزوجة الطاغية فرعون أن تجهر بالإيمان، ولا تخاف أحداً سوى الرحمن، فكانت تسأل من غلب؟ موسى أم السحرة؟ فقيل لها: غلب موسى وهارون، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فشدّد عليها فرعون الخناق، وأجرى عليها ألواناً من العذاب، إلا أنها حين أيقنت بما عند الله من الثواب قالت: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)} [التحريم:11]، فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، فنسيت ما هي فيه من العذاب وضحكت، فقالوا: هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب(1)، ضحكت حين علمت أن الله تعالى حقق لها أمنيتها في القربة والكرامة، فإنها طلبت جوار القربة، ولبيت في الجوار أفضل من ألف قصر غير الجوار(2).
وهذا الإيمان بحد ذاته، يُعطي المؤمن قوة، يدفع بها كل المصاعب والمتاعب التي تواجهه، وهو باب من أبواب الثبات بكل صوره ومعانيه.
6 - القناعة في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى:
وهذا هو ما ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وذلك حين رأى عمر رضي الله عنه، أثر الشريط في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «مَا يُبْكِيكَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ» قال: بلى، قال: هو كذلك(3).--------------------------------------------
(1) السمرقندي: بحر العلوم، دار الكتب العلمية - بيروت، 2010 م (3/ 472).
(2) القشيري: لطائف الإشارات، الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، ط 3، (3/ 609).
(3) البيهقي: دلائل النبوة (1/ 337)، وأصل الحديث في صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء ح (30)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 721)
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلق قلوب أصحابه بالحياة الآخرة، لأنها هي الدار الباقية أما الدنيا فلا أسف على فوات بعض مصالحها، فلو كانت الدنيا بما فيها من ملاذ، تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء؛ لحقارتها وقلتها، مع أن الحكمة "في إطعامهم، وإسقائهم، وإبقائهم: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"(1)، وهذا المقصود منه: التزهيد في الدنيا، والترغيب في العقبى(2).
يقول العلامة المناوي:" وهذا أوضح دليل، وأعدل شاهد، على حقارة الدنيا "(3).
فالنبي صلى الله عليه وسلم يشجع أصحابه رضي الله عنهم، بأن يكونوا من أصحاب الآخرة:
فيسمو بهممهم، ويعلو بأفئدتهم نحوها، فيقول عليه الصلاة والسلام في يوم الخندق مجيباً لأصحابه حين قالوا:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبداً
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة(4)
وقد قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»(5).
ومتى علم الإنسان أنه في الدنيا، ضيف مرتحل، وزائر منتقل، زهد فيها ورغب فيما عند الله تعالى من الفضل والكرامة.--------------------------------------------
(1) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (5/ 1733)
(2) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (8/ 3226)
(3) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط 1 1356 هـ (5/ 328)
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب ألا يفروا ح (2961).
(5) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ح (2377).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 722)
وقد ذكر الإمام ابن القيم بضعاً وعشرين مثلاً للدنيا، ضمن دلائل التفضيل بين صبر الفقراء، وشكر الأغنياء، ثم قال: "وقالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها، مع الرغبة في الله والدار الآخرة أبداً، ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد، إلا وطردت إحداهما الأخرى، واستبدت بالمسكن "(1).
7 - تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين:
إن الإيمان باليوم الآخر، يحقق هذا الشعور وينميه، بل ويحض عليه ويشدد النكير على من فرط، أو تهاون فيه.
إن القيام بالمسؤولية تجاه الآخرين شرف للإنسان، فهي مع دلالتها على كمال أهلية الفرد، إلا أنها تنبئ عن أخلاق رفيعة، تغلغلت في أعماقه … انتجت برا وإحسانا، وصلة وإكراما.
هذا الشعور نشأ وترعرع في ظل المراقبة والخوف من الله تعالى؛ لأن الجزاء أليم على من فرط، والعذاب كبير على من ضيع، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} [التحريم:6].
إن تقدم المجتمعات ورقيها، منوط بهذا الشعور، فمتى تنامى هذا الشعور وتربع على عروش القلوب، أدى كل فرد ما عليه، وحينها فقط يشعر أفراد المجتمع، بسعادة الحياة وتكاملها.
ومتى اضمحل هذا الشعور، وتخلى كل فرد عما اؤتمن عليه من المسؤولية فماتت الضمائر بعد حياتها، وانقلبت النفوس على أحضان الخير التي تربت عليها، عاش هذا المجتمع بعيداً كل البعد، عن معاني الإسلام السامية وقيمه السامقة؛ لأنه آثر الخيانة على الأمانة، فحين يتخلى الأمام الأعظم عن مسؤوليته، ويخون أمانته، ويغش رعيته، ينتشر الظلم والفساد، وحين يتخلى الأب عن مسؤوليته، تجاه أهل بيته، يعظم الخطر، ويفشو الضرر.
