فهذا جانب من الإيمان إذا علمه الإنسان واستشعره، وقام بموجبه، فإنه يؤثر تأثيراً قوياً في صلاح القلب وتخليصه من غله وحسده وحقده.
أما العوامل الاجتماعية فهي رئيسية، حيث تمثل الدافع لقيام الحسد والحقد والكراهية في قلوب ضعاف الإيمان من المسلمين من الفقراء ضد الأغنياء.
وأخبث هذه الأسباب هو الشح والبخل من الأغنياء بمنع حق المال من الزكاة والصدقة والبر والإحسان، أو بالسعي إلى جمع المال بالظلم والحرام، أو بصرف المال في الترف والإسراف في المعاصي.
فهذه الأمور التي تقع من الأغنياء بمرأى ومسمع من الفقراء من أعظم الأسباب إثارة للحقد والحسد.
وقد شرع الله الزكاة والصدقة ورغب فيها، لما لها من الأثر العظيم في اقتلاع هذه الأدواء وإحلال المحبة وسلامة الصدر محلها، وحول هذا الأثر العظيم قال الدكتور يوسف القرضاوي: "فالإنسان إذا عضته أنياب الفقر، ودهته الحاجة، ورأى حوله من ينعمون بالخير، ويعيشون في الرغد، ولا يمدون له يد العون، بل يتركونه لمخالب الفقر وأنيابه … هذا الإنسان لا يسلم قلبه من البغضاء والضغينة على مجتمع يهمله، ولا يعنى بأمره، وتربة الشح والأنانية لا تنبت إلا الحقد والحسد لكل ذي نعمة … ولم يحارب الإسلام هذه الآفات النفسية الاجتماعية الخطيرة بالوعظ المجرد، والإرشاد النظري فحسب، ولكنه عمل على اقتلاع أسبابها من الحياة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
واستئصال جذورها من المجتمع، فليس يكفي الجائع والمحروم أو العريان أن تلقي عليه درساً بليغاً في خطر الحقد والحسد، وكل لحظة في حياته … البائسة، وحياة الطاعمين الناعمين المترفين من حوله تلقنه دروساً عملية أخرى: كيف يحسد؟ وكيف يحقد؟ وكيف يبغض؟ وكيف يغلي قلبه كراهية وغيظاً ونقمة؟
ومن أجل ذلك فرض الإسلام الزكاة لييسر للعاطل العمل1،--------------------------------------------
1 ليس من مصارف الزكاة وضعها في إنشاء مشاريع ينتج عنها فرص العمل، وذلك أن مصارف الزكاة محددة بنص القرآن الكريم، في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة التوبة:60] .
وليس من بين هؤلاء الثمانية ما ذكره الشيخ د. القرضاوي، كما أن استثمار الزكاة في المشاريع يؤدي إلى جعلها علاجاً طويل الأجل، قد لا يستفيد منها الفقير العاطل وقت إخراجها، وهي في الأصل علاج عاجل لسد عوز المحتاجين، وتحقيق المصالح المذكورة في الآية.
ولكن يمكن توجيه كلام الذكتور القرضاوي بأن يقال: إنه يترتب على نظام الزكاة إيجاد كثير من فرص العمل، حيث تستحدث أجهزة في الدولة والمؤسسات والشركات الكبيرة للإشراف على الزكاة، فتخصص وظائف للعاملين على جمعها وتوزيعها، وسائقين وحرس، وكما أن وجود المال بيد الفقير يمكنه من الانتفاع به كرأس مال لعمل ولو بسيط في زراعة أو صناعة أو تجارة، وعلى هذا ترتب وجود فرص كثيرة للعمل ببركة الزكاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
ويضمن للعاجز العيش، ويقضي عن الغارم الدين، ويحمل ابن السبيل إلى أهله ووطنه، فيشعر الناس أنهم أخوة بعضهم أولياء بعض … وفي هذا الجو النقي يمتد ظل الإيمان بما يتبعه من حب وإيثار … "1.
