Arabic source text

📘 আল-মানহাজুত তাসীলী লিদিরাসাতিত তাফসিরিত তাহলীলী (আরাফাহ বিন তানতাওয়ী)

📘 المنهج التأصيلي لدراسة التفسير التحليلي (عرفة بن طنطاوي)

📘 আল-মানহাজুত তাসীলী লিদিরাসাতিত তাফসিরিত তাহলীলী (আরাফাহ বিন তানতাওয়ী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
كما طبع بمؤسسة الرسالة طبعته الأولى: عام 1420 هـ/ 2000 م، وهي بتحقيق آل شاكر، كما صدرت له طبعة قشيبة عن دار عالم الكتب، بالرياض، 1434 هـ، بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ثم توالت طباعته تباعًا تكرارًا ومرارًا لحاجة المسلمين إليه فسار في مشارق الأرض ومغاربها مسير الشمس والقمر، وقد قدر الله تعالى لتفسير الطبري الانتشار والشهرة وذياع الصيت بين أهل العلم وطلابه، حتى أصبح المرجع الأول والرئيس عند أهل التفسير بالمنقول والمعقول على حدٍ سواء؛ لما تميّز به تفسيره من صحة المنقول وسلامة المعقول، مصحوبا بسلامة الاستنباط وصحة الترجيح ونقده الصائب للآثار، مع سلامة المعتقد، والسير على نهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والإيمان، والقدر، ومسائل الصحابة، رضي الله عنهم، وغير ذلك.
وقد كان يعتبر مفقودًا من عهد قريب، حتى وجدت في حيازة الأمير حمود بن الأمير عبد الرشيد من أمراء نجد، نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن بعيد(1).

‌‌ثانيًا: منهجه في التفسير
ويعتبر تفسير الطبري أقدم التفاسير وأشهرها، فقد نَوَّه به العلماء قديمًا وحديثًا، لما اجتمع فيه من تفسير بأحسن طرق التفسير وحسن الاستنباط وسعة الثقافة والمقدرة على الترجيح، فهو أولى التفاسير بالاعتبار(2).
وقد حدّد الطبري في مقدمة تفسيره منهجه الذي اعتمده في تأويل آي القرآن، فجمع تفسيره بين الرواية والدراية.--------------------------------------------
(1) زهير جولد: المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن الكريم، تعريب على حسن عبد القادر دار العلوم 1944 م ج 1 ص 86.
(2) صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملايين بيروت ط 6 تشرين الأول 1969 م ص 298. بتصرف يسير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

ثم شرع بتفصيل منهجه في أصول التفسير مع ذكر الأدلة الشرعية واللغوية، وضرب الأمثلة العملية من القرآن الكريم والسنة وكلام العرب واللغة والشِّعر(1).
ولقد التزم الطبري أحسن طرق التفسير؛ من تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسُّنة المبينة للقرآن والثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يُتبع ذلك بما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم، وعن التابعين.
وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها، وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب(2).

‌‌منهجه في تناول التفسير بالأسلوب التحليلي
وتفسير الطبري ذو منهج خاص، يذكر فيه الآية أو الآيات من القرآن، ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أثرت عن الصحابة والتابعين في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك رواياتٍ أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوة في الآية كلِّها أو بعض أجزائها، بناءً على خلافٍ في القراءة، أو اختلافٍ في التأويل، ثم يعقب كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النهج عارضًا ثم ناقدًا ثم مرجحًا؛ وهو إذ ينقد أو يرجح، يرد النقد أو الترجيح إلى مقاييس تاريخية من حال رجال السند في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نزل فيها الكتاب، نصوصها وأقوال شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرَّر بين العلماء من أصول العقائد،--------------------------------------------
(1) محمد الزحيلي: الإمام الطبري: (ص: 120).
(2) التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور: (1/ 32 - 33).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

أو أصول الأحكام أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع فيها مادة لم تجتمع لكثير من غيره من كبار علماء عصره(1).
ولذا ترى الطبري يضع قواعد وأصول للتفسير والتأويل، ويحذِّر من تناول التفسير بالرأي المجرد، ويورد من الأدلة الدالة على تحريمه، وهذا هو منهجه الذي سلكه في تفسيره، كما سيأتي ذكر كلامه هذا بطوله حين الكلام عن منهجه في التفسير.
وقد أثار المنهج الذي اعتمده الطبري في تفسيره خلافًا بين العلماء في تصنيفه بين المفسرين بالمأثور أم بالمعقول، وحاول بعضهم التدليل على أنّ تفسير الطبري إنّما هو في الحقيقة جمع بين الاثنين، وأنه لا تناقض بينهما(2).

