[السجدة: 5]، شرح لقوله هناك: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34]، ولذلك عقب هنا بقوله: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [السجدة: 6]، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27]، شرح لقوله: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34]، قوله: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7]، شرح لقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} [لقمان: 34]، وقوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: 5]، و {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] شرح لقوله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34]، وقوله: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: 10] إلى قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11]، شرح لقوله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34]»(1)(2).--------------------------------------------
(1) السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (ت: 911 هـ) أسرار ترتيب القرآن -دار الفضيلة للنشر والتوزيع- (ص 123).
(2) يُنظر: عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينها سورة لقمان، دراسة تحليلية موضوعية (رسالة ماجستير) للدكتور عرفة بن طنطاوي: (2/ 66 - 72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
المبحث الثاني: التعريف بشخصية لقمان الحكيم عليه السلام
وإذ يتعرض الباحث للتعريف بشخصية لقمان الحكيم عليه السلام في هذا المبحث، يعرج فيه على أمرين هامين من خلال مطلبين جليلين:
المطلب الأول: نسبه ونشأته.
المطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
المطلب الأول: نسبه ونشأته، ويشمل ما يلي:
أولاً: اسمه ونسبه
أ- اسمه: (لقمان)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلانِيُّ (ت: 923 هـ): «ولقمان اسم أعجمي»(1).
- قال الألوسي (ت: 1270 هـ): «ولقمان اسم أعجمي لا عربي مشتق من اللقم»(2).
- قال الطاهر بن عاشور (ت: 1393 هـ): «ولقمان اسم مادته عربية مشتقة من اللقم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من لغتهم، ولقمان ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة»(3).
- قال أبو حيان (ت: 745 هـ): «وعليه: فإن كان لقمان اسم علم، كان أعجميًّا ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، وإن كان عربيًّا منع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون ويكون مشتقًا من اللقم»(4).
- قال الشوكاني (ت: 1250 هـ): «اخْتُلِفَ فِي لُقْمَانَ هَلْ هُوَ عَجَمِيٌّ أَمْ عَرَبِيٌّ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ--------------------------------------------
(1) إرشاد الساري في شرح أحاديث البخاري (7/ 288).
(2) روح المعاني (7/ 182).
(3) التحرير والتنوير (21/ 97).
(4) البحر المحيط (7/ 182).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
اللُّقَمِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَجَمِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَرَبِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَلِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ»(1).
- قال صافي(2) (ت: 1376 هـ): «(لقمان) قيل: هو اسم علم أعجميّ، وقيل: هو عربيّ منع من التنوين للعلميّة وزيادة ألف ونون، والأول أظهر»(3).
يقول الباحث: والذي يظهر أن لقمان: اسم أعجمي لا عربي، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وربما كان من مشترك الأسماء في اللغات السامية الأصل، واستخدمه العرب بعد ذلك، واستخدام العرب للاسم، أو رده للمصدر لا يقلبه ولا ينقله من عجمته إلى العربية، بل يبقى على عجمته، والله أعلى وأعلم بالصواب.
ب- نسبه
لقد اختُلف في نسب لقمان خاصة لأبيه وجده على أقوال عديدة، توضحها الدراسة وتبينها مع عزو كل قول لقائله فيما يلي: على النحو التالي:
اسم أبيه: ورد على ثمانية أقوال.
القول الأول: (بَاعُورَاء)
1 - قال القرطبي (ت: 671 هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: ذُكِرَ أنه كان ابن خالة أيوب، وقيل: كان من أولاد آزر»(4).--------------------------------------------
(1) فتح القدير (1/ 1142).
(2) محمود بن عبد الرحيم صافي (ت: 1376 هـ). من أعلام مدينة حمص السورية، وهو مؤلف أول كتاب كامل مفصّل في إعراب القرآن وصرفه وبيانه؛ ويعرف باسم: «الجدول في إعراب القرآن، وصرفه، وبيانه» بعد أن أنفق فيه خلاصة عمره، ويُذكر أنه سلّم الكتاب للناشر، ثم توفي بعدها بساعة واحدة، وطُبع الكتاب بعد وفاته. وينظر: الشاملة.
