Arabic source text

📘 আসারুল ঈমান ফী তাহসীনিল উম্মাতিল ইসলামিয়্যাহ দিদ্দাল আফকারিল হাদামাহ (عبدুল্লাহ ইবনে আব্দুর রহমান আল-জারবু)

📘 أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة (عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع)

📘 আসারুল ঈমান ফী তাহসীনিল উম্মাতিল ইসলামিয়্যাহ দিদ্দাল আফকারিল হাদামাহ (عبدুল্লাহ ইবনে আব্দুর রহমান আল-জারবু)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقد بين رحمه الله سر ذلك بقوله: "فمحبة الله عز وجل أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والمحبة مع الله أصل الشرك، والمحاب المذمومة … "1.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " … وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبودية الله ومحبته له، لم يكن شيء أحب إليه من ذلك، حتى يقدمه عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} .
فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبة غيره، إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب منيباً خائفاً راغباً راهباً، كما قال تعالى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق:33] .
فلا يكون عبد الله ومُحِبُّهُ إلا بين خوف ورجاء، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ--------------------------------------------
1 المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} [الإسراء:57] .
وإذا كان العبد مخلصاً له اجتباه ربه فيحيى قلبه، واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء"1.
ومما تقدم من أقوال أهل العلم يتحصل أن عمران القلب بالإيمان والإخلاص لله القائم على قوة المحبة لله، والخوف منه ورجائه، ينتج عنه حياة القلب وانجذابه إلى الله، وما يقرب إليه من العمل الصالح، وانصرافه عما يضاد ذلك من السوء والفحشاء.
فقيام هذه الثلاثة في القلب موجب صلاحه واستقامته، فالمحبة تدفعه إلى فعل ما يرضي الحبيب، والخوف يمنعه من تعاطي الأسباب التي تغضبه وتحجب عنه، والرجاء يقوي الأمل في إقالة العثرات وحصول البركات والمسرات.
وقيام المحبة لله في القلب مع الخوف والرجاء، لا يكون إلا بمعرفة الله، وذلك لا يكون إلا بالتفكر والتعلم لما دلت عليه أسماء الله الحسنى من المعاني واستشعار القلب لذلك.
قال ابن القيم رحمه الله في بيان ذلك: "القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 1/215، 216.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)

يذوب الملح في الماء، وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات، وجمال الأفعال الدال على كمال الذات فيستنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها، بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغاً إلا من محبته؛ وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان، انبعث قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله وقوي طمعه، وسار إلى ربه، وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره.
وكلما قوي الرجاء جد في العمل … وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة، انقمعت النفس الأمارة، وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب، واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضت أعنة رعونتها، فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر"1.
ومما تقدم تبين أن المؤثر الأول في تخليص القلب من هذه العواطف الفاسدة من حب الفواحش هو عمران القلب بالتوحيد والإيمان، حيث تقوى محبته لربه وخوفه منه ورجاؤه له، وأن الطريق إلى ذلك هو معرفة الله بأسمائه وأفعاله، واستشعار القلب لذلك، ثم عبادته تعالى بهذه المعرفة، وأهم العبادات تأثيراً في قطع هذا الداء -بإذن الله تعالى- بعد التوحيد،--------------------------------------------
1 الفوائد لابن القيم ص91، 92.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)

الصلاة التي آن أوان الكلام على أثرها في ذلك.
أثر الصلاة في تخليص القلب من حب الفاحشة:
للصلاة أثر عظيم في صلة العبد بربه، لما فيها من إظهار العبودية، والخضوع، والافتقار، والذكر، والدعاء، والاستغفار الذي هو أعظم الأسباب مع التوحيد لنيل ولاية الله تعالى، كما أن للصلاة أثراً في تطهير القلب من ران الذنوب ودرنها -كما تقدم ذكره1- مما يجلب للمصلي طمأنينة قلبه، وسكون نفسه وراحتها.
وقد أخبر سبحانه أن لها أثراً في تطهير العبد من محبة الفاحشة والمنكر، تلك المحبة الدافعة إلى طلبها وسلوك طريقها، فالصلاة سبب لتقوية وازع الخير، وإضعاف الدافع إلى الشر والفواحش، قال تعالى مشيراً إلى هذا الأثر: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45] .
قال ابن كثير رحمه الله حول هذه الآية: "يعني أن الصلاة تشتمل على شيئين، على ترك الفواحش، أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك … وتشتمل الصلاة أيضاً على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولذلك--------------------------------------------
1 تقدم في المبحث الثاني من هذا الفصل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)

قال: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} أي أعظم من الأول"1.
وروى ابن جرير عن قتادة والحسن2 رضي الله عنهم: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فإنه لا يزداد من الله إلا بعداً"3.
وبين ذلك أبو العالية رحمه الله بقوله: "إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص والخشية، وذكر الله، فإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه"4.
وكثيراً ما استخدم شياطين الإنس والجن النساء في تحقيق أغراضهم الخسيسة في نشر الفساد، وإغواء العباد والترويج للأفكار الهدامة.
ومعلوم أنه لا تحصل الفتنة بهن إلا بعد إغوائهن وإفساد قلوبهن ففساد القلب دافع إلى قبول الشر والرذيلة.
لذلك اهتم الإسلام بصلاح قلوب النساء وسلامتها من محبة الفاحشة، وأرشدهن إلى ما له أثر في قطع ذلك.--------------------------------------------
1 تفسير القرآن العظيم ط الشعب 6/289، 291.
2 الإمام الفقيه الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، روى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة، وابن عباس وغيرهم، توفي سنة 120هـ.
انظر: سير أعلام النبلاء 4/563، والبداية والنهاية 9/278.
3 جامع اليبان 20/155.
4 تفسير القرآن العظيم 6/291.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)

فعندما نهى الله سبحانه عن بعض الأسباب المؤدية للفاحشة، أرشد في نفس السياق إلى العلاج المعين على ترك ذلك، فقال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب:30-33] .
فبعد أن نهاهن عن الخضوع بالقول عند مخاطبة الرجال الأجانب، وأمرهن بملازمة البيوت، ونهاهن عن التبرج عند الخروج من البيوت لحاجة تستدعي ذلك -وهي تعليمات تؤدي مخالفتها إلى فتنتهن أو الفتنة بهن، وما خالفتها النساء في مجتمع إلا فشت فيه الفاحشة- أرشدهن بعد ذلك إلى ملازمة القول المعروف عند مخاطبة الرجال الأجانب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبين سبحانه أن ذلك الترك لما نهى عنه، والفعل لما أمر به، سبب لذهاب الرجس عنهن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)

وطهارتهن، فقد شرع سبحانه هذه الأعمال، وأراد أن يحصل لمن التزم بها ما رتبه عليها، وجعلها سبباً له من الطهارة وذهاب الرجس. وقد ذكر منها سبحانه الصلاة، فدل على أن لها أثراً عظيماً في شفاء القلوب من داء محبة الفاحشة، واقتلاع دوافعها.
وعلى هذا فإن النتيجة الحتمية لإضاعة الصلاة هي اتباع الشهوات، من شهوة الفاحشة، أو شهوة الظلم، والبغي والتكبر في الأرض.
قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} [مريم:59] .
فللصلاة أثر عظيم في سلامة القلوب وصلاحها وانبعاثها للخير وبُعدها عن الشر، وما ذلك إلا لأنها اشتملت على معان وأفعال عظيمة أشير إلى أهمها:
فمن جهة هي تحقيق للتوحيد، فالمصلي يظهر ذله وخضوعه وافتقاره لربه، يدعوه ويستغفره، يفزع إلى الصلاة، يرجو الخير والسلامة، ويعوذ بربه من الشر والهلاك. فهو يتصل بالله معلناً فقره وحاجته، ومعلناً شكره وامتنانه، عالماً مستشعراً أن ذلك بيد الله وحده، فلا يقصد غيره في ذلك؛ ومن جهة أخرى هي جامعة لأركان الإيمان الثلاثة: القول والعمل والاعتقاد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)

فالاعتقاد والتصديق لا يفارق المسلم في جميع أوقاته، ما دام العقل باقياً، فهو ملازم له حال صلاته، والعمل يتمثل بالقيام والركوع والسجود والقعود ونحوها. والقول يتمثل بقراءة القرآن، والذكر والتشهد ونحوها، لذلك سمى الله الصلاة إيماناً في قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] . أي صلاتكم تجاه بيت المقدس قبل أن تحول القبلة، كما ورد في صحيح البخاري1.
ومن جهة ثالثة، هي جامعة لأنواع الذكر، فالذكر بالعمل حاصل بأداء الفرض، وفي القلب حاصل حيث أن قلب المصلي الخاشع موصول متعلق بمن يقف بين يديه ويناجيه، وبالقول فجميع الأذكار القولية تقريباً تشتمل عليها الصلاة، فقراءة القرآن في القيام والتكبير والتحميد والتسبيح والتشهد في أركانها، والدعاء في قراءة الفاتحة والسجود وبين السجدتين، والتشهد الأخير، والاستغفار بين السجدتين، وبعد الصلاة مباشرة، وغير ذلك من الأذكار العظيمة التي اشتملت عليها.
قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] .
وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14، 15] .
فبالله أي خير جمعت؟! وأي بركة تعود على من حافظ عليها--------------------------------------------
1 انظر: صحيح البخاري مع الفتح 1/95، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)

واستشعر أهميتها وحاجته إليها؟!
ومن أعظم بركتها أن صاحبها -بإذن الله- يكون في حصن حصين من الشياطين وكيدهم، وذلك لاشتمالها على الذكر، كما تقدم، فقد ورد أن الذكر سبب لتحصين العبد من الشياطين، ومن ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فذكر منهن الذكر، ومثله فقال:
" … وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله … "1.
"فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجاً بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقطع … "2.--------------------------------------------
1 رواه الإمام أحمد المسند 4/202 مسند الحارث الأشعري، ورواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح غريب" سنن الترمذي، أبواب الأمثال، ج225.
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/100.
2 الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن قيم الجوزية، ضمن مجموعة الحديث ص 659، مكتبة الرياض الحديثة، ط الخامسة، ت بدون.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)

فملازمة ذكر الله تعالى تجعل العبد في حصن حصين من الشياطين ووساوسهم وتلبيساتهم. ومردّ ذلك إلى أن الذكر -كغيره من الحسنات- يذهب السيئات، ويكفرها ويجلو القلب، فيبقى منيراً يقظاً يكشف لصاحبه الضلال وينفره منه.
كما أن الذاكر موصول بالله يجازيه بما يناسب عمله، فيذكره سبحانه كما قال {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] ذكراً خاصاً يوجب معيته وتوفيقه، وحفظه وتسديده، فيصرفه عن المهالك، ويوفقه لما فيه هدايته وصلاحه. ومن ذلك حفظه من الأفكار الخبيثة إذا طرأت على قلبه أو عُرضت عليه.
أثر الصيام في تخليص القلب من الميل للفواحش:
الأصل في هذا الأثر هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "1.--------------------------------------------
1 متفق عليه: واللفظ لمسلم، البخاري، كتاب النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، ح5066 9/133. مسلم، كتاب النكاح، الباب الأول ح1400 2/1018 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)

قال النووي رحمه الله: "واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء1.وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنة شهوة النساء، لا ينفكون عنها غالباً … "2.
فالرسول أرشد إلى عبادة عظيمة تؤدي إلى تحصين المسلم من ثوران شهوته وجريانه خلفها إذا لم يكن له زوج.
هذه العبادة تؤدي إلى ترك الطعام والشراب الذي يضعف الشهوة ويكسر حدتها لكنه لم يرشد إلى مجرد ترك الطعام والشراب، وإنما أرشد إلى العبادة التي تتضمن ذلك.
قال ابن حجر رحمه الله: "عدل عن قوله فعليه بالجوع وقلة ما يثير الشهوة ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب إلى ذكر الصوم، إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها مطلوبة … "3.--------------------------------------------
1 قال النووي:"الوجاء: هو رض الخصيتين، والمراد هنا أن الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المني، كما يفعله الوجاء". شرح النووي على صحيح مسلم 9/173.
2 المصدر نفسه.
3 فتح الباري شرح صحيح البخاري 9/110.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)

فالأثر المتمثل في كسر الشهوة وإضعافها ليس ناتجاً عن الجوع والعطش فحسب، بل هو ناتج مع ذلك عن الإيمان والتقوى في الصيام، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] .
فالصيام يشتمل على أمور هامة تعمل مجتمعة في أحداث هذا الأثر منها:
أنه علة لحصول تقوى الله عز وجل، وزيادة الإيمان، وهو من الصبر على طاعة الله، ويشتمل على ذكره سبحانه؛ وبهذه الأمور تستجلب ولاية الله وعنايته ومعيته الخاصة لأوليائه
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128] .
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153] .
وبذلك يقوى القلب وينصرف فكره عن الشهوة ودواعيها، ويسهل عليه الصبر عن معصية الله، فمن صبر على طاعة الله، أعانه الله على الصبر عن معصيته، والصوم أيضاً يؤدي من جهة أخرى إلى ضعف الشهوة وسكونها، لانقطاع مادة هيجانها وهو الشراب والطعام. وللصيام خاصية عظيمة في ردع القلب عن التهور والعجلة والاندفاع، فهو فعال في تهذيب السلوك، وتعويد من لازمه على التأني والصبر مما يعينه على الروية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)

والتبصر في أمره، وذلك يقود صاحبه إلى الخير.
قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35] .
ومن أجل ذلك والله أعلم نجد أن الكفارات المغلظة ككفارة القتل والظهار، والجماع في نهار رمضان، التي كثيراً ما يكون الدافع إليها العجلة وعدم ضبط النفس، والضعف عن كبح الانفعال، شرع فيها الصوم شهرين متتابعين، وما ذلك إلا لتربية من حصل منه شيء من ذلك بالصوم ليحصل على هذا الأثر الهام.
فملازمة الصوم تجعل الإنسان في حصون منيعة تحول دون عدوه والتسلل من خلال شهوة الجماع إلى استدراجه إلى مراتع الرذيلة التي يتوصل بها إلى إفساد دينه ودنياه؛ كما أنه يقوي قلبه على الصبر وكبح جماح النفس عند الانفعال، وذلك من آثار عناية الله بعبده، حيث أن الصوم من التقوى التي تستجلب بها ولاية الله.
ومما تقدم يتبين: أن أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة الفواحش يتجلى في أثر التوحيد الذي يعمر القلب بمحبة الله والخشية منه، وأن ذلك يتحقق بدراسة ومعرفة أسماء الله الموجبة لحبه وخشيته، واستشعار القلب لذلك؛ كما يتجلى في أثر الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الذكر الذي يحصن العبد من عدوه ويوجب ذكر الله له، وفي الصيام الذي يزيد في تقواه وقربه من مولاه، ويضعف الشهوة، ويكسر من حدتها،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)

وفي غير ذلك من الأعمال الصالحة التي تزيد في الإيمان، وتقرب العبد من الرحمن، وتحبب إليه الخير والإحسان، وتنفره من الشر والفحش والطغيان.
وأختتم هذا المطلب بأبيات تعبر عن معان ثارت في نفسي عند كتابة ما يختص بأثر الإيمان في تحصين القلوب من حب الفاحشة.
الحمد لله العلي المنجد … لعباده من كل فِكْر ملحد
للشر مكر بالنساء الخُرد … صبراً جميلاً صاح لا تتمرد
فيما أحل الله غُنية عاقل … ولذيذ عيش المرء في أن يهتدي
وإذا نظرت إلى الحرام وجدته … متعاً تزول ووحشة تتلبد
لله در المؤمن المتجلد … في دربه يسعى بغير تردد
علم الفتى بالله أصل حياته … وربيع قلب العبد حب الأوحد
وبذكره تكسى القلوب حلاوة … فهو الشفاء وللهموم يبدد
والعلم نور للفتى في سعيه … والعقل يحكم سيره ويسدد
والقلب يأنس للموافق فطرة … والنفس إن تجهل تميل وتعتدي
لا يلتقي في القلب حب إلهه … ومحبة الفحش المقيت الأنكد
المخلصون مخلصون من الردى … في أمر يوسف عبرة للمقتدي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)

‌‌المطلب الثالث: أثر الإيمان في تحصين القلب من الحقد والحسد
تقدم أن أهم العواطف الفاسدة التي تقوم في قلوب الناس هي: حب العبادة المتوجهة لغير الله، وحب الشهوات المحرمة، والحقد والحسد، وتم بعون الله تعالى الكلام على القسمين الأولين، ويجري الكلام هنا على مَرَضَيِ الحقد والحسد، وأثر الإيمان في تطهير القلب منهما.
الحقد والحسد وأثر الإيمان في تطهير القلب منهما:
الحقد والحسد مرضان مصدرهما عاطفتا الكراهية والبغضاء للمحسود والمحقود عليه1، وقد يكون الدافع للحسد حب الذات، وكراهية أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل2.
والحسد هو تمني زوال نعمة عند غيره، وقد يتمنى أن تؤول إليه، وقد لا يتمنى، كما أنه قد يعمل بموجب حسده فيسعى لإزالة نعمة المحسود بالبغي عليه بالفعل أو بالقول، وقد لا يعمل.
وأشده فتكاً وأعظمه خطراً وحرمة الحسد الذي يعمل صاحبه في--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 10/11.
2 انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص308.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)

إلحاق الضرر بالمحسود1.
الحقد والحسد ثغرتان في القلب:
لا يوجد مرض يكون سبباً لرد الحق من أول وهلة بعد معرفته أشد من الحسد، فهو داء عضال إذا استحكم في القلب مال به عن القصد وأوقعه في المهالك.
قال ابن تيمية رحمه الله: "فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها، بل وحبها لما يضرها، ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب"2.
والحسد هو الدافع لأول ذنب عُصي الله به، حيث رفض إبليس السجود لآدم حسداً له على ما أولاه الله من الكرامة بإسجاد الملائكة له، وكِبْراً أن يسجد لمن يرى نفسه أفضل منه.
وقد كانت أمهات المعاصي الكبار الدافع إليها الحسد، فقد قص الله علينا ما كان من إبليس، وما كان من بني إسرائيل وتكذيبهم لنبيهم عليه الصلاة والسلام، بل وعداوته وعداوة أتباعه، وأن الدافع لذلك هو الحسد.
قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً--------------------------------------------
1 انظر: مجموع الفتاوى 10/112، 121، وجامع العلوم والحكم ص308، 309.
2 مجموع الفتاوى 10/129.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)

حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة:109] .
كما قص علينا أول حادث قتل بين بني آدم، وقد كان الدافع إليه الحسد، "ولهذا قيل أول ذنب عصي الله به ثلاثة: الحرص، والكبر، والحسد، فالحرص من آدم، والكبر من إبليس، والحسد من قابيل حيث قتل هابيل" 1.
فأصول المعاصي ترجع إلى: شهوة، أو كبر، أو حسد.
والحسد كما أنه مضر بدين الحاسد، فهو أيضاً مرض اجتماعي يورث البغضاء بين أفراد المجتمع المسلم، ويحمل على البغي، أشار إلى أثره الاجتماعي الرسولصلى الله عليه وسلم بقوله: " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " 2، وفي رواية: " وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله " 3.
قوله: " وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله " دليل على أنهم إن سرت فيهم هذه الأدواء، لم يكونوا إخواناً كما أمرهم الله، مما يدل على--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 10/126.
2 متفق عليه:-واللفظ لمسلم- البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ح6065 10/481. ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر ح2559 4/1983.
3 رواه مسلم، الكتاب والباب ورقم الحديث كسابقه 4/1984.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)

أثرها في هدم أو إضعاف الأخوة الإيمانية.
فالظلم والبغي الناتج عن الحقد والحسد عند الفقراء وخاصة الأقوياء منهم، هو مرض يقابل الشح والحرص على المال الذي يقوم في قلوب الأغنياء، فيحملهم على إمساك حقوق المال والظلم في تحصيله وإنفاقه، لذلك جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما فقال: " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم "1.
وينتج عن هذين الأمرين -حقد وحسد الفقير، وشح الغني- داء اجتماعي خبيث هو بمثابة السرطان الذي يفتك بالأبدان، ألا وهو تغير القلوب وتنافرها وتباغضها، مما يؤدي إلى تسلط وتآمر بعض المسلمين على بعض.
وقد استغل الحاقدون على الإسلام المتربصون بأهله، وجود هذا الداء بين أفراد المجتمع المسلم -قديماً وحديثاً- أسوأ استغلال لنشر المبادئ الهدامة والأفكار الخبيثة، والتفريق بين المسلمين، ولعل آخرها الفكر الشيوعي الذي يقوم على تسليط الفقراء على الأغنياء مستثيراً كوامن الحسد والبغضاء المنتشرة بين المسلمين، بسبب البعد عن منهج الله، وضعف الإيمان وانتشار الجهل، وشح الأغنياء، وإمساك الزكاة …--------------------------------------------
1 رواه مسلم: تقدم تخريجه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)

ونحو ذلك.
وبهذا يتضح أن الحسد وما يتفرع عنه من أدواء هي ثغرات في حصن القلب تتسلل منها دعوات الشياطين لإفساد الدنيا والدين، كما ينتج عنها أيضاً أمراض اجتماعية كالحقد والتباغض والتنازع والبغي، وهي انهيارات في حصون المجتمع المسلم تكشف ظهورهم لعدوهم، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] .
وليس الغرض التوسع في عرض هذه الأدواء، وما ترتب عليها من المفاسد، وإنما القصد بيان أن هذه العواطف الفاسدة إذا قامت في القلوب كانت أقوى الدوافع لتقبل أو طلب الأفكار الهدامة، ثم بيان أثر الإيمان في تطهير القلب منها.
الإيمان مخلّص من الحقد والحسد:
إن الحقد والحسد -كغيرها من أمراض القلوب- انحرافات في صحة القلب نتيجة لتغذيه من شرور الجاهلية، وعلاجها بكون بقطع مادة الشر التي تغذيه، وإمداده بضدها من مادة الخير والصلاح.
قال ابن تيمية رحمه الله: " … فهكذا أمراض القلب يحتاج فيها إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى إعادتها -إن عرض له المرض- دوماً، والصحة تحفظ بالمثل، والمرض يزول بالضد. فصحة القلب تحفظ باستعمال أمثال

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)

ما فيها، أو هو ما يقوي العلم والإيمان من الذكر والتفكر والعبادات المشروعة، وتزول بالضد، فتزال الشبهات بالبينات، وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق"1.
وهذه قاعدة جامعة نافعة للعلماء والدعاة والمربين، تدور حول معرفة سبب الداء ثم علاجه بالحمية منه وتعاطي ضده.
ولأجل معرفة أثر الإيمان في تطهير القلوب من أدواء الحسد والحقد ونحوها، يجدر أن نتعرف على أسبابها ثم العلاج المضاد لكل سبب والذي يزول -بإذن الله- ذلك السبب ومن ثم المسبَّب.
وأسباب هذه الأمراض بعضها يعود إلى نفس الحاسد، وبعضها يعود إلى المجتمع، وفي الإيمان علاج لجميعها.
فأما الأسباب التي مردها إلى نفس الحاسد أو الحاقد فهي ضعف إيمانه، وقلة استشعاره لمعاني أسماء الله التي تدل على تفرده بالملك والتدبير، وأن ما يصيب الناس من خير أو ضده فهو من الله، وكذلك ضعف إيمانه بقدَر الله، وعدم الرضى بالمقدور.
وعلاج هذا إنما يكون بالعلم بالتوحيد والقدَر واستشعار ذلك، وبالمحافظة على الصلوات، والتوجه إلى الله بالدعاء والضراعة، وحسن الظن به، والرضى بفعله وقدره.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 10/145.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)