وإخضاعها لقوانين المحدثين.
والذي أراه أن يفرق بين ما يتعلق به حكم شرعي مثل كيفية تقسيم الغنيمة، وكيف يوزع الخمس، وكيف يعامل الأسرى، وعلى ذمة من ينزل العدو وبين ما لا يؤخذ منه حكم شرعي، ولا طائل تحته كعدد من رجع مع عبد الله بن أبي يوم أحد، ونحو ذلك، فيجب إخضاع النوع الأول لقوانين المحدثين، وأما النوع الثاني فلا داعي لوزنه وتحقيقه لأنه تعب ليس وراءه أرب.
وبهذا القدر ينتهي الفصل الثاني، وبانتهائه ينتهي الباب الثاني، ويليه الباب الثالث، نسال الله الإِعانة على إتمامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
الباب الثالث زمرتان من متعلقات الحديث الضعيف
ويتكون من فصلين: -
الفصل الأول:
في الزمرة الأولى، ويشتمل على المباحث الآتية:
1 - عناية المحدثين بالسند والمتن.
2 - حكم الرواية عن الضعفاء.
3 - أضعف الأسانيد.
الفصل الثاني:
في الزمرة الثانية، ويشتمك على المباحث الآتية:
1 - مظان الحديث الضعيف.
2 - الكتب المصنفة في الضعفاء
3 - الكتب المصنفة في أنواع خاصة من الضعيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
الفصل الأول في الزمرة الأولى من متعلقات الحديث الضعيف
تشتمل هذه الزمرة على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عناية المحدثين بالسند والمتن معا.
المبحث الثاني: حكم الرواية عن الضغفاء.
المبحث الثالث: أضعف الأسانيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
المبحث الأول عناية المحدثين بالسند والمتن معا
دراسة سند الحديث مهمة جدا لتبيين حاله صحة وضعفا، فهي الوسيلة الأولى التي عن طريقها يتم الحكم على أي حديث ما بأنه صحيح أو ضعيف.
ولا غرو فالإِسناد من أبرز خصائص هذه الأمة التي لم يؤتها أحد من الأم قبلها(1)، وهو من الدين بموقع عظيم، قال عبد الله بن المبارك: الإِسناد من الدين، ولولا الإِسناد لقال من شاء: ما شاء.
وقال أيضا: بيننا وبين القوم القوائم(2). يعني: الإِسناد.
وقال الإِمام مالك في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} الآية(3): هو قول الرجل: حدثني أبي عن جدي(4).
وكلام العلماء في الاهتمام بالسند كثير لا يحصره مثل هذه العجالة.
ومع ذلك كله قرر العلماء أن هذه الدراسة في السند لا تكفي وحدها للحكم النهائي على الحديث، إذ لا يلزم من ضعف السند ضعف المتن، فقد يضعف السند ويصح المتن لوروده من طريق آخر، أو طرق أخرى.--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة لابن تيمية 4/ 11، شرح شرح النخبة ص 194.
(2) مقدمة صحيح مسلم 1/ 87 - 88 بشرح النووي، علل الترمذي في آخر سننه 9/ 438، الجرح والتعديل 1/ 1/ 16.
(3) الآية 44 من سورة الزخرف.
(4) تفسير القرطبي 16/ 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
ومثال ذلك: إذا وقف شخص على حديث جابر بن عبد الله الذي رواه ابن ماجة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجتهم حين قدموا إلا طوافا واحدًا"(1).
فإذا درس إسناد هذا الحديث وجد فيه ليث بن أبي سليم(2)، وهو ضعيف، فإنه لا يسوغ له الحكم على هذا الحديث بأنه ضعيف، ويقصد متنه، بل يقول: ضعيف بهذا الإِسناد، وإلا فمتنه صحيح عن جابر من غير هذه الطريق بطرق صحيحة، رواها مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم(3).
كما أن الواجب على الباحا إذا وجد حديثا بلفظ ما بسند ضعيف، أو نص على تضعيفه، فليقل بعبارة دقيقة، وليتحاش المجازفة في الحكم، كأن يقول: ضعيف بهذا اللفظ، إذ المجازفة في الألفاظ تنافي ما عليه المحدثون من دقة في التعبير.
