المبحث الثاني: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل القرآن:
ثمة فرق بين الأحاديث المشكلة في التفسير، ومشكل القرآن، وثمة تداخل بين الاثنين، فمن أوجه التداخل:
1 - أنَّ الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع القرآن تدخل في مشكل القرآن ومشكل الحديث، فكل آية أوهمت معارضة صحيح السُّنة فهي مشكلة، وكل حديث أوهم معارضة القرآن فهو مشكل، وكلاهما يُوهِمُ معارضة الآخر.
2 - أنَّ الإشكال قد يَرِدُ على الآية والحديث الوارد في تفسيرها معاً، بمعنى أنَّ الآية قد يُوهِمُ ظاهرها معنى مشكلاً، ويأتي حديثٌ يؤكد هذا المعنى المشكل في الآية (1)، فيكون هذا المعنى المشكل صادراً من الآية والحديث معاً، وبهذا يكون الإشكال قد تجاذبه طرفان هما: الآية والحديث، ويكون داخلاً في مصطلح مشكل القرآن ومشكل الحديث.
ومن أوجه الاختلاف بينهما:
1 - أنَّ الإشكال قد يكون متعلقاً بالحديث الوارد في تفسير الآية دون الآية ذاتها، فيكون داخلاً في مشكل الحديث دون مشكل القرآن.
2 - أن مصطلح «مشكل القرآن» خاص بالقرآن وآياته، وما يطرأ عليهما من إشكال، بخلاف الأحاديث المشكلة في التفسير فإن الإشكال ربما طرأ على الحديث ذاته لإيهامه معنىً مشكلاً على النحو الذي ذكرته في تعريف المشكل. (2)--------------------------------------------
(1) للأمثلة على هذا النوع: ينظر مسألة: هل وقع الشرك من آدم وحواء عليهما السلام، ص (594).
(2) انظر: ص (18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
المبحث الثالث: الفرق بين الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم، ومشكل الحديث:
تُعد الأحاديث المشكلة في التفسير نوعاً من أنواع مشكل الحديث؛ ولو رجعنا إلى التعريف العام لمشكل الحديث لوجدناه مشتملاً على عدة أنواع من مشكل الحديث، ومن تلك الأنواع أحاديث التفسير المشكلة، ومن أظهر ما تتميز به الأحاديث المشكلة في التفسير عن سائر أنواع مشكل الحديث:
1 - أنَّ ظاهرها يُوهِمُ معارضة آية قرآنية.
2 - أنها ترد في تفسير آيات القرآن الكريم، ولا تخرج عنها.
وخلاصة الفرق بينهما: أن مشكل الحديث عام والأحاديث المشكلة في التفسير جزء منه.
****
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
الفصل الرابع: عناية العلماء بالأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
سبق وأنْ أشرت في مقدمة هذا البحث أنَّ الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم لم تُفرد بالتصنيف على حدة، وقد تطرق جمع من العلماء لتحقيقها ودفع الإشكال عنها في كتبٍ متفرقة، وفنون مختلفة، وتميز هذا البحث بجمع هذه الأحاديث، وجمع أقوال العلماء فيها، مع زيادة تحقيق ودراسة، وقد عمِلْتُ على إحصاء تلك الأحاديث في أمهات تلك الكتب، وصنفتها حسب الفنون الآتية:
كُتُب التفسير وعلوم القرآن، وكُتُب مشكل الحديث، وكُتُب الحديث وشروحه، وكُتُبٍ أخرى متفرقة، وجعلت هذه الأقسام الأربعة في مباحث، وجعلت في كل مبحث جدولاً يُبين عدد الأحاديث المشكلة الواردة في كل كتاب:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
المبحث الأول: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «التفسير وعلوم القرآن»:
عنوان الكتاب ومؤلفه … عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب
روح المعاني، للآلوسي … 33
تفسير القرطبي … 26
تفسير الحافظ ابن كثير … 23
المحرر الوجيز، لابن عطية … 22
مفاتيح الغيب، للرازي … 19
فتح القدير، للشوكاني … 16
أضواء البيان، للشنقيطي … 16
محاسن التأويل، للقاسمي … 14
زاد المسير، لابن الجوزي … 12
تفسير البحر المحيط، لأبي حيان … 12
التحرير والتنوير، للطاهر ابن عاشور … 12
الكشاف، للزمخشري … 10
أحكام القرآن، لابن العربي … 10
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي … 9
النحاس في: الناسخ والمنسوخ في أربعة مواضع، وإعراب القرآن في ثلاثة مواضع، ومعاني القرآن في موضعين … 9
تفاسير ابن عثيمين … 7
تفسير أبي السعود … 7
أحكام القرآن للجصاص … 7
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
تفسير الطبري … 6
تفسير البيضاوي … 6
تفسير البغوي … 6
السيوطي في: معترك الأقران في خمسة مواضع، والإتقان في موضع واحد … 6
الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي … 5
اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل الحنبلي … 4
لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن … 4
تفسير الثعالبي … 4
تيسير الكريم الرحمن، للسعدي … 3
الكشف والبيان، للثعلبي … 2
حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي … 2
تفسير النسفي … 2
تفسير السمعاني … 2
البرهان في علوم القرآن، للزركشي … 2
الانتصار للقرآن، للباقلاني … 2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
المبحث الثاني: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «مشكل الحديث»:
عنوان الكتاب ومؤلفه … عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب
مشكل الآثار، للطحاوي … 15
تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة … 8
اختلاف الحديث، للشافعي … 2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
المبحث الثالث: أحاديث التفسير المشكلة في كتب «الحديث وشروحه»:
عنوان الكتاب ومؤلفه … عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب
فتح الباري، لابن حجر … 36
القاضي عياض في: إكمال المعلم في أربعة وعشرين موضعاً، والشفا في سبعة مواضع … 31
شرح صحيح مسلم، للنووي … 29
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي … 28
عمدة القاري، للعيني … 28
ابن القيم في: زاد المعاد في ستة مواضع، وحاشيته على مختصر سنن أبي داود في أربعة مواضع، وفي أخرى متفرقة ثماني عشرة موضعاً … 28
فيض القدير، للمناوي … 21
شيخ الإسلام ابن تيمية في: مجموع الفتاوى في أربعة عشر موضعاً، ومنهاج السنة في موضعين، وتفسير آيات أشكلت في موضع واحد، وبغية المرتاد في موضع واحد، والفرقان في موضع واحد، والجواب الصحيح في موضع واحد، وجامع الرسائل في موضع واحد … 21
ابن حزم في: المحلى في ثمانية مواضع، والإحكام في ثلاثة مواضع، والفصل في تسعة مواضع … 20
مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري … 16
كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي … 12
السيوطي في عدة كتب … 12
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
ابن رجب في: جامع العلوم والحكم في ثلاثة مواضع، والمحجة في موضع واحد، وفتح الباري في خمسة مواضع، وأهوال القبور في موضعين، والتخويف من النار في موضع واحد … 12
الألباني في عدة كتب … 11
التمهيد، لابن عبد البر … 10
تحفة الأحوذي، للمباركفوري … 10
البيهقي في عدة كتب … 10
أعلام الحديث، للخطابي … 9
عون المعبود، للآبادي … 8
شرح الطيبي على مشكاة المصابيح … 8
طرح التثريب، للعراقي … 7
شرح الزرقاني على موطأ مالك … 7
شرح السنة، للبغوي … 7
شرح سنن ابن ماجه، للسندي … 6
معالم السنن، للخطابي … 6
شرح البخاري، لابن بطال … 6
المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد … 5
الروض الأنف، للسهيلي … 5
الآداب الشرعية، لابن مفلح … 5
نيل الأوطار، للشوكاني … 5
صحيح ابن حبان … 4
إكمال إكمال المعلم، للأبي … 4
ابن الوزير اليماني في: العواصم والقواصم في موضعين، وإيثار الحق في موضعين … 4
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
المنهاج، للحليمي … 3
المعلم بفوائد مسلم، للمازري … 3
سبل السلام، للصنعاني … 3
شرح النسائي للسندي … 3
الزواجر عن اقتراف الكبائر، للهيتمي … 2
التاريخ الكبير، للبخاري … 2
الأنوار الكاشفة، للمعلمي … 2
الأم، للشافعي … 2
تهذيب الآثار، للطحاوي … 2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
المبحث الرابع: أحاديث التفسير المشكلة في كتبٍ أخرى متفرقة:
عنوان الكتاب ومؤلفه … عدد أحاديث التفسير المشكلة في الكتاب
ابن عثيمين في: مجموع الفتاوى في ثلاثة مواضع، والشرح الممتع في ثلاثة مواضع، والقول المفيد في موضعين، وشرح الواسطية في موضع واحد … 9
التذكرة في أحوال الموتى والآخرة، للقرطبي … 6
البداية والنهاية، لابن كثير … 5
شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي … 4
لوامع الأنوار البهية، للسفاريني … 3
فتاوى ابن باز … 3
المغني، لابن قدامة … 2
****
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
القسم الثاني
دراسة تطبيقية للأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
الفصل الأول
الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع القرآن الكريم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
المسألة [1]: في حكم المفاضلة بين الأنبياء عليهم السلام.
المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [البقرة: 253].
وقال تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: 55].
وقال تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)) [القلم: 48].
المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات:
(1) ـ (1): عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ". (1)
(2) ـ ( .. ): وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ". (2)
(3) ـ (2): وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، حديث (3233)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2373).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الخصومات، حديث (2281)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2374).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". (1)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث:
ظاهر الآيات الكريمة جواز التفضيل بين الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأما الأحاديث ففيها النهي عن ذلك، وهذا يُوهِم خلاف الآيات. (2)
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث (3):
أجمع العلماء على أنَّ الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وأجمعوا على تفضيل الرسل منهم على الأنبياء؛ لتميزهم بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، وأجمعوا على تفضيل أولي العزم منهم على بقيتهم، وعلى تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على الجميع. (4)
وأما أحاديث النهي عن التفضيل بين الأنبياء فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينها وبين الآيات مسلكين:
الأول: مسلك الجمع:
وإليه صار الجمهور من العلماء، لكن اختلفوا في الجمع على مذاهب:
الأول: أنَّ النهي - في الأحاديث - محمولٌ على ما إذا كان التفضيل--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، حديث (3231).
(2) انظر حكاية التعارض في الكتب الآتية: مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 57)، وتفسير ابن كثير
(3/ 50)، وفتح القدير، للشوكاني (1/ 407).
(3) انظر: أحاديث العقيدة، للدبيخي (2/ 561).
(4) انظر: لوامع الأنوار البهية، للسفاريني (1/ 49 - 50)، ومفاتيح الغيب، للرازي (6/ 165)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص (8)، ومجموع الفتاوى (14/ 432)، كلاهما، لابن تيمية، وتفسير ابن كثير (3/ 50)، واللباب في علوم الكتاب، لابن عادل (4/ 298)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (3/ 26).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
يؤدي إلى توهم النقص في المفضول، أو الغَضِّ منه، أو كان على وجه الإزراء به، وليس المراد النهي عن اعتقاد التفاضل بينهم في الدرجات؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه فاضل بينهم.
وهذا مذهب: الخطابي، والبغوي، والحليمي (1)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن أبي العز الحنفي (2)، وحافظ حكمي. (3)
قال المازري - فيما نقله عن بعض شيوخه-: "وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصاري وجه اليهودي، فقد يكون عليه الصلاة والسلام خاف أنْ يُفهم من هذه الفِعْلَة انتقاصُ حق موسى عليه السلام؛ فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق". اهـ (4)
وقال البغوي: "وليس معنى النهي عن التخيير أنْ يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم؛ فإنَّ الله عز وجل قد أخبرنا أنه فضل بعضهم على بعض، فقال الله سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) بل معناه ترك التخيير على وجه الإزراء ببعضهم، والإخلال بالواجب من حقوقهم؛ فإنه يكون سبباً لفساد الاعتقاد في بعضهم، وذلك كفر". اهـ (5)
المذهب الثاني: أنَّ النهي محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع.