‌‌ثالثًا: زمن تأليفه
وكان الطبري يحدّث نفسه منذ صباه بكتابة هذا التفسير، وقد رُوي أنه كان يستخير الله تعالى قبل أن يشرع في كتابته بثلاثة أعوام(3) ثم ظل يمليه مدة سبع سنين من عام (283 هـ) وحتى عام (290 هـ)، ثمَّ قُرئ عليه سنة (306 هـ).

‌‌رابعًا: مقصده من تأليفه
ولقد أوضح الطبري أن مقصوده من تفسير القرآن الكريم هو تبيين الوجوه المحتملة للآيات(4)، واستقصاء هذه الوجوه فقال(5): "إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها".--------------------------------------------
(1) يُنظر: كلمة (الناشر) أ. محمد محمود الحلبي: الطبعة الثالثة، تفسير الطبري: (1/ 4).
(2) الدريني فتحي: دراسات و بحوث في الفكر الإسلامي المعاصر ج 1 ص 145.
(3) ياقوت الحموي: معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) جـ 6، صـ 2453،
(4) محمد بن جرير الطبري ومنهجه في تفسير القرآن الكريم وكتابة التاريخ، الدكتور عباس توفيق، صـ 62
(5) تفسير الطبري، تفسير سورة الفاتحة، الآية: 4

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

وذكر أن تأويل القرآن له ثلاثة أوجه، فقال(1):

‌‌إن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:
أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته، وهو ما فيه حاجة العباد إلى علم تأويله(2)، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله.
والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلا من قِبَلِهِم.
وكان منهجه في استقصاء الوجوه المحتملة للآيات يعتمد على التفسير بالمأثور بالأساس، ثم القراءات فاهتم بالقراءات القرآنية، وكان له اعتناء بعرض وجوه اللغة، فضلًا عن آرائه الفقهية واجتهاداته التي أودعها في التفسير(3).--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري جـ 1، فصل: الأخبار عمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه به، صـ 93، 92.
(2) هكذا وردت: "وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة"ـ وتم تعديلها لينتظم المعنى. الباحث.
(3) عبد الله بن عبد المحسن التركي: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 1، ص 50: 56، مقدمة التحقيق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

‌‌وكان منهجه في التفسير وفق الأصول التالية:
‌‌الأصل الأول: اعتماده على التفسير بالمأثور
وهو التفسير بالأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أقوال الصحابة أو التابعين في تفسير معاني الآيات؛ وقد كان يُنكر بشدة على من يفسر القرآن بمجرد الرأي فحسب، ولكنه يُرجِّح أو يصوب أو يوجِّه قولًا لدليل معتبر لديه.

‌‌الأصل الثاني: تحذيره من تفسير القرآن بالرأي المجرد
فيقول: "أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بنصبه الدلالة عليه؛ فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه -وإن أصاب الحق فيه- فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه؛ لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان. والقائل في دين الله بالظن، قائل على الله ما لم يعلم. وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فالقائل في تأويل كتاب الله، الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جعل الله إليه بيانه، قائل بما لا يعلم وإن وافق قيله ذلك في تأويله، ما أراد الله به من معناه؛ لأن القائل فيه بغير علم، قائل على الله ما لا علم له به"(1).

‌‌الأصل الثالث: عنايته بالأسانيد
يقف على الأسانيد، فقد اشتمل كتابه على عدد كبير من الأحاديث والآثار المسندة، منها الصحيح ومنها الضعيف، فتراه لا يقبل أي رواية إلا بعد تأمل، وقد أشار جلال الدين السيوطي في (الإتقان) إلى مواضع الأحاديث والآثار الضعيفة في التفسير(2).

