الحيرة والضلال والخلاف، والانقسام لأمة الإسلام، فضلوا وأضلوا.
والغرض هو بيان أن قلق القلب، وتشوفه للعلم المصحوب بأي نوع من أنواع عدم الثقة أو القناعة بالوحي، يكون دافعاً للوقوع في الأفكار المنحرفة المخالفة، وبهذا يتبين أثر الإيمان في طمأنينة القلب وثقته فيما جاء من عند الله من الهدى والنور.
النوع الثاني: القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالعصيان.
لقد خلق الله عباده على فطرة سوية، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس:7] .
قال ابن كثير رحمه الله: "أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة"1.
وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم:30] .
وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "2.--------------------------------------------
1 تفسير القرآن العظيم 4/516.
2 متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات … ح1538 الصحيح مع الفتح 3/219. ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة … ح2568 4/2047.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 459)
قال ابن رجب رحمه الله: "وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور من ضده"1، ثم استدل ببعض النصوص المتقدمة.
وإذا تبين هذا فإن الاعتقاد الصحيح، والعواطف الرشيدة من محبة الإيمان وما يتصل به، وكراهية الكفر وما ينتسب له أو يؤدي إليه، كل ذلك يوجب للقلب والنفس طمأنينة وراحة وسكينة.
وخلاف ذلك من الشرك أو الكفر والنفاق والعصيان يوجب للقلب الخوف والوحشة والقلق والانزعاج.
قال ابن القيم رحمه الله في معرض بيانه لعقوبة المعاصي: "ومن عقوبتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفاً مرعوباً، فإن الطاعة حصن الله الأعظم، من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج منه أحاطت به المخاوف من كل جانب"2.
وقال: "وهل العذاب إلا عذاب القلب، وأي عذاب أشد من--------------------------------------------
1 جامع العلوم والحكم ص239.
2 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص50، 51.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 460)
الخوف والهم والحزن وضيق الصدر"1.
وقال أيضاً: "ومن عقوباتها أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشاً قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة"2.
وقال في سر ذلك: "وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه، وكلما اشتد القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الرب، وكلما زاد البعد قويت الوحشة"3.
ولا شك أن هذه الأدواء المزمنة المتمثلة في الخوف والقلق والوحشة والضيق، سوف تؤدي بصاحبها إلى طلب الخلاص منها، وإذا أضيف إلى ذلك ضعف البصيرة وقسوة القلب الناتجة عن المعاصي، وكون المعاصي تطلب ما يلائمها، فإن الغالب على من قامت به أن يطلب الخلاص منها في أمور محرمة أخرى تزيد في مرضه وبعده عن الطمأنينة، فالمعاصي يجر بعضها بعضاً.
والكثير المشاهد أن هذه القلوب التي أحرقها لهيب الوحشة والقلق والضيق، تهرع إلى وسائل الترفيه والمرح التي لا يخلو بعضها من محرم--------------------------------------------
1 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص50، 51.
2 نفس المصدر والصفحة.
3 نفس المصدر والصفحة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 461)
وفتنة، وبعضها ينطوي على جملة من المحرمات، كممارسة الغناء والرقص أو سماعه ومشاهدته، ومشاهدة مواد التلفزيون وأشرطة الفيديو الفاسدة، والتردد على المسارح والسينما التي تُبث من خلالها الأفكار الهدامة على نطاق واسع، وأساليب مختلفة، ومن ذلك كثرة النزهات والتردد على الملاهي التي لا يخلو الكثير منها من الفتنة واختلاط الرجال بالنساء وبعض المحرمات، والإفراط في الاشتغال بالأدب والرياضة والفنون، وقراءة الروايات والمجلات التي تصد عن ذكر الله وتوقد الغرائز وتحرف الأفكار، وقد تزيد الوحشة والقلق فيلجأ إلى تعاطي المسكرات والمخدرات، أو يجنح إلى الفواحش والجريمة، أو الانتحار أو يصاب بالجنون.
وقد بين بعض الباحثين في أحوال الأمم الكافرة -المولعة باللهو واللعب والترفيه- أن الناس يلجؤون إلى هذه الوسائل للتخلص من القلق1، ويقول الكاتب "بسكال"2: "إن الناس قد اخترعوا شتى ضروب اللهو أو التسلية، حتى يتجنبوا الخوف من الوحدة أو العزلة"3.--------------------------------------------
1 انظر: الموسوعة الطبية الحديثة 11/1580، وجريدة الشرق الأوسط، ص22، العدد 4124، الأربعاء 14/3/1990م، زاوية "دراسات".
2 "باسكال" مؤلف فرنسي ولد عام 1923م، وتوفي 1963م.
انظر: دائرة المعارف، بطري البستاني 5/418، مطبعة المعارف، بيروت، 1881م.
3 نقلاً عن كتاب: في سبيل موسوعة نفسية، تغلب على الخوف، لمجموعة من علماء النفس الغربيين، عرض وتقديم د. مصطفى غالب، ص13، دار مكتبة الهلال، بيروت 1985م.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 462)
وكثيراً ما استخدم شياطين الإنس والجن هذه الوسائل كطعم لصيد الناس وإيقاعهم في الفواحش والأفكار الهدامة المفسدة للعقائد والأخلاق.
قال الشيخ محمد قطب مبيناً استغلال أعداء الإسلام لهذه الوسائل في هدم الإسلام: "كان من المفاسد الجديدة التي جاء بها الاستعمار: التعالن بالفاحشة باسم "التحرر" و"الانطلاق" و"المدنية" والدعوة إلى السفور والدعوة إلى الاختلاط، وكان منها توسيع دائرة "اللهو" باسم "الفن" و "الرقي" و"الحضارة" فمرة مسرح، ومرة سينما، ومرة إذاعة ماجنة تقدم الغناء الفاحش، والتأوهات المريضة والألفاظ العاتية، ومرة يكتب عليه صراحة اسم "ملهى" ومرة.. ومرة.. ومرة"1.
وقال أيضاً: "وجدت بعد أيام الاستعمار الأولى وسائل أخرى كلها للإفساد، من أبرزها التلفزيون والفيديو … واتخاذ الصحافة النسوية ثم السينما والتلفزيون لإغراء المرأة بمزيد من التبذل والفساد"2.
ولخص بعد ذلك أهم أهدافهم من وراء نشر ذلك بأنها صرف--------------------------------------------
1 الجهاد الأفغاني ودلالاته، محمد قطب، ص52 مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، جدة ط الأولى، 1410?.
2 نفس المصدر، والصفحة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 463)
الناس عن الصلاة بعدما صرفوهم عن تحكيم شريعة الله، والقضاء على روح الجد في الأمة، والقضاء على ما بقي من روح الجهاد فيها1.
ولا شك أن زعزعة اعتقاد المسلمين وإفقادهم الثقة والعزة بدينهم من أهم أهدافهم.
والحق أن هذه الأمور التي يلجأ إليها الناس للتخلص من القلق لا تحقق لهم هذا المطلب، بل تزيدهم قلقاً ووحشة، فهي تصرف فكر الإنسان وتشغله عمّا يعانيه من القلق مؤقتاً ما دام في لهوه، ثم يعود بعد ذلك أسوأ حالاً مما كان عليه.
ورد في الموسوعة الطبية الحديثة: "أما الإقبال على المشروبات الكحولية، والترويح السلبي من أمثال مشاهدة التلفزيون والسينما، فلا يخفف القلق، بل على العكس يزيد من سوئه"2.
"فاللهو حمض أكّال، يرهّل النفس، ويقتل الوقت، ويمنع التوجه لمعالي الأمور، وهو في الوقت ذاته مغر بالمزيد، ولا تشبع منه النفس إذا وجهت همها إليه، وإنما تسعى للاستزادة منه مع "التفنن" الدائم في التغيير! " 3.
فالنفس لا تشبع من اللهو لأنه ليس علاجاً صحيحاً، لما فيها من--------------------------------------------
1 المصدر السابق، ص52، 53.
2 الموسوعة الطبية الحديثة 11/1580.
3 الجهاد الأفغاني ودلالاته محمد قطب ص53.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 464)
القلق والضيق، إذ لو كان علاجاً مناسباً لقطع القليل منه دابر الداء أو خففه. كما يحدث للمؤمن عند فعل الطاعات، لكن اللهو مسكن؛ تماماً كالحبوب المسكنة للآلام البدنية، يشعر المريض بالراحة ويسكن الألم إذا تعاطاها، والمرض في الحقيقة يزيد إذا لم يعالج بعلاجه المناسب.
وسعي النفس للاستزادة -حيث إنها كلما جربت نوعاً من اللهو بحثت عن غيره- دليل على زيادة الدافع للهو ألا وهو القلق والضيق والكآبة.
وبهذا يتبين أن القلق وعدم سكون القلب دافع لطلب الأفكار الهدامة، أو تعاطي الأمور التي تستخدم لنشرها، فهو إذاً ثغرة في القلب خطيرة، قد تؤدي بصاحبها إلى الوقوع فريسة للأفكار الهدامة المفسدة للدين. وبهذا تتبين الأهمية الكبرى للإيمان في جلب الطمأنينة للقلب، وتحصنه بذلك من الجنوح إلى شيء من أباطيل الجاهلية أو أفعالها القبيحة.
وقد جاء المجال للكلام على الطمأنينة كأثر فعال في تحصين قلب المؤمن، والله المستعان.
الطمأنينة حصن للقلب:
إذا تقرر أن قلق القلب إنما هو فقر وحاجة تدفعه إلى طلب ما يرويها ويلائمها من الشهوات المحرمة أو وسائلها من اللهو واللعب ونحوه،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 465)
أو إلى تطلب الحق في غير محله، ومن غير أهله، وفي ذلك وقوع في الأفكار الفاسدة، أو في مصائد المفسدين التي يستدرجون بها أهل الخير إلى مهاوي الرذيلة والضلال …
إذا تقرر ذلك، فإن طمأنينة القلب وسكونه تعني غناه وركونه إلى الإيمان وعقائده وشرائعه، فلم يعد فيه قلق أو حيرة في أي مطلب علمي تدفعه إلى طلب الحق فيه من غير الوحي المبارك، وليس في قلبه مرض يميل به إلى الفاحشة أو مواردها حيث حبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فهو مطمئن سليم. فالطمأنينة إذاً هي غنى القلب الذي يتحصن به المؤمن من كل شر فكري يؤثر في عقائده، أو عاطفي يخل بعواطفه وإرادته.
سبب طمأنينة القلب:
طمأنينة القلب وسكون النفس قضية تهم البشر جميعاً، فكل إنسان يبحث عن هذا الأمر، لذا كثر كلام المفكرين قديماً وحديثاً عن أسباب الطمأنينة وكيفية حصولها، واختلفوا في ذلك اختلافاً واسعاً، كعادتهم في كل القضايا الرئيسية الهامة.
والقرآن الكريم أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هادياً للبشرية إلى الحق في جميع نواحي الحياة {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9] .
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 466)
وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185] .
ونظراً لأهمية هذه القضية وخطورتها، فلا بد أن يأتي البيان لها فيما نزل من الوحي بوضوح يتفق مع أهميتها.
وقد جاء البيان للسبب الذي به تطمئن القلوب في كثير من النصوص، من ذلك قوله الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] .
ففي قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه} علامة على المؤمنين الذي صدقوا في إيمانهم وتمكن من قلوبهم، وهي اطمئنان قلوبهم لذكر الله، أي: "تسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله"1.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "ثم ذكر تعالى علامة المؤمنين، فقال: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} أي يزول قلقها واضطرابها وتحضرها أفراحها ولذاتها"2.
وهذه العلامة ينبغي أن يتحقق وجودها في نفسه كل من ينتسب--------------------------------------------
1 جامع البيان لابن جرير 13/145.
2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 4/108، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض 1404هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 467)
للإيمان، فإن كان من الذين تنشرح صدورهم عند قراءة القرآن أو سماعه، وفي حلق العلم وسماع الدروس، ويتلذذون ويرتاحون في الصلاة، ومجالسة الصالحين، وفي كل ما يذكرون الله به أو يذكرهم به، فهو من {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} فليحمد الله وليلزم.
أما إن كان يجد ثقلاً وانقباضاً عند ذلك، وفي المقابل ينشرح صدره ويرتاح عند سماع الغناء واللهو، وأمام الملهيات وفي مجالس القيل والقال، والغفلة أو في المعاصي، فهو ليس من {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ} بل إيمانه ضعيف، وفي قلبه مرض، وهو على خطر عظيم فليستفد من هذه العلامة وليتدارك نفسه.
أما قوله: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} فلها مدلول أعمق.
فهي مع تأكيدها لما تقدم من طمأنينة قلوب المؤمنين بذكر الله حيث إنه هو الحقيق بأن يطمئن له ويسكن إليه1، فهي مع ذلك تشير إلى حقيقة هامة، يحتاج إلى إدراكها كل إنسان، وعلى إدراكها أو عدمه يتحدد سلوكه في الحياة.
هذه الحقيقة هي أنه لا طريق إلى طمأنينة القلوب وسعادتها وأنسها--------------------------------------------
1 تفسير القرآن العظيم 2/512.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 468)
وبهجتها، إلا بذكر الله {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} لا بغيره، فالسبب الوحيد لطمأنينة القلوب وشفائها من أمراضها، وزال قلقها ووحشتها هو ذكر الله، ذكر الله بمدلوله الواسع الشامل لكل ما يذكّر بالله، أو يُذكر الله به، ما يُذكر بالله من العلوم النافعة والأدلة القاطعة في الآيات البينات الناطقات أو المشاهدات، وما يذكر به الله من سائر الأذكار والعبادات، وإقامة الأحكام والمعاملات على شرع الله.
ويجمع ذلك العلم بما نزل من الوحي والعمل به. فذلك هو الطريق إلى طمأنينة القلوب وسعادتها في الدنيا والآخرة، قال تعالى مشيراً إلى هذه الحقيقة: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:123-126]
قال سيد قطب رحمه الله: في تعليقه على قول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} "تطمئن بإحساسها بالصلة بالله، والأنس بجواره والأمن في جانبه وفي حماه تطمئن من قلق الوحدة، وحيرة الطريق، وبإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير، وتطمئن بالشعور بالحماية من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 469)
كل اعتداء، ومن كل ضرر ومن كل شر إلا بما شاء مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء، وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وذلك الاطمئنان في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فاتصلت بالله، يعرفونها، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها، لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها، ويستشعر الطمأنينة والسلام" 1.
وقد يقال: إذا كانت القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، فكيف نجد من يطمئن بغير ذلك من اللهو والمعاصي، وغير ذلك مما هو مخالف لذكر الله؟!
فالجواب: إن طمأنينة من يتعاطى ذلك غير صحيّة، فهي راحة كاذبة لموافقتها ما قام في قلوبهم من الشر والمرض، فيشعر بنشوة وراحة لذلك، لكنها راحة مؤقتة لا تلبث أن تنقشع عن نار محرقة في القلب، لذلك يغلب على هؤلاء إدمان اللهو واللعب والمرح، أو المسكرات والمخدرات هرباً من مجابهة ما يثور في قلوبهم من النكد والضيق إذا فتر اللهو.
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا النوع من الراحة--------------------------------------------
1 في ظلال القرآن 5/94.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 470)
التي يجدها مرضى القلوب، وأنها ليست ناتجة عن منفعة حقيقية، وصلاح في القلب وزوال لمرضه، وإنما هي راحة مؤقتة مع بقاء أصل المرض الذي كدر القلب، فالقلب في الحقيقة قلق مضطرب منكود، فقال: "والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود وهو نوعان:
أحدهما: كراهة للنعمة عليه مطلقاً، فهذا هو الحسد المذموم، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه، فيكون ذلك مرضاً في قلبه، ويلتذ بزوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها، لكن نفعه زوال الألم الذي كان في نفسه … وهو راحة، وأشده كالمريض الذي عولج بما يسكن وجعه والمرض باق" 1.
وقد بين الله في كتابه حال بعض من يطمئنون بغير ذكر الله، وأن سبب ذلك مرض في قلوبهم، نتج عنه ذلك الاطمئنان المنحرف، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس:7، 8] فبين سبحانه أن رضوانهم بالحياة الدنيا واطمئنانهم بها ناتج عن مرض الكفر بالله وبلقائه سبحانه، وأن ذلك كله مترتب على مرض الجهل الحاصل من--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 10/111، 112.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 471)
الغفلة عن آيات الله.
وبهذا يتبين أن الطمأنينة الحق هي طمأنينة القلب السليم، الذي عمر بالإيمان وتغذى من الوحي المطهر، وانصبغت عقائده وعواطفه وانفعالاته وإراداته بالعلوم المستقاة منه، وكلما زاد الإيمان، زادت الطمأنينة واستغنى القلب وعظم انفكاكه وابتعاده عن أفكار الجاهلية وأعمالها.
الإيمان … والطمأنينة:
والمقصود بهذا العنوان بيان أن الإيمان بمختلف شعبه يحقق للقلب ما يصبو إليه ويتشوق لتحصيله من المعلومات والمحبوبات، والتي تُوجِد به الخير والصلاح، وتعمل على ثباته وقوته واستقراره.
ومن أجل بيان هذا المطلب المهم ينبغي معرفة ما يحتاج إليه الإنسان السوي، ويتطلع إلى حصوله من الأمور التي فطر على الحاجة إليها، أو التي يوحي له عقله بالبحث عنها لتحقيق السعادة والأمن، ثم معرفة دور الإيمان في تلبية تلك الحاجات، وسكون النفس وطمأنينة القلب بذلك، فالإنسان مفطور على أن له خالقاً أوجده ويملكه ويدبره، فهو بأشد الشوق إلى معرفة: خالقة، ومبدأ خلقه، والغرض الذي من أجله أوجده، ودوره ووظيفته التي يقوم بها، ثم مصيره ومنتهاه، وهو بحاجة إلى ركن شديد يعتمد عليه، ويركن إليه في حصول الخير الذي يصبو إليه، ويطمئن تحت حمايته من الأخطار الكثيرة التي تحيط به أو التي يتوقعها، ويستعينه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 472)
على كشف ما نزل منها، وكلما زادت معرفته بالأخطار كان قلقه وحاجته إلى الحماية والإعانة أشد، كما أنه محتاج إلى أن يعرف الاستجابة المناسبة الصحيحة لما يجري عليه أو حوله من أقدار الله. فإذا تحققت هذه المطالب سكن القلب واطمأن، وإلا كان مضطرباً قلقاً بقدر ما نقص منها. فأين يجد الإنسان ما يسد حاجة قلبه وقلق نفسه؟
لا شك أن هذه الأمور -لأهميتها وكثرة تخبط البشر في تحديدها- جاء بيانها في الوحي المطهر بياناً كشف جميع جوانبها وطرق تحصيلها، والعلم الذي يحصل به الإيمان بالله والعمل بموجبه كفيل بإشباع القلب وإرواء النفس لما ترنو إليه.
"إن في فطرة الإنسان فراغاً لا يملؤه علم، ولا ثقافة، ولا فلسفة، إنما يملؤه الإيمان بالله جل وعلا.
وستظل الفطرة السليمة تحس بالتوتر والجوع والظمأ حتى تجد الله وتؤمن به، وتتوجه إليه، هناك تستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف، هناك تحس بالهداية بعد الحيرة، والاستقرار بعد التخبط، والاطمئنان بعد القلق، ووجدان المنزل والأهل بعد طول الغربة والضرب في أرض التيه"1.--------------------------------------------
1 الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي ص96، مؤسسة الرسالة، بيروت ط 9، 1403هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 473)
وقد بين الإمام ابن القيم رحمه الله حاجات القلب الفطرية وأثر الإيمان في إشباعها بقوله: "ففي القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته. وفيه حزن: لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته. فيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه1، والفرار منه إليه.
وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه. وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه. وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبداً"2.
أثر معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله في طمأنينة القلب:
إن معرفة الله بأسمائه وأفعاله وصفاته تخصب القلب بالخير في عقائده، وعواطفه وإراداته، كما أنها عامل في توازن القلب واستقراره، وكلما كانت معرفته أكمل، كان حظه من ذلك أكبر.--------------------------------------------
1 يقصد رحمه الله بالاجتماع على الله: "جمع الهمة على الله سبحانه، محبة وإنابة وتوكلاً وخوفاً ورجاء ومراقبة، وجمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوة وجهاداً، فهما جمعان: جمع القلب على المعبود وحده، وجمع الهم له على محض عبوديته". مدارج السالكين 3/459.
2 مدارج السالكين 3/172.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 474)
وذلك أن لكل اسم من أسماء الله تعالى عبودية خاصة، وأثراً معيناً في القلب والفكر والسلوك.
أما العبودية، فتكون بإثبات الاسم لله تعالى، واعتقاد أن الله متصف بما دل عليه من الصفة، وقيام العواطف المناسبة في القلب، ثم دعاؤه والثناء عليه به، بالحال التي تتناسب مع ما دل عليه من المعاني، فإذا كانت حال الداعي طلب مغفرة ورحمة، دعاه باسمه "الغفور الرحيم"، وإذا كانت حالة استشعار الرحمة وفيض النعمة أثنى عليه بالجواد الكريم المعطي المنعم … وهكذا.
أما أثر الأسماء -وهو المقصد الأهم في هذا المجال- فكل اسم له أثر خاص يتناسب مع ما يدل عليه من المعنى والصفة، فإن إثبات الاسم لله تعالى واعتقاد أنه متصف بالصفة التي دل عليها يحدث أثراً في القلب، فالقلب باستشعاره لمعنى الصفة يتفاعل ويتجاوب مع ذلك المعنى ويتأثر به، وينبعث لموجبه، محبة أو خوفاً، رغبة أو رهبة، أو تعظيماً وإجلالاً، أو توكلاً ورجاء.
ذلك الانفعال في القلب الناتج عن الاعتقاد، له تأثير على العواطف والإرادات والتفكير، وبالتالي على السلوك؛ ولكل اسم من أسماء الله معنى خاص وتأثير خاص، ولا تزال معاني الأسماء والصفات تتوارد على القلب وتحدث فيه تأثيراً مناسباً لكل منها، حتى تصبح فيه معرفة متكاملة لربه سبحانه وتعالى، وأثراً متكاملاً يخصب فيه نوازع الخير في عواطفه وأعماله
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 475)
الصالحة، كما يصبح فه توازن مستفاد من استشعار جميع أو أغلب الصفات التي وردت في الكتاب والسنة، دون أن يستشعر معاني بعض الصفات ويتأثر بها وينفعل لموجبها، ويغفل عن استشعار ما يقابلها، فيصبح عنده خلل في أعمال القلب والتفكير والسلوك؛ فكل جهل أو ضلال بمعنى اسم من أسماء الله ينتج عنه خلل في القلب والفكر وانحراف في السلوك، ويفقد من الطمأنينة والاتزان بقدر جهله أو ضلاله.
قال ابن القيم رحمه الله: " … والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته، واستدعاء محبتهم له، وذكرهم له، وشكرهم له، وتعبدهم له بأسمائه الحسنى، إذ كل اسم فله تعبد خاص به، علماً ومعرفة وحالاً، وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه "القدير" عن التعبد باسمه "الحليم الرحيم" أو يحجبه اسمه "المعطي" عن عبودية اسمه "المانع" أو التعبد بأسماء "التودد، والبر واللطف، والإحسان" عن أسماء العدل، والجبروت، والعظمة والكبرياء، ونحو ذلك"1.