ومثال ذلك حديث: "إذا حضر العَشاء والعِشاء -بكسر العين وفتحها - فابدأوا بالعَشاء - بالفتح-"(4).
فالحديث بهذا اللفظ لا أصل له، لكنه صحيح متفق عليه بلفظ: "إِذا--------------------------------------------
(1) سنن ابن ماجة رقم 2972.
(2) هو: ليث بن أبي سليم الكوفي الليثي، أحد العلماء، ضعفه يحيى والنسائي، وقال أحمد: مضطرب الحديث، توفى سنة ثلاث وأربعين ومائة.
انظر: الضعفاء للنسائي ص 90، ميزان الاعتدال للذهبي 3/ 420 - 423.
(3) انظر: صحيح مسلم 8/ 162 مع النووي، وأبا داود رقم 1895، والنسائي 5/ 179.
(4) انظر: فتح الباري 2/ 162، تذكرة الموضوعات ص 142: المقاصد الحسنة ص 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء"(1).
وإذا عرفنا قيمة السند عند المحدثين، فان للمتن قيمة لا تنقص عن قيمة السند، فكما يحكم بضعف الحديث لضعف سنده لوجود انقطاع فيه أو كذب أو فسق أو بدعة في أحد رواته أو غيرها، فإنه يحكم بضعف الحديث أو وضعه لركاكة في لفظه وفساد معناه، أو مخالفته للدليل القطعي أو مخالفته لحقائق التاريخ المعروفة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، أو غير ذلك من العلامات التي جعلها العلماء علامات في متن الحديث للدلالة على وضعه أو ضعفه(2).
وكما يحكم بضعف الحديث لوجود علة أو شذوذ أو إدراج أو قلب أو اضطراب أو تصحيف أو تحريف في سنده، فكذلك يحكم بضعفه لوجود هذه الأشياء في متنه كما تقدم.
ولم يكتف المحدثون بما ذكر، بل جعلوا للذوق الفني مجالا في نقد الأحاديث وردها أو قبولها، فكثيرًا ما يقولون: هذا الحديث عليه ظلمة، أو متنه مظلم، أو ينكره القلب، أو لا تطمئن إليه النفس، وليس ذلك بعجيب، فقد قال الربيع بن خثيم(3): ان للحديث ضوءًا كضوء النهار--------------------------------------------
(1) رواه البخاري 9/ 584 مع الفتح، ومسلم 5/ 45 مع النووي.
(2) انظر: ص 140، 145 من هذه الرسالة.
(3) هو: الربيع بن خثيم بن عائذ، الإمام القدوة العابد، أبو يزيد الكوفي، أحد الأعلام، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل عنه، قال له ابن مسعود: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين، وقال ابن شاهين: كان من معادن الصدق، ومناقبه كثيرة جدا، توفي قبل سنة خمس وستين.
انظر: الثقات لابن شاهين ص 130، سير أعلام النبلاء 4/ 258 - 262.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره(1).
وقال ابن كثير: من الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة، ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ، أو زيادة باطلة، أو مجازفة أو نحو ذلك يدركها البصير من أهل هذه الصناعة(2).
كل ما ذكر وغيره يبين غاية البيان أن المحدثين مع عنايتهم بالسند واهتمامهم به لم يقصروا جهدهم عليه، أو يوجهوا جل عنايتهم إليه دون المتن، بل جعلوا نقدهم منصبا على السند والمتن على السواء.
ومع هذا الاعتناء الشديد بالمتن نجد بعض أعداء الإِسلام يحاول التشكيك في السنة النبوية، مثل: المستشرق غاستون ويت الذي يقول: وقد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض .. إلى أن قال: لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول مشافهة ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن، ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم للحديث(3).
وليس غريبا أن يصدر هذا من عدو يريد التشكيك في ديننا، والدعوة إلى دينه، وإخراج المسلمين عن دينهم، وانسلاخهم عن عقيدتهم، وطرحهم لسنة نبيهم، لكن الغريب والمؤسف أن يصدر هذا ممن ينتسب--------------------------------------------
(1) تدريب الراوي ص 179.
(2) اختصار علوم الحديث لابن كثير ص 53.