‌‌الأصل الرابع: عنايته بالقراءات
كانت عناية الطبري بالقراءات بالغة الأهميّة عكست عمق اطّلاعه في هذا الفنّ من العلوم، ولا يخفى ما لاختلاف وجوه القراءات المشهورة من أثر في توجيه معاني آيات القرآن الكريم(3).--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري جـ 1، فصل: الأخبار في النهي عن تأويل القرآن بالرأي، ص 78، 79.
(2) لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير، الدكتور محمد لطفي الصباغ، ص 275
(3) الدريني فتحي: دراسات و بحوث في الفكر الإسلامي المعاصر ج 1 ص 219 - 220.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

‌‌وعنايته بالقراءات تعني الدقة والتحري لا التوسع والاستفاضة:
ومن ذلك بيان اعتذاره عن نفسه سبب عدم الاستفاضة في مناقشة قراءة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، التي قرأ بها عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بالألف مدًا {مَالِكِ} بألف فيقرؤونها هكذا: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، بينما قرأ الباقون من القراء العشرة بغير ألف قصرًا {مَلِكِ} بغير ألف: {مَلِكِ يوم الدين}.
ويجلي هذا المعنى فيقول رحمه الله:
"وقد استقصينا حكاية الرواية عمن روي عنه في ذلك قراءة في كتاب القراءات، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه، والعلة الموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فيه، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع؛ إذ كان الذي قصدْنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها"(1).
ومع ذلك فتراه يعتني بالقراءة المتواترة الثابتة، ويرفض القراءات الشاذة ويردها، ويوجه القراءات التي يراها نحويًا وتفسيريًا، مرجحًا لها ليجلي بها معاني مبهمة أو يزيد بها معنى آخر غير المعنى الذي في القراءات الأخرى، وأحيانًا يذكر القراءات الواردة في الآية دون ترجيح بينها.
وما اتُهِمَ به الطبريُ من رد قراءة متواترة فهو أمر مستبعد من مثله كإمام علم، ولاسيما وأن عبارة التواتر ربما لا تجد استعمالًا لها عنده، بقدر ما يستعمل الألفاظ التي تدل على استفاضة القراءة وشيوعها واشتهارها ونحو ذلك؛ فالقراءة المشتهرة عنده لا يمكن له ردها ولا الطعن فيها، إلا إذا ثبت عنده شذوذها.--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري: (1/ 150).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

ومما يشهد لإمامته في القراءات ما ذكره ياقوت الحموي في (مجمع الأدباء) حيث يصف مؤلفًا للطبري في القراءات فيقول: "رأيته في ثماني عشرة مجلدة إلا أنه كان بخطوط كبار، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور، والشواذ، وعلل ذلك، وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور"(1).
وتأمل قول الحموي: "لم يخرج بها عن المشهور" يتبين بجلاء ما ذُكِرُ آنفًا.
ثم لنتأمل كذلك وصف أبي عمرو الداني في (الأرجوزة المنبهة) حيث يقول رحمه الله:

‌‌القول في أصحاب الاختيار
وأهل الاختيار للحروف … والميز للسقيم والمعروف
جماعة كلهم إمام … مقدم أولهم سلام
وهو الذي يعرف بالطويل … إمام كل فاضل جليل
أقرأ باختياره الأناما … ولم يزل مقدما إماما
فذكر الأئمة إلى أن ختم بالطبري فقال:
والطبري صاحب التفسير … له اختيار ليس بالشهير
وهو في جامعه مذكور … وعند كل صحبه مشهور
فهؤلاء أهل الاختيار … لأحرف القرءان في الأقطار(2)--------------------------------------------
(1) معجم الأدباء: (18/ 45 (.
(2) الأرجوزة المنبهة: (ص: 159).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

‌‌الأصل الخامس: عنايته باللغة وعلومها
عنايته باللغة وعلومها: كان يحتكم كثيرًا في تفسيره عند الترجيح والاختيار إلى المعروف من كلام العرب، ويعتمد على أشعارهم، ويرجع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية، حيث قال في تفسيره أن من أوجه تأويل القرآن ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن.
وهذا مما أكد عليه في مستهل مقدمة تفسيره حيث يقول:
"وهذا القرآن نزل بلغة العرب، فواجب لمن أراد أن يعلم تأويله أن يكون بأشعارهم عالمًا وللغتهم مدركًا ولأسرار كلامهم متقنًا"(1).
وذلك لأن اللغة من علوم الآلة المعينة على فهم المقصود من كلامه سبحانه؛ ولذا فقد اعتمد الطبري اللغة وعلومها وضروبها من أسس منهجه في تفسير القرآن.