ولذا فإن الإيمان باليوم الآخر، هو السياج الحامي للمجتمعات، من الانزلاق في براثن الفساد، ومعاقل الرذيلة، والتي هي نتاج التهاون في المسؤولية.--------------------------------------------
(1) ابن القيم: عدة الصابرين، دار ابن كثير - دمشق، ط 3 1409 هـ، ص (247)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 723)
8 - قمع النفس عن الحرام والتزهيد فيه:
إن التمادي في التعدي على محارم الله تعالى، ينشؤ من طول الأمل، ونسيان الموت، وعدم تذكر الآخرة.
وإن من محاسن الشريعة الإسلامية الغراء، أنها حيث نهت عن الحرام عوضت عنه بدائل من الحلال المباح، وخاطبت النفوس بما يزجرها عن الوقوع في الحرام، فعاقبت عليه بالحرمان، وهو أسلوب تربوي رباني، له وقعه في النفوس.
ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ»(1).
وعن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» وفي لفظ عند مسلم: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ»(2).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ»(3).
فهذه زواجر للنفس البشرية، تزجرها عن الوقوع في المحارم، ولذا فالعاقل لا يتعجل ما أُمر بتأخيره، ووُعد به، فيُحرمه عند ميقاته(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض ح (5426)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء ح (2067).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب آنية الفضة ح (5634) وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب اللباس والزينة، باب تحرمي استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب ح (2065).
(3) مسلم كتاب الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها بمنعه إياها في الآخرة ح (2003).
(4) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط 1 1424 هـ (8/ 93 بتصرف)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 724)
وهذه أخطاء يجب على المسلم أن يتفاداها قبل موته، وإلا باء بالحرمان … وهذا الشعور بحد ذاته، دافع للمرء بأن يسعى بجد، نحو ما ينفعه في الآخرة؛ كي يتنعم به.
وخلاصة المطلب:
إن الإيمان باليوم الآخر، يصنع جيلاً فريداً، ومجتمعاً صالحاً مستقيماً، وأمة مجيدة.
وإن الإيمان باليوم الآخر، يرسم للمجتمعات خُطى صحيحة، ومسارات مستقيمة، نحو الأمل، والوصول إلى الغاية.
وإن الإيمان باليوم الآخر، يربي جيلاً لا يقبل المساومات على الحق، ولا أنصاف الحلول، بل يدافع عن قضيته وينافح عنها، ويقاوم الظلم والباطل والجبروت، بكل ما أوتي من قوة.
وإن الإيمان باليوم الآخر، يبعث على سكينة النفس واطمئنانها، لكمال عدل الله وحكمته، الداعي إلى نشر روح المحبة بين أفراد المجتمع، ونبذ كل ألوان الحسد والحقد والاعتراض، على حكمة الله وشرعه.
إذن:
فالإيمان باليوم الآخر، يخلق أناسا، يحملون بين جوانحهم ضمائر حية تراقب الله تعالى وتخافه، فتأخذ مالها، وتؤدي ما عليها.
المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية السلوكية والأخلاقية
الإيمان باليوم الآخر، يقين في نفس المؤمن لا يتزعزع، يفيض على نفسه قوة يحطم بها كل القيود، ويتخلص به من كل تعقيدات الحياة.
إن الإيمان باليوم الآخر، صمام أمان للمجتمعات من أن تغرق في أرجاس المعاصي، أو تتهاوى في كهف الحزبيات والعنصريات.
وإن الإيمان باليوم الآخر، له أثره الفعال في تقويم السلوك، ومعاجلة الانحرافات، والتي بدورها تسهم في تنظيم العلاقات البشرية، وتسيير الحياة الإنسانية، بأبهى صورة، وأجمل حُلّة.
وللإيمان باليوم الآخر أثر على المجتمعات، من الناحية السلوكية والأخلاقية، نجملها في النقاط التالية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 725)
1 - حفظ الأخلاق:
كم تئن المجتمعات الغربية والشرقية، من ضياع الأخلاق، واندراس الآداب، حتى تنادى عقلاؤها إلى وجوب حفظ الأخلاق، والحد من انتشار الرذيلة والفساد، والذي أدى بدوره إلى تدهور هذه المجتمعات … وانحطاطها أخلاقياً، وسلوكياً.
فالمرأة تعتبر مثالاً حياً، وأنموذجاً مشاهداً، على الواقع المزري في تلك المجتمعات، التي أصبحت تداس فيه كرامتها، وتمتهن فيه عفتها، واستغلت بأرخص الأثمان؛ لتكون من أرخص السلع.