حكى هذا المذهب: النووي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر. (6)
ويؤيد هذا المذهب: سبب ورود الحديث؛ فعن أبي هريرة، وأبي--------------------------------------------
(1) هو: الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني، أبو عبد الله: فقيه شافعي، قاض. كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر. مولده بجرجان ووفاته في بخارى. له (المنهاج في شعب الإيمان)، قال الأسنوي: جمع فيه أحكاماً كثيرة، ومعاني غريبة لم أظفر بكثير منها في غيره. توفي سنة (403هـ). انظر: الرسالة المستطرفة، للكتاني، ص (58)، والأعلام، للزركلي (2/ 235).
(2) هو: علي بن علي بن محمد بن أبي العز، الحنفي الدمشقي: فقيه. كان قاضي القضاة بدمشق، ثم بالديار المصرية، ثم بدمشق. له كتب، منها (التنبيه على مشكلات الهداية) و (شرح العقيدة الطحاوية)، وغيرها. (ت: 792هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (4/ 313).
(3) انظر على الترتيب: معالم السنن، للخطابي (4/ 286)، وشرح السنة، للبغوي (7/ 11)، والمنهاج في شعب الإيمان، للحليمي (2/ 117 - 118)، ومنهاج السنة (7/ 256)، ومجموع الفتاوى (14/ 436)، كلاهما لابن تيمية، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (1/ 159)، ومعارج القبول، لحافظ حكمي (3/ 1124).
(4) المعلم بفوائد مسلم، للمازري (3/ 134).
(5) شرح السنة، للبغوي (7/ 11).
(6) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (15/ 55)، وتفسير ابن كثير (1/ 311) وفتح الباري، لابن حجر (6/ 514، 521).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
سعيد، رضي الله عنهما، قالا - واللفظ لأبي هريرة -: "بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي. فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذَكَرَهُ. فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". (1)
قالوا: فالنهي إنما ورد إثر هذه الخصومة؛ فهو محمولٌ على مثل هذه الحالة.
المذهب الثالث: أنَّ النهي محمولٌ على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى، لا بمقتضى الدليل.
وهذا مذهب: الطحاوي، وابن كثير، والمناوي، والسندي، وابن عثيمين، وهو الظاهر من كلام الشوكاني. (2)
قال الطحاوي: "وَكَانَ هَذَا عَنَدْنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمْ وَعَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمْ بِآرَائِنَا وَبِمَا لَمْ يُوقِفْنَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، فَأَمَّا مَا بَيَّنَهُ لَنَا وَأَعْلَمَنَا فَقَدْ أَطْلَقَهُ لَنَا وَعَادَ مَا نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ إلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، وَلَمْ يُطْلِقْ لَنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِمَا قَدْ تَوَلَّاهُ اللَّهُ عز وجل وَمَنَعَنَا مِنْهُ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ". اهـ (3)
وقال الحافظ ابن كثير: "قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه في أول المسألة.
(2) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 57)، وتفسير ابن كثير (3/ 50)، وفيض القدير، للمناوي (3/ 42)، وشرح سنن ابن ماجة، للسندي (4/ 505)، وتفسير ابن عثيمين، البقرة
(3/ 239)، وفتح القدير، للشوكاني (1/ 407).
(3) مشكل الآثار، للطحاوي (1/ 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: 253] لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ"؛ فإنَّ المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التَّشهّي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دلَّ الدليل على شيء وجب اتباعه". اهـ (1)
المذهب الرابع: أنَّ نهيه صلى الله عليه وسلم إنما هو على سبيل التواضع منه؛ لأنه يعلم أنه أفضل الأنبياء، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلَا فَخْرَ". (2)
وهذا قول: ابن قتيبة، واختاره وجهاً آخر في الجمع: ابن كثير، والسيوطي. (3)
المذهب الخامس: أنَّ المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (3/ 50).
(2) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الزهد، حديث (4308)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ".
وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، كما في التقريب (2/ 43).
وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 660)، من حديث عبيد الله بن إسحاق العطار، حدثنا القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، حدثني أبي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر". قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي: "بأن عبيد الله ضعفه غير واحد، والقاسم متروك تالف".
والحديث صححه الألباني، في صحيح ابن ماجة (3/ 402)، حديث (4384)، وصحيح الترغيب والترهيب، حديث (3643). وأصله في الصحيحين لكن دون قوله: "ولا فخر".
