Arabic source text

📘 আসারুল ঈমান ফী তাহসীনিল উম্মাতিল ইসলামিয়্যাহ দিদ্দাল আফকারিল হাদামাহ (عبدুল্লাহ ইবনে আব্দুর রহমান আল-জারবু)

📘 أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة (عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع)

📘 আসারুল ঈমান ফী তাহসীনিল উম্মাতিল ইসলামিয়্যাহ দিদ্দাল আফকারিল হাদামাহ (عبدুল্লাহ ইবনে আব্দুর রহমান আল-জারবু)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الجاهلية ونظرياتها، ونظمها تحت أغلفة براقة، وشبه منمقة، كادعاء الحاجة أو الضرورة، وعدم وجود البديل، وغير ذلك من المبررات التي قد يستحسنها الولاة، ويعملون بها عند تعطيل الشورى.
وخلاصة هذا المبحث: أن ولي الأمر يمثل دعامة من دعائم المجتمع المسلم، فإذا كان صادق الإيمان، مراقباً لله في كل ما يأتي ويقرر، قائماً بما عليه خير قيام، كانت الثغرة التي من قبله مسدودة آمنة، وأهم عوامل سلامة هذه الدعامة أن يكون ولي الأمر عالماً بالأحكام الإسلامية، وبمهام الحكم ومقاصد الولاية، غيوراً على الإسلام متحمساً لتنفيذه، والدفاع عنه ونشره، وان يستعمل الأصلح في أعماله، ويحذر من توليه الكافرين والمنافقين، أو غير الأمناء، أو الضعفاء، وأن يستشير أهل العلم والصلاح والرأي والخبرة.
وبذلك يكون المجتمع قوياً من الداخل ضد أي شر يتربص به الدوائر، وخاصة الأفكار الهدامة التي تستهدف القضاء على مقوماته الدينية والاجتماعية.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 648)

‌‌المبحث الثاني: وظائف الإمامة، ومقاصد الحكم
والمقصود بهذا المبحث بيان أن على الإمام واجباً عظيماً في حماية دين الأمة وصيانته، وأن ذلك من أهم مقاصد الحكم، ومن ذلك مكافحة الأفكار الهدامة وقمع مروجيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود الواجب في الولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"1.
وقال الماوردي2: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"3.
وعلى ما تقدم يتبين أن وظائف الخلافة، ومقاصد الحكم تجمل في--------------------------------------------
1 السياسة الشرعية ص39.
2 القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي، صنف الحاوي، والأحكام السلطانية، والنكت، وأدب الدنيا والدين، توفي سنة 450هـ في بغداد. انظر: وفيات الأعيان 3/282، وسير أعلام النبلاء 18/64.
3 الأحكام السلطانية، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، ص5، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، ط: الأولى 1386هـ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 649)

مقصدين هامين:
الأول: تنفيذ الدين بإقامة فرائضه وشرائعه، وبسط أحكامه وحدوده في كافة المجالات وسياسة الدنيا به.
الثاني: الدفاع عنه وحراسته، من الأفكار المخالفة، والأهواء الجامحة والبدع المحدثة التي هي أساس الفساد، وبواعث التنازع والفرقة.
ولكل منهما دور في حصانة المسلم وحمايته من الأفكار الهدامة وسائر الشرور، ففي جانب تنفيذ الدين تقع المسئولية الأولى على ولي الأمر، فلا يجوز له أن يعدل عن شيء من الشريعة في أي أمر من الأمور، وعليه أن يشرف بنفسه على تنفيذ النظم الإسلامية، ويجتهد في اختيار القضاة ونحوهم، وينشئ من الوزارات والدوائر ما يراه ضرورياً لتسيير مصالح الناس، ويولي عليها الثقات الأقوياء الأمناء، ويحرص على إقامة العدل ورفع الظلم، وأن يكون الناس سواسية في الحقوق، وبذلك يكون المجتمع قد أسس على تقوى من الله، وقاعدته قوية متينة.
حراسة الدين والدفاع عنه:
لا شك أن إقامة المجتمع على شريعة الإسلام وأسس التقوى هي الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية، وهي خطوة هامة لسلامتها والمحافظة عليها، إلا أن الأهم من ذلك هو استدامته والاستقامة عليه، وذلك يتجلى في واجب حراسة الدين والدفاع عنه.
والمقصود بحفظ الدين والدفاع عنه، بينه الماوردي بقوله: "حفظ