(3) الجدول في إعراب القرآن الكريم، محمود بن عبد الرحيم صافي، إعراب سورة لقمان (22/ 77).
(4) تفسير القرطبي (14/ 259).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
2 - قال البيضاوي (ت: 685 هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته»(1).
3 - قال الخازن (ت: 741 هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارخ، وهو آزر، وقيل: كان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته»(2).
4 - قال أبو السعود (ت: 982 هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب، أو خالته»(3).
5 - قال الألوسي (1270 هـ): «وهو على ما قيل: ابن بَاعُورَاء قال وهب: وكان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: كان ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر»(4).
القول الثاني: (بَاعُورَا)
1 - قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: 538 هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر»(5).
2 - قال النسفي (ت: 710 هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَا، ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام»(6).
3 - قال أبو حيان (ت: 745 هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا. قال وهب: ابن أخت أيوب عليه السلام وقال مقاتل: ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه--------------------------------------------
(1) البيضاوي (4/ 214).
(2) تفسير الخازن (4/ 213).
(3) أبو السعود (7/ 71).
(4) الألوسي (21/ 83).
(5) تفسير الزمخشري (3/ 231).
(6) النسفي (2/ 714).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
السلام»(1).
4 - قال الشوكاني (ت: 1250 هـ): «وَهُوَ لُقْمَانُ بْنُ بَاعُورَا بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَارِخْ، وَهُوَ آزَرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ»(2).
القول الثالث: (عاعورا)
- قال إسماعيل حقي(3) (ت: 1127 هـ): «قال ابن اسحاق صاحب المغازي: هو لقمان بن عاعورا بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم الخليل»(4).
القول الرابع: (باعور)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855 هـ): «هو لقمان بن باعور ابن ناخر بن تارخ وهو آزر أبو إبراهيم عليه الصلاة والسلام»(5).
القول الخامس: (ناعور)
- قال البغوي (ت: 516 هـ): «قال محمد بن إسحاق: هو لقمان بن ناعور ابن تارخ وهو آزر، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: كان ابن خالة أيوب»(6).
القول السادس: (عنقاء)
1 - قال القرطبي (ت: 671 هـ): «وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون، وكان نوبيًّا من أهل--------------------------------------------
(1) أبو حيان (7/ 186).
(2) فتح القدير (4/ 237).
(3) إسماعيل حقي بن مصطفى البروسوي الإسطنبولي الحنفي الخلوتي، المولى أبو الفداء، متصوف مفسر، تركي مستعرب ولد في آيدوس وسكن القسطنطينية وانتقل إلى بروسة، وكان من أتباع (الطريقة الخلوتية) فنُفِيَ إلى تكفور طاغ، وأوذي، وعاد إلى بروسة فمات فيها، له كتب عربية وتركية منها: روح البيان في تفسير القرآن، الرسالة الخليلية في التصوف، الفروقات، وهو معجم في موضوعات مختلفة، توفي عام (1127 هـ) الموافق لعام (1715 م). يُنظر: الموسوعة الحرة.
(4) إسماعيل حقي البروسوي، روح البيان في تفسير القرآن (3/ 48).
(5) عمدة القاري (19/ 111 - 112).
(6) تفسير البغوي (6/ 278).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
أيلة(1)، ذكره السهيلي»(2).
2 - قال ابن كثير (ت: 774 هـ): «هو لقمان بن عنقاء بن سدون»(3).
القول السابع: (عَنْقَا)
- قال الشوكاني (ت: 1250 هـ): «وَقِيلَ: هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَا بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ»(4).
القول الثامن: (ثاران)
- قال ابن كثير (ت: 774 هـ): «وحكى ابن جرير والقتيبي أنه: لقمان بن ثاران»(5).
ويتلخص من الأقوال سالفة الذكر ما يلي:
1 - اتفقت المصادر قاطبة على اسم لقمان بناءً على ورود اسمه في القرآن الكريم، وذلك بورود سورة تحمل اسمه، وذكر فيها مرتين في آيتين متتاليتين (12 - 13) من السورة الكريمة.