أمثلة على أثر بعض الأسماء في طمأنينة القلب:
من ذلك أن إدراك العبد لمعاني أسماء الله "العليم، الخبير، الحكيم" يوجب له ثقة واطمئناناًَ إلى أن أمره ومصيره وما يجري عليه بيد ملك--------------------------------------------
1 مدارج السالكين 1/452.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 476)
مدبر عليم حكيم خبير، فيزول عنه كابوس الخوف والقلق من المستقبل والمجهول الذي ينخر قلوب الكافرين الجاهلين بربهم، ومثال ذلك، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل:60] . لو أن ركاباً في سفينة تجري في البحر علموا أن قائد السفينة عاقل حليم ماهر عالم بأحوال البحار وأمواجه، له خبرة في معرفة الطريق والجهات، فإن هذا العلم يوجب لهم أمناً واطمئناناً وثقة به، بخلاف ما لو أدركوا أنه طائش أو جاهل بالقيادة أو بأحوال البحر، فإن ذلك يوجب لهم خوفاً وقلقاً يزيد كلما زاد علمهم بالأخطار.
ومن ذلك أن استشعار القلب لصفات معينة كالتي تدل عليها أسماء الله "الرحمن، الرحيم، المنعم، اللطيف، المنان، الودود، الكريم، الجواد، الغفور، العفو، التواب"، ونحوها.
وبعض الأخبار الواردة عن الله من أن الله واسع المغفرة، وأن يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وأن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن رحمته وسعت كل شيء، وشهود القلب لآثار هذه الصفات في الكون: كنزول المطر، وتجدد النعم وحصول البركات، والهداية، والأمن … ونحوها، كل ذلك يوجب للقلب أثراً معيناً يتمثل في محبة المنعم ورجائه سبحانه، وتعلق القلب به، وتوكله عليه؛ وذلك يوجد فيه قدراً عظيماً من الطمأنينة؛ كما أن فقه القلب لمدلول تلك الصفات يجعله يحبها، ويتخلق بتلك المعاني
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 477)
الحسنة التي يحبها، فيحرص أن يكون كريماً رحيماً عفواً … الخ.
كما أن إدراك القلب لمعاني صفات أخرى كالتي تدل عليها أسماء الله "العزيز الجبار، المتكبر، القهار … ونحوها"، والأخبار والواردة عنه سبحانه من أن أخذه أليم شديد، وأنه سريع العقاب، وفعال لما يريد، وأن بطشه شديد.. ونحوها، ومشاهدة آثار ذلك في الكون من حصول المصائب والكوارث والحروب، وذهاب الأمن ووقوع الفتن، والزلازل والبراكين.. ونحوها، فإن ذلك يحدث في القلب أثراً آخر من الخوف والخشية والتعظيم والمهابة.
وهذه الأعمال التي قامت بالقلب تؤثر في العواطف والإرادات نفوراً من الظلم والشر والمعاصي التي يمقتها الله، وتوجب سخطه وعقوبته، فيقوم في القلب نتيجة لذلك محبة ورجاء مستفادة من إدراك القلب لمعاني بعض الأسماء، وخوف ورهبة وتعظيم مستفاد من معرفة القلب لمجموعة أخرى من الأسماء، محبة تدفعه وخوف يمنعه، محبة تبعث فيه الرجاء وتدفعه إلى فعل الطاعات والمسارعة إلى الخيرات طلباً لرضوان المحبوب والقرب منه، وخوف يمنعه من كل ما يغضب الله خوفاً من بعده عن محبوبه والتعرض لسخطه وعقوبته.
ولذلك جمع الله بين الخوف والرجاء في سياق واحد في معرض مدحه لعباده المؤمنين، فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 478)