(3) انظر: السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب ص 254 نقلا عن التاريخ العام للديانات "الإسلام" ص 366.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
إلى الإِسلام مثل: أحمد أمين(1) الذي يقول في كتابه "فجر الإِسلام": ولقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها، ولكنهم -والحق يقال- عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن، فقل أن تظفر بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه، وهكذا. ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم حتى نرى البخاري نفسه على جليل قدره ودقيق بحثه يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: "لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة". حديث: "من اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إِلى الليل"(2).
وقال أيضا كلاما نحو هذا في كتابه "ضحى الإِسلام" ومثل له بحديث: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". ثم قال: فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان--------------------------------------------
(1) هو: أحمد أمين عضو المجامع اللغوية بالقاهرة ودمشق وبغداد، تولى القضاء بمصر، ودرس بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم انتخب عميدا لها، ثم شغل منصب مدير الإدارة الثقافية بالجامعة العربية.
من مؤلفاته: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام، فيض الخاطر، وغيرها، توفى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف.
انظر: معجم المؤلفين 1/ 168.
(2) فجر الإسلام لأحمد أمين ص 217 - 218.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين؟ أو العجوة وهل فيها ترياق؟ نعم. إنهم رووا أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاث أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن في قارورة، وكحلت به جارية لي عمشاء فبرأت، ولكن هذا لا يكفي لصحة الحكم، فتجربة جزئية نفع فيها شيء مرة لا تكفي منطقيا لإِثبات الشيء في ثبت الأدوية، إنما الطريقة أن تجرب مرارا، وخير من ذلك أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنا، فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان مثل هذا طريقا لمعرفة صحة الحديث أو ضعفه .. الخ(1).
تفنيد هذه الافتراءات:
هذه الافتراءات لا تتعدى الإِفك المحض، ولا ترتقي حتى إلى حد الشبهة، فلا تستحق التفنيد والرد، ولو كان الجدال مع الكافر العنيد غاستون ويت لم يتعرض أحد من علماء المسلمين إلى الرد عليه، لولا أن بعض الكتاب المعاصرين المنتسبين إلى الإسلام قاموا بترديد هذا الزعم وإلباسه زورا وبهتانا لباس البحث العلمي والموضوعية، ولولا خشية وقوع كثير من شبابنا في شراك هذا الزعم الذي يثير الشبه عندهم حول صيانة السنة النبوية وعناية المحدثين بها، لما أقدم أحد من العلماء على الرد على هذه المزاعم(2).--------------------------------------------
(1) انظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين 2/ 130 - 131.
(2) تصدى للرد عليها كل من: الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه القيم "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، والدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه "السنة قبل التدوين"، والدكتور محمود الطحان في مقال له نشر في العدد الأول من مجلة كلية أصول الدين بعنوان "عناية المحدثين بمتن الحديث كعنايهم بإسناده"، وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
وإليك الرد موجزا:
أولًا: أما قولهم: إن المحدثين اهتموا بدراسة السند، ولم يلتفتوا إلى المتن، فمجرد إفك لا حقيقة له، وقد قدمت قريبا ما يدحض هذا الافتراء(1).
ثانيًا: وأما زعم المستشرق بأن الراوي قد يضيف شيئا عن حسن نية في أثناء روايته، مما يجعلنا لا نتأكد من وصول الحديث إلينا كما هو عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأوهى من بيت العنكبوت، فلم يقصر العلماء ولم يألوا جهدا في بيان هذا النوع وإيضاحه، وهو ما يسمى بالمدرج في متن الحديث، وصنفوا فيه المصنفات(2).
ثالثًا: وأما القواعد التي وضعها أحمد أمين للمحدثين لنقد متن الحديث، فأقول: إنه قد سبق إليها وطبقت فعلا، وقد سبقت الإِشارة إليها مع التمثيل(3).
رابعًا: وأما التمثيل لعدم نقد الأحاديث عبر متونها بأحاديث يسميها بعض العلماء بالأحاديث المشكلة، فنعم، هذه الأحاديث وأمثالها قد أشكل فهمها على بعض العلماء، لكنها لم تشكل على جهابذة النقاد وفطاحلة المحدثين الذين تولوا الإِجابة عنها، وألفوا في أمثالها المؤلفات الكثيرة، منها:
1 - اختلاف الحديث للإِمام الشافعي.--------------------------------------------
(1) انظر: ص 229، 230 من هذه الرسالة، وانظر: الأنوار الكاشفة للمعلمي ص 263 - 264.
(2) سوف أذكر شيئا منها في آخر هذا الباب عند ذكر الكتب المصنفة في أنواع خاصة من الضعيف.
(3) انظر: ص 140، 145 من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
2 - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة(1).
3 - مشكل الآثار للطحاوي(2).
ووضعوا لذلك الضوابط والقواعد لمعرفة التوفيق بين تلك النصوص وكيفية فهمها وتطبيقها، لا سيما المتعارض منها.
وبيان ذلك أن الحديث المقبول إذا عارضه حديث ضعيف طرح الحديث الضعيف وحكم عليه بالإِنكار كما تقدم(3).
وأما إذا عارضه حديث من رواية الثقات، فإننا ننظر في طبيعة النصين وفي مدلوليهما، فإن وجد وجه للتوفيق والجمع بينهما عمل به، وتبين زوال التعارض، وإنه نشأ عن قلة التمعن.
وكذلك إذا دل البحث على أن أحد النصين جاء بعد الآخر وحل محله، فلا تعارض هنا، لأن الشارع نسخ الحكم المتقدم بالحكم المتأخر، أما إذا لم يظهر هذا ولا ذاك، فإننا نأخذ بالراجح والأقوى، ويكون هو الصحيح ويسمى أيضا المحفوظ، ويكون المرجوح شاذا أو معلا وهو--------------------------------------------
(1) هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الكاتب المروزي، وقيل: الدينورى، كان عالما ثقة دينا فاضلا.
له: غريب القرآن، مشكل القرآن، مشكل الحديث، وغيرها، توفي سنة ست وسبعين ومائتين.
انظر: المنتظم 5/ 102، تاريخ بغداد 10/ 170 - 171.
(2) هو: أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي الأزدي، إمام جليل القدر، مشهور في الآفاق ذكره الجميل، صاحب المصنفات، منها: أحكام القرآن، معاني الآثار، مشكل الآثار، وغيرها، توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
انظر: الفوائد البهية ص 31 - 34.
(3) انظر: ص 189، 190 من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
مردود. وقد عنى العلماء ببيان أوجه الترجيح وأنواعها، وتقصوها بجزئياتها وكلياتها، حتى ذكر الحازمي في مقدمة كتابه "الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار" خمسين وجها من أوجه الترجيح(1).
وإليك الكلام على الأحاديث التي زعموا أن الحوادث الزمنية، والمشاهدة التجريبية دلت على أنها غير صحيحة.
الحديث الأول:
" لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة".
هذا حديث صحيح رواه البخاري، لكن بغير هذا اللفظ، فقد أخرجه عن ابن عمر في ثلاثة مواضع:
1 - في كتاب العلم بلفظ: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإِن رأس مائة سنة منها لا ييقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"(2).
2 - في باب ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعا، باللفظ السابق إلا أن فيه "أرأيتم" بدل "أرأيتكم"(3).
3 - في كتاب مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء بلفظ: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإِن رأس مائة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"، فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى ممن هو اليوم--------------------------------------------
(1) انظر: الاعتبار للحازمي ص 6 - 15.
(2) صحيح البخاري 1/ 211 مع الفتح.
(3) البخاري 2/ 45 مع الفتح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
على ظهر الأرض" يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن(1).
كما أخرج الحديث أيضا مسلم والإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله بلفظ: "تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة"(2).
ورواه الإِمام أحمد عن علي بلفظ: "لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حي اليوم. والله إن رجاء هذه الأمة بعد مائة عام"(3).
وهكذا نرى من خلال الروايات السابقة أن اللفظ الذي ساقه أحمد أمين ليس مما رواه البخاري ولا غيره، ثم إن أكثر الروايات في البخاري وغيره فيها التقييد بلفظ اليوم، وهو قيد مهم، يوضح مراد النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي: المراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قل أمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة(4).
وقال الحافظ ابن حجر: وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضبط أمره ممن كان موجودا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة(5)، وقد--------------------------------------------
(1) البخاري 2/ 73 - 74 مع الفتح، مسلم 16/ 89 مع النووي، الترمذي رقم 2252.
(2) صحيح مسلم 16/ 90 - 91، مسند الإمام أحمد 3/ 345.
(3) المسند 1/ 93.
(4) شرح النووي على مسلم 16/ 90.
(5) هو: عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي أبو الطفيل، رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب، وحفظ عنه أحاديث، مات سنة مائة، وقيل: سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة سبع ومائة، وقيل: سنة عشر ومائة. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتا، وغاية ما قيل فيه أنه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم(1).
وقال ابن بطال(2): إنما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأم ليجتهدوا في العبادة(3).
وقال الزركشي معقبًا على قولهم في أمارات الوضع: ومنها مخالفته لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل، قال: هذا إن لم يحتمل أن يكون سقط من المروي على بعض رواته ما تزول به المنافاة كحديث: "لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة"، فإنه سقط على راويه لفظة "منكم"(4).
فليس في الحديث -إذا- مخالفة للواقع كما ادعوا، ولو كانوا ممن يريدون الحق لاستقصوا طرق الحديث، وظفروا بما يعينهم على الفهم الصحيح، وعدم التجني على السنة ورجالها.--------------------------------------------
= انظر: الإصابة لابن حجر 7/ 230 - 231.
(1) فتح الباري 2/ 75.
(2) هو: علي بن خلف بن بطال البكري أبو الحسن القرطبي المالكي، يعرف بابن اللجام، كان من أهل العلم والمعرفة والفهم، مليح الخط، حسن الضبط، عني بالحديث عناية تامة.
له: شرح البخاري في عدة أسفار، وغيره. توفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
انظر: الديباج المذهب لابن فرحون 2/ 105 - 106، الصلة لابن بشكوال 2/ 414.
(3) انظر: شرح الكرماني على البخارى 2/ 131 - 132، فتح الباري 1/ 212.
(4) انظر: تنزيه الشريعة لابن عراق 1/ 6، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 99، المعتصر من المختصر 2/ 260 - 261.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
الحديث الثاني:
" من اصطبح كل يوم سبع تمرات من عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إِلى الليل".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في كتاب الطب بلفظ: "من اصطبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إِلى الليل"(1).
وفي كتاب الأطعمة بلفظ: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر"(2).
وأحمد أمين في طعنه في هذا الحديث مسبوق، فقد قال المازري(3): نفع التمر من السم لا يعقل معناه في حكم الطب، ولو قدر على أن يخرج له وجه من الطب لم يقدر على وجه تخصيص ذلك بالعجوة، ولا بعدد السبع، ولعل هذا كان لأهل زمنه أو لأكثرهم، إذ لم يثبت عندي استمرار وقوع الشفاء بذلك غالبا في زمننا، وإن وجد ذلك في زمننا في أكثر الناس حمل على أنه أراد وصف غالب الحال(4).--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري 10/ 238 مع الفتح.
(2) المصدر السابق 9/ 569، صحيح مسلم 14/ 2 مع النووي.
(3) هو: محمد بن علي بن عمر بن محمد أبو عبد الله التميمي المازري الفقيه المالكي المحدث، أحد الأئمة الأعلام.
له: المعلم بفوائد صحيح مسلم، إيضاح المحصول في الأصول، وغيرهما، توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
انظر: الوافي بالوفيات للصفدي 4/ 151.
(4) انظر: شرح الأبي على مسلم 5/ 353.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
وقد وجه القاضي عياض تخصيص العدد بالسبع قائلا: وأما التخصيص بهذا العدد فجاء في الشرع منه كثير، فجاء في هذا، وفي قوله: "صبوا عليه من سبع قرب"(1)، وفي غسل الإِناء من ولوغ الكلب سبعا(2)، وفي قوله: {أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} الآية(3). وهو مبالغة في كثرة عدد الأوتار والأشفاع، لأنه زاد على نصف العشرة، وفيه ثلاثة أشفاع، وأوتار أربعة، فجمع الوتر والشفع، كما أن السبعين مبالغة في كثرة العشرات في قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} الآية(4). كما أن السبعمائة مبالغة في كثرة المئين في قوله: "إلى سبعمائة ضعف"(5)، وقد توضع السبع موضع التكثير، ولا يراد بها السبع حقيقة(6).
أما الإِمام النووي فقد رد هذين القولين -قول المازري والقاضي عياض- وأبطلهما، وأوصى بعدم الالتفات إليهما أو التعريج عليهما، وقال: إن تخصيص عدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، ولا نعلم نحن حكمتها، فيجب الإِيمان بها واعتقاد فضلها والحكمة فيها، وهذا--------------------------------------------
(1) رواه البخاري 1/ 302 مع الفتح بلفظ: "أهريقوا"، وأحمد 6/ 151.
(2) أخرجه البخاري 1/ 274 مع الفتح، ومسلم 3/ 182 - 183، مع النووي، وأبو داود رقم 71 - 74، والترمذي رقم 91، والنسائي 1/ 54، وابن ماجه رقم 363، 364، وابن خزيمة 1 - 50/ 51.
(3) الآية 261 من سورة البقرة.
(4) الآية 80 من سورة التوبة.
(5) في قوله صلى الله عليه وسلم: "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف". الحديث رواه البخاري 1/ 98 مع الفتح، والنسائي 8/ 105 - 106، وابن ماجه رقم 1638، والإمام مالك في الموطأ 1/ 310.
(6) انظر: الأبي على مسلم 5/ 354، فتح الباري 10/ 240.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
كأعداد الصلوات، ونصب الزكاة وغيرها(1).
وممن استشكل هذا الحديث من المعاصرين محمود أبو رية(2)، لكن رد عليه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة حيث يقول: لم يذكر لنا فيلسوفنا وجه استنكاره، الأجل أن في العجوة شفاء من السم؟ وليته علم أن من عفن الخبز استخرج البنسلين الذي هو خير علاج للجروح، ومن تراب المقابر استخرج السلفانا ميد ومشتقاتها خير علافي للتعفنات أيضا … إلخ(3).
وللعلماء في هذا الحديث مسالك:
فمنهم من جعل هذا الحديث خاصا بتمر المدينة عملا برواية مسلم: "من أكل سبع تمرات مما بين لا بتيها"(4)، قالوا: ولا مانع أن يخص الله بلدا بميزة لا تكون في غيرها، لتأثير يكون في تلك الأرض، أو ذلك الهواء ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، وببركة يده الكريمة، لأنه روي أنه صلى الله عليه وسلم غرس العجوة بيده، وهذا مثل وضعه الجريدتين على قبور المعذبين في قبورهما(5)، وكان ببركة وضعه لهما تخفيف العذاب عنهما ما لم ييبسا(6).--------------------------------------------
(1) شرح النووي على مسلم 14/ 3.
(2) انظر: أضواء على السنة ص 223، 226،
(3) ظلمات أبي رية ص 225.
(4) مسلم 14/ 2 بشرح النووي.
(5) رواه البخاري 1/ 317 مع الفتح، ومسلم 3/ 200 - 201 مع النووي، وأبو داود رقم 20، والنسائي 1/ 28 - 30، والترمذي رقم 70، وابن ماجه رقم 347.
(6) الطب النبوي للذهبي ص 49 - 50 بهامش تسهيل المنافع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
ومنهم من قال: هذا عام في كل عجوة، لأن السموم إنما تقتل لإِفراط برودتها، فإن داوم على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم(1).
هذا وقد نشرت بعض البحوث العلمية التي تدل على أن البلح، ومنه العجوة فيه شفاء لكثير من الأمراض، ومن هذه الأبحاث مانشرته جريدة الأهرام تحت عنوان "البلح علاج لأمراض العيون والجلد والأنيميا والنزيف ولين العظام والبواسير، ويساعد على الولادة بسهولة" ثم قالت ما يلي: أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت أخيرا في المركز القومي للبحوث أن البلح غذاء كامل، ويفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر، وعلاج الأمراض الجلدية كالبلاجرا وأمراض الأنيميا وحالات النزيف ولين العظام والبواسير ويساعد المرأة الحامل على الولادة بسهولة(2).
فإذا ثبتت هذه الخواص للتمر، فهل جرب الأستاذ أحمد أمين أو سمع من جرب بأن شخصا داوم على تناول سبع تمرات من العجوة كل يوم على الريق ثم دس له سم فأثر عليه ذلك السم؟ إذا كان هو لم يجرب ولم يرو لنا أن غيره جرب، فمن أين وصل إلى هذه النتيجة، وهي قوله: دلت المشاهدة التجريبية على أنه غير صحيح؟ سبحان الله أي مشاهدة تجريبية هذه التي دلته على ذلك، وهو لم يبين لنا متى كانت، ومع من كانت،--------------------------------------------
(1) السنة ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي ص 283.
(2) جريدة الأهرام العدد 27905 لسنة 89 بتاريخ 12/ 12/ 1382 هـ الموافق 6 مايو سنة 1963 م ص 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
وإنما ادعاها دعوى(1)!.
الحديث الثالث:
" الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم".
هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي(2)، وأخرج جزأه الأول البخاري ومسلم وأحمد والترمذي(3).
ومع صحة سند هذا الحديث وجودته حيث لا يوجد فيه راو متهم ولا مجروح، فإن الكمأة مع ذلك جربت لأوجاع العين فوجدت نافعة لكثير من أمراضها، فهذا أبو هريرة يقول: أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة فكحلت به جارية لي فبرأت(4).
وها هو النووي يرى أن بعض علماء زمانه كان قد عمي وذهب بصره، فاكتحل بماء الكمأة مجردا فشفي، وهو شيخ له صلاح ورواية للحديث، وهو الشيخ العدل الأيمن الكمال بن عبد -ضد الحر- الدمشقي(5)(6).--------------------------------------------
(1) عناية المحدثين بمتن الحديث مقال للدكتور محمود الطحان نشر في مجلة كلية أصول الدين العدد الأول سنة 1397 هـ ص 147 - 148.
(2) سنن الترمذي رقم 2069.
(3) البخاري 8/ 163، 303 مع الفتح، مسلم 14/ 3 مع النووي، الترمذي رقم 2068، المسند 1/ 188.
(4) انظر: سنن الترمذي رقم 2070، وصحح الحافظ إسناده.
انظر: فتح الباري 10/ 165.
(5) هو: كمال الدين بن عبد العزيز بن عبد المنعم بن الخضر يعرف بابن عبد -بغير إضافة- الحارثي الدمشقي، من أصحاب أبي طاهر الخشوعي، مات سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
انظر: فتح الباري 10/ 165.
(6) انظر: شرح النووي على مسلم 14/ 5، والكرماني على البخاري 17/ 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
وقد بحثه الأطباء فاعترفوا بصحته، وقد نقل الذهبي إجماعهم على أن ماء الكمأة يجلو البصر(1).
ونقل ابن القيم عن فضلاء الأطباء أن ماءها يجلو العين(2).
وقال داود(3) في تذكرته: إن ماء الكمأة يجلو البياض كحلا(4).
قال الدكتور مصطفى السباعي(5): فها أنت ترى أن العلماء لم يقصروا في التجربة، وأن الأطباء لم يقصروا في البحث، ومع ذلك فلم يرض مؤلف "فجر الإِسلام" إلا أن يأتي كل مسلم إلى كمية من الكمأة ثم--------------------------------------------
(1) انظر: الطب النبوي للذهبي ص 91 بهامش تسهيل المنافع.
(2) انظر: زاد المعاد لابن القيم 4/ 361.
(3) هو: الرئيس داود بن عمر الأنطاكي الأصل، رحل إلى الأناضول ثم إلى دمشق، فالقاهرة، الضرير.
له: تذكرة أولي الألباب، النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة، تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق، شرح قصيدة ابن سينا في الروح، وغيرها، توفي سنة ثمان وألف.
انظر: ريحانة الألباء للخفاجي 2/ 117 - 119، تاريخ آداب اللغة 3/ 338 - 339.
(4) تذكرة داود الأنطاكي في الطب 1/ 252.
(5) هو: مصطفى بن حسني السباعي، ولد في حمص سنة 1333 هـ، وفيها نشأ وترعرع وتلقى تعليمه حتى ما قبل الجامعة، وأتم دراسته الجامعية في كلية الثسريعة بالأزهر، ونال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي عام 1368 هـ، درس في كلية الحقوق، وأسندت إليه عمادة كلية الشريعة بجامعة دمشق، وقاد العديد من الحركات الإسلامية في سوريا.
له: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، اشتراكية الإسلام، المرأة بين الفقه والقانون، هكذا علمتني الحياة وغيرها، توفي سنة 1964 م.
انظر: علماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب ص 357 - 389.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)