وبهذا يتبين أن للزكاة أثراً عظيماً في شيوع المحبة بين المسلمين، فهي تجلب المحبة والشفقة لقلب المزكي نفسه، ويشعر بالفرحة والسرور لشعوره أنه في طاعة الله وأن الله راض عنه، ولمساهمته في تفريج كرب إخوانه المؤمنين وإدخال السرور على قلوبهم، وإحساسه بأداء واجب التعاون والتكافل والإخوة الإيمانية. كما أن أثرها على الآخذ أشد وأعظم، فالقلوب قد جبلت على محبة المحسن، "فإن الناس إذا علموا في الإنسان رغبة في نفعهم، وسعيه في جلب الخير لهم، ودفع الضر عنهم، أحبوه بالطبع، ومالت نفوسهم إليه لا محالة" 2.
ومن أخطر جرائم الأغنياء التي تسبب الحقد والحسد والكراهية--------------------------------------------
1 فقه الزكاة، د. يوسف القرضاوي 2/876، مؤسسة الرسالة بيروت، ط الرابعة، 1400هـ.
2 المصدر السابق 2/867.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
التعامل بالربا، وما ينتج عنه من أضرار اقتصادية واجتماعية مدمرة.
وحقيقة الربا هي أخذ زيادة وفائدة دون مقابل حقيقي صحيح مشروع، ومن ذلك المتاجرة بالمال بإقراضه إلى أجل معين وأخذ زيادة على ذلك، فيزيد المال ويتضاعف لصاحبه دون أن يقدم فائدة حقيقية للمجتمع.
فالمرابي لا يجلب بضاعة إلى الأسواق تساهم في نماء التجارة واتساعها، ولا يستثمر ماله في مشاريع زراعية أو صناعية أو مضاربات تعود على البلاد والعباد بالخير، وتؤمن فرصاً للعمل، وبضائع تتداول يستفيد منها المسلمون ويستغنون بها عن غيرهم.
فالربا عقيم ممحوق، فنتيجته النظرية والواقعية هي تراكم المبالغ الدائنة لصالح الأغنياء على الفقراء، مما يزيد في فقرهم، وكثيراً ما تؤول منجزات الفقراء من مصانع ومزارع وعمارات ونحوها -والتي أنشؤوها من الربا إلى الأغنياء نتيجة لتراكم الديون على أصحابها وعجزهم عن سدادها فيتسلمونها في مقابل الدين الذي على أصحابها، فيذهب كدح الفقراء لسنين طويلة إلى المرابين الذين لم يبذلوا فيه أدنى تعب. وعلى هذا فحصيلة الربا النهائية، هي ازدياد الحرص والجشع والاحتكار والاستغلال من جانب الأغنياء، والحقد والحسد والبغضاء من جانب الفقراء، مما يزيد في اتساع الهوة بينهم ويؤدي إلى العداوة والبغي والظلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
وأثر الإيمان في إزالة هذا الداء العضال يكمن في تحريمه للربا، والتحذير الشديد منه، وجعل المصر على الربا محارباً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:275-279] .
وبجانب تحريم الربا، شرع الله لعباده الأسباب المثمرة التي تكفل للعباد العيش المستقر الكريم، فشرع البيع، واستثمار المال في الزراعة والصناعة والعقار، والتي إذا أقيمت على النظام المشروع كفلت للأمة ازدهاراً اقتصادياً واجتماعياً، وتوفرت البضائع وفرص العمل، وسار كل في مجال عمله قرير العين مغتبطاً لا يشعر بتسلط ولا حرمان.
كما أن قيام المجتمع بالتكافل الاجتماعي في إيجاد صناديق للإقراض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
الحسن، ومساعدة المحتاج للزواج أو سداد الدين أو بناء مسكن، وقيام الشركات والمؤسسات بالبيع بالتقسيط، كل ذلك يقلل من المحتاجين إلى الاقتراض بالربا، مما يقطع مصدر الشر ويساهم في إيجاد التعاون على البر والتقوى، الباعث على الحب والخير. قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] .
وقال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280] .
وقال صلى الله عليه وسلم: " مَن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه … " الحديث 1.
وهذه النصوص وغيرها تمثل أساساً في التعاون والتكافل الاجتماعي، سواء كان على مستوى فردي، أو عمل جماعي، وهذا الباب مفتوح لكل من يسهم فيه بفكرة جيدة أو مشروع مفيد، فكل من سن سنة حسنة في--------------------------------------------
1 رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء … باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن … ، ح2699 4/2074.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
إيصال النفع ومساعدة المسلمين، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة، وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء "1.
وعلى هذه القاعدة النبوية، فمن الأمثلة على السنن السيئة في هذا الزمان: البنوك الربوية، ومن الحسنة الصناديق الخيرية، والجمعيات التعاونية، ومن السنن السيئة أيضاً المحلات التي تبيع أشرطة الغناء والأفلام المفسدة، ومن الحسنة محلات بيع أشرطة القرآن والمحاضرات المفيدة.
فالسنة الحسنة المراد بها أن يعمل الإنسان بعمل صالح عند أناس لا يعملون به، أو يجهلونه فيكون أول من عمل به فيقتدون به. والسنة السيئة أن يعمل بمعصية أو بدعة عند من لا يعملونها أو يجهلونها، فيقتدون به فيها. وفي هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل "2.--------------------------------------------
1 رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، ح1017 2/705، وفي كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة … 4/2059.
2 متفق عليه: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، ح3335، الصحيح مع الفتح 6/364. ومسلم، كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل، ح1677 3/1304 واللفظ لمسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
وليس من الحسنة الابتداع في الدين بإحداث فعل على وجه التعبد، وذكر بهيئة مخصوصة أو عدد معين، أو جعل فضل لعملٍ، لم يأذن بها ولم يأت لها أصل في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فالعبادة مبناها على الاتباع ويحرم فيها الابتداع. قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس:32] .
وقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] .
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] .
وقال صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد "1.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقول: " … أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة … "2.
والنصوص في ذم البدعة في الدين كثيرة، وفيما ذكر وفاء بالمقصود، إن شاء الله.--------------------------------------------
1 متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود، ح2697 5/301. ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ح1718 3/1343.
2 رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة ح867 2/592.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
وبعد الكلام على الربا وما يسببه من أمراض قلبية وكوارث اقتصادية، وأضرار في العلاقات الاجتماعية، أذكر أمراً آخر له أثر في تغير القلوب وتنافرها، وذهاب ودها ومحبتها، ألا وهو التكبر من القوي على الضعيف، والغني على الفقير، والكبر مرض قلبي من أهم دلائله الظاهرة، ترك السلام تكبراً.
وأثر الإيمان في تطهير القلب من هذا المرض يكمن في الإيمان القلبي القائم على معرفة الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله العظيمة الحكيمة. فإذا استشعر العبد عظمة الله وكبريائه وجلاله، وبالمقابل استشعر ضعفه وذله وفقره وحاجته إلى ربه، فإن ذلك من أعظم البواعث على ابتعاده عن التكبر وجنوحه إلى التواضع. وأيضاً إذا كمل توكله على الله واستشعر أن النعمة التي هو بها -وغيرها من الخير الذي يأمله والشر الذي يحاذره- بيد الله وحده، حمله هذا العلم على ترك الاعتداد بنفسه أو قوته أو جاهه أو غناه وغير ذلك.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمل له أثر كبير في نشر السلام والمحبة والوئام بين أفراد المسلمين، لما يحمله من رسالة من الأخ لأخيه بأنه يحترمه ويجله، ويعترف بمساواته في الحقوق بموجب رباط الإيمان هذا الأمر الجليل، هو إفشاء السلام.
قال صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم "1.
مما تقدم تبين: أن الحقد والحسد والكراهية والبغضاء ثغور في حصن القلب والمجتمع المسلم إذا انتشرت بين الأفراد، وهي منفذ خطير للأفكار المنحرفة، وأن أثر الإيمان يتجلى في إزالة الدوافع لها بتقوية الإيمان بتعليم الناس بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وغيرها من حقائق التوحيد، وبفرض الزكاة والحث على الإنفاق، وتحريم الربا، والتحريض على التعاون والتكافل بين المسلمين، والأمر بإفشاء السلام وحسن الخلق.
وبهذا ينتهي ما يسره الله من الكلام على هذا الفصل أثر الإيمان في تطهير القلب وأنتقل -بعون الله- إلى الفصل الذي يليه أثر الإيمان في تزكية القلب، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.--------------------------------------------
1 رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمن، ح54 1/74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة (عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع)القسم: العقيدة
الكتاب: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة
المؤلف: عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع
الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1423هـ/2003م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
المجلد الثاني
الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة
الفصل الثالث: أثرالإيمان في تزكية القلوب
*
…
إن صلاح القلب بسلامته من الشر وعمرانه بالخير يجعله في حصن حصين من دعاة الضلال وأسبابه، وقد تقدم الكلام في الفصل السابق عن أثر الإيمان في تطهير القلب، وهو أثر هادم للوظائف الذميمة القائمة بالقلب، والتي تمثل ثغرات ومداخل في حصنه للأفكار والوساوس الشيطانية المفسدة.
وفي هذا الفصل يجري الكلام بعون الله تعالى على أثر الإيمان في تزكية القلب، وهو الأثر الباني للخصال الحميدة فيه، والتي يتحصن بها ضد أعدائه ومخططاتهم الرامية إلى التسلل إليه وإفساده.
والزكاة في اللغة: النماء والزيادة في الصلاح، يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح … 1.
وسميت الزكاة بذلك: "لما يكون فيها من رجاء البركة أو تزكية النفس -أي: تنميتها بالخيرات والبركات- أو لهما جميعاً، فإن الخيرين موجودان فيها"2.
والمقصود بهذا الفصل هو زكاة القلب، ومعرفة أثر الإيمان في ذلك، ثم الإشارة إلى تحصنه بهذه التزكية من موارد الأفكار الهدامة ودوافعها.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 10/96.
2 المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص213، مادة "زكا".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 449)
وزكاة القلب أمر زائد على طهارته، فالتزكية وإن كان أصلها النماء والبركة وزيادة الخير، فإنما تحصل بإزالة الشر، فلهذا صار التزكي يشمل هذا وهذا1.
فطهارة القلب لازمة لتزكيته متقدمة عليها، قال ابن تيمية رحمه الله: "ولن ينمو الخير إلا بترك الشر، والزرع لا يزكو حتى يزال عنه الدغل، فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها، ولا يكون الرجل متزكياً إلا مع ترك الشر … "2.
وتزكية القلب المتضمنة لتطهيره من المحرمات، وتغذيته بالصالحات هي طريق الفلاح والسعادة والأمن والهداية في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:7-10] .
وتزكية القلب تكون بالتوحيد والأعمال الصالحة، وتدسيته تكون بالشرك والمعاصي3.
وقد تقدم4 أن العقائد والعواطف هي المؤثرة على الإرادات، وأن--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 1/96، 97.
2 مجموع الفتاوى 10/629.
3 مجموع الفتاوى 10/632.
4 تقدم ص 316.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 450)
العلم هو المؤثر بإذن الله في بناء العقائد والعواطف، وتزكيتها أو تدسيتها. وعلى هذا فإن العلم هو العامل الأهم في تزكية القلب وصلاحه لما له من تأثير على العقائد والعواطف. وتقدم أيضاً1 الإشارة إلى أثر العلم في تزكية القلب، وأن كلا من التطهير والتزكية إنما يكون بتعلم الوحي المطهر واتباعه اعتقاداً وفعلاً وتركاً.
وحيث إن البحث يجري في دراسة أثر الإيمان الكامل القائم على العلم المستقى من الوحي، والعمل الخالص الصواب، ذلك الإيمان الذي يثمر العقائد الحق، والعواطف الصالحة، والإرادات الطيبة، فإن القصد والحالة هذه هو بيان الآثار التي تنتج عن هذا الإيمان الذي زكا به القلب، والتي لها دور في تحصينه من الأفكار الخبيثة المفسدة.
ويمكن حصر أهم هذه الآثار فيما يأتي:
1- حصول الطمأنينة في القلب.
2- النور والبصيرة والفرقان.
وسوف أتكلم -بحول الله تعالى- عن كل منها في مبحث مستقل، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
1 تقدم ص353.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 451)
المبحث الأول: أثر التزكية في طمأنينة القلب.
طمأنينة القلب هي من أعظم نعم الله على المؤمن، وذلك أن سكون النفس واستقرارها هو الدافع للخير والشعور بالغبطة والسعادة، وبقيمة الحياة وهدفها، والثقة بالله ووعده.
ولذا كانت طمأنينة القلب هي حصنه الحصين الذي يستعصي على الشياطين، وذلك أن النفس المطمئنة والقلب الثابت لا سبيل إلى زعزعته بإذن الله.
ولكي يتبين أثر الطمأنينة في تحصين القلب، ينبغي أن أشير إلى ما يحدثه ضدها، وهو القلق من ثغور في القلب تتسرب من خلالها القاذورات من مستنقعات الجاهلية.
فالقلق: هو انزعاج القلب وانفعاله، وخروجه من استقراره وطمأنينته وراحته، فهو شعور بالضيق وعدم الرضى1.--------------------------------------------
1 انظر: المعجم الفلسفي د. جميل صليبا 2/199، دار الكتاب اللبناني، بيروت ط: الأولى 1973م، والموسوعة الطبية الحديثة 11/1579، تأليف نخبة من علماء مجمع "قلودن برس بأمريكا"، ترجمة لجنة تحت إشراف الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالي بمصر، الناشر مؤسسة سجل العرب، القاهرة 1969.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 453)
والدوافع للقلق كثيرة، أهمها الخوف من حصول مكروه أو فوات محبوب، ومنها الشوق فإذا اشتاق العبد لشيء قلق من أجله واهتم له، ومن هذا النوع الشوق إلى المعرفة.
وهناك نوع من القلق لم يجد له علماء النفس سبباً معروفاً، وهو عبارة عن انزعاج واضطراب القلب يصحبه حزن وكآبة وضيق صدر، وقد انتشر هذا النوع انتشاراً واسعاً في السنوات الأخيرة، كشفت ذلك بعض الدراسات المتخصصة1، وهذا النوع من القلق معروف سببه لدى أهل الإيمان، فمرجعه إلى مخالفة الفطرة، وذلك أن الإنسان مجبول على الركون إلى الخير والحق والاطمئنان له، والقلق من الشر والضيق به.
فهذا النوع إذاً مرده إلى قيام الكفر أو الشرك أو النفاق أو المعاصي بالإنسان، واستمراره عليها.
وسوف أتكلم عن نوعين من أنواع القلق لما لهما من أثر في جنوح الفرد إلى الأفكار الخبيثة المخالفة للحق.
النوع الأول: القلق الناتج عن الشوق للمعرفة.
النوع الثاني: القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالشرك أو المعاصي.--------------------------------------------
1 انظر: علم الصحة النفسية، د، مصطفى خليل الشرقاوي، ص273، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط: الأولى 1983م. وانظر: دراسة حول ذلك في جريدة الشرق الأوسط، ص22 العدد 4124، الأربعاء 14/3/1990م.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 454)
النوع الأول: القلق الناتج عن الشوق للمعرفة.
هذا النوع من القلق أصله فطري قد جبل عليه أكثر الخلق، فكل إنسان عاقل لديه رغبة في المعرفة، وإذا أحس بجهله بأمر انفعل طلباً لمعرفته.
وقد ذكر الله لنا مثلاً على هذا القلق الذي يصيب الإنسان طلباً للعلم، فإذا حصل ما تشوق إليه القلب من العلم سكن واطمئن، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:260] .
أورد المفسرون أن هذا القلق والشوق لهذا النوع من العلم إنما وجد عند إبراهيم عليه السلام بعد محاجته للنمرود1 في قضية أن الله هو الذي يحيي ويميت.
فقد ذكر ابن جرير رحمه الله عن بعض السلف أن سبب مسألة--------------------------------------------
1 نمرود هو ملك بابل زمن نبي الله إبراهيم عليه السلام، قيل إنه ملك الدنيا وأنه استمر في ملكه أربعمائة سنة، كان من الطغاة المتجبرين، ادعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل عليه السلام دليله وألجمه الحجة.
انظر: البداية والنهاية 1/148.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 455)
إبراهيم ربه ذلك المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمرود في ذلك، من غير شك في الله تعالى ذكره، ولا في قدرته، ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه، فقال: ليطمئن قلبي، أي: ما تاق إليه إذا هو علمه1.
وهذا الشوق للمعرفة عند المؤمن إنما يرويه ما نزل من الحق في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم خاصة في الأمور الغيبية والمطالب الإلهية، والشرائع التعبدية.
إلا أن هذا الشوق يتحول إلى مرض إذا صاحبه عدم الرضى أو عدم الثقة بالنصوص الناقلة للعلم نتيجة لاستحكام الشبهات فيجنح عند ذلك إلى طلب الحق من مصادر أخرى.
يقول عبد الرحمن البدوي: "فإن أمثال هؤلاء المفكرين الذين يشعرون بالتوتر العظيم، بين النقل والعقل، أو بين الدين والعلم، لا يجدون خيراً من هؤلاء الفلاسفة … لكي يشبعوا هذه الرغبة"2.
فجنوح المنتسبين إلى الإيمان إلى كتب الفلاسفة، أو الأديان الباطلة كالهندية والفارسية ونحوها، مرده إلى عدم الطمأنينة إلى مصدر الحق، وهو الوحي المطهر وقلة الثقة به، كمصدر كاف لمعرفة الحقائق، أو عدم الثقة بنقلته الذين بلغوه.--------------------------------------------
1 انظر: جامع البيان 3/48.
2 كتاب أرسطو، لعبد الرحمن البدوي ص275، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، ط: الثانية، 1944م.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 456)
أما زعم من قال إن الفلسفة تشبع هذه الرغبة، فهذا ادعاء كاذب مردود بشهادة المختصين في دراسة الفلسفة قديماً وحديثاً، وخاصة في هذا العصر الذي بلغت فيه الفلسفة أوجها، وقمة مجدها، حيث تبنتها الحضارة الغربية، وأقامت نظمها الاجتماعية عليها، وإليك بعض هذه الشهادات: ورد في كتاب مدخل إلى الفلسفة: "ومن الطبيعي أن يصبح الباحث حين يواجه هذه الحالة مرتبكاً مشدوهاً فاتر الهمة، فبينما كان يرجو أن يجد الحقيقة الواحدة، وجد نفسه بدلاً من ذلك مسوقاً إلى أن يسأل: ما هو الحق؟ لقد رجا أن يمسح على شكوكه بيد اليقين، لكنه بدلاً من ذلك وجد أن التفلسف يثير شكوكاً وارتباكات أكثر مما يطمئن، وأنه يثير أسئلة هي أعسر بكثير من أن يقدر على الإجابة عنها، والحاصل غالباً هو انتفاء الرجاء في الفلسفة … فما الفائدة؟ إن الفلسفة لا تقدر أن تبرهن على شيء … والفلاسفة لا يتفقون أبداً، كلها استراق وتحايل على كل حال، وهكذا يقع المتشكك فريسة سائغة لمعتقد يبشر به أهله تبشيراً تعسفياً"1.
وورد في الموسوعة الفلسفية المختصرة كلمة المحرر قوله: " ومن--------------------------------------------
1 مدخل إلى الفلسفة، تأليف جون هرمان راندال، وجوستاس يولخر ص30 ترجمة د. ملحم قربان، دار العلم للملايين، بيروت 1963م.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 457)
هناك كانت أي مجموعة من الإجابات التي توضع لمشكلات الفلسفة الرئيسية … إما أن تمثل وجهة نظر واحدة من بين ما لا يحصى من وجهات النظر، وأن تكون بمثابة بيان حزبي، وإما أن يظل يناقض بعضها بعضاً، ويترتب على هذا أن لا يمكن لأية موسوعة فلسفية أن تضطلع بتقديم إجابات قاطعة لمشكلات الفلسفة دون أحد أمرين: فإما أن تخدع قراءها بأن تصور لهم ما هو في حقيقة الأمر أحد الآراء المتخاصمة على أنه الإجابة المتفق عليها. وإما أن تربكهم بسلسلة من الإجابات المتعارضة، ولما كان الأمر كذلك، فقد آثرنا ألا نجيب عن هذه الأسئلة إطلاقاً"1.
وهذا الكلام الذي يقوله الذين يشرحون الفلسفة للقراء ويبسطونها لهم، هو بمثابة إعلان بالإفلاس، وإشعار القارئ أنه لن يجني خيراً منها، فما أقربه من تحذير الملكين الذي ذكره الله بقوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} [البقرة:102] .
وبهذا الدافع جنح كثير من المنتسبين إلى العلم إلى الفلسفة وعلم الكلام، طلباً للحق في المطالب الغيبية بزعمهم، فلم يجنوا لأنفسهم إلا--------------------------------------------
1 الموسوعة الفلسفية المختصرة، يشرف على تحريرها: جي يورمسون، تصدر باللغة الانجليزية، ترجمة نخبة من المترجمين المقدمة ص1، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1963.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 458)