ثالثا: ذكر قول بعض من فرط وقصر في تعظيمه صلى الله عليه وسلم
…
ثالثًا: ذكر في بعض من فرط وقصر في تعظيمه صلى الله عليه وسلم
في مقابل تلك الصور للغلو والإفراط في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، نقف هنا أمام صور معاكسة، تنم عن جفاء وتقصير في حق النبوة والأنبياء بعامة ونبينا صلى الله عليه وسلم خاصة؛ فمن تلك الصور:
- تطاول بعض الطوائف على مقام النبوة والأنبياء بالتقليل من شأنهم، والحط من منزلتهم، وتفضيل غيرهم من أفراد الأمة عليهم.
وذلك كقول الشيعة الرافضة بأن مقام أئمتهم فوق مقام الرسل والملائكة، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في الفصل الرابع، وأذكر هنا بقول الخميني في ذلك: "وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل"1.
ومنه تفضيل بعض غلاة الصوفية من زعموهم أولياء، على أنبياء الله ورسله.--------------------------------------------
1 انظر: ص416 من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
وقالوا في ذلك أقوالًا شنيعة مستكرهة. كقول بعضهم: "معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب، وأوتينا ما لم تؤتوه"1.
وقول أبي يزيد البسطامي2: "تا الله إن لوائي أعظم من لواء محمد صلى الله عليه وسلم، لوائي من نور تحته الجان والإنس كلهم من النبيين"3.
ومنه قوله بعضهم -شعرًا- في تفضيل مقام الولاية على مقام النبوة والرسالة:
مقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي4
ومن ذلك اختراعهم لقب خاتم الأولياء مضاهاة لخاتم الأنبياء وجعله أفضل من الأنبياء: "وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي5، وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء. وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الوجوه"6.--------------------------------------------
1 انظر: عبد الكريم الجبلي، الإنسان الكامل 1/ 124، اقتبسه إحسان إلهي. انظر: التصوف ص188.
2 أبو يزيد البسطامي هو: طيفور بن عيسى، شيخ الصوفية، قال الذهبي: "وله نبأ عجيب وحال غريب، قال: وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياء الشأن في صحتها عنه، منها "سبحاني، و"ما في الحبة إلا الله"، مات سنة إحدى وستين ومائتين" ميزان الاعتدال 2/ 346- 347.
3 لطائف المتن والأخلاق للشعراني، اقتبسه إحسان إلهي، التصوف ص188.
4 طبقات الشعراني 1/ 68، "ط. دار العلم للجميع"، التصوف ص188.
5 وهو محمد بن علي بن الحسن بن بشير الترمذي المؤذن المعروف بالحكيم، صاحب كتاب نوادر الأصول المشهور، وله كتاب ختم الولاية وعلل الشريعة، هجر بسببه في ترمذ آخر عمره.
قال ابن حجر: ومما أنكر عليه أنه كان يفضل الولاية على النبوة، وقال: عاش إلى حدود العشرين وثلاثمائة، وعاش نحوًا من تسعين سنة، والله أعلم، لسان الميزان 5/ 308- 310.
6 ابن تيمية، الفتاوى 11/ 444. وانظر أيضًا: 223.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين
مدخل
…
المبحث الثاني: في بيان وسطيتهم في باب تعظيم الصالحين
وقيل في بيان ذلك يحسن أن نبين من هو الصالحون؟
الصلاح في اللغة: ضد الفساد1.
وقد ورد الصلاح في القرآن الكريم لعدة معان2:
منها "الإيمان": كما في قوله تعالى: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} 3؛ يعني: من آمن من آبائهم، وقوله: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} 4؛ يعني: المؤمنين.
ومنها "الطاعة"، ومنه قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} 5؛ يعني: أطاعوا الله.
ومنها "حسن المنزلة وعلوها"، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} 6؛ أي: من السعداء7.
والمعاني الأخرى تدور على بعض الطاعات؛ كالأمانة والأمر بالمعروف ونحو ذلك.--------------------------------------------
1 لسان العرب 2/ 516
2 الدامغاني، قاموس القرآن 282- 283، وابن الجوزي، نزهة الأعين النواظر 396- 397.
3 سورة الرعد آية 23.
4 سورة النور آية 32.
5 سورة البقرة آية 277.
6 سورة البقرة آية 130.
7 انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 1/ 269.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
وعلى هذا؛ فالصالحون هم المؤمنون الذي يعملون الصالحات.
وأفضل الصالحين وقدوتهم هم رسل الله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام؛ كما وصفهم الله عز وجل بذلك في كتابه الكريم:
فقال عن إبراهيم عليه السلام: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} 1.
وقال عن يحيى عليه السلام: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} 2.
وقال عن عيسى عليه السلام: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} 3.
وقال عن إسحاق ويعقوب: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} 4.
وأمثال ذلك كثير في القرآن.
ثم يلي الأنبياء والرسل عليهم السلام أتباعهم ومن اهتدى بهديهم وعمل بما أمروا به وانتهى عما نهو عنه.
وأفضل صالحي هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، أصحابه رضوان الله عليهم، على تفاوت بينهم في ذلك، ثم يتلوهم الصالحون من أهل القرون الثلاثة المفضلة التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية، ثم سائر صالحي هذه الأمة في كل زمان ومكان على درجاتهم في ذلك.--------------------------------------------
1 سورة البقرة آية 130.
2 سورة آل عمران آية 39.
3 سورة آل عمران آية 46.
4 سورة الأنبياء آية 72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
فأما الصحابة فقد تقدم الكلام عليهم على وجه الخصوص في الفصل الرابع، وبينا هناك منزلتهم ومكانتهم، وأقوال الناس فيهم، وموافقتهم منهم، وبينا وسطية أهل السنة والجماعة في بابهم.
وحديثنا في هذا الفصل سيكون عن الصالحين بوجه عام، وأقوال الناس فيهم ومواقفهم منهم.
وقد رأيت الناس في ذلك ثلاثة أصناف: صنف عرف للصالحين حقهم وقدرهم وقال فيهم بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصنف أفرط في تعظيمهم وغلا في شأنهم، فرفعهم فوق منزلتهم، وقال فيهم غير الحق، وصنف ثالث لم يعرف فضلهم، ولم يقم بحقهم فهو مقصر فيما قال لهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
فأما الصنف الأول: "فهم أهل السنة والجماعة"
مذهبهم وقولهم في ذلك يتخلص في ما يأتي:
1- يرون موالاة الصالحين ومحبتهم، والثناء عليهم وذكر محاسنهم والدعاء لهم؛ فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كما أخبر الحق تبارك وتعالى في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} 1.
يقول الإمام الطحاوي مبينًا أن من عقيدة أهل السنة والجماعة محبة أهل الطاعات وموالاتهم ولا سيما أهل العلم والسنة منهم، وبغض أهل معصية الله ومجافاتهم: "ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة … وعلماء السلف من السابقين، من بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر -وأهل--------------------------------------------
1 سورة التوبة آية 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
الفقه والنظر -لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل"1.
2- ويرون أن المؤمنين الصالحين المتقين، هم أولياء2 الله الذين قال فيهم: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} 3 فكل من كان تقيًا كان لله وليًا، كما يقول الحافظ ابن كثير4.
يقول الإمام الطحاوي: "والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن"5.
فالطريق إلى ولاية الله هو الإيمان واتباع القرآن والسنة، وكل من ادعى الولاية أو رامها من غير هذا الطريق فهو على غير سبيل المؤمنين.
والمؤمنون يتفاضلون في ولاية الله تفاضلهم في الإيمان والتقوى6.
3- يؤمن أهل السنة بكرامات7 الأولياء، وما يجريه الله على أيدي--------------------------------------------
1 انظر: العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز 432، 554.
2 الولي: ضد العدو، كما في الصحاح 6/ 2529. قال شيخ الإسلام: والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصلا لعداوة: البغض والبعد، وقد قيل: إن الولي سمي وليًا من موالاته للطاعات؛ أي: متابعته لها، والأول أصح، الفرقان6.
والمراد بالولي: العالم بالله تعالى، المواضب على طاعته، المخلص في عبادته؛ قاله الحافظ ابن حجر، الفتح 13/ 293.
وقال الشوكاني: وهذا التفسير للولي، هو المناسب لمعنعنددى الولي المضاف إلى الرب سبحانه. قطر الولي على حديثا ولي ص 237، "بتحقيق د. إبراهيم هلال، نشر: دار إحياء التراث - بيروت".
3 سورة يونس آية 62- 63.
4 تفسير القرآن العظيم 4/ 213.
5 انظر: العقيدة الطحاوية، بشرح ابن أبي العز 402، 406.
6 راجه ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان 33.
7 الكرامة: أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي من أوليائه، والفرق بيننها وبين المعجزة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى الرسالة بخلاف الكرامة. انظر: شرح الواسطية، للهراس 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
الصالحين المتقين من خوارق العادات.
يقول الإمام الطحاوي: "ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم"1.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات"2.
ولا تكون كرامة إلا إذا أجريت على يد تقي متبع لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فمن كان حاله غير ذلك فما يظهر على يديه من الخوارق ليس بكرامة؛ وإنما هي أحوال شيطانية3؛ "إذ قد أجمع العلماء على أن شرط الكرامة كونها على يد متبع للشرع المطهر"4.
يقول الإمام الشوكاني في بيان الميزان الذي يفرق به بين الكرامة وغيرها: "والميزان الذي لا يجور هو ميزان الكتاب والسنة؛ فمن كان متبعًا لهما معتمدًا عليهما فكراماته وجميع أحواله رحمانية، ولمن لم يتمسك بهما، ويقف عند حدودهما فأحواله شيطانية"5.
4- ويعتقد أهل السنة أن الصالحين والأولياء من المؤمنين غير معصومين من الذنوب؛ بل يجوز أن يقع منهم ما يقع من غيرهم، وأن العصمة لا تكون--------------------------------------------
1 الطحاوية، بشرح ابن أبي العز ص558.
2 العقيدة الواسطية، شرح الهراس 151.
3 انظر: شيخ الإسلام ابن تيمة: "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" ص47، "بتحقيق د. ربيع المدخلي".
4 انظر: عبد العزيز الرشيد، التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ص335.
5 قطر الولي ص272.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
لأحد بعد الأنبياء.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "أجمع جميع سلف المسلمين وأئمة الدين من جميع الطوائف: أنه ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد معصوم ولا محفوظ من الذنوب ولا من الخطايا"1.
وقال الإمام الشوكاني: "واعلم أن الأولياء الله غير الأنبياء ليسوا بمعصومين؛ بل يجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد الله المؤمنين"2.
5- ومن عقيدة أهل السنة أنهم: لا يفضلون أحدًا من الأولياء والصالحين على أحد من الأنبياء بحال.
يقول الإمام الطحاوي في تقرير عقيدة أهل السنة في ذلك: "ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء"3.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أولياء الله تعالى، على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء"4.
فمقام الولاية دون مقام النبوة والرسالة، عكس ما يقوله الاتحادية -أهل وحدة الوجود- وغلاة المتصوفة، الذين جعلوا مقام الولاية أعلى من مقام النوبة والرسالة، كما تقدم الإشارة إلى قولهم من ذلك في المبحث الأول5.
6- ومن عقيدة أهل السنة في الصالحين أنه لا يجوز الغلو فيهم بحال--------------------------------------------
1 انظر: جامع الرسائل، "بتحقيق محمد رشاد سالم 1/ 266".
2 انظر: قطر الولي 248.
3 انظر: الطحاوية، بشرح ابن أبي العز 55.
4 الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 69.
5 انظر: ص442 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
وأن بناء المساجد والقباب على قبورهم، مظهر من مظاهر الغلو فيهم وهو محرم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه وتحذيره من مضاهاة اليهود والنصارى في ذلك ولعنه إياهم بسبب ذلك.
ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 1.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" 2.
وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة3.
لأن البناء عليها؛ غلو يفضي بأهليه إلى عبادة أصحاب القبور ودعائهم والاستغاثة بهم، وطلب جلب النفع ودفع الضر منهم من دون الله عز وجل.
فإن الغلو في الصالحين على هذا النحو كان سببًا في شرك قوم نوح عليه السلام، من قبل، كما أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله عز وجل: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} 4، أنها "أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتسخ العلم عبدت"5.--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه ص272.
2 م: كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور 1/ 337- 378، ح 532.
3 انظر: تيسير العزيز الحميد 332.
4 سورة نوح آية 23.
5 خ: كتاب التفسير، باب {وَدًّا وَلا سُوَاعًا … } 8/ 667.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
وأما الصنف الثاني: "وهم أهل الغلو والإفراط في تعظيم الصالحين"
فهم طوائف الرفض، والتصوف، ومن شاكلهم من أهل البدع.
وقد رأينا طرفًا من غلو الرافضة في أئمتهم، كغلوهم في علي رضي الله عنه، وغيره من صالحي أهل بيته، كما تقدم لنا ذلك في الفصل الرابع1.
ومن مظاهر غلوهم بناؤهم المشاهد على القبور والأضرحة، وجلعها عيدًا تزار وتشد الرحال إليها، وجعل ذلك أفضل من مناسك الحج.
وزعموا أنا أبا عبد الله2 قال: "من أتى قبر الحسين عليه السلام عارفًا بحقه، كان كمن حج مائة حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله"3.
وأما ضلال الصوفية؛ فلهم غلو في بعض من زعموا ولا يتهم وصلاحهم، يضاهي غلو الشيعة في أئمتهم إن لم يكن هو هو؛ فبين التصوف والتشيع نسب وسبب.
ومن غلوهم في أوليائهم ما أشرنا إليه في المبحث الأول من تفضيلهم الولي على النبي، وجعل منزلة الولاية فوق منزلة النبوة والرسالة4.
وقولهم بختم الولاية، مضاهاة لختم النبوة.
وأما غلوهم في القبور، وبناء المساجد عليها وتزيينها بالستائر والسرج وغير ذلك؛ فهو من الأمور اللازمة لوجودهم في كل عصر ومصر وقد أجروا عليها،--------------------------------------------
1 انظر: ص412 وما بعدها.
2 وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق ت 48 هـ. انظر: الحلية 3/ 192 والتقريب 1/ 132.
3 بحار الأنوار، لمحمد باقر المجلسي 98/ 34، ومستدرك الوسائل، لميرزا حسين النووي الطيرسي 10/ 274، انظر: الرافضة وتفضيل زيارة قبر الحسين على حج بيت الله الحرام، لعبد المنعم السامرائي ص108.
4 انظر ص: 442- 443.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
الأوقاف، والصدقات.
يقول الإمام الشوكاني: "تكاثرت الأوقاف على القبر وبلغت مبلغًا عظيمًا؛ حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافه، ما يقتاته أهل قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة أغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء، وكلها من النذر في معصية الله"1.--------------------------------------------
1 انظر: شفاء الصدور في تحريم رفع القبور، ضمن مجموع الرسائل المنيرية 1/ 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
وأما الصنف الثالث "وهم الذين قصروا وفرطوا في هذا الباب": فمنهم
كل من أنكر أو نفى شيئًا مما ثبت لهم، كقول المعتزلة والجهمية بنفي كرامات الأولياء، بحجة أنه لو جاز ظهور الخوارق على أيديهم لالتبس النبي بغيره؛ إذ الفرق بين النبي وغيره وهو المعجزة التيهي الخارق للعادة.
قال ابن ابي العز في الجواب عن شبهتهم هذه: "وهذه الدعوى إنما تصح إذ كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن وليًا؛ بل كان متنبيًا كذابًا"1.
وأعلم أن أهل التصوف، قد فرطوا في حق الصالحين أيضًا من وجوه.
الوجه الأول: أنهم جعلوا من ليس بصالح صالحًا، ومن ليس بولي وليًا؛ فقصروا في حق الأولياء، الأتقياء المتبعين للشرع، وافرطوا في حق من زعمهم أولياء ممن هو تارك للصلوات مرتكب للمحرمات.
الوجه الثاني: على فرض أن من غلو فيه كان صالحًا تقيًا؛ فإنهم في الواقع يعدون مفرطين مقصرين؛ إذ لم يقتدوا به في صلاحه وتقواه والسير على--------------------------------------------
1 انظر: شرح الطحاوية 563.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
نهجه، وقالوا فيه ما لم يأمر به ولم يرضه؛ فإن الصالحين المتبعين لا يقرون الغلاة فيهم على ما يظهرون فيهم من الغلو والإطراء.
الوجه الثالث: أنهم لو اتبعوا الصالحين على ما كانوا عليه من الهدى، وما دعوا إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ولحصل لهم الهداية والنجاة ولحصل لأولئك الصالحين الذين كانوا سببًا في هدايتهم الأجر والثواب؛
فلما خالفوهم، ولم يهتدوا، انقطع ثواب الصالحين الذي كان يحصل بتوحيد هؤلاء وطاعتهم1.
وهكذا يكون هؤلاء قد جمعوا بين الغلو والتقصير، نعوذ فالله من الخذلان وسوء المصير.--------------------------------------------
1 انظر: ابن تيمية، الاستغاثة 307.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
خاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته وتوفيقه تتم الصالحات … وبعد:
في ختام عملي في هذه الرسالة، أود أن أذكر بأهم ما عالجته من مسائل ومباحث، وما خلصت إليه فيها من نتائج، ونظرًا لسعة موضوع الرسالة وتعدد مباحثها؛ فإني سأكتفي بعرض ذلك باقتضاب على النحو التالي:
- تبين لي في "معنى السنة": أن المراد بها في إطلاق السلف: موافقة الكتاب والسنة، وخاصة في مسائل الاعتقاد، ولذلك سموا مصنفاتهم في العقيدة باسم "السنة".
- كما تبين لي أن مصطلح "أهل السنة" مصطلح قديم معروف عند السلف ابتداء من عصر الصحابة رضوان الله عليهم، كما ورد استعمال ذلك في كلام ابن عباس، وفي ذلك رد على من ادعى أن ذلك أول ما أطلق على الأشاعرة.
- كما تبين لي أن دعوى الأشاعرة أنهم هم أهل سنة دعوى عريضة فيها نظر؛ لأن اعتمادهم على العقل في أمور الاعتقاد وتقدميه على النقل ووردهم لكثير من نصوص السنة بمقتضاه يقعد بهم عن ذلك.
- أن الطريق لمعرفة السنة والقول بها، هو النقل، والإتباع لا غير، وأنها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
لا تدرك بالعقول.
- كما أثبت في هذه الرسالة أن أهل السنة هم أهل الجماعة، وهم الفرقة الناجية، وهم الطائفة المنصورة دون غيرهم من سائر الفرق.
- كما بينت جواز إطلاق السلف والسلفية على أهل السنة، وصحة التلقب بذلك، وتهافت كلام من عد ذلك من البدع.
- بينت حقد أهل البدع على أهل السنة، ونبزهم بالألقاب الشنيعة، وذكرت نصوصهم في ذلك في كتبهم ومصنفاتهم وما نقله الثقات من أقوالهم وبينت أن أهل السنة لا يلحقهم شيء من تلك الألقاب.
- كما أثبت أن هذه الأمة المحمدية هي الأمة الوسط بين الأمم، وأن في إثبات وسطيتها إثباتًا لوسطية أهل السنة.
- أثبت في هذه الرسالة أن الأمة المحمدية أعدل الأمم بشهادة الله لها بذلك، وشهادة أعدائها أيضًا.
- كما أثبت مبلغ جور أمتي اليهود والنصارى، وظلمهم وبعدهم عن العدل فيما بينهم وفيما بينهم وبين الأمم الأخرى.
- وأثبت أن هذه الأمة المحمدية هي خير الأمم وأوضحت ذلك من أوجه متعددة.
- كما بينت مبلغ توسط هذه الأمة واعتدال أقوالها بين طرفي الإفراط والتفريط.
- أثبت أن كلًا من اليهود والنصارى لديهم إفراط وتفريط، وغلو وجفاء ويظهر ذلك في باب توحيد الله، وباب أنبياء الله ورسله وغير ذلك من الأبواب، ودللت على ذلك من كتبهم المقدسة عندهم.
- كما أثبت أن أهل السنة أوسط فرق هذه الأمة، وأنهم بين هذه الفرق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
كهذة الأمة بين الأمم في الاعتدال والتوسط والفضل.
- فأثبت وسطيتهم في باب الأسماء والصفات واعتدال قولهم واعتقادهم في ذلك بين طرفي الإفراط والتفريط وهم المعطلة والمشبهة.
- وبينت وسطيتهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد بين المرجئة والوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم.
- وأثبت أنهم أهل توسط واعتدال في باب الإيمان بالفضاء والقدر، بين: الجبرية الذين يسلبون العبد اختياره ومسئوليته عن أفعاله، وبين القدرية الذين يجوزون أن يقع في ملك الله ما لا يريده ويقدره.
- وبينت وسطيتهم واعتدالهم في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلامة أقوالهم من الوقيعة فيهم أو الإزراء بهم.
- أثبت مبلغ جفاء الرافضة والخوارج لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوء اعتقادهم وأقوالهم فيهم.
- بينت مذهب أئمة المعتزلة في هذا الباب، وسوء قولهم واعتقادهم في طوائف من الصحابة.
- كما بينت وسطية قول أهل السنة وحسن اعتقادهم في باب تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من أمته، وأنهم وسط في ذلك بين غلو وتفريط وتقصير أهل البدع من المتصوفة ومن شاكلهم.
هذه أهم المباحث التي عرضت لها في هذه الرسالة، والنتائج التي انتهيت إليها فيها؛ فإن وفقت وأصبت فبفضل الله وتوفيقه، وإن أخطأت وزللت فمن نفسي، وأستغفر الله لذنبي، وحسبي أني اجتهدت في ذلك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
الفهارس:
فهرس المصادر والمراجع:
"أ":
1- "أبو نعيم، حياته وكتابه الحلية": محمد لطفي الصباغ، الطبعة الثانية، نشر دار الاعتصام، 1398 هـ/ 1978 م.
2- "إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين": محمد الحسيني الزبيدي، نشر دار الفكر.
3- "الإحكام في أصول الأحكام": علي بن محمد الآمدي، بتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، 1402 هـ.
4- "أخبار عمرو بن عبيد": أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، مخطوط بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم "488".
5- "آراء الخوارج الكلامية": د. عمار طالبي، نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر، 1398 هـ/ 1978 م.
6- "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد": الجويني- بتحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد طبعة مطبعة السعادة، نشر مكتبة الخانجي، 1369 هـ/ 1950 م.
7- "أركان الإيمان": وهبي سليمان غاوجي الألباني، الطبعة الأولى، نشر مؤسسة الرسالة، 1397 هـ / 1977 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
8- "أسباب ظهور الفرق الإسلامية": عبد الله الغنيمان. مقال منشور في مجلة كلية أصول الدين، عدد 1399 هـ/ 1400 هـ.
9- "الاستقامة": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. تحقيق د. محمد رشاد سالم. الطبعة الأولى. نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1404 هـ / 1983 م.
10- "الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام": د. علي عبد الواحد وافي، نشر دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة، 1392 هـ/ 1972 م.
11- "الأسماء والصفات": البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين، الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية -بيروت، 1405 هـ/ 1984 م.
12- "إسلام بلا مذاهب": د. مصطفى الشكعة، طبعة شركة ومطبعة مصطفى الحلبي، بمصر، 1396 هـ/ 1976 م.
13- "الإصابة في تمييز الصحابة": ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، نشر دار الفكر - بيروت، 1398 هـ / 1978 م.
14- "أصل الشيعة وأصولها": د. محمد الحسين آل كاشف الغطاء، الطبعة العاشرة طبعة مكتبة العرفان- بيروت.
15- "أصول الدين": البغدادي: عبد القاهر بن طاهر التميمي، الطبعة الثانية 1400 هـ - 1980 م، نشر دار الكتب العلمية -بيروت- مصور عن طبعة إستانبول، 1346 هـ/ 1928 م.
16- "أصول الرخي": أبو بكرمحمد بن أحمد بن أبي سهل السرخي، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، طبعة مطابع دار الكتاب العربي، نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن بالهند، 1372 هـ.
17- "أصول السنة": الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين، بتحقيق محمد إبراهيم هارون على الآلة الكاتبة، رسالة ماجستير، 1403 هـ/ 1404 هـ.
18- "أضواء البيان": الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مطبعة المدني، 1386 هـ/ 1967 م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
19- "الاعتصام": الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد، بتعريف السيد محمد رشيد رضا، نشر دار المعرفة -بيروت، 1405 هـ/ 1985 م.
20- "اعتقادات فرق المسملين والمشركين": الرازي: محمد بن عمر بن الحسين. بمراجعة وتحرير على سامي النشار، نشر دار الكتب العلمية -بيروت، 1402 هـ/ 1982 م.
21- "الأعلام": للزركلي: خير الدين، الطبعة الثالثة.
22- "أعلام الموقعين عن رب العالمين": ابن القيم: محمد بن أبي بكر، بتحقيق عبد الرحمن الوكيل، نشر دار الكتب الحديثة، 1389 هـ/ 1969 م.
23- "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان": ابن القيم: محمد بن أبي بكر، بتحقيق محمد سيد كيلاني، نشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر، 1381 هـ/ 1961م.
24- "الاقتصاد في الاعتقاد": الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد، الطبعة الأولى، نشر دار الكتب العلمية - بيروت 1403هـ/ 1983م.
25- "اقتضاء الصراط المستقيم": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، تحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل، الطبعة الأولى 1404 هـ.
26- "إلجام العوام عن علم الكلام": الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد، بتحقيق محمد المعتصم بالله بالغدادي، الطبعة الأولى، نشر دار الكتاب العربي - بيروت 1406 هـ/ 1985 م.
27- "أم البراهين": السنوسي: محمد بن يوسف، ضمن مجموع مهمات المتون، الطبعة الرابعة، نشر مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي 1369 هـ/ 1949 م.
28- "الإمام ابن تيمية وقضية التأويل": د. محمد السيد الجليند، الطبعة الثالثة، نشر شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع 1403 هـ/ 1983 م.
29- "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر": ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم، بتحقيق د. صلاح الدين المنجد، الطبعة الأولى، نشر دار الكتاب الجديد -بيروت 1396 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)