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 650)

الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، وأمة ممنوعة من زلل"1.
وبين هذا الأمر الدكتور عبد الكريم زيدان فقال: "وحفظ الإسلام يعني إبقاء حقائقه ومعانيه، ونشرها بين الناس، كما بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليها صحابته الكرام، ونقلوها إلى الناس بعده، وعلى هذا لا يجوز أي تبديل أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبداً في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد … لأن الفرد إن كان مسلماً فليس من حقه أن يبدل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد، فليس من حقه أبداً أن يضل الآخرين أو يفسد عقائدهم، وإن كان الفرد غير مسلم فليس من حقه أبداً أن يخرج على نظام دار الإسلام، ويشوه حقائق الإسلام، وإلا كان ناقضاً لعقد الذمة، ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ نتيجة فهم سقيم أو تضليل خبيث، فيجب على ولي الأمر -الخليفة، أو نائبه- أن يعمل على كشف الشبهة وإظهار الصواب بالدليل والبرهان، حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصر المبطل على باطله، وسعى إلى--------------------------------------------
1 الماوردي الأحكام السلطانية ص15.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 651)

نشره في الناس، منع من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع"1.
وقال أيضاً: "ومنها إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع، كما يقضي به الإسلام، إذ لا يمكن الادعاء بحفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة، مع توفر القدرة على ذلك"2.
فواجب الإمام إذاً أن يشرف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعين في كل بلاد من خيار أهله الأمناء الأقوياء الأتقياء من يقوم بهذه المهمة، ويكون لهم خير معين ونصير، فإن ذلك من أهم وظائف الأمة وأئمتها إذا مكنوا في الأرض.
قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:41] .
ومن أهم الركائز التي تتحتم على ولي الأمر لتحقيق هذا المقصد -وهو حراسة الدين وحفظه- قطع صلة المجتمع المسلم بالمجتمعات الكافرة والفاسقة، ومنع بث أفكارهم وعاداتهم وما يمت إليهم بصلة بين المسلمين.
والحق أن الإسلام يواجه في هذا العصر أعظم خطر فكري، ليس بكثر الضلال وتنوع مشاربه، ولكن بوجود الوسائل الناقلة له التي تبث في--------------------------------------------
1 أصول الدعوة ص222.
2 نفس المصدر ص223.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 652)

وقت واحد، المادة الواحدة في ملايين البيوت.
لذلك كان العزل الفكري وتحصين الأمة الإسلامية من موارد الضلال، وعفونات الجاهلية الفكرية، من أهم الواجبات المناطة بولاة الأمر من السلاطين والعلماء وغيرهم، وخاصة في هذا الوقت الذي اشتدت فيه الهجمة وأثرت أثراً خطيراً في أفكار المسلمين وسلوكهم، فواجب ترشيد وسائل الإعلام، وقطع المواد المفسدة ومحاربة الوسائل الباثة لها.
ومن ذلك أيضاً منع اختلاط الكفار بالمسلمين من خلال تسهيل سفر المسلم إلى بلاد الكفر والفسوق بلا حاجة شرعية، أو استقدامهم إلى بلاد المسلمين دون قيود تضمن التزام غير المسلم بما جاء من أجله، وعدم بث باطله، واحترام شعائر الإسلام، وعدم المجاهرة بالفسق.
وفي الجملة فإن واجب ولاة الأمر والمحتسبين مكافحة كل منكر يطرأ في المجتمع، سواء كان سلوكياً أو فكرياً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فأما الغش والتدليس في الديانات، فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال: مثل إظهار المكاء والتصدية1 في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين--------------------------------------------
1 المكاء: هو الصفير، والتصدية: التصفيق. جامع البيان لابن جرير الطبري 9/240.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 653)

ومشايخهم، وولاة أمورهم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير: ومثل التكذيب بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ومثل رواية الأحاديث الموضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله، ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره، ومثل إظهار الخزعبلات1 السحرية والشعبذية2 الطبيعية وغيرها، التي يضاهي بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه.
فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها إذا لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك، أما المحتسب فعليه أن يُعزر من أظهر ذلك قولاً أو فعلاً، ويمنع الاجتماع في مظان التهم"3.--------------------------------------------
1 الخزعبلات: الأفعال والأحاديث الباطلة. انظر: معجم متن اللغة، الشيخ أحمد رضا 2/268 دار مكتبة الحياة، بيروت 1378هـ.
2 الشعبذة أو الشعوذة: خفة اليد ومخاريق وأخذ كالسحر يرى الشيء بغير ما هو عليه في رأي العين، المصدر السابق 3/329.
3 مجموع الفتاوى 28/ 106.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 654)

فالواجب الأول على أئمة الأمة من الأمراء والحكام والعلماء، هو حفظ أصول الدين، وهو المقصود الأعظم من السلطان، فيجب القيام على المبتدع في الدين بما يكفه عن ضلال بدعته من ناحية الولاة وغيرهم1. والقيام على المبتدعة ودعاة الضلال يختلف باختلاف حال كل منهم.
قال الإمام الشاطبي2 رحمه الله: "إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين أم لا، وكون صاحبها مشتهراً بها أوْ لا، وداعياً إليها أوْ لا، ومستظهراً بالاتباع وخارجاً عن الناس أوْ لا، وكونه عاملاً بها على جهة الجهل أوْ لا.
وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من--------------------------------------------
1 انظر: بدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله بن الأزرق 2/127، تحقيق: علي سامي النشار، وزارة الثقافة العراقية ط 1، 1978.
2 إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي أبو إسحاق من مؤلفاته: الموافقات في أصول الأحكام، والاعتصام، وعنوان التعريف بأسرار التكليف، وغيرها، توفي سنة 790هـ. انظر: معجم المؤلفين عمر كحاله 1/118، ومعجم الأعلام لبسام عبد الوهاب ص24.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 655)

المعاصي، كالسرقة والحرابة والقتل والقذف والجراح والخمر وغير ذلك، لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل"1.
ثم ذكر بعد ذلك أنواع العقوبات2 التي ذكرها العلماء لأهل البدع كل حسب بدعته كما تقدم تفصيله، وسوف أذكر هذه العقوبات بشيء من التصرف، وأقسمها إلى ثلاثة مجموعات: ما يتعلق بالإمام، وما يتعلق بالعلماء والقضاة، وما يتعلق بالمجتمع.
أولاً: العقوبات التي يتولى الإمام إنزالها بأهل البدع.
1- القتال: إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم.
2- القتل: لمن أظهر بدعته واستتيب ولم يرجع.
3- الضرب.
4- التغريب.
5- السجن.
6- عدم استعمالهم ولاة أو قضاة، أو أئمة وخطباء في المساجد، أو في مجال التدريس ونحوها.
ثانياً: العقوبات التي يتولى القيام عليها القضاة والعلماء.
1- تكفير من دل الدليل على كفره.--------------------------------------------
1 الاعتصام للإمام أبي إسحاق، إبراهيم بن موسى الشاطبي 1/175 دار المعرفة، لبنان، ط: بدون.
2 نفس المصدر 175-177.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 656)

2- الحكم بأنه لا يرثهم أقاربهم من المسلمين، ولا يرثون أحداً منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين.
3- الأمر بأن لا يناكحوا.
4- تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم.
ثالثاً: العقوبات الاجتماعية.
1-الهجران وترك الكلام والسلام.
2- ترك عيادة مرضاهم.
3- ترك شهود جنائزهم.
4- عدم مناكحتهم أو مشاركتهم في البيوع ونحو ذلك.
ويسبق هذه العقوبات جميعاً الإنكار عليه باللسان ومجادلته وإقامة الحجة عليه، فإن رجع وإلا عوقب بما يتناسب مع مخالفته.
ولا شك أن هذه العقوبات إذا أنزلت بمن يستحقها فسوف تجعل صاحب البدعة منبوذاً معزولاً عن المجتمع، وبذلك ينحسر شره وتخمد ناره.
وإذا أُخل بذلك، فتقاعس الولاة عن إيقاع العقوبات بالمبتدعين والمفسدين وخاصة أهل الأهواء والأفكار المنحرفة، وتغاضوا عنهم أو قربوهم واستعملوهم في بعض الأعمال، كذلك إذا أخل العلماء والقضاة بواجبهم في مجابهة أولئك، وبيان حالهم ومواصاة ولاة الأمر بتأديبهم،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 657)