وحين شعرت المرأة الغربية بهذا الواقع المهين، الذي يجعل من جسد المرأة سلعة تباع وتشترى، وشعرت بتلك المؤامرة التي ظهرت آثارها، بتسارع المنتجين والمخرجين في التفنن لإخراج جسد المرأة بكل الصور والألوان حينها ارتفعت بعض الأصوات الغيورة، التي تنادي بإرجاع المرأة إلى حيائها وعفافها، وسترها.
هذه صورة مختصرة مختزلة، عن ذلك الواقع المرير، الذي تعيشه تلك المجتمعات، التي تحررت من كل قيود الشرف والأخلاق.
أما المجتمعات التي تنادى فيها الغيورون، واجتمع فيها المخلصون فكشفوا خطط التآمر على الأخلاق، وغرسوا في نفوس الناس مخافة الرب الخلاق، فتشربتها الأجيال تلو الأجيال، فهي مجتمعات تنعم برفاهية الأخلاق، وانتشار الفضائل والآداب، حيث تقل فيها السلوكيات الخاطئة، والأعمال المشينة.
فالإيمان باليوم الآخر، حارس وحافظ للأخلاق من الضياع.
2 - ينمي في الأفراد حب البذل والعطاء:
البذل من البر، والبر من الإيمان، (والإيمان في الجنة)(1)، سئل الحسن عن البر فقال: البذل واللطف(2).
والبذل مع العطاء من المروءة، والمروءة تورث مقام القرب من الله تعالى(3).
والبذل من أعظم ما يتوصل به إلى الناس، ويستجلب به محبتهم(4).
إن من أعظم ما يحفز للبذل والعطاء، هو الرغبة فيما عند الله جل وعلا ومعلوم أن الجود والكرم، كانا من خصال العرب في الجاهلية، إلا أن دافع هذا الجود، هو ما جبلت عليه بعض النفوس من السماحة حيناً، وحب الرياسة حيناً آخر.--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الحياء ح (2009).
(2) أحمد بن حنبل: الزهد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1420 هـ، ص (213).
(3) ابن طرزبان: المروءة، دار ابن حزم - بيروت، ط 1 1420 هـ، ص (112).
(4) ابن حيان: روضة العقلاء، دار الكتب العلمية - بيروت: ص (69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 726)
أما الأجواد الأسخياء أهل الآخرة، الذين ينظرون بمنظار الإيمان، ويزنون بميزان الإحسان والإتقان، ويؤملون كرم الرحيم الرحمن، فإنهم يأخذون ويُعطون، فلا يستكثرون ولا يدخرون، فإن مُنعوا شكروا، وإن ضُيق عليم حمدوا، وإن اُعطوا بذلوا وآثروا، فهم الزاهدون في الدنيا؛ لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى(1).
يقول الإمام المرداوي:" والبذل على وجهين: أحدهما: ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال، والثاني: ما كان عن طلب وسؤال. فأما المبتدئ به، فهو أطبعهما سخاءً، وأشرفهما عطاءً "(2).
إن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على الأفراد لا يقف عند حدود البذل والعطاء، بل يتعدى ذلك إلى تحمل مقاساة الألم، والإيثار بالخير للغير يقول تعالى عن أوليائه وأصفيائه، وخيرته من خلقه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر:9].
الإيمان باليوم الآخر يسلَّ سخيمة القلوب، من الغل، والحقد، والحسد وكذا البخل، ولذا قيل: إن حقيقة الجود: أن لا يصعب عليك البذل(3).
والعجب أن بعض البشر قد فُطر على حب الجود والكرم، حتى اختلف فيهم الناس، هل الباذلون دون سؤال ولا سبب، بل لسجية فُطروا عليها … وشيمة قد طُبعوا بها، هل يكون هذا منسوباً إلى السخاء(4)؟--------------------------------------------
(1) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت: (2/ 328 بتصرف).
(2) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، 1986 م، ص (188).
(3) القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 403).
(4) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، 1986 م، ص (191).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 727)
والحق أن العدل في كل الأمور هو الوسط، يقول الإمام الغزالي عن التصرف في المال: "ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو أن يُحفظ حيث يجب الحفظ ويُبذل حيث يحب البذل، فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط وهو المحمود، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه "(1). والبذل والعطاء، هما إحدى القوى النفسية الثلاثة التي يكون بها صلاحها، وسعادتها، وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها(2).
وقد تعدى البذل والعطاء الكائن البشري، إلى الكائن البهيمي الحيواني فقد قيل لشخص: من علمك حسن الإيثار، والسماحة بالبذل؟ فقال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها فلا يأكلها، بل يستدعى الدجاج ويطلبهن طلباً حثيثاً، حتى تجيء الواحدة منهن فتلتقطها وهو مسرور بذلك طيب النفس به، وإذا وضع له الحب الكثير، فرقه هاهنا وهاهنا، وإن لم يكن هناك دجاج؛ لأن طبعه قد ألِف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم، أن يستبد وحده بالطعام(3).