‌‌الأصل السادس: عنايته باستيعاب تفسيره لمعاني القرآن
حيث يقول في مقدمة تفسيره:
ونحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه مُنشِئُون -إن شاء الله ذلك- كتابًا مستوعِبًا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعًا … ومخبرون في كلّ ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحُجّة فيما اتفقت عليه منهُ، واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ، ومُبيِّنو عِلَل كلّ مذهب من مذاهبهم، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك(2).

‌‌الأصل السابع: عنايته بالأحكام الفقهية
الاهتمام بالأحكام الفقهية: كان الطبري صاحب مذهب فقهي، فكان يتعرض لآيات الأحكام ويناقشها ويعالجها، ثم يختار من الأحكام الفقهية ما يراه الأقوى دليلًا.--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري: (مج 7/ ج/ 12 ص: 25).
(2) مقدمة تفسير الطبري، (1/ 7).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

وكان مذهبه الفقهي مذهبًا متبَعًا تفقَّه به كثير من أصحابه ومن جاء بعدهم، حفظه في كتبه الفقهية خاصة كتابه "اللطيف"، وقد عد ابن النديم له أصحابًا وتلامذةً في باب جعله خاصًّا بهم في فهرسته، وكان من أشهرهم المعافى بن زكريا بن طرار (390 هـ).
وكتبه كلُّها شاهدة بهذا، خصوصًا ما ألفه في الفقه خاصة مثلَ كتابه اختلاف الفقهاءالمسمى
"اختلاف علماء الأمصار"، وكتاب "لطيف القول في أحكام الشرائع"، وكتاب "بسيط القول"(1).

‌‌الأصل الثامن: عمله بالإجماع وأخذه في الاعتبار
لا شك أن الأصول التي لا تجوز مخالفتها ثلاثة، ألا وهي: الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة، والإجماع اليقيني، ولا شك كذلك في أن الإجماع اليقيني حجة قطعية.
والإجماع الصريح حجة متى حصل، وهو قطعي الدلالة لكنه بعد عصر الصحابة نادر الوجود، ومنه المعلوم من الدين بالضرورة(2).
وقد قال الله تعالى في ذلك: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
ومن خالفه -أي الإجماع- بعد علمه به، أو قيام الحجة عليه بذلك: فقد استحق الوعيد المذكور في الآية(3).
والإجماع القطعي: هو إجماع السلف المحكي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم؛ لأن الاختلاف كثر بعد عصرهم وانتشر.--------------------------------------------
(1) التبصير في معالم الدين: (46) ت. الشبل.
(2) مجموع الفتاوى (19/ 270). العقيدة الواسطية، التنبيهات السنية: (ص: 325).
(3) مراتب الإجماع لابن حزم: (ص: 7.)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

قال القاضي أبو يعلى رحمه الله: "والإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ"(1).
وفي نحو ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة"(2).
ويقرر رحمه الله أيضًا ذلك فيقول: "فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة أصول معصومة"(3).
ولذا إذا قال الصحابي عن شيء أو أي أمر ما: "كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم "، كان ذلك له حكم المرفوع، ولا يُعد أبدًا حكاية للإجماع، كما أنه لا يُعد دليلًا، لأن الدليل قد تحقق بقول النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعله أو تقريره.
ولذا قال الآمدي رحمه الله: "وإجماع الموجودين في زمن الوحي، ليس بحجة في زمن الوحي، بالإجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي صلى الله عليه وسلم "(4).
والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم والسنة النبويّة المطهّرة، لذلك حظي بمنزلة هامّة في تفسيره -الطبري-، فكثيرًا ما يستند إليه ويجعله سلطانًا كبيرا في اختيار الأقوال وترجيحها(5).
فكان الطبري: يقدر له قدره، ويعطيه اعتبارًا كبيرًا فيعمل به ويرتضيه مستند إلى حجيته.--------------------------------------------
(1) العُدة في أصول الفقه (4/ 1058).
(2) مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (13/ 157).
(3) مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (20/ 164).
(4) الإحكام للآمدي: (1/ 109).
(5) الذهبي محمد حسين: التفسير والمفسرون ج 1 ص 213.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