2 - اختلفت المصادر في اسم أبيه على ثمانية أقوال:
الأول- باعوراء، وعليه أكثر المصادر.
الثاني- باعورا، ويلي القول الأول كثرة.
الثالث- عاعورا.
الرابع- باعور.
الخامس- ناعور.--------------------------------------------
(1) أيلة: مدينة تقع على خليج العقبة (جنوب الأردن)، (والتي عرفت بعد ذلك باسم «أم الرشراش» تحت ولاية الحكم المصري ثم احتلها اليهود الصهاينة في حرب (1956 م)، وبدلوا اسمها إلى إيلات، وبها الآن ميناء إيلات المشهور والمعروف بهذا الاسم) ..... وينظر: الموسوعة الحرة- بتصرف.
(2) تفسير القرطبي (14/ 259).
(3) تفسير ابن كثير (3/ 444)، والبداية والنهاية (2/ 29).
(4) فتح القدير (4/ 237).
(5) تفسير ابن كثير (2/ 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
السادس- عنقاء.
السابع- عنقا.
الثامن- ثاران.
3 - كما اختلفت المصادر في اسم جده على ستة أقوال:
الأول- ناحور، وعليه أكثر المصادر.
الثاني- ناخر.
الثالث- تارخ.
الرابع- مروان.
الخامس- سرون.
السادس- سدون.
4 - كما اتفقت أغلب المصادر على أن لقمان من ذرية آزر، وآزر هو: أبو إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وقيل: ابن أخت أيوب، وقيل: ابن خالته.
ومما لا مجال للشك فيه، أن في اسمه أبيه تصحيفًا(1) بينًا وواضحًا، وذلك للتقارب والتشابه الوارد فيه مع اختلاف وتنوع مصادره، وتباعد العهد بينها زمنيًّا، بل بالتأمل في المصدر الواحد تجد تصحيفًا وتحريفًا جليًّا، وبالرجوع لعدة طبعات للمصدر الواحد يتبين التصحيف جليًّا دون أدنى شك، وبالنظر والتأمل في المصادر الخمسة الأولى المتتالية نجد التشابه والتقارب واضحًا وجليًّا، وبالنظر كذلك في المصدرين السادس والسابع يتضح ما ذكر الباحث وما بينه جليًّا دون أدنى ريب أوشك، لذا فقد جمع أصحاب كل قول ورتب أقوالهم ترتيبًا زمنيًّا بحسب تاريخ الوفاة لصاحب كل مصدر منها، ذلك ليتأمل المتبصر حقيقة ما ذهب إليه الباحث من وجود تصحيفٍ--------------------------------------------
(1) التصحيف: «هو تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى غيرها» انتهى. فتح المغيث (3/ 7). وهذا من أحسن التعاريف وأشملها لجميع الصور التي يذكرها العلماء في التصحيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
في اسم أبيه، وكذلك ما يبدو في اسم جده من تصحيف، والمتأمل في المصدرين الأول والثاني، وكذلك في المصدر الرابع وما بعده من اسم جده يتضح له ذلك تمامًا.
من فوائد ذكر اسمه ونسبه
وقد يكون في ذكر اسمه ونسبه فوائد من أجلها نفي تلك الدعاوي الباطلة الزائفة التي لا تمت للقمان بصلة أو نسب لا من قريب ولا من بعيد، والتي من أبرزها دعوى أن لقمان هو نبي الله داوود عليه السلام، فيكون من إثر ذلك أن ابن لقمان الذي يعظه هو سليمان بن داوود عليهما السلام، وأغرب منها كذلك دعوى أن لقمان هو سقراط.
وعمومًا- فإن المعنِيَّ بالبحث هو لقمان نفسه وما آتاه الله تعالى من الحكمة، وما يجنيه أهل الإيمان عمومًا والمربون خصوصًا من مواعظه وما حوته من عبر ودروس
تربوية وإيمانية في تصحيح وتوجيه وترسيخ الأسس والمفاهيم العقدية والتعبدية والأخلاقية والاجتماعية والتربوية، على وجه من الكمال والتمام، لم لا، وهذا الكتاب كما وصفه ربنا العظيم: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].
ثانيًا: نشأته
وتشمل:
* عمره والزمن الذي عاش فيه.
* موطنه.
* مهنه التي امتهنها.
* أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
عمره والزمن الذي عاش فيه:
- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: 538 هـ): «إن لقمان عاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعثه، فلما بُعث قطع الفتوى فقيل له عن ذلك فقال: ألا أكتفي إذا كفيت»(1).
- وقال الألوسي (1270 هـ): «وقيل كان قاضيًا في بني إسرائيل، ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال: وكان زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقال عكرمة والشعبي: والأكثرون على أنه كان في زمن داود عليه السلام»(2).
- قال البيضاوي (685 هـ): «وعاش حتى أدرك داود عليه الصلاة والسلام وأخذ منه(3) العلم وكان يفتي قبل مبعثه»(4).
ومما سلف ذكره يتضح ويتبين ويتأكد أن زمن لقمان كان قبل مبعث داود عليه السلام، ثم عاصره زمن نبوته، ويُستدلُ على ذلك بتوقفه عن الفتوى لما بُعِثَ داودُ عليه السلام بقوله: «ألا أكتفي إذا كفيت»، وهذا القول عليه الأكثرون كما حكاه عن عكرمة والشعبي، وفيه شبه اتفاق بين المصادر التي طالعها الباحث خلال بحثه، وأن القول بأن زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام قول مرجوح، تفرد به قلة ولا يعول عليه، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.--------------------------------------------
(1) الكشاف (3/ 211)، وكذلك تفسير القرطبي (14/ 59)، وكذلك فتح القدير (1/ 1142)، وكذلك أبو السعود (7/ 71)، وكذلك النسفي (2/ 714).
(2) تفسير الألوسي (21/ 82 - 83)، وكذلك فتح القدير (1/ 1142)، وكذلك أبو حيان (7/ 186).
(3) والصواب أن يقال: أخذ عنه العلم، بدلًا من-أخذ منه-ولعله وقع تحريفًا وخطأ. (الباحث).
(4) البيضاوي (4/ 214).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
ثالثًا: موطنه
- قال الطبري (ت: 310 هـ): «قال مجاهد: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا)(1) غليظ الشفتين مصفح القدمين»(2).
- وقال ابن كثير (ت: 774 هـ): «وكذلك نقل قتادة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: قلت لجابر بن عبد الله رضي الله عنه: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس الأنف من (النوبة)»(3).
- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: 538 هـ): «رُوي عن سعيد بن المسيب قال: ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر»(4).
- وقال ابن كثير (ت: 774 هـ) -أيضًا: «ورُوي كذلك عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من (سودان مصر)»(5).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: 538 هـ): «قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر»(6).
- وقال الطاهر بن عاشور (ت: 1393 هـ): «قيل: هو من بلاد النوبة، وقيل: من--------------------------------------------
(1) حبشيًّا: نسبة إلى الحبشة وهي اليوم (إثيوبيا) رسميًّا: جمهورية إثيوبيا الفدرالية الديموقراطية، دولة غير ساحلية تقع في القرن الإفريقي وعاصمتها أديس أبابا (الزهرة الجديدة) وهي ثاني أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان والعاشرة من حيث المساحة، يحدها من جهة الشرق كل من: جيبوتي والصومال، ومن الشمال دولة إيريتريا، ومن الشمال الغربي السودان، ومن ناحية الغرب جنوب السودان، ومن الجنوب الغربي كينيا، وينظر: الموسوعة الحرة.
(2) تفسير الطبري (18/ 67).
(3) تفسير ابن كثير (3/ 443).
(4) الزمخشري الكشاف (3/ 211).
(5) تفسير ابن كثير (3/ 443).
(6) الزمخشري الكشاف (3/ 211)، والقرطبي الجامع لأحكام القرآن (14/ 60)، وابن كثير البداية والنهاية (2/ 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
(الحبشة)»(1).
- وقال أبو حيان (ت: 745 هـ): «قال الفراء وغيره: كان (حبشيًّا)»(2).
- وقال ابن الجوزي (ت: 597 هـ): «فَأَمَّا صِفَتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ (عَبْدًا حَبَشِيًّا)».
- قال السيوطي (ت: 911 هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا»(3).
- وقال القرطبي (ت: 671 هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا»(4).
- وقال القرطبي (ت: 671 هـ) أيضًا: «وكان (نوبيًّا) من أهل أيلة; ذكره السهيلي»(5).
ولعل ابن المسيب يعني بسودان مصر: (النوبة)(6) بدليل رواية الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي التي هي--------------------------------------------
(1) الطاهر بن عاشور (22/ 149).
(2) البحر المحيط (7/ 186).
(3) السيوطي (11/ 625).
(4) القرطبي: الجامع أحكام القرآن (14/ 16 - 60)، وينظر: أحمد بن حنبل: كتاب الزهد (ص 49).
(5) القرطبي (56/ 14).
(6) النوبة: تطلق على الجزء الجنوبي من بلاد مصر، وهي جيل من السودان واحدها نوبيّ، وبلاد النوبة من ذلك الجيل (المعجم الوسيط ص 961).
النوبيون: أهل النوبة، قبائل تسكن منطقة تمتد على ضفتي نهر النيل أقصى شمال السودان وأقصى جنوب مصر.
وينظر: الموسوعة الحرة، نقلًا عن تاريخ بلاد النوبة.
واللغة النوبية: هي لغة نيلية صحراوية تنتمي إلى عائلة اللغات الأفريقية الآسيوية واللغات البربرية التي يتحدثها أهل المغرب وسيوة في مصر ويتحدثها سكان جنوب مصر ومناطق شمال وغرب (شمال دارفور جبال الميدوب) السودان القريبة من مصر، وكان معظم الناطقين بها يسكنون في حوض وادي النيل والممتد من جنوب مصر إلى شمال السودان. وعدد الناطقين بها حوالي (11) مليون نسمة. موزعين بين السودان ومصر، بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر الميلادي، كان النوبيون وكذا الأقباط يكتبون لغتهم بالأبجدية اليونانية القديمة وقام النوبيون بإضافة حروف نوبية خالصة لما استعصى رسمه من حروف منطوقة بالنوبية ولم يجدوا المقابل لها في اليونانية.
وينظر: اللغة النوبية كيف نكتبها؟، محمد مختار خليل كبارة، مركز الدراسات النوبية والتوثيق، القاهرة، 1997 م.
اقرأ باللغة النوبية (Nobîn nog gery)، محمد متولي بدر. معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
من رواية الأوزاعي: عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب فإنها مفسرة ومبينة لرواية ابن كثير عن ابن المسيب أن لقمان كان من (سودان مصر)، وقوله: ثلاثة من (السودان): بلال، ومهجع مولى عمر، ثم أعقبها ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا).
وبذلك يمكن الجمع بين قولي ابن المسيب رحمه الله تعالى: بأنه يعني بسودان مصر (النوبة)، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.
بما سبق بيانه من أقوال في موطنه يجتمع لدينا عدة روايات تنسبه لأربعة مواطن، وهي:
1 - الحبشة.
2 - النوبة.
3 - سودان مصر.
4 - السودان(1).
ولقد تعددت الروايات الواردة في ذكر موطنه، وأنه من النوبة، وأنه من (سودان مصر)، وأنه كان (حبشيًّا) وعليه الأكثرون، وأنه من (السودان)، فتعدد هذه الروايات لا إشكال فيه أيضًا، فإن المتأمل في صفات لقمان الخِلقية يجد أنها متناسقة ومتطابقة مع الصفات الخِلقية لسكان هذه البقاع المتجاورة والمتلاصقة من الشمال الشرقي للقارة الإفريقية، والتي تجمع أقصى شمال السودان، وهي منطقة (وادي حلفا) وما جاورها، وأقصى جنوب مصر وهي منطقة (النوبة)، ولعله كان له تنقل بين هذه البقاع، والتي تجمعها طبيعة جغرافية وسكانية واحدة، من جهة اللغة والعادات الاجتماعية والأعراف والنشاط السكاني، والروايات التي تذكر أنه من أيلة مع قلتها وندرتها لا تقاس بنسبته إليها مع نسبته إلى القارة الإفريقية، ولعل عمره الطويل كان له تأثير في انتقاله من مكان إلى مكان ومن مهنة إلى مهنة، والله أعلى وأعلم.--------------------------------------------
(1) ويُقال: أن بلاد السودان في كلام القدماء يراد به بلاد جنوب الصحراء الكبرى لا دولة السودان التي اختصت بهذا الاسم دون غيرها، وإنما خصها بهذا الاسم الإنجليز منذ أقل من (120) سنة فقط، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
رابعًا: مهنته
- قال الألوسي (1270 هـ): «اختلف فيما كان يعانيه من الأشغال، فقال خالد بن الربيع: كان (نجارًا) بالراء، وفي معاني الزجاج: كان (نجادًا) بالدال، وهي على وزن كتان، كذا هو بخط جماعة من الأئمّة، وهو: من يعالج الفرش والوسائد ويخيطها، وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، عن ابن المسيب أنه كان (خياطًا)، وهو أعلم من النجاد»(1).
- وقال البغوي (ت: 516 هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان (خياطًا)، وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة، ألست فلانًا الراعي؟ فبم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني»(2).
- وقال القرطبي (ت: 671 هـ): «كان (يحتطب) لمولاه حزمة حطب، وقال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض»(3).
- وقال ابن الجوزي (ت: 597 هـ): «وَفِي صِنَاعَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ (خَيَّاطًا)، قَالَهُ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ.
وَالثَّانِي: (رَاعِيًا)، قَالَهُ: ابْنُ زَيْدٍ.
وَالثَّالِثُ: (نَجَّارًا)، قَالَهُ: خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ»(4).
- وقال ابن كثير (ت: 774 هـ): «أنه كان (قاضيًا). في زمن داود عليه السلام»(5).
- وقال الطبري (ت: 310 هـ): «وقال مجاهد: إنه كان (قاضيًا) على بني إسرائيل»(6).
ومما سبق من الروايات يتبين أنه: عَمِلَ وامتهن مهنًا كثيرة ومتعددة، ومختلفة وهي:
1) نجارًا.
2) نجادًا.
3) خياطًا.
4) راعيًا للغنم.
5) حطابًا لمولاه قبل أن يُعتَق من الرق.
6) قاضيًا على بني إسرائيل.
ولا تعارض في أنه امتهن كل هذه الأشغال والمهن، فبعضها متقارب ويمكن الجمع بينها كالنجاد والخياط، وكذلك يمكن الجمع بين مهنتي الرعي وجمع الحطب، وقد يكون تنقل بين هذه الحرف وتلك المهن، من حرفة إلى حرفة ومن مهنة إلى مهنة، لم لا وقد عُمِّر ألف سنة، فما الذي يمنع من تنقله بين هذه الأشغال وتلك المهن والحرف في هذا العمر الطويل والأمد المديد البعيد، والذي يندر مع طوله وتنقله من مكان إلى آخر- الثبات على مهنة أو صنعة أو حرفة واحدة، ولربما خُتم له بالاشتغال بالقضاء بعد أن امتن الله عليه وآتاه الحكمة وظهرت عليه آثارها، والله أعلى وأعلم بالصواب.--------------------------------------------
(1) تفسير الألوسي (21/ 83).
(2) تفسير البغوي (2/ 215).
(3) تفسير القرطبي (14/ 215).
(4) ابن الجوزي (6/ 318).
(5) ابن كثير البداية والنهاية (2/ 123).
(6) تفسير الطبري (18/ 67)، وكذلك فتح القدير (1/ 1142)، وينظر: مسند أحمد (3/ 270).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
خامسًا: صفاته الخِلقية والخُلقية
أبين أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية):
صفاته الخِلقية:
أما عن صفاته الخِلقية فقد وردت أقوال متعددة متقاربة، وروايات متشابهة، وردت في جمع من المصادر، ومن أهمها ما يلي:
- قال الطبري (ت: 310 هـ): «حدثني نصر بن عبد الرحمن وابن حميد قالا: حدثنا حكام عن سعيد الزبيدي عن مجاهد قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا غليظ الشفتين، مصفح القدمين قاضيًا على بني إسرائيل»(1).
- وقال ابن كثير (ت: 774 هـ): «قال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد ابن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر»(2).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: 538 هـ): «قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيًّا ذا مشافر»(3).
- وقال ابن كثير (ت: 774 هـ): «أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس من النوبة»(4).
- وقال أبو حيان (ت: 745 هـ): «قال ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد: كان نوبيًّا مشقق الرجلين ذا مشافر، وقال الفراء وغيره: كان حبشيًّا مجدوع الأنف ذا مشفر»(5).
- وقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310 هـ): «وقال مجاهد: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين ومشقق القدمين»(6).
- وقال ابن الجوزي: «فَأَمَّا صِفَتُهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
- وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: كَانَ لُقْمَانُ أَسْوَدَ مَنْ سُودَانِ مِصْر.--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (18/ 67).
(2) تفسير ابن كثير (3/ 443).
(3) الزمخشري الكشاف (3/ 211) وينظر: القرطبي الجامع لأحكام القرآن (14/ 60)، وابن كثير: البداية والنهاية (2/ 124).
(4) تفسير ابن كثير (3/ 443).
(5) البحر المحيط (7/ 186).
(6) جامع البيان (18/ 545 - 549)، وكذلك البغوي (6/ 287).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
- وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ»(1).
- وقال السيوطي (ت: 911 هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا»(2).
- وقال القرطبي (ت: 671 هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا».
ومما سبق ذكره من الروايات السابقة يتضح ويتبين لنا أنَّ من أهم وأبين وأظهر ما وُصِفَ به لقمان الحكيم عليه السلام من الصفات الخِلقية، أنه:
1 - عبد حبشي أسود.
2 - قصير القامة.
3 - أفطس ومجدوع الأنف.
4 - غليظ وعظيم الشفتين.
5 - وقد وصف بأنه ذو مشافر وأنه ذو مشفر.
6 - وأنه مصفح ومشقق القدمين.
ولا يُشَكُ في صحة نسب تلك الصفات الخِلقية إلى لقمان مجتمعة، ومما يؤكد ذلك، أنها متناسقة ومتقاربة ومتجانسة، بل أغلبها وأعمها متطابق تمامًا كما هو الحال بين رواية الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي مع إحدى روايتي ابن كثير، وليس ثَمَّ مانع من اجتماعها في إنسان يمكن وصفه بتلك الصفات الخِلقية مجتمعة.
ومما يزيد الأمر تأكيدًا، الاتفاق على تلك الصفات الخِلقية، مع اختلاف مصادرها وتنوعها وتباعدها زمانيًّا، والله ولي التوفيق، وهو سبحانه أعلم بالصواب.--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي 6/ 318).
(2) السيوطي (11/ 625).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
ولا شك أن المعني هو الصفات (الخُلُقية) التي بها علو شأن المؤمن وسموه ورقيه لأعالي درجات الكمال البشري، وبها عزه وكرامته عند خالقه ومولاه، كما قال سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، والتي حبا الله لقمان أحسنها وأكملها وأشملها وأطيبها وأنماها وأزكاها وأعلاها. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»(1).
صفاته الخُلقية:
وأما عن أهم صفاته الخُلُقية فإنه: كان عبدًا صالحًا، ومربيًّا حكيمًا، جليل القدر، عظيم النفع، ومن أظهر ما يدل على ذلك ما وهبه الله وحباه من محاسن الصفات، وما أجