هؤلاء، ولهذا سموا: أصحاب الحديث، وسموا بأهل السنة والجماعة"1.
إذن إتباع ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هو الضابط لاستحقاق لقب "أهل السنة" والفوز بالنجاة. وهذا ضابط مهم لمعرفة أهل السنة من غيرهم؛ فهل التزم الأشاعرة بذلك وحققوا الإتباع كما ادعوا؟ أم أنهم قدموا على السنة غيرها، وحكموا فيها العقل، وصرفوها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكرات التأويلات؟
ذلك ما سيتضح لنا فيما بعد إن شاء الله.
وقبل ذلك علينا أن نعرف ما هو الطريقة لمعرفة السنة، وبأي شيء تدرك؟--------------------------------------------
1 التبصير في الدين ص 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
رابعًا: طريق معرفة السنة وإدراكها
إذا كانت السنة هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنقل لا غير. بالنقل الصحيح نعرف ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل للعقل إلى ذلك البتة.
وبالاتباع لما جاء به النقل من ذلك تدرك السنة.
يقول إمام أهل السنةمن غير منازع الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه "ت 241 هـ": "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والأهواء؛ إنما هي الإتباع، وترك الهوى"1.
ويقول الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين "324- 399 هـ": "أعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، أنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول،--------------------------------------------
1 اللالكائي، شرح أصول أهل السنة 1/ 156- 158، وابن الجوزي مناقب الإمام أحمد 1/ 1- 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وإنما هي في الإتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة"1.
ويقول الإمام أبو نصر السجزي2 "ت 444 هـ": "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل"3.
وقال: "فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ"4.
وقال أبو المظفر السمعاني "489 هـ": "فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك"5.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يقول في هذا الصدد: "إن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها، هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات؛ وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول،--------------------------------------------
1 أصول السنة 1/ 20، "بتحقيق محمد إبراهيم هارون"، على الآلة الكاتبة رسالة ماجستير.
2 هو: عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي: له كتاب الإبانة في الرد على الزائغين، وكتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، توفي سنة 444 هـ. وقد قدمت عنه دراسة موسعة في مقدمة تحقيق كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، الذي نلت به درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية، ونشره المجلس العلمي بها. راجع ص 18- 46.
وانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء 17/ 654- 657، وتذكرة الحفاظ 3/ 1118- 1120.
3 الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص 99، "ط. الأولى، 1413 هـ".
4 الرد على من أنكر الحرف والصوت ص 111.
5 الانتصار لأهل الحديث، ضمن كتاب: صون المنطق للسيوطي ص 165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة"1.
هذا كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة يبين في جلاء أن السنة لا سبيل لمعرفتها وإدراكها إلا بالنقل الثابت الصحيح، والاتباع المحض لما ثبت منها.
فما هو موقف الأشاعرة، من النقل؟ الذي هو السبيل الوحيد. لمعرفة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ذلك ما سنقف عليه في الفقرة التالية.--------------------------------------------
1 الوصية الكبرى، "بتحقيق أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود، ط. الأولى 1407 هـ، نشر: مكتبة ابن الجوزي -الإحساء" ص 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
خامسًا: موقف الأشاعرة من النقل عمومًا والسنة خصوصًا
إذا تأملنا كتب القوم، تجدهم يجعلون العقل هو الأساس، والنقل تبعًا له، ولا يخلوا النقل مع العقل من إحدى الحالات الآتية:
1- إما أن يكون النقل قطعي الثبوت كالمتواتر مثلًا، موافقًا للعقل؛ فهذا يقبلونه، لموافقته مقتضى العقل وكونه موجبًا للعمل.
2- وإما أن يكون قطعيًا، مخالفًا للعقل. وله حالتان:
1- أن يمكن تأويله بما يوافق العقل فيجب تأويله، ويقبل النقل ويؤول.
2- أن لا يمكن تأويله، وهذا يرد لمخالفته العقل، والعقل مقدم على النقل عندهم.