مخالفة الطبري غيره من العلماء في طريقة تناوله للإجماع:
"ومن الناحية الفقهية فالطبري مجتهد لكنه سَلَك طريقةَ خالف غيره فيها بالنسبة للإجماع، فلا يعتبر خلاف الرجل والرجلين، وينقل الإجماع ولو خالف في ذلك رجل أو رجلين، وهذه الطريقة تؤخذ عليه لأن الإجماع لا بد أن يكون من جميع أهل العلم المعتبرين في الإجماع وقد يكون الحق مع هذا الواحد المخالف"(1).
ولذا قد يحكي الإجماع فيقول مثلًا: أجمع أهل الحجة من أهل التأويل، مع أن المسألة قد تجد فيها قولًا لمخالف معتبر.
وفي نحو ذلك يقول رحمه الله: "وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط، فغير جائز الاعتراض به على الحجة"(2).
فهو لا يعتد بمخالفة رجل أو رجلين في حكاية الإجماع، بل قد يعتبره شذوذًا، وقد وافق الطبري على ذلك بعض الفقهاء كـ "أحمد بن على الرازي الجصاص الحنفي (ت: 370 هـ) " وهو خلاف ما عليه جمهور العلماء.
ولذا تراه رحمه الله يقرر ذلك معتذرًا بأن: "الحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم كانت الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم"(3).
وإن كان الطبري يُعد من أكثر المفسرين حكاية للإجماع، ومع ذلك فقد قل الانتفاع بهذا الإجماع، وذلك لما سبق ذكره من بيان عدم اعتداده بمخالفة الرجل والرجلين.--------------------------------------------
(1) يُنظر: القول المفيد على كتاب التوحيد: لابن عثيمين: (1/ 431).
(2) تفسير الطبري: (16/ 4)
(3) تفسير الطبري: (9/ 566).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

‌‌الأصل التاسع: عنايته بعقيدة أهل السنة والجماعة
تعرض الطبري في تفسيره لكثير من مسائل العقيدة، والرد على كل من خالف فيها ما عليه أهل السنة والجماعة.
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
1 - عند تفسير قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، قال: بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه(1).
2 - عند تفسير قوله تعالى: {جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29]، قال: وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: {جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات.
وكان يذهب في جل مذاهبه إلى ما عليه الجماعة من السلف وطريق أهل العلم المتمسكين بالسنن، شديدًا عليه مخالفتهم، ماضيًا على منهاجهم، لا تأخذه في ذلك ولا في شيء لومة لائم، وكان يذهب إلى مخالفة أهل الاعتزال في جميع ما خالفوا فيه الجماعة من القول بالقدر وخلق القرآن وإبطال رؤية الله في القيامة، وفي قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار وإبطال شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قولهم إن استطاعة الإنسان قبل فعله(2).
3 - عند تفسيره قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، قال: "والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تضافرت عليه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري، تفسير سورة المجادلة، الآية 7.
(2) ياقوت الحموي: معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) جـ 6، صـ 2462

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

دونها سحاب، فالمؤمنون يرونه والكافرون عنه يومئذ محجوبون"(1)، كما قال جلّ ثناؤه: {لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا} [المطففين: 15](2).
قال: ". . . . معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "(3).

ثم يتعقب المعتزلة منكرًا ومشددًا عليهم إنكارهم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وبيان خطئهم الجلل في تأويل قول الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، حيث يقول: ". . . ليعلم الناظر في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون -أي المعتزلة- من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان مما يَسْهُل على أهل الحق البيان عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله -صلى الله عليه‌‌ وسلم- صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يترددون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة"(4).
الأصل العاشر: موقفه من الإسرائيليات
موقفه من الإسرائيليات: يسوق في تفسيره أخبارًا من القصص الإسرائيلي، وكان يتعقَّبها أحيانًا بالنقد والتمحيص.
وقال محمود محمد شاكر عن ذلك:
ولما رأيت أن كثيرًا من العلماء كان يعيب على الطبري أنه حشد كثيرًا من الرواية عن السالفين الذين قرأوا الكتب وذكروا في معاني القرآن ما ذكروا من الروايات عن أهل الكتابين السابقين - التوراة والإنجيل - أحببت أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الروايات رواية رواية، وأبين عند كل رواية مقالة الطبري في إسنادها، وأنه إسناد لا تقوم به--------------------------------------------
(1) البخاري: كتاب الآذان باب 129، تفسير سورة المائدة باب 8، كتاب التوحيد باب 24، وكذلك مسلم كتاب الإيمان 299 - 300 - 302، وأبو داود السنّة 19.
(2) تفسير الطبري: مج 5 ج 7 ص 303.
(3) تفسير الطبري: مج 14 ج 29 ص 194
(4) تفسير الطبري، (9/ 463).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

الحجة في دين الله ولا في تفسير كتابه، وإن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلال بالشعر القديم(1).

‌‌الأصل الحادي عشر: دقته وأمانته العلمية
ومما يدلل على دقته وأمانته العلمية في تفسيره، ما يحتويه تفسيره من الروايات المسندة، فتفسيره فيه: (38397) ثمانية وثلاثون ألفًا وثلاثمائة وسبع وتسعون رواية في التفسير؛ أي: ما يُقارب أربعين ألف رواية، يرويها ابن جرير كلها بأسانيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين وأتباعهم.
وهذه خمسة نقولات ننقلها للقرَّاء الكِرام من تفسير الطبري، وسيندهش كلُّ مَنْ يقرؤها من شدة تحرِّيه في ألفاظ الروايات حتى في الكلمة الواحدة؛ بل وفي الحرف الواحد.
قال الطبري، رحمه الله:
1 - قوله: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، يقول تعالى ذكره: وما اختلفتم أيها الناس فيه من شيء فتنازعتم بينكم، {فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، يقول: فإن الله هو الذي يقضي بينكم، ويفصل فيه الحكم كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن (هو الزعفراني)، قال: حدثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، قال ابن عمرو في حديثه: "فهو يحكم فيه"، وقال الحارث: "فالله يحكم فيه"(2)؛ فتأمَّل كيف ميَّز ابن جرير لفظ شيخيه: محمد بن عمرو والحارث، مع أن المعنى واحدٌ!
2 - وقال رحمه الله أيضًا: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: 109]، قال: ما وعدوا--------------------------------------------
(1) مقدمة محمود شاكر من تفسير الطبري، 1: 16 - 17، وتعليقه في 1: 453 - 454
(2) تفسير الطبري: (20/ 473).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

فيه من خير أو شر، حدثنا أبو كريب، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله، إلا أن أبا كريب قال في حديثه: "من خير وشر"(1)؛
فتأمَّل كيف بيَّن ابن جرير أن شيخه أبا كريب؛ وهو محمد بن العلاء الهمداني قال: "من خير وشر"، أما شيخاه سفيان بن وكيع، ومحمد بن بشار، فقالا: "من خير أو شر"، فبيَّن الفرق في روايتهم في حرف واحد!
3 - وقال رحمه الله أيضًا: حدثني إسحاق بن شاهين، وإسماعيل بن موسى، قالا: حدثنا خالد بن عبدالله، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويلٌ للأعقاب من النار»(2)، وقال إسماعيل في حديثه: (ويل للعراقيب من النار)(3)(4).
4 - وقال رحمه الله أيضًا: حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن (هو البصري) عن قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، قال: "هي فاتحة الكتاب، ثم سُئل عنها، وأنا أسمع، فقرأها حتى أتى على آخرها، فقال: "تُثنى في كل قراءة" أو قال: "في كل صلاة"، الشك من أبي جعفر(5).
أتدرون من هو أبو جعفر الذي شك في كلمة قراءة أو صلاة؟؟
إنه الإمام ابن جرير نفسه، فهو الذي شك في الرواية، هل قال شيخه يعقوب بن إبراهيم: تثنى في كل قراءة أو قال: في كل صلاة؟! فبيَّن ابن جرير تلك الكلمة التي شكَّ فيها، ولم يجرؤ على كتابة الرِّواية بأحد اللفظين دون أن يُبيِّن أنه يشكُّ في كلمة منها!--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري: (12/ 591).
(2) رواه البخاري (حديث رقم/ 60)، ورواه مسلم (رقم/ 241).
(3) صحيح مسلم/ كتاب الطهارة، حديث: (242).
(4) تفسير الطبري: (8/ 202).
(5) تفسير الطبري: (1/ 107)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