فقد أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، حديث (4712)، ولفظه: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الفضائل، حديث (2278)، ولفظه: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ".
(3) انظر على الترتيب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة (1/ 116)، والبداية والنهاية، لابن كثير
(1/ 222، 291)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (3/ 26).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أُخر زائدة عليها؛ ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتُخِذَ خليلاً، ومنهم من كلم اللهُ، ورفع بعضهم درجات.
وهذا مذهب: أبي عبد الله القرطبي (1). (2)
المذهب السادس: أنَّ المراد بالنهي: المنع من تعيين المفضول؛ فلا يُفَضَّل أحدٌ من الرسل على آخر بعينه؛ لأنَّ في ذلك تنقيصٌ للمفضول وغضٌّ منه، وأما تفضيل بعضهم على بعض في الجملة فلا مانع منه.
وهذا مذهب: ابن عطية، وابن جزي، وأبي حيان، وابن عاشور. (3)
المذهب السابع: أنَّ الآيات فيها إخبار من الله تعالى بأنه فضَّل بعض أنبيائه على بعض، وأما السنة ففيها النهي لعباده أنْ يُفَضَّلوا بين أنبيائه، فيكون النّهي خاصاً بآحاد الناس، فليس لأحد أنْ يُفضِّل بين الأنبياء، وأما الله تعالى فله أنْ يُفاضل بين خلقه كما يشاء سبحانه.
وهذا المذهب: ذكره ابن كثير (4)، ويحتمل وجهاً آخر عند الشوكاني.
قال الشوكاني: "وعندي أنه لا تعارُض بين القرآن والسنة؛ فإنَّ القرآن دلَّ على أنَّ الله فضَّل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أنَّ نُفَضِّل بعضهم على بعض، فإنَّ المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله، لا تخفى عليه مِنَّا خافية، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلاً عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً وهذا مفضولاً، لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها؛ فإنَّ ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يَرِدْ إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أنْ يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة--------------------------------------------
(1) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي المالكي، أبو عبد الله القرطبي، صاحب التفسير المشهور "الجامع لأحكام القرآن"، وله كتاب "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"،
(ت: 671 هـ). انظر: طبقات المفسرين، للسيوطي، ص (79).
(2) انظر: تفسير القرطبي (3/ 263).
(3) انظر على الترتيب: المحرر الوجيز، لابن عطية (1/ 338)، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي (1/ 130)، وتفسير البحر المحيط، لأبي حيان (2/ 282)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (3/ 7).
(4) تفسير ابن كثير (1/ 311)، وانظر: معارج القبول، لحافظ حكمي (3/ 1124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
الصحيحة بالنهي عن ذلك، وإذا عرفتَ هذا علمتَ أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أنْ يفضلوا بين أنبيائه". اهـ (1)
المسلك الثاني: مسلك الترجيح:
حيث ذهب بعض العلماء إلى أنَّ النهي الوارد في الأحاديث كان قبل نزول الآيات، وقبل أنْ يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم، فلما نزل القرآن نسخ المنع من التفضيل.
وهذا المسلك قال به ابن حزم، والمازري، والسيوطي، (2)
وذكره عدد من العلماء. (3)
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، وأحسن ما يُجمع به: أنْ يُحمل النهي الوارد في الأحاديث على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى؛ فإنَّ ذلك هو المحذور؛ فلا يَحِلُّ لنا تفضيل نبيٍّ على غيره إلا بدليل.
كما أنه يتأكد المنع إذا كان التفضيل يؤدي إلى المخاصمة والمشاجرة، كما دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة وأبي سعيد المتقدمين (4)، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك حينما وقعت الخصومة.--------------------------------------------
(1) فتح القدير، للشوكاني (1/ 407).
(2) انظر على الترتيب: الدرة فيما يجب اعتقاده، لابن حزم، ص (224)، والمعلم بفوائد مسلم، للمازري (3/ 134)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (3/ 26).
(3) انظر: تفسير القرطبي (3/ 170)، وصحيح مسلم بشرح النووي (15/ 55)، وتفسير ابن كثير
(1/ 311)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 521)، وفتح القدير، للشوكاني (1/ 407).
(4) سبق تخريجهما في أول المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)