3- وإما أن يكون النقل ليس بقطعي -عندهم- كخبر الآحاد وله ثلاث حالات:
1- أن يكون موافقًا لمقتضى العقل: فهذا يقبل لموافقته العقل لا لذاته.
2- أن يكون مخالفًا لمقتضى العقل، لكن يمكن تأويله بما يوافق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
مقتضى العقل؛ فهذا يشتغل بتأويله على سبيل التبرع، وإلا فليسوا ملزمين بتأويله؛ لأنه ليس يجب تأويل إلا ما كان موجبًا للعلم وهو المتواتر، أما الآحاد فليس كذلك.
3- أن يكون مخالفًا لمقتضى العقل ولا يمكن تأويله؛ فهذا حكمه الرد لعدم إيجابه للعلم أصلًا، وعدم إمكان تأويله.
هذه خلاصة موقف القوم من النقل، وإليك كلامهم من كتبهم في بيان موقفهم من النقل، مراعيًا الترتيب الزمني لنقف على تطور موقفهم:
1- كلام ابن فورك "ت 406 هـ":
قال: "وأما ما كان من نوع الآحاد، مما صحت الحجة به، من طريق وثاقة النقلة، وعدالة الرواة، واتصال نقلهم؛ فإن ذلك -وإن لم يوجب العلم والقطع فإنه- يقتضي غالب الظن وتجويز حكم"1.
2 كلام البغدادي "ت 429 هـ":
قال: "والأخبار عندنا ثلاثة أقسام: متواتر، وآحاد، ومتوسط، بينهما مستفيض جار مجرى التواتر في بعض أحكامه.
فالمتوتر: هو الذي يستحيل التواطؤ على وضعه وهو موجب للعلم الضروري بصحة مخبره.
وأخبار الآحاد: متى صح إسنادها، وكانت متونها غير مستحيلة، وفي العقل، كانت موجبة للعمل بها دون العلم، وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم، يلزم الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة"2.--------------------------------------------
1 مشكل الحديث وبيانه ص 5، وانظر أيضًا: ص 269.
2 أصول الدين ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وقال في شروط قبول خبر الآحاد: "والشرط الثالث: أن يكون متن الخبر مما يجوز في العقل كونه.
فإن روى الراوي ما يحيله العقل، ولم يحتمل تأويلًا صحيحا فخبره مردود.
وإن كان ما رواه الراوي الثقة يروع1 ظاهره في العقول؛ ولكنه يحتمل تأويلًا يوافق قضايا العقول قبلنا روايته وتأولناه على موافقة العقول"2.
3- كلام الجويني "478 هـ":
قال في باب القول في "السمعيات": "اعلموا -وفقكم الله تعالى- أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلًا، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعًا، وإلى ما يدرك سمعًا، ولا يتقدر إدراكه عقلًا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعًا وعقلًا؛
فإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر يما تعلقت به الأدلة السمعية؛
فإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله، فلا وجه إلا القطع به. وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلًا في العقل، وثبتت أصولها قطعًا، ولكن طريق التأويل يجول فيها؛ فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعًا.--------------------------------------------
1 يروع؛ أي: يفزع. انظر: لسان العرب 8/ 135.
2 أصول الدين ص 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفًا العقل؛ فهو مردود قطعًا بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع"1.
فبين رحمه الله ما يقبل من النقل والسمع وما يرد، وما يتأول، وبين في كتاب "لمع الأدلة" أن النقل يقبل إذا كان مضمونه مما يجوز في العقل فقال: "كل ما جوزه العقل، وورد به الشرع، وجب القضاء بثبوته"2.
كما أوضح في "الشامل" أنه لا يتحتم عليهم تأويل كل حديث ورد مخالفًا للعقل؛ وإنما يجب عليهم تأويل الأحاديث التي توجب العلم وهي المتواترة، بخلاف الآحاد.
قال: "وليس يتحتم علينا أن نتأول كل حديث مختلف، كيف وقد بينا أن ما يصح في الصحاح من الآحاد لا يلزم تأويله، إلا أن نخوض فيه مسامحين، فإنه إنما يجب تأويل ما لو كان نصًا لأوجب العلم"3.
4- كلام الغزالي "ت 505 هـ":
قال بعد أن قسم ما لا يعلم بالضرورة إلى: ما يعلم بدليل العقل دون الشرع. وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يعلم بهما.
ثم كلما ورد السبمع به ينظر: فإن كان العقل مجوزًا له، وجب التصديق به قطعًا، وإن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها ومستندها لا يتطرق إليها احتمال.
وأما ما قضى العقل باستحالته، فيجب تأويل ما ورد السمع به، ولا--------------------------------------------
1 الإرشاد إلى قواطع الأ دلة في أصول الاعتقاد ص 358- 360، "بتحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم، ط. 1369 هـ. مطبعة السعادة، نشر: مكتبة الخانجي".
2 ص 112.
3 1/ 561.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.
وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع؛ بل هو قابل للتأويل.
فإن توقف العقل في شيء من ذلك فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز، وجب التصديق أيضًا لأدلة السمع؛ فيكفي في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، وليس يشترط اشتماله على القضاء بالجواز1.
ثم بين أن هذا القسم غير جائز اعتقاد ما جاء به في حق الله تعالى لتوقف العقل فيه؛ وإنما يجوز في حق الله ما دل العقل على جوازه؛ فقال: "وبين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا يدرك الفرق بين قول القائل: أعلم أن الأمر جائز، وبين قوله: لا أدري أنه محال أم جائز، وبينهما ما بين السماء والأرض؛ إذ الأول جائز على الله تعالى، والثاني غير جائز، فإن الأول: معرفة بالجواز.
والثاني: عدم معرفة بالإحالة، ووجب التصديق جائز في القسمين جميعًا"2.
5- كلام فخر الدين الرازي "ت 606 هـ":
وضع الرازي ما يسمى بالقانون الكلي، الذي يرجع إليه عند تعارض العقل والنقل -بزعمهم، وإلا فإن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح- فقال في كتابه الموسوم بأساس التقديس: "الفصل الثاني والثلاثون: في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟.
اعلم أن الدلائل القطعية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية--------------------------------------------
1 الاقتصاد في الاعتقاد ص 132- 133.
2 نفس المصدر ص 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
يشعر ظاهرها بخلاف ذلك؛ فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
1- إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل. فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.
2- وإما أن يبطل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
3- وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته. وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهور المعجزات على محمد، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية، صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل، يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وأنه باطل.
ولما بطلت الأقسام الأربعة1 لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال:
1- إنها غير صحيحة.
2 أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا به على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى؛ فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جمع المتشابهات2.
وقال أيضًا في شروط إفادة الدليل اللفظي اليقين:--------------------------------------------
1 لم يتقدم إلا ذكر ثلاثة. والرابع هو ما ذكره بعد ذلك.
2 ص 172- 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
مسألة: الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة:
1- عصمة رواة مفردات الألفاظ.
2- وإعرابها.
3- وتصريفها.
4- وعدم الاشتراك.
5- والمجاز.
6- والنقل.
7- والتخصيص بالأشخاص والأزمنة.
8- وعدم الإضمار والتأخير والتقديم.
9- والنسخ.
10- وعدم المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه؛ إذ ترجيح النقل على العقل يقتضي القدح في العقل المستلزم للقدح في النقل؛ لافتقاره إليه، وإذا كان المنتج ظنيًا فما ظنك بالنتيجة؟ 1.
وبنحو هذا قال الإيجي "750 هـ" أيضًا2.
ومن الأشاعرة المعاصرين يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي: "ولكن الصحيح نفسه يرقى في درجات متفاوته، تبدأ من الظن القوي إلى الإدراك اليقيني؛ فإذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومها الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر بينهم فهو لا يعدو أن يكون خبرًا ظنيًا في حكم العقل.--------------------------------------------
1 محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص 51.
2 المواقف في علم الكلام ص 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
فأما الظني من الخبر الصحيح فلال يعتد به الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن -في مجال البحث في العقيدة- عن اتباع الظن"1.
وهكذا نرى الأشاعرة في ماضيهم، وحاضرهم، يقفون من النقل والمسع موقفًا ليس لهم سلف فيه إلا المعتزلة.
فقد جعلوا العقل أصلًا يرجع إليه، وجعلوا ما جاءت به الأنبياء تبعًا له؛ فما وافق عقولهم قبلوه، وما خالفها ردوه، أو تأولوه على مقتضى عقولهم.
فهل هذا الموقف الذي اتخذه الأشاعرة من النقل بصفة عامة، ومن السنة بصفة خاصة، يؤهلهم لأن يكونوا هم أهل السنة؟ كيف وقد عد أهل العلم بالسنة من أهم ما يميز أهل السنة من أهل البدعة تقديم النقل والأثر والاحتكام إليهما؛ كما يقول أبو المظفر السمعاني:
"وأعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو: مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الإتباع والمأثور تبعًا للمعقول.
وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الإتباع، والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول، لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء"2.
وعدوا من أهم علامات أهل السنة أنهم عند التنازع يدعون إلى التحاكم إليها دون آراء الرجال وعقولها؛ بينما أهل البدع يدعون إلى التحاكم إلى آراء الرجال ومعقولاتها3.--------------------------------------------
1 كبرى اليقينيات ص 35- 36.
2 الانتصار لأهل الحديث، ضمن صون المنطق للسوطي ص 182.
3 ابن القيم، مختصر الصواعق المرسلة 2/ 627.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وهؤلاء -الأشاعرة- يقضي قانونهم الكلي الذي وضعوه، بالرجوع عند الاختلاف إلى العقل كما تقدم. فما جوزه قبل، وما اعتبره مستحيلًا وجب تأويله إن كان قطعي الثبوت، وإن كان ظنيًا اشتغل بتأويله على سبيل التبرع، أورد لعدم حجيته.
وبذلك ردوا، وأولوا كثيرًا من نصوص الشرع، مما أفضى بهم إلى القول بقول الجهمية تارة، كما في مسألة الإيمان مثلًا، والقدر، ويقول المعتزلة تارة في نفي وتأويل بعض الصفات التي جاء بها السمع الصحيح.
ولا نشتغل بذكر ذلك هنا؛ إذ سنبين موضعهم عند الكلام على وسطية أهل السنة بين طرفي الإفراط والتفريط، في كل باب إن شاء الله تعالى.
وإنما اكتفى هنا بالإشارة إلى أن موافقتهم للمعتزلة في قضية العقل والنقل جرتهم غلى موافقتهم في كثير مما خالفوا فيه السلف من أهل السنة والحديث والأثر.
وبعد هذا العرض لموقف الأشاعرة من قضية النقل، وما ترتب عليه من مخالفة السلف، وموافقة أهل البدع.
يتبين لنا أن دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة دعوى عريضة لم يستطيعوا أن يدللوا عليها؛ فهم لم يلتزموا بها برروا به اعتبار أنفسهم أهل السنة والفرقة الناجية وهو زعمهم أنهم هم من بين فرق الأمة الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه1.
وأنهم يقبلون ما صح من سنته صلى الله عليه وسلم2.
فإنهم وإن قبلوا شيئًا من سنته صلى الله عليه وسلم، لم يقبلوه لكونه سنة يجب التسليم--------------------------------------------
1 تقدم ص 56، وانظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ص318.
2 تقدم ص 56، وانظر: البغدادي، الفرق بين الفرق ص26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
لها؛ وإنما قبلوه لكون العقل دل على ما جاءت به السنة، بدليل أنه إذا كان النص وإن صح معارضًا للعقل -في نظرهم- لم يقبل، فإما أن يرد أو يؤول كما تقدم.
ومن كان هذا حاله لا يكون من أهل السنة، وإن أصاب السنة كما جاء عن الإمام أحمد، إن صاحب الكلام لا يكون من أهل السنة وإن أصابها1.
لأنه لم يستمد من السنة أو يتلقي منها ويسلم لها؛ فمن تلقى من السنة واستمد منها فهو من أهلها وإن أخطأ -أي: في فهمها، ومن تلقى من غيرها؛ فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.--------------------------------------------
1 اللالكائي، شرح أصول أهل السنة 1/ 157.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
سادسًا: سلف الأشاعرة وموقف أهل السنة منهم
سلف الأشاعرة:
قبل أن أذكر مواقف أهل العلم من ادعاء الأشاعرة أنهم أهل السنة، أرى أن نتعرف على سلف الأشاعرة، وموقف علماء أهل السنة من السلف منهم.
تشير المصادر التي بين أيدينا بما فيها كتب الأشاعرة أنهم -إلى أن سلفهم في مقالتهم هو عبد الله بن سعيد بن كلاب1، وأبو العباس القلانسي2، والحارث المحاسبي3.--------------------------------------------
1 وهو: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم. وكلاب مثل خطاف وزنا ومعنى، لقب به لقوته في المناظرة؛ لأنه كان يجر الخصم إلى نفسه ببيانه وبلاغته، وأصحابه هم الكلابية، أدرك بعضهم أبو الحسن الأشعري، توفي بعد الأربعين ومائتين.
انظر ترجمته في: الفهرست لابن النديم 230، والسير للذهبي 11/ 174.
2 وهو: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي. انظر: ابن عساكر، تبيين كذب المفتري ص 398.
3 وهو: الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي من الزهاد المتكلمين على العبادة والزهد. وكان فقيهًا متكلمًا، توفي سنة 243 هـ.
انظر ترجمته في: الفهرست لابن النديم 236، وميزان الاعتدال للذهبي 1/ 430- 431، والكامل لابن الأثير 5/ 298.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
يقول الشهرستاني "479- 548 هـ" -بعد أن بين أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون صفات الله عز وجل من غير تفرقة بين الصفات الذاتية منها والصفات الفعلية: "حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، وبراهين أصوليه، وصنف بعضهم، ودرس بعض، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه1 مناظرة في مسائل من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية"2.
وكلام الشهرستاني يفيد صراحة؛ أن مذهب الأشعرية إنما تلتمس أصوله لدى جماعة من الصفاتية باشروا الكلام وأثبتوا الصفات من أمثال الكلابي، والقلانسي والمحاسبي3.
ويعتبر الأشاعرة ابن كلاب، إمام أهل السنة في عصره، ويعدونه شيخهم الأول فيقولون: "ذهب شيخنا الكلابي عبد الله بن سعيد إلى"4.
كما يذكرونه وكذا القلانسي في كتبهم مشيرين إلى أنهما من أصحابهم5.--------------------------------------------
1 وهو شيخه: أبو علي الجبائي.
2 الملل والنحل 1/ 93.
3 د. أحمد محمود صبحي. في علم الكلام ص 422.
4 الشهرستاني، نهاية الإقدام 303.
5 انظر: البغدادي، أصول الدين ص 87، 97، 234، والجويني الإرشاد ص 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
فهؤلاء هم سلف الأشعرية، وقد كانوا من جملة السلف، ثم باشروا علم الكلام، فجرهم ذلك إلى مخالفة السلف في بعض ما يقولون وموافقة المعتزلة في بعض أصولهم، وأشهر ما خالفوا فيه السلف ووافقوا فيه المعتزلة مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة: يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم: تنكر هذا، وهذا. فأثبت ابن كلاب: قيام الصفات اللازمة به، ونفي أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري1 وغيرهما"2.
فوافق السلف والأئمة من أهل السنة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال الاختيارية وما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ فكان في مسلكهم ميل إلى البدع ومخالفة للسنة ومقارفة للكلام مما جعل علماء السلف من أهل السنة يحذرون منهم.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة "164- 241 هـ" من أشدهم في ذلك؛ فقد هجر الحارث بن أسد المحاسبي لأجل ذلك. كما--------------------------------------------
1 أبو الحسن الأشعري رحمه الله ثبت رجوعه إلى مذهب السلف في ذلك على ما جاء في كتابي الإبانة، والمقالات.
2 درة تعارض العقل والنقل 2/ 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
يقول: أبو القاسم النصر أباذي1: "بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام فهجره أحمد بن حنبل فاختفى، فلما مات لم يصل عليه؛ إلا أربعة نفر"2.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر من ابن كلاب وأتباعه"3.
وقال: "والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون من هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون من أصحابه".
وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية4.
وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة "ت 311 هـ" لما قال له أبو علي الثقفي5: "ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟--------------------------------------------
1 وهو إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه الخراساني النصرآباذيِ، كان عالمًا بالحديث، وكان من شيوخ الصوفية في وقته، نزل مكة وتوفي بها سنة 367 هـ. انظر ترجمته: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 6/ 169، والسمعاني: الأنساب 5/ 492، والذهبي: سير أعلام النبلاء 16/ 263.
2 الذهبي: ميزان الاعتدال 1/ 430، وابن حجر: تهذيب التهذيب 2/ 153.
3 درء تعارض العقل والنقل 2/ 6.
4 الفتاوى 12/ 368.
5 وهو: محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن، أبو علي الثقفي، ذكر الحاكم أنه كان إمامًا في الفقه والكلام، والوعظ والورع، روى عنه أبو بكر ابن إسحاق "ابن خزيمة"، مات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
انظر: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى 3/ 192، "بتحقيق محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو، ط. الأولى 1383 هـ - 1964".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية؛ فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره"1.
وكان ابن خزيمة رحمه الله شيخ الإسلام وإمام الأئمة في زمنه، شديدًا على الكلابية، منابذًا لهم.
فإذا كان هذا موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من الكلابية الذين هم سلف الأشاعرة، مع موافقتهم لأهل السنة في أكثر أقوالهم كما يدل عليه قول أبي الحسن الأشعري: "فأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان؛ فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة"2.
وكان ابن كلاب والمحاسبي يثبتون لله صفة العلو، والاستواء على العرش، كما يثبتون الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرهما3.
فكيف بمتأخري الأشاعرة الذين يؤولون ذلك كله، ويوافقون المعتزلة والجهمية في كثير من أقوالهم، مخالفين بذلك أئمة السلف من أهل السنة بل مخالفين سلفهم ابن كلاب وأصحابه.
فما هو موقف علماء أهل السنة منهم؟ وهل أقروهم على دعواهم أنهم أهل السنة؟ ذلك ما سنقف عليه في الصفحات التالية:--------------------------------------------
1 الذهبي، سير أعلام النبلاء، ترجمة ابن خزيمة 14/ 380.
2 مقالات الإسلاميين 1/ 350.
3 انظر: ابن تيمية، درء التعارض 3/ 380- 381، 5/ 248، 6/ 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
سابعا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة
القول الأول
…
سابعًا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة
بتتبع كلام أهل العلم من علماء أهل السنة نجد أقوالهم في ذلك متفاوتة ما بين متشدد، دعاه لذلك ما وقف عليه من مخالفة القوم للسنة، وموافقتهم للجهمية والمعتزلة في بعض أقوالهم؛ فبدعهم وحذر منهم ولم ير استحقاقهم للقب "أهل السنة" الذي يدعونه.
وبين متساهل يعدهم من أهل السنة، لما رأى من موافقتهم للسنة في بعض المسائل.
وبين هؤلاء وهؤلاء حاول بعض من أهل العلم التدقيق في المسألة والقول فيها بشيء من التفصيل.
وفرق بعض أهل العلم بين متقدميهم ومتأخريهم؛ فعد المتقدمين منهم أقرب إلى أهل الحديث والسنة، المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة.
وإليك تفصيل أقوالهم مرتبة حسب التصنيف ألذي ألمحنا إليه:
القول الأول:
قول بعض أهل العلم: أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة وإنما هم أهل كلام، عدادهم في أهل البدعة.
وممن ذهب إلى ذلك: الإمام أبو نصر السجزي1 "ت 444 هـ"؛ حيث يرى أنهم محدثة وليسوا أهل السنة؛ فيقول في فصل عقده لبيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟
"فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ، وأنه لا يستحق أن يصغي إليه أو ينظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي، وقال الجبائي.--------------------------------------------
1 تقدمت له ترجمة ص 62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)