ومثله إذا أخل أفراد المجتمع بما عليهم، ولم يهجروا المبتدعين والفساق، وخالطوهم واحترموهم، واختل الميزان الذي يقاس به الناس، فأصبح الدنيا ومتعها بدل التقوى والسنة، إذا حصل ذلك انهدم السور القريب، والمعقل الأخير، وأصبح أفراد المجتمع -إلا من عصم الله- عرضة للشبهات المشككة، والشهوات المهلكة، فينجم فيه النفاق، ويصول ويجول فيه أهل الضلال، والعصمة في ذلك -بعد الله تعالى- قيام السلطان بما عليه، فإنه إن استقام أقام من دونه، وإن مال كان من دونه أسرع وأقرب إلى الميلان.
وخلاصة هذا المبحث: أن قيام ولاة الأمر بتنفيذ الدين وإقامة نظامه وشرائعه وأحكامه وحدوده والصرامة في ذلك، وبالمقابل الدفاع عن الدين وحراسته من كيد المفسدين في الداخل والخارج، والضرب على أيدي المبتدعين والمفسدين، فإن ذلك حصن قوي يحمي به الله المجتمع المسلم من الأفكار المنحرفة، وسائر الشرور.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 658)

‌‌الفصل الثالث: أثر وضع الدولة المتمكن في الأرض في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة
يحيط بالدولة الإسلامية من جميع الجهات أمم كافرة، والكفر ملة واحدة، وهم جميعاً جند الشيطان وحزبه، والدولة الإسلامية مأوى جند الرحمن وحزبه. والحق في صراع دائم مع الباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وعليه فإن الدولة الإسلامية إذا كانت قوية عسكرياً ومتحدة، آخذة بأسباب القوة وعدتها، كان لها هيبة عند الكفار، فلا يجرؤون على حربها والتعرض لها، وبذلك يسلم أفراد المجتمع من شرهم وعقائدهم الخبيثة.
وتمكن الدولة الإسلامية له وضعان:
الوضع الأول: أن تكون هي القوة الظاهرة، قد دحرت دول الباطل وكسرتها، وأعلت كلمة الله، وهذه هي قمة التمكن، وبذلك تكون الدعوة الإسلامية مؤثرة، والمسلمون يُعجب ويقتدى بهم، ولهم هيبة القوي المنتصر.
والوضع الثاني: أن يكون لديها قوة وشوكة تقاتل بها قوى الباطل وتدافع عن نفسها، ولكنها ليست بالقوة الظاهرة المسيطرة، وإن كانت محافظة على وجودها وتماسكها، ولها ثقلها في النظام الدولي، وهذا الوضع يحتمي به المسلمون ويحسب له الكفر حسابه، وإن لم يكونوا بتلك المكانة من حيث إعجاب الناس وشدة تأثرهم بهم، وهم مع الكفار في حالة من الحرب العسكرية والفكرية، والحرب بينهم سجال.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 661)

أما الوضع غير المتمكن الذي تكون فيه دولة الإسلام ضعيفة قد ظهر عليها الكفار وفاقوها عدداً وعدة، وأصبح وضعهم السياسي والعسكري والاقتصادي أقوى من وضعها، وهي في داخلها لم تأخذ بعد بأسباب التمكين من سلامة العقيدة وإخلاص العبادة، واتحاد الكلمة وإعداد العدة.
فهذا الوضع للجماعة المسلمة يجعلها مكشوفة مهدمة الأسوار أمام الكفار، فإما أن يأخذوها لقمة سائغة، كما فعلت دول الاستعمار الصليبية في احتلالها معظم العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وبذلك يعملون مباشرة على فرض الفكر المخالف على الناس، بتأسيس المدارس والعلاقات الاجتماعية، والنظم الاقتصادية على مبادئ إلحادية -كما يوجد في بلاد الكفر- وذلك هدم للمجتمع من أساسه، وإما أن تبقى دولة الإسلام، ولكن توجه إليها ضغوط مختلفة؛ فَتُكْرَه على انتهاج سياسات اجتماعية وإعلامية تسمح بنشر الأفكار الضالة، والعلاقات المنحرفة التي يريدها الكفار ويخططون لها.
كما تجبر على سياسات اقتصادية وزراعية وصناعية تضمن عدم نهوض المجتمع المسلم في ميادين الصناعة والقوة والتجارة، فيبقى بعيداً عن أسباب النصر، ومستهلكاً دائماً لصناعة الكفار.
وهذا الأسلوب الأخير أخطر من الأول، لأن الناس فيه يظنون أنهم يحكمون بالإسلام لكون الحكام من أبناء المسلمين، كما أنهم في هذه