5 - وقال رحمه الله أيضًا: حدَّثني أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي: "لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء"، وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل، قال: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء"(1).
قال المناوي في "فيض القدير" في شرح قول ابن عباس:
وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر، فمطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما يشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات، وتُسمَّى بأسمائها على منهج الاستعارة والتمثيل، ولا يُشاركها في تمام حقيقتها(2).
فقول ابن عباس هذا كتبه ابن جرير عن اثنين من مشايخه، هما: أبو كريب، ومحمد بن بشار، وكل شيخ منهما يرويه عن شيخ عن سفيان الثوري عن الأعمش، فمدار الحديث على سليمان الأعمش، فبيَّن ابن جرير لفظ كل شيخ، وهذا التفريق يدل على شدة تحرِّي ابن جرير في رواياته، ولو جمعنا طرق هذه الرواية لرأينا الرواة يروون هذا القول عن ابن عباس بألفاظ مُتقاربة والمعنى واحد، وسأقتصر هنا على ذكر ثلاث طرق لهذه الرواية:
1 - قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو معاوية؛ وهو محمد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: "ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء"(3).
2 - قال البيهقي في كتابه "البعث والنشور": أخبرنا أبو طاهر الفقيه، حدثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد، حدثنا إبراهيم بن عبدالله بن عمر بن بكر بن الحارث الكوفي العبسي،--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري: (1/ 416)
(2) تفسير الطبري: (5/ 373)
(3) تفسير ابن أبي حاتم: (260)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

أنبأنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء"(1).
3 - قال أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "صفة الجنة": حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: "ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء"(2).
واعلم أن ابن جرير رحمه الله كتب تلك الروايات وغيرها حين كان يطلب العلم في دفاتر، ثم حين ألف كتابه التفسير كتبها في مواضعها المناسبة لها على الآيات، وقد ذكر ابن جرير في أكثر من موضع ما يدل على هذا، ومن ذلك قوله: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبدالرزاق الصنعاني، عن الثوري، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير في قوله: {مَشِيدٍ (45)} [الحج: 45]، قال: "مُجصَّص" هكذا هو في كتابي: عن سعيد بن جبير(3).
فقد استغرب ابن جرير من هذه الرواية، وبيَّن أنه رآها هكذا في كتابه عن سعيد بن جبير، مع أنها في تفسير عبدالرزاق الصنعاني عن عكرمة؛ وليس عن سعيد بن جبير، ففي تفسير عبدالرزاق الصنعاني: قال عبدالرزاق: أخبرنا الثوري، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، {مَشِيدٍ (45)}، قال: "المجصّص"(4).
وقد روى ابن جرير هذه الرواية عن عكرمة على الصواب من غير طريق عبدالرزاق، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوام، عن هلال بن--------------------------------------------
(1) البعث والنشور للبيهقي: (332)
(2) صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني: (124)
(3) تفسير الطبري: (16/ 593)
(4) تفسير عبدالرزاق الصنعاني: (2/ 409) رقم (1941).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

خباب، عن عكرمة: {مَشِيدٍ (45)}، قال: "المجصص"، قال عكرمة: "والجص بالمدينة يُسمَّى المشيد"(1).
فرحم الله الإمام محمد بن جرير الطبري، وجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء، فقد حفظ لنا في كتابه التفسير آلاف الروايات المسندة في تفسير القرآن الكريم من أوَّلِه إلى آخره(2).

‌‌الأصل الثاني عشر: علو همته
ونسوق أبرز ما روي في علو همته:
روي عن الخطيب البغدادي أنه قال:
سمعت عليّ بن عبيد الله اللغوي يحكي: أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة(3).
ويُروى أن الطبري لما أراد أن يُملي تفسيره قال لأصحابه:
أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنّا لله ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر التفسير(4).