إن أعظم الناس جوداً وكرماً، وأنبلهم عطاءً وبذلاً، بحيث لم تر الدنيا له مثيل، ولم تعرف له نظير، هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه " أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ(4)، وكان يعطي العطاء الوفير، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.--------------------------------------------
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (3/ 259).
(2) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (60).
(3) ابن القيم: شفاء العليل، دار المعرفة - بيروت، 1398 هـ، ص (75).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب كيف بدء الوحي ح (6) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ح (2308).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 728)
فَعُرِفَ النبي صلى الله عليه وسلم بالجود والكرم، والعطاء والبذل، في أول حياته وآخرها وكان ما بينهما تأريخ حافل عاطر، بكل ما عرفته الإنسانية من معاني السخاء والإيثار، فتحكي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها شيئاً من مفاخره صلى الله عليه وسلم فتقول حينما جاءها يرجف فؤاده من نزول الوحي عليه قائلاً: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ،(1).
فالمؤمن بالآخرة، سيسخر كل ما يملك لخدمة الخلق، حتى يحظى بما عند الخالق، من العطاء والجود والكرم.
3 - أداء الحقوق:
الحقوق كثيرة متنوعة ، فحق يجب القيام به ، وحق يتحتم السعي إليه ، يقول الله تعالى. {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)} [النساء:36].
إن الباعث الرئيس للقيام بأداء هذه الحقوق، هو الإيمان بالدار الآخرة ، وأنها مستقر أعمال الخلائق من خير وشر. فاستشعار رهبة الموقف بين يدي الجبار جل جلاله ، والخوف من السؤال، والرهبة التي تغشى القلوب، من مغبة التهاون في هذه الحقوق، كلها دواع للفرد تدفعه للقيام بهذه الحقوق حق قيام.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، باب كيف بدء الوحي ح (3)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب بدء الوحي ح (160).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 729)
وهناك بواعث أخرى تدعوا إلى أداء الحقوق، إلا أن الداعي الأكبر، هو داعي الخوف من الحساب والجزاء، والبواعث الأخرى لأداء الحقوق، لها تعلق بصفاء النفس ونقائها، بما جُبلت عليه من الكرم، والنخوة، والقيام مع الآخرين، فكل "ما يبعث على أداء الحقوق، فأجدر به حمداً ، وما صدّ عنها، فأخلق به ذماً"(1)
قال أبو النجيب السهروردي في أماليه لنفسه:
أداء الحقوق دليل الكرم … وفي ذلك مرضاة مولى الأمم
ومن قام لله في خلقه … بحسن الرعاية حاز النعم(2)
إن داعي الإيمان في القلوب، ورجاء فضل ما عند علام الغيوب ، هو الدافع للقيام بحقوق الناس. وحقوقهم كثيرة ، يصعب وصفها ، ويطول رصفها في هذا المقام ، إلا أن المقصود الأعظم هو الالتزام بهذه الحقوق والوصف الأكرم قوله جل وعلا: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء:39] ، أي: "هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس "(3)؛ "لأنها اشتملت على محاسن الأخلاق والحكمة ، وقوانين المعاني المحكمة، والأفعال الفاضلة "(4).
إن الآيات التي نزل بها جبريل عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من سورة الإسراء من قوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} … إلى قوله … {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38)} [الإسراء] ، اشتملت على جملة من الأداب، والقصص، والأحكام ، يرجع حاصلها "إلى الأمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات ، والإعراض عن الدنيا ، والإقبال على الآخرة"(5).--------------------------------------------
(1) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، 1986 م، ص (91).
(2) ابن المستوفى: تاريخ إربل، دار الرشيد - العراق، 1980 م، (2/ 144).
(3) ابن كثير: تفسير القران العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ت: سامي سلامة (5/ 77).
(4) القرطبي: الجامع الأمثال للقرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط 2 - 1384 هـ، (10/ 264).
(5) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1415 هـ (3/ 131).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 730)
4 - أنه سبب لحل جميع المشكلات:
كل ما يعترض المرء من مشكلات الحياة المادية، والنفسية، والاجتماعية ، يجد لها حلاً في الإيمان بالله تعالى ، والرضا عنه، ثم الإيمان بالآخرة ، التي فيها مستقر النفوس، وذها ب الأحزان، واكتمال الأفراح.
فكل ما نقص من لذائذ الدنيا عند المؤمن ، يعوضه الله تعالى به نعيما يسعد به في الآخرة.
إن الإيمان، والرضا، واليقين، والإرادة، مع طهارة القلب ، أسباب تعين بعد الله تعالى ، على تجاوز العقبات ، والقفز على المشكلات.
وهذا يبين بوضوح أن المنهج الإسلامي هو المنهج الواقعي، الذي يتغلغل في أعمال النفس البشرية ، فيحيي فيها الأمل ، ويشيع فيها أنوار العمل نحو المستقبل الباهر.
لقد قفز الإسلام على جميع المناهج الأرضية ، التي سعت لإسعاد البشرية وحل مشكلاتها ، لكن دون جدوى ، فلم تحظ البشرية في ظل النظم الأرضية ، إلا بالنكبات والويلات التي انعكست فيها الصورة ، فظهر الإسعاد في صورة شقاء ، واللذة في صورة عناء؛ لأنها لم تحظ بما حظي به المنهج الإسلامي الرفيع ، من العناية بحاجات الأفراد، والاهتمام بحاجات المجتمع ، والتوفيق بين الحاجات والقيم.
إن المشكلات في هذا الزمان، أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه سابقاً؛ نظراً: للتطور الباهر المذهل في التقنية الحديثة ، وظهور كثير من المستجدات التي عجز البعض عن مواكبتها، والتوافق معها، فظهرت في هذه الأزمان المتأخرة مشكلات اجتماعية، وأخلاقية، ونفسية ، حطمت كيان الأفراد ، وهدمت أركان المجتمع؛ لأنها لم تخضع لميزان الأخلاق والأدب الإسلامية.
لقد تناول المنهج الإسلامي هذه المشكلات وأوجد لها الحلول ، وكان في نظرته للأمور، وحله للمشكلات ، أكثر عمقاً وأدق تفصيلاً، وهذا يعطينا حكما قاطعاً، بأن هذه المشكلات وغيرها من مشكلات الحياة، من الجهل والمرض والفقر ، لا يمكن أن تحل إلا في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية والعقيدة الصحيحة التي يجتمع تحت سقفها أهل الإسلام ، فهي كفيلة بحل جميع هذه المشكلات، والتأريخ خير شاهد، وأصدق برهان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 731)
5 - انخفاض معدلات الجريمة:
يعيش الناس في ظل المجتمعات المؤمنة ، في حب ووئام ، وتلاحم وسلام ، يأمنون فيه على أعراضهم ، وأموالهم ، وممتلكاتهم ، ومعتقداتهم ، وحرياتهم. المجتمع المؤمن ترسو فيه سفينة الأمان ، على قواعد العدل والإنصاف؛ لتنشر الفضائل ، ومعاني الولاء. والمجتمع المؤمن يعيش متلاحماً متماسكاً ، مهما هبت عليه عواصف التغيير.
والمجتمع المؤمن يشعر باستقرار في جميع مناحي الحياة؛ لأن المرء يعيش في ظل دولة الإسلام ، آمنا مطمئناً ، تؤدى إليه كل الحقوق والواجبات.
في المجتمع المؤمن تنشأ مبادئ، تقوم على إغاثة الملهوف، وإسعاف المكروب وكفالة اليتيم، والقيام على أمور المحتاجين. وفي المجتمع المؤمن تحفظ الحقوق ، وتصان الكرامات.
فهذه العوامل وغيرها، هي أثر من آثار الإيمان بالآخرة، ينشئ عنها ولا بد استقرار الأمن ، وانخفاض معدلات الجريمة.
وحين نرجع بالذاكرة إلى العهد النبوي ، ونقلب صفحات تأريخ الدولة الإسلامية الأولى، التي نشأت على مبدأ إقامة العدل ، وإعطاء الحقوق وحفظ العهود والمواثيق، نجد أنه لم يسجل لنا التاريخ عن تلك الحقبة ، إلا حالات يسيرة - لا تتجاوز أصابع اليدين - عن التعدي على الأعراض والممتلكات؛ لأن كل فرد في ذلك المجتمع ، عرف ما عليه فأداه، وعرف ما له فأخذه ، وربما آثر به غيره. في المقابل اقرأ أو اسمع عن حجم الجرائم في المجتمعات التي انعدم فيها الإيمان ، أو قل منسوبه في قلوب أفراده ، فإنك لن تنتهي من سماع جريمة مروعة ، إلا وتتبعها أخواتها من الجرائم الأخرى ، مع قوة تحكيم القوانين التي ادعوها، والأنظمة التي اخترعوها ، إلا أنهم يقفون عاجزين ، عن مواجهة هذا السيل العارم من هذه الجرائم ، التي لا تسلم منها مثل هذه المجتمعات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 732)
فلا أمان للمجتمعات من الانحدار، ولا سبيل لها للارتقاء، إلا في ظل اليقين، وتحت سقف الإيمان بيوم الدين، فالإيمان بالآخرة، جدير بخلق مجتمع طاهر نزيه عفيف، يقوم على ساق الأخلاق التي بها يُقضى على كثير من الانحرافات، فالتربية الأخلاقية "خير وسيلة للقضاء على مشكلة ازدياد الجرائم والانحرافات، بجميع أشكالها وألوانها؛ لأن وظيفة التربية الأخلاقية ، بناء جيل ملتزم بالخير ، متجنب للشرور "(1).
وخلاصة الأمر:
أن الإيمان باليوم الآخر ، يصنع مجتمعاً تكاملياً ، تظهر فيه كل المعاني الجميلة ، والأخلاق الحميدة ، من الكرم الجود ، والتعاون والإخاء ، والمحبة والوفاء، فيكون المجتمع بكل أطيافه حارس أمن ، وقائدا للسلامة.
وأن الإيمان باليوم الآخر، له صلة وثيقة بالصحة النفسية والجسدية؛ فالمؤمن بالآخرة لا يغتم بحلول المصائب والنكبات عليه؛ لأنه يستقبل ذلك بصدر رحب، ونفس مطمئنة راضية بالقضاء والقدر ، فيعيش سعيداً. وهذا بدوره ينعكس على المجتمع بالإيجابية؛ لأنه حينئذ سيقل أو يتلاشي معول فساد القلب، الذي ربما حمل في طياته معاني سيئة، من الغل والحقد والحسد ، فهذا طريق من طرق سلامة المجتمع واستقراره.
وأن الإيمان بالآخرة، سبب لاستقرار الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسة والاقتصادية؛ لأن المؤمن بالآخرة، يخشى مقام ربه ، فلا يغش ، ولا يرابي، ولا ينافق ، ولا يرائي ، ولا يغتاب ، ولا ينم ، ولا يخدع ، ولا يتجبر ، ولا يتكبر ، وتلاشي هذه الأمور وانعدامها، كفيلة بأمان المجتمعات واستقرارها.
ومتى خلا قلب المرء من الآخرة، وقع في هذه المثالب والمعايب ، فأصبحت كالسوس الذي ينخر في جسد المجتمع حتى يهلكه.
وأن الإيمان باليوم الآخر، سبب لحفظ الأسر المسلمة من الانهيار والسقوط ، فالأسر المبنية على الإيمان ، لا تؤثر فيها العواصف ، ولا تهزها المواقف ، فهي أسر متماسكة متلاحمة.--------------------------------------------
(1) مقداد يالجن: علم الأخلاق الإسلامية، دار عالم الكتب - الرياض، ط 1 1413 هـ، ص (11)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 733)
ولذا تقل في هذه الأسر، الكثير من الظواهر المؤلمة، من حالات الطلاق، والإجهاض، والأطفال غير الشرعيين ، وكذا جرائم العنف ضد الزوجات والأطفال.
فالإيمان باليوم الآخر يعني حصانة للمجتمع ، يدفعه لاستنكار كل ما يقع فيه من انحرافات ، فيبقى أثرها السام محصوراً في أضيق نطاق(1).
وختاماً: فإن المجتمع الذي يُنشئه الإسلام، مجتمع فكري خلقي ، يستند إلى مبدأ وغاية، ويجتمع أفراده على الإيمان بهذا المبدأ، فلا تتكون في هذا المجتمع الطبقية، القائمة على أساس النسل والسلالة وغيرها ، وإنما تُبنى على عقيدة جامعة، وضابط خلقي جامع، فكل من آمن بالله ربا ومالكاً ، ورضي بما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق ، منهجاً عملياً لحياته ، فقد أصبح جزءاً من أجزاء هذا المجتمع، وفردا من أفراده، والإسلام الحق هو السقف الذي يعيش الجميع، تحت ظله آمنين مطمئنين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 734)
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد له سبحانه حمداً حمداً وشكراً شكراً، على ما منّ به ووفق ويسر، وأسأله سبحانه وتعالى القبول.
كنت في جولة ماتعة، وتطواف مبارك، مع هذا الموضوع العظيم، خلصت فيه إلى النتائج التالية:
1 - أن الإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل أصيل، لا يصح إيمان عبد إلا بالإيمان به.
2 - أن الشرائع كلها متفقة على إثبات الدار الآخرة التي فيها الجنة والنار، يقول العلامة الألوسي:" والمسلمون متفقون على وقوعه"(1).
3 - أن إثبات المعاد من أصول العلم والإيمان التي علقت بها السعادة والنجاة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" إثبات الصانع وتوحيده، وأسماءه وصفاته، وإثبات النبوات، وإثبات المعاد، هذه هي أصول العلم والإيمان، التي علقت بها السعادة والنجاة"(2).
4 - أن مدلول لفظ (اليوم الآخر) مدلول واسع، يشمل الموت وما بعده، إلى دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.--------------------------------------------
(1) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، ط 16، (2/ 421)
(2) الألوسي: روح المعاني، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1415 هـ، (12/ 61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 735)
5 - أن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
1 - الإيمان بالبعث.
2 - والإيمان بالحساب والجزاء.
3 - والإيمان بالجنة والنار(1).
والمراد به: التصديق الجازم بما يقع فيه من الحساب والجزاء، والجنة والنار
6 - أن اليوم الآخر له أسماء كثيرة وردت في نصوص الوحيين، وهذا يدل على عظم شأنها، وجليل أمرها.
7 - أن في أسماء القيامة، دلالة على التخويف والتهديد، والزجر والوعيد، إذ غالب أسمائها تفزع القلوب، ويقع أثرها شديداً على الأسماع، ولذا وجب الاستعداد لها.
8 - أن اليوم الآخر من أسماء القيامة، سمي بذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، وأنه لا يوم بعده.
9 - اتفاق الأئمة على أن منكر القيامة كافر.
10 - أن المعاد يعلم بالعقل كما يُعلم بالسمع، وبه يُعلم خطأ المتكلمين في زعمهم: أن المعاد لا يُعلم إلا بالسمع، فما يتعلق بجانب الإمكان، فإن القرآن الكريم قد أفاض في ذكر الأدلة العقلية على جوازه، وإمكانه وعدم استحالته.
وأما الجانب المتعلق بوقوعه وتفاصيل أخباره، فإن دلالة العقل الصحيحة المبنية على النظر في حكمة الله تعالى، وكمال عدله، تدل على الوقوع.
وأما ما يتعلق بتفاصيل الأخبار، فهي سمعية بحتة.
11 - تهافت نظرية الجوهر الفرد قديماً وحديثاً، وبه يُعلم خطأ المتكلمين في ظنهم الفاسد: أن القول باليوم الآخر لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد.
12 - أن القدر المجزي في الإيمان باليوم الآخر: هو أن يوقن العبد ويؤمن ويصدق، بأن هناك يوماً يبعث الله تعالى فيه العباد ليحاسبهم على أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهذا هو الإيمان الإجمالي.
وأما الإيمان التفصيلي: فهو ما يتبع العلم بما جاء في نصوص الكتاب والسنة، مما يتعلق بأحوال الآخرة، فقبل علمه بهذه التفاصيل، فهو معذور بجهله بها ، ولا يعذر بعد علمه بها ومعرفتها.--------------------------------------------
(1) العثيمين: نبذة في العقيدة، دار الثقة - مكة المكرمة، ط 1 1412 هـ، ص (37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 736)
13 - أن الاقتران والتلازم بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، فيه دلالة على أهمية هذا اليوم العظيم، وأنه هو الذي يحصل به التخويف، ويحدو بالمرء لعمل الصالحات، وهذا يُبين سر هذا التلازم والاقتران.
14 - أن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مدخل للقياس والنظر فيه، وإنما يؤخذ بالقبول والتسليم؛ لأن سنن الآخرة وقوانينها على خلاف سنن وقوانين الدنيا، فلا مجال للاجتهاد والمقايسة.
15 - أن القرآن الكريم أقام الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، على إثبات المعاد، وسلك في سبيل إثبات ذلك جملة من الطرق، وهي:
(أ) الإخبار عنه: وأخذ هذا الطريق عدة أوجه:
- الإقسام به.
- والإخبار المؤكد لقيام الساعة وإتيانها.
- تنويع الألفاظ والأساليب في الإخبار عن القيامة وأحداثها.
- ذكر شيء من تفاصيلها.
(ب) الاستدلال على المعاد بخلق السموات والأرض.
(ج) أن النظر في العوالم الكونية، يؤدي إلى إثبات اليوم الآخر.
(د) الاستدلال بوقائع وأحداث حصل فيها إحياء الأموات، وحكاية رجوع بعض الأموات لهذا العالم المشاهد.
(هـ) الاستدلال على المعاد، بالقدرة الإلهية.
(و) الاستدلال بصفات الله تعالى وأسمائه على المعاد، عن طريق الالتزام.
(ز) الاستدلال بخلق آدم عليه السلام على المعاد.
16 - أن العقل دلّ على إثبات المعاد وإمكانه بوجوه عديدة منها:
أ. دليل العدالة الإلهية.
ب. دليل الحكمة الإلهية.
ج. دليل الفطرة.
17 - من المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان:
أ. الشمولية في البيان.
ب. اشتماله على أوجه الإعجاز الذي يظهر في أسلوبه، وبلاغته، وبيانه، وتشريعاته.
ج. مخاطبته للعقل البشري، وملامسته للوجدان الإنساني، واحتواؤه على أرقى أساليب الإقناع، وأكمل أوجه مخاطبة العقل.
د. اشتماله على أسلوب الحوار، وعرض الآراء.
هـ. حكاية المجادلات، وإقامة الحجج والبراهين المؤيدة للحق.
و. معالجته لكثير من القضايا المجتمعية، بطريقة السؤال والجواب.
18 - اهتم القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، وأولاه عناية فائقة، وهذه العناية القرآنية بهذا الركن العظيم، له صور وأسباب ونتائج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 737)
1. صور اهتمام القرآن وعنايته بأمر المعاد.