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 662)

الحالة يجرون إلى الانحلال والكفر برضاهم دون إكراه، أما النوع الأول فإن الناس يأنفون ويقاومون المستعمر، ويعادون ما جاء منه في الغالب.
وهذا السور -أعني بقاء الأمة في وضع التمكن في الأرض- لا يتحقق إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، والعمل المستمر في الإعداد والأخذ بأسباب القوة، بعد إقامة دين الله في أرضه وبين عباده.
وقد جاء المجال للكلام على أثر الجهاد في حماية المجتمع المسلم، والله المستعان:
أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الخبيثة:
الجهاد شعيرة هامة من شعائر الإيمان، أمر الله به المؤمنين وجعله من أسباب فلاحهم.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:35] .
وقد جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهد صحابته معه وبعده، وورثهم من تبعهم في إقامته حتى أعلى الله به كلمته، وبسط سلطان الإسلام في أنحاء الأرض. ولذلك فأثر الجهاد أثر من آثار الإيمان وشعائره المباركة. وسوف أستعرض بعض النصوص التي تبين أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 663)

فمن تلك النصوص، قول الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:39-40] .
ففي هذه الآيات بيان لأثرين هامين من آثار الجهاد المباركة، والتي من أجلها شرع:
الأثر الأول: أن القتال وسيلة لرفع الذل والظلم عن المستضعفين من أهل الإيمان، فالله قد أذن لهم بهذا السبب، وفتح لهم باب الأمل بالنصر بقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} بعدما ابتلاهم ومحصهم، واقتضت حكمته أن ينقلهم إلى مرحلة المجابهة العسكرية، وهي خطوة تقودهم إلى وضع العزة والتمكين، بعد الخطوة الأولى وهي إقامة الدين.
فالمسلمون في مكة كانوا مستضعفين يعذبون ويُستهزَأ بهم ويضطرون إلى الهجرة عن بلادهم، ولما أراد الله لهم عزاً وتمكيناً في الأرض، ورفعاً للظلم عنهم، هيأ لهم أسباب الجهاد بوجود الجماعة، والمكان الذي ينحازون إليه ويحتمون به، والعدة، وأذن لهم بالقتال ووعدهم بالنصر إذا استقاموا على نصر دينه، وقد فعلوا ما أمرهم به،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 664)

وأنجز لهم ما وعدهم، فدل ذلك على أن الله أعزهم ومكنهم ورفع الظلم عنهم بالجهاد، فهو السبب الشرعي لعزة الأمة وتمكينها في الأرض، بعد نصر الله بالتزام دينه.
وإذا ترك المسلمون الجهاد الذي هو سبب عزهم وظهورهم رجع عليهم الذل، وظهر عليهم عدوهم.
وقد بين هذا المعنى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: " إذا تبايعتم بالعينة1وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "2.
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني مبيناً المراد بهذا الحديث: " … إن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث، بل لما يقترن به من الإخلاد إليه والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك، فهو المراد--------------------------------------------
1 العينة: لها صور متعددة من أشهرها: أن يبيع الرجل للرجل شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه منه نقداً بثمن أقل، ومنها عكس الصورة المتقدمة، وهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن معلوم نقداً، ثم يشتريها بثمن أكبر منه مؤجل.
انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى السبتي 1/107 ط: دار التراث.
2 رواه أبو داود في سننه رقم الحديث 3462 3/740، وقال الألباني"هو حديث صحيح لمجموع طرقه" السلسلة الصحيحة 1/1/15.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 665)

بالأحاديث المرغبة في الحرث، فلا تعارض بينها، ولا إشكال"1.
فمن فوائد هذا الحديث أن الإخلاد إلى الدنيا وترك الجهاد والإعداد موجب لعقوبة الله لجماعة المسلمين، بتسليط الذل عليهم، وذهاب ريحهم، وزوال الهيبة من قلوب أعدائهم.
وفائدة أخرى هامة دل عليها الحديث، هي بيان الطريق إلى رفع الذل عنهم، وأنه يكون برجوعهم إلى دينهم، ومعلوم أن الرجوع إلى الدين يستلزم من الأمة جهاداً داخلياً يتم داخل المجتمع المسلم وبين أفراده، بالدعوة إلى الله والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، والغرض من ذلك مراجعة الدين وإزالة ما حصل فيه من انحرافات ومخالفات في العقائد والعبادات والمعاملات، ويشهد لذلك الرواية الأخرى في مسند الإمام أحمد وفيها: " أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم، حتى يراجعوا دينهم "2.
ومراجعة الدين خطوة تسبق الرجوع إليه وتؤدي إليه، ومن ذلك إقامة الجهاد والعمل على الإعداد بعد إصلاح العقائد والأعمال، والتخلص مما لم يأذن به الله منها، وبذلك تدخل الأمة الميدان متسلحة أولاً بالإيمان الصحيح الذي تستوجب به ولاية الله وتوفيقه وتسديده--------------------------------------------
1 السلسلة الصحيحة 1/1/17.
2 رواه الإمام أحمد في مسنده، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث 4825 8/27.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 666)

وعونه ورعايته ونصره.
أما الدعوة أو العمل على إقامة الجهاد كخطوة أولى دون أن تتقدمها الخطوة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي مراجعة الدين والرجوع إليه، فإن ذلك مُؤداه الدخول إلى ميدان الصراع بدون ولاية الله التي لا يتحصل عليها إلا من كان على ما أراده الله وشرعه من الاعتقاد والعمل، وهي محاولة لرفع الذل والظلم عن المسلمين دون العمل على إزالة السبب الأول والرئيس في حصوله، وهو الانحراف عن الدين، والبعد عما كان عليه السلف الصالح، وانتشار المخالفات والبدع العقدية والفعلية والقولية بين المسلمين، تلك المخالفات التي حجبت عن الأمة ولاية الله.
الأثر الثاني: دلت الآية {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض} على أثر آخر هام حيث بينت أن القتال شرع لدفع الكفار بالمسلمين، ويترتب على ذلك انحسار أذاهم وشرهم عن عباد الله، وترك الجهاد سبب لتسلط الكفار على المسلمين، وصدهم عن دينهم، وتخريب أماكن العبادة إما بهدمها وإزالة بنيانها، أو بصد الناس عنها بفتح أبواب الشر والفساد واللهو واللعب، فينصرفوا إليها وتبقى دور العبادة خراباً من أهلها.
قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة:193] .

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 667)

وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:39] .
ففي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لأثر من آثار قتال الكفار:
الأول: أن قتال الكفار قاطع للفتنة.
وذلك أن تعطيل الجهاد يؤدي إلى قوة الكفار وظهورهم على المسلمين، فتحصل الفتنة بهم ومنهم، فيرتد بعض المسلمين عن دينهم، أو يفتنوا حتى يتركوه، وهذه مفسدة أعظم من مفسدة إزهاق روحه.
قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل} [البقرة:191] .
قال ابن جرير رحمه الله: "وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار، فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه، فيصير مشركاً بالله، من بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيماً على دينه متمسكاً عليه محقاً فيه"1.
وقال سيد قطب رحمه الله: "إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثم فهي أشد من القتل، أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة، ويستوي إن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل--------------------------------------------
1 جامع البيان لابن جرير 2/191.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 668)

الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله، وتزين لهم الكفر به والإعراض عنه"1.
الأثر الثاني: أنه بإقامة الجهاد يكون الدين لله.
والمراد بالدين هنا العبادة والانقياد والطاعة لله في أمره ونهيه2.
{وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} : إذا كان دين الله هو الظاهر على سائر الأديان3.
قال سيد قطب رحمه الله: "وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله، وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها، كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام، وتسلط عليهم في المغريات والمضلات والمفسدات، وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه ويهابه أعداؤه، فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة … والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة، وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة"4.
وإعداد العدة والأخذ بأسباب القوة له أثر فعال في إرهاب الأعداء القريبين والبعيدين، فمع أخذ الدولة المسلمة بأسباب القوة نجد أن الكفار--------------------------------------------
1 في ظلال القرآن 2/272.
2 جامع البيان 2/194.
3 تفسير القرآن العظيم ط: الشعب 1/329.
4 في ظلال القرآن 2/273.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 669)