‌‌خامسًا: ثناء العلماء عليه
لقد تبوَّأ تفسير الإمام الطبري أسمى مكانةٍ؛ حتى لُقب بشيخ المفسرين، وأصبح تفسيره أكثر التفاسير ذيوعًا وانتشارًا.--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري: (16/ 592)
(2) دقة الإمام محمد بن جرير الطبري وأمانته العلمية في تفسيره، محمد بن علي بن جميل المطري، عن موقع الألوكة، بتاريخ: 1/ 4/ 1440 هـ.
(3) سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، الطبقة السابعة عشر، محمد بن جرير، جـ 14، صـ 267: 282
(4) تاريخ بغداد وذيوله، للخطيب البغدادي، طبعة المكتبة العلمية، جـ 2، صـ 161

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

ونعرض هنا بعض ثناء العلماء على شيخ المفسرين، والتي من أبرزها ما يلي:

‌‌1 - الخطيب البغدادي
ومِن أجمع ما ذُكِرَ في حسن الثناء على الطبري وسعة علمه ما جادت به قريحة الخطيب في "تاريخه"، حيث يقول:
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، كان أحدَ أئمة العلماء، يُحكَمُ بقوله، ويُرجَعُ إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره؛ فكان حافظًا للكتاب، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنة وطرقها، صحيحِها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في أخبار الأمم وتاريخهم، وله كتاب التفسير لم يُصنَّف مثله، وكتاب سمَّاه تهذيب الآثار لم أرَ سواه في معناه، لكنه لم يُتمَّه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حُفِظت عنه(1).

‌‌2 - شيخ الإسلام ابن تيمية:
يَعدُّ شيخُ الإسلام ابن تيمية الإمامَ الطبري من كبار المجتهدين في الإسلام وأواخرهم، وقد ذكر ذلك في مواضع عدة من مصنفاته(2).
وقد أشاد بعقيدته في محض بيانه لقاعدة الاسم والمسمى من مجموع الفتاوى حيث يقول:
". . . كما ذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سماه "صريح السنة" ذكر مذهب أهل السنة في القرآن والرؤية، والإيمان والقدر والصحابة وغير ذلك. وذكر أن مسألة اللفظ ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام؛ كما قال لم نجد فيها كلامًا عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفا--------------------------------------------
(1) يُنظر: تاريخ بغداد: (2/ 162)، تاريخ دمشق: (2/ 162)، معجم الأدباء (18/ 90)، وفيات الأعيان: (4/ 191)، تذكرت الحفاظ: (20/ 712).
(2) يُنظر على سبيل المثال: منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية: (2/ 472، 107) و (6/ 53) و (7/ 428، 13، 286).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

إلا عمن في كلامه الشفاء والغناء، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبو عبد الله أحمد بن حنبل فإنه كان يقول: اللفظية جهمية. ويقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وذكر أن القول في الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قول لأحد من الأئمة .... " ا. هـ(1).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: "وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي"(2).

‌‌3 - قال الذهبي: الإمام الجليل المفسر أبو جعفر صاحب التصانيف الباهرة من كبار أئمة الإسلام المعتمدين(3). وقال أيضًا: وله كتاب التفسير، لم يصنف أحد مثله(4).
‌‌4 - قال ابن كثير: بل كان أحد أئمة الإسلام علمًا وعملًا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم(5).
‌‌5 - قال ابن القيم: قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن قال في كتاب صريح السنة ونقل كلامه وعده من جملة السلف الذي يرجع لأقوالهم في مسائل الاعتقاد(6).
‌‌6 - قال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصِّين حتى يحصل على كتاب تفسير محمَّد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا(7).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 6/ 18
(2) مجموع الفتاوى ج 13 ص 385
(3) ميزان الاعتدال: (3/ 498).
(4) سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، الطبقة السابعة عشر، محمد بن جرير، جـ 14، صـ 267: 282
(5) البداية والنهاية: (11/ 145، 146)
(6) اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص: 194)
(7) معجم الأدباء: (18/ 42)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)