أ) الإكثار من ذكر أسماء القيامة وأوصافها.
ب) وجود الترابط الوثيق بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر.
ج) كثرة الآيات الدالة على المعاد تصريحاً وتلميحاً.
د) الإقسام في أكثر من موضع.
هـ) إقامة البراهين والدلائل على إثبات المعاد.
2. أسباب عناية القرآن الكريم بأمر المعاد:
أ) بروز راية المنكرين للبعث والمعاد.
ب) الحاجة الملحة لمعرفة الأخبار المتعلقة بالمعاد.
ج) الغفلة والانشغال عن الدار الآخرة.
3. نتائج هذه العناية القرآنية بالمعاد:
أ) تحقيق السعادة الدنيوية.
ب) تخليص النفس من قيودها.
ج) السعي لتهذيب النفس وتربيتها.
19 - أولت السنة النبوية المطهرة أمر المعاد اهتماماً كبيراً، وعناية فائقة، تظهر في عدة صور منها:
(أ) حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التذكير بالآخرة في كل مناسبة ومحفل.
(ب) استخدام النبي صلى الله عليه وسلم، أسلوب المقارنة أثناء التوجيه والتعليم ليقرب المعاني للذهن.
(ج) ربط الأعمال الصالحة بثوابها وجزائها يوم القيامة.
(د) ربط الأعمال السيئة والقبيحة بجزائها يوم القيامة.
(هـ) ربط الإيمان بالله تعالى بالإيمان باليوم الآخر.
ولهذا الاهتمام والعناية بأمر الآخرة في السنة المطهرة أسباب منها:
(أ) مجادلة المنكرين والمعاندين.
(ب) التشجيع على الأعمال الصالحة.
(ج) بيان فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وبنبيها على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(د) تحذير الأمة من الغفلة عن هذا اليوم العظيم.
20 - اختلف الناس في المعاد، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وحُكي فيه إجماع أهل الملة: إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعاً.
وذهب البعض إلى إثبات معاد الأبدان فقط، والبعض الآخر إلى إثبات معاد الأرواح فقط، وأنكر البعض الآخر كلا المعادين، الروحي والبدني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 738)
21 - أن اتباع الشهوات وتقديم داعي الهوى على داعي الإيمان، والاستجابة لداعي الشيطان، والحرص على النفوذ والسلطة، كلها أسباب حالت دون الإيمان بالمعاد عند منكري البعث، ولهذا استبعدوه، قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)} {إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريباً} المعارج 6 - 7
22 - تعلق منكرو البعث ببعض الشبه، فردوا بها الحق، وأنكروا بها المعاد، ومنها:
(أ) أنه لا دليل على البعث والمعاد.
(ب) أن البعث أسطورة تاريخية لا حقيقة له.
(ج) أن أمر البعث فرية لا صحة لها.
(د) الإنكار بذريعة أعادة الموتى.
(هـ) شبه التضاد بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة.
(و) شبه تفرق الأعضاء والأجزاء في أنحاء العالم.
(ز) أن إعادة المعدوم مستحيلة.
(ح) أن الإعادة أمر خارج عن أمر القدرة.
(ط) أن المعاد أمر لا فائدة منه.
(ي) شبهة الآكل والمأكول.
(ك) أن البعث غيب غير محسوس، والإيمان لا يكون إلا بالمحسوس.
(ل) شبهة حركات الفلك.
23 - أن العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم -أنكروا البعث وجحدوه، وأنكروا بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن العقلية الجاهلية، لا تدرك إلا القيم المادية للأشياء، ولا تتصور العاقبة السيئة إلا تصوراً مادياً.
24 - آمن بعض العرب بالبعث منهم: زهير بن أبي سلمى، وقس الإيادي، وأمية بن أبي الصلت، وجماعة غيرهم.
25 - أن الديانة اليهودية كانت على الإيمان بالبعث والمعاد، وذلك قبل التحريف الذي طال كتابهم، أما بعد دخول أيدي العابثين المحرفين، فقد ظهر بوضوح خلوها عن الحديث عن الآخرة، إلا إشارات يسيرة.
26 - أن الديانة النصرانية كانت على الإيمان بالبعث والمعاد، ولا زالت في مجمل المعتقد على التصور الصحيح للآخرة، إلا أن بعضهم أنكر النعيم الحسي في الجنة.
27 - اتفق الفلاسفة على إنكار المعاد الجسماني، وذهب طائفة منهم إلى إنكار الروحاني والجسماني، وهم الفلاسفة الدهريون، وقالوا: إن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، إنما هي أمثال مضروبة؛ لتفهيم المعاد العقلي.
28 - اعتمد الفلاسفة في إنكارهم لحشر الأجساد، إلى بعض الشبه العقلية المتهافتة، منها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 739)