لا يستحق بنفسه على الله شيئًا، وليس له أن يوجب على ربه شيئًا لا لنفسه ولا لغيره، ويقولون: إنه لا بد أن يثيب المطيعين كما وعد؛ فإنه صادق في وعده ولا يخلف الميعاد"1.
وقال في موضع آخر: "واتفقوا على أن الله تعالى إذ وعد عباده بشيء كان وقوعه واجبًا بحكم وعده؛ فإنه الصادق في خبره الذي لا يخلف الميعاد"2.--------------------------------------------
1 انظر: منهاج السنة 1/ 467.
2 انظر: منهاج السنة النبوية 1/ 448.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
الفصل الثالث: وسطية أهل السنة في باب القدر
المبحث الأول: في معنى القدر وحكمه
أولًا: معنى القدر
القدر في اللغة؛ بفتح الدال وإسكانها؛ لغتان بمعنى: مبلغ الشيء وكنهه. قال صاحب مجمل اللغة: "القدر: مبلغ الشيء وكذلك القدر1"، وقال في "معجم مقاييس اللغة": "القاف والدال الراء: أصل صحيح يدل على مبلغ في "معجم مقاييس اللغة": "القاف والدال والراء: أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته؛ فالقدر: مبلغ كل شيء، يقال: قدره كذا؛ أي: مبلغه، وكذلك القدر..: قال والقدر: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو: القدر أيضًا"2.
وقال الجوهري: "قدر الشيء مبلغه … والقدر، والقدر أيضًا ما يقدره الله عز وجل من القضاء"3.
وقدر كل شيء ومقداره: مبلغه4.
وقال اللحياني: القدر: الاسم، والقدرِ: المصدر5.--------------------------------------------
1 ابن فارس: مجمل اللغة 3/ 745.
2 ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 5/ 62.
3 انظر: الصحاح 2/ 786.
4 ابن منظور: لسان العرب 5/ 78.
5 ابن منظور: لسان العرب 5/ 74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
القدر في الشرع:
يراد به: أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى. قاله الإمام النووي1.
وقال الحافظ ابن حجر: "والمراد؛ أي: بالقدر- أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته، وإرادته، -قال- هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية؛ وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة"2.--------------------------------------------
1 انظر: شرح صحيح مسلم 1/ 154.
2 انظر: فتح الباري 1/ 118.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
ثانيًا: حكمة ومنزلته من الدين
الإيمان بالقدر، أصل من أصول الإيمان، وركن من أركانه الستة التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور؛ حيث قال في الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونؤمن بالقدر خيره وشره" 1 فجعل صلى الله عليه وسلم الإيمان بالقدر ركنا من أركان الإيمان، فمن لم يؤمن به فليس بمؤمن.
وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على إثباته لله عز وجل، كقول الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر} 2 وقوله عز وجل: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} 3 ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر، حتى--------------------------------------------
1 تقدم تخرجيه، انظر: ص 278.
2سورة القمر آية 49.
3سورة الفرقان آية 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
العجز والكيس1، أو الكيس والعجز"2. قال طاووس: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون "كل شيء بقدر"3.
وعند اللالكائي عنه قال: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقدر"4، وذكر اللالكائي ممن يقول بذلك عددًا من أئمة التابعين وفقهاء الأمصار5.
وقال الحافظ ابن حجر: "ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى"6.
حقيقة القدر الذي يجب الإيمان به:
أعلم أنه لا يعد المرء مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بمراتبه الأربع التي هي بمثابة الأركان منه، من أخل بإحداها؛ فليس هو بمؤمن بالقدر حقيقة.
الأولى: علم الله سبحانه بالأشياء قبل كونها؛ فيجب الإيمان "بأن الله عز وجل لم يزل عالمًا بالخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم، ولا يزال عالمًا بهم، ولم يزدد في علمه بكينونة الخلق خردلة واحدة"7.
ومن الأدلة على تقدم عللمه عز وجل، قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْم--------------------------------------------
1 الكيس: ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور، قال النووي، انظر: شرح صحيح مسلم له 16/ 205.
2 م: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر 4/ 2045، ح 2655.
3 نفس المصدر والجزء والصفحة.
4 انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/ 535.3
5 نفس المصدر 4/ 535- 538.
6 انظر: الفتح 11/ 478.
7 عثمان بن سعيد الدارمي، الرد على الجهمية، "بتحقيق بدر البدر، ص 112، ط. الدار السلفية".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} 1، وقوله سبحانه {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} 2، ومن السنة، قوله صلى الله عليه وسلم في أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" 3.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة؛ أي: أن الله عز وجل قد كتب كل ما هو كائن قبل أن يكون، كما قاله سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} 4.
قال الحافظ ابن كثير: "وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله"5، وقال في قوله: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} ؛ أي: أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله عز وجل؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون"6.
ومما يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" 7.
والنصوص في ذلك متكاثرة، متظافرة.--------------------------------------------
1 سورة لقمان آية 34.
2 سورة المزمل آية 20.
3 م: القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة 4/ 2049، ح 2659.
4 سورة الحديد آية 22.
5 انظر: تفسر القرآن العظيم 8/ 52.
6 نفس المصدر والجزء والصفحة.
7 م: كتاب القدر، باب حجاج آدم موسى عليهما السلام 4/ 2044، ح 2653.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
المرتبة الثالثة: مشيئته سبحانه للأشياء قبل كونها، وأنه لا يقع شيء في الكون إلا بمشيئته، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة.
منها قوله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} 1، وقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} 2، وقوله سبحانه: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 3، وغير ذلك من الآيات.
قال الإمام ابن القيم: "قد دل على ذلك إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان وليس فيا لوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن"4.
المرتبة الرابعة: خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها.
قال ابن القيم: "وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر والعقول. وخالف في ذلك مجوس الأمة"5.
وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله سبحانه هو خالق الخلق وأفعالهم كقوله عز وجل: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} 6--------------------------------------------
1 سورة البقرة آية 253.
2 سورة المائدة آية 48.
3 سورة التكوير آية 29.
4 انظر: شفاء العليل ص 43، "ط 1398 هـ 1978، نشر: دار المعرفة -بيروت".
5 انظر: شفاء العليل ص 49.
6 سورة الزمر آية 62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
وقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون} 1، وقوله عز وجل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} 2؛ فأخبر نه هو الذي يجعل السرابيل: وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلا بعد أن تحليها صنعة الآدميين وعملهم؛ فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيأتها3.
ومن أدلة ذلك من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" 4. قال الإمام البخاري رحمه الله: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة"5.
وعبد: فهذه هي المراتب، إن شئت فقل الأركان التي يدور عليها رحى الإيمان بالقدر ذكرها الإمام ابن القيم، وأفاض في الكلام عليها والاستدلال لها فأفاد وأجاد رحمه الله6.--------------------------------------------
1 سورة الصافات آية 96.
2 سورة النحل آية 81.
3 ابن القيم: شفاء العليل 54- 55.
4 الإمام البخاري، خلق أفعال العباد ص 25، "ط. الأولى 1404، نشر: مؤسسة الرسالة".
5 نفس المصدر والصفحة.
6 انظر: شفاء العليل ص 29- 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
المبحث الثاني: في نشأة الكلام في القدر ونزاع الناس فيه
الحديث عن القدر والنزاع والمخاصمة فيه، والاحتجاج به، من الأمور التي صاحبت الإسلام منذ نشأته؛ بل أنا لا نعدوا لحقيقة إذا قلنا إن جذور الكلام والخوض فيه تمتد إلى ما قبل الإسلام.
يؤكد ذلك نصوص من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فقد جاء فيهما ما يدل على أن كفار قريش، خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر ونازعوه فيه، واحتجوا به.
يقول الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} 1، 2.
قال الإمام ابن القيم في هذه الآية: "والمخاصمون في القدر نوعان:
أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كالذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا.
والثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق؛ والطائفتان خصماء الله"3.
وأخبر عز وجل في آية أخرى أن المشركين كانوا يحتجون بالقدر ويتعللون بمشيئة الله وينسبون ما وقع منهم من كفر وشرك وعصيان إلى إرادة الله ذلك ومشيئته إياه، منكرين إرادتهم واختيارهم؛ وذلك تنصلًا من مسؤولية ما اقترفوا من شرك وإثم. يقول عز وجل في ذلك:
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا--------------------------------------------
1 سورة القمر آية 48- 49.
2 م: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر 4/ 2046، ح 2656.
3 شفاء العليل 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} 1، ثم أخبر سبحانه عن تحقق وقوع ذلك منهم، وقولهم له، فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِين} 2. وقال أيضًا: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} 3.
ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لما فعلنا؛ لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكنا منه4.
ولو أراد لحال بيننا وبين عبادة الأصنام؛ فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه5.
وهل هذا القول منهم إلا احتجاج بالقدر، وقول بالجبر؟!
وقول عز وجل في آية "الأنعام": {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، وفي آية "النحل": {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يشير إلى أن جذور هذا القول ضاربة في أعماق الأمم المشركة، ويدل دلالة واضحة وصريحة على أن من شأن المشركين والكافرين من بني الإنسان، التعلل بالقدر والميل إلى الجبر لتبرير شركهم وكفرهم، أو على الأقل للتنصل من جريرة ذلك ومسؤليته.
وفي آية أخرى من كتاب الله عز وجل، نجد أن المنافقين في عهد رسول--------------------------------------------
1 سورة الأنعام آية 148.
2 سورة النحل آية 35.
3 سورة الزخرف آية 20.
4 ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 4/ 489.
5 نفس المصدر 7/ 210.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
الله صلى الله عليه وسلم بدر منهم ما يدل على عدم يقينهم بأن كل شيء يقدر، يقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} 1.
ذكر الإمام ابن جرير أن الذين قالوا ذلك جماعة من المنافقين2.
خوض الصحابة في القدر:
وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، خاض بعض الصحابة الكرام في القدر فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فانتهوا ولم يعودوا لمثل ذلك أبدًا.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلفتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، بهذا هلكت الأمم قبلكم"3، ولم ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم تكلموا في ذلك إلا عندما ظهرت بدعة القدرية فتكلم من عناصر ذلك منهم بالرد والإنكار عليهم كما سيأتي ذلك.
ظهور بدعتي نفي القدر والقول بالجبر:
في أواخر عصر الصحابة رضوان الله عنهم، كانت البداية الحقيقة لنشأة الاختلاف والكلام في القدر.
إذ نبغ في وقتهم معبد الجهني4 الذي قال بنفي القدر، كما روى الإمام--------------------------------------------
1 سورة آل عمران آية 156.
2 انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 7/ 331- 332.
3 جه: مقدمة، باب في القدر 1/ 333، ح 85، وقال الشيخ الألباني: "حسن صحيح".
انظر: صحيح ابن ماجه 1/ 21، ح 69، وقال أحمد شاكر: صحيح. انظر: شرع على مسند أحمد 10/ 153، ح 6668.
4 وهو معبد الجهني، قال ابن حجر: يقال إنه: ابن عبد الله بن عكيم، ويقال: ابن عبد الله بن عويم، ويقال: ابن خالد، كان صدوقًا في الحديث، وكان أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأسًا في القدر، قتله الحجاج سنة 80 هـ، انظر: تهذيب التهذيب 10/ 225- 226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
مسلم عن يحيى بن يعمر1 قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. ثم ذكر يحيى أنه لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون2 العلم. وإنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف3، فقال ابن عمر منكرًا عليهم ذلك: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر"4.
ومعبد إنما تلقى هذه المقالة عن رجل نصراني، كان قد أسلم ثم تنصر مرة أخرى؛ فكان معبد أول من نشر ذلك ونادى به وأظهره، ولا سيما بالبصرة كما تقدم.
قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: "أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن5، وكان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان6 عن معبد"7.--------------------------------------------
1 يحيى بن يعمر بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة، البصري نزيل مرو وقاضيها، ثقة فصيح، وكان يرسل، مات قبل المائة وقيل بعدها. انظر: ابن حجر: التقريب 2/ 361.
2 يتقفرون العلم: أي: يطلبونه ويتتبعونه. شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 155.
3 أنف: أي: مستأنف، لم ييسبق به قدر ولا علم من الله تعالى؛ وإنما يعمله بعد وقوعه. المصدر نفسه 1/ 156.
4 م: كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان 1/ 36، ح 8.
5 قيل: اسمه سوسن، وقيل: سنسويه وقيل: سنهويه، وقيل غير ذلك، ولم أقف له على ترجمة.
6 تقدمت ترجمته ص 295.
7 الآجري، الشريعة ص 343، واللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/ 750، ح 1398.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
وقال ابن عون1: "أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقير، يقال له: سنسويه البقال، قال فكان أول من تكلم في القدر"2.
فهؤلاء هم أقطاب القدرية الأوائل، وكان مذهبهم في القدر يدور على أمرين:
أحدهما: نفي علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها.
والثاني: نفي خلقه لأفعال العباد، وأنها ليست واقعة بقدره.
وهؤلاء هم غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم، والمتأخرون منهم يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها وينفن خلقه لأفعال العباد.
قال القرطبي "671 هـ" وغيره: قد انقرض هذا المذهب -أي: مذهب غلاة القدرية- ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين.
قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها؛ وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العابد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من الأول"3.
وهذا المذهب هو الذي تبنته المعتزلة وجعلته أصلًا من أصولها التي قام عليها كيان الاعتزال، وبسبب قولهم به عرفوا بالقدرية، لنفيهم القدر.
وفي مقابل القول بنفي القدر، ظهر قول مضاد ومعاكس له، وهو القول بالجبر، ومضمونه: أن الإنسان مجبور على أفعاله وأنه لا يقدر منها على شيء؛ فهو كالريشة في مهب الريح، وأول من عرف عنه القول بذلك في الإسلام هو:--------------------------------------------
1 هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون ت 151 هـ، ترجمته لدى ابن سعد، الطبقات 7/ 261، وأبي نعيم، الحلية 3/ 37.
2 اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/ 749، ح 1396.
3 ابن حجر: فتح الباري 1/ 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
الجهم بن صفوان1 الذي كان من مقالته: "وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده، وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة ودار الفلك، وزالت الشمس؛ وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله -سبحانه-"2.
ومن خلال مقالتي الطائفتين، يتبين لنا أن القدرة النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله قدرته، وقولهم: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم.
كما يتضح لنا مدى غلو الجهمية الجبرية في إثبات القدر حتى سلبوا الإنسان مشيئته وإرادته وعدوه بمنزلة الجماد، وأنه لا فعل له في الحقيقة، وأنه مجبور على أفعاله غير مختار فيها. وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار، والطريف المستقيم القصد.
فكل منهما قد أخطأ وضل في هذا الباب، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون مع كل منهما بعض الحق والصواب؛ لكن الحق المحض والصواب المحض ليس هو في قول واحد منهما؛ وإنما هو قول خارج عن قولهما جمع ما عند كل من الفريقين من حق وصواب، وخلا مما وقع فيه الفريقان من خطأ وضلال.
ذلك هو قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، الذي هو حق بين الباطلين، وهدى بين الضلالتين، به كانوا وسطًا بين إفراط وتفريط الفريقين في هذا الباب، كما سنوضح ذلك في المبحث التالي بعون الله.--------------------------------------------
1 تقدمت ترجمته ص 296.
2 الأشعري، المقالات 1/ 338.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
المبحث الثالث: في بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب
مدخل
…
المبحث الثالث: في بيان وسطية أهل السنة في هذا الباب
في المبحث السابق أشرنا إجمالًا إلى كون كل من فريقي القدرية، والجبرية، قد زال عن الصراط السوي؛ إما إلى تفريط، وإما إلى إفراط، وأن أهل السنة والجماعة هدوا إلى سواء الصراط في هذا الباب كغيره من الأبواب.
وفي هذا المبحث سأحاول إبراز جوانب وسطية أهل السنة في ذلك، من خلال مقابلة ومقارنة قولهم بأقوال كل من الطائفتين؛ وذلك في بعض أمهات مسائل هذا الباب.
وقيل ذلك أذكر نفسي وإياك بما سبق من الحديث عن أركان القدر أو مراتبه الأربع، التي لا يعد المرء بالقدر حقًا؛ إلا إذا حقق الأمان بها جميعًا وهي:
1- علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها.
2- كتابته لها بعد علمه بها.
3- مشيئته وإرادته لها أنها لا تقع إلا بمشيئته وإرادته.
4- خلقه لجميع الأعمال وتكوينه وإيجاده لها، وأن كل ما سواه مخلوق.
فأما العلم والكتابة؛ فلم ينازع فيهما إلا غلاة القدرية، الذين ذكرنا أنهم كانوا يقولون بنفي العلم، وأشرنا إلى انقراض هذا الصنف1.
وأما القدرية الذين جاءوا بعدهم، وهم المعتزلة، فلم ينازعوا في العلم والكتابة، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: فغلاتهم أنكروا العلم والكتابة، ومقتصدتهم، أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته وهؤلاء هم--------------------------------------------
1 انظر ص 371.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
المعتزلة ومن وافقهم1.
ويقول الخياط -وهو من مصنفي المعتزلة- عن إثبات المعتزلة لعلم الله بأفعال العباد: "إن المعتزلة لم ينكروا العلم الأزلي؛ فالله تعالى عندهم لم يزل عالمًا بكل ما يكون من أفعال خلقه، ولا تخفى عليه خافية، ولم يزل عالمًا من يؤمن ومن يكفر ومن يعصى"2.
وإنما حصل النزاع والتفرق والاختلاف والضلال، في مرتبتي، خلق أفعال العباد، وكونها تقع بمشيئته وإرادته، وفي ما تفرع عنهما، وتعلق بهما من مسائل.
ولذلك سوف أقصر حديثي عن وسطية أهل السنة في هذا الباب، على هاتين المرتبتين لأهميتهما.--------------------------------------------
1 انظر: التدمرية ص208، "بتحقيق محمد بن عوده السعوي، ط. الأولى 1405 هـ- 1985 م".
2 انظر: الانتصار ص118، "ط. دار الكتب المصرية 1344 هـ 1925 م"، اقتبسه عواد بن عبد الله المعتق في كتابه المعتزلة وأصولهم الخمسة ص170، "ط. الأولى 1409، نشر: دار العاصمة".
ولم أقف على هذا النص في طبعة الانتصار التي بين يدي بتحقيق ألبير نصر نادر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
أولًا: وسطيتهم في خلق أفعال العباد
هذه المسألة من أهم وأخطر مسائل القدر، ولقد زلت فيها أقدام، وحارت عقول وأفهام؛ فقد اختلف الناس هل الأفعال والأعمال الصادرة عن العباد مخلوقة لله عز وجل مقدورة له، أم لا؟ وافترقوا في ذلك إلى طرفين وواسطة:
الطرف الأول "الجبرية":
سموا بذلك نسبة إلى الجبر لقولهم به في باب القدر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
والجبر هو: إسناد فعل العبد إلى الله1. وعرفه الشهرستاني بأنه: نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى2.
والجبرية صفنان:
- جبرية متوسطة.
- وجبرية خالصة.
فأما الجبرية الخالصة: فلا تثبت للعبد قدرة على الفعل أصلًا3، وهؤلاء هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي كان يقول: "إنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله -سبحانه"4.
ويرى جهم: "أن الإنسان لا يقدر على شيء. ولا يوصف بالاستطاعة؛ وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار؛ وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات"5، وعنده أن الفاعل حقًا هو الله، ومن سواه ليس بفاعل على الحقيقة6.
فهذا قول الجبرية الخالصة، وهو صريح في نفي قدرة العبد على فعله وأن الفاعل هو الله وحده.--------------------------------------------
1 علي بن محمد الجرجاني، التعريفات ص 74، "ط الأولى 1403، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت".
2 انظر: الملل والنحل 1/ 85.
3 نفس المصدر 1/ 85.
4 انظر: الأشعري، المقالات 1/ 338.
5 انظر: الشهرستاني، الملل والنحل 1/ 87.
6 انظر: ابن القيم، شفاء العليل 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
وأما الجبرية المتوسطة: فهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة1. وبعد الجرجاني، والإيجي: الأشعرية من هذا الصنف في قولهما: "الجبرية اثنتان: متوسطة تثبت لعبد كسبًا كالأشعرية، وخالصة لا تثبته كالجهمية"2.
وإذا رجعنا لمصادر الأشاعرة لتبين حقيقة قولهم في أفعال العباد، نجد أنهم يقولون:
1- إن أفعال العبد مخلوقة لله عز وجل.
2- إنها مع كونها خلق الله فهي كسب للعبد. وله عليها قدرة غير مؤثرة.
يقول البغدادي: "واختلفوا في أكساب العباد وأعمال الحيوانات على ثلاثة مذاهب:
أحدها: قول أهل السنة إن الله عز وجل خالقها، كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروايح، لا خالق غيره؛ وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم"3.
ويشرح الجويني معنى كون العبد مكتسبًا لفعله فيقول: "العبد غير مجبر على أفعاله؛ بل هو قادر عليها مكتسب لها، والدليل على إثبات القدرة للعبد أن العاقل يفرق بين أن ترتعد يده، وبين أن يحركها قصدًا.
ومعنى كونه مكتسبًا أنه قادر على فعله، وإن لم تكن قدرته مؤثرة في إيقاع المقدور"4.--------------------------------------------
1 انظر: الشهرستاني، الملل والنحل 1/ 85.
2 انظر: التعريفات ص74، والمواقف 428.
3 انظر: أصول الدين ص134، "ط. مصورة عن طبعة إستانبول 1346 هـ - 1928 م".
4 انظر: لمع الأدلة ص107، "بتحقيق د. فوقيه حسين محمود، ط. الأولى 1385 هـ - 1965 م، نشر: المؤسسة المصرية العامة للتأليف - مصر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
والبيجوري يقول في تعريف الكسب: وقد عرفوا الكسب بتعريفين:
الأول: أنه ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به.
الثاني: أنه ما يقع به المقدور في محل قدرته1.
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنهم فسروا الكسب بأنه ما يحصل في محل القدرة المحدثة مقرونًا بها، ثم عقب على ذلك بقوله: "وأكثر الناس طعنوا في هذا الكلام"2.
وعلى ضوء تفسير الأشاعرة للكسب، وأنه قدرة غير مؤثرة في وقوع الفعل ولكنها مصاحبة له، تبرز الصلة بين قولهم وقول الجبرية:
فالجبرية -الجهم وأصحابه- عندهم أنه ليس للعبد قدرة البتة.
والأشاعرة يقولون: ليس للعبد قدرة مؤثرة.
والقدرة غير المؤثرة كعدمها.
ومن هنا قال بعض أهل العلم: إن الأشاعرة وافقوا جهمًا وأصحابه في المعنى.
وذلك كقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الأشعرية وبضع المثبتين للقدر وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًا أتوا بما لا يقعل. وبالغوا في مخالفة المعتزلة في مسائل القدر حتى نسبوا إلى الجبر"3.--------------------------------------------
1 انظر: تحفة المريد ص 104، "ط. الأولى 1403 هـ - 21983 م، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت".
2 انظر: منهاج السنة 1/ 459.
3 انظر: منهاج السنة 1/ 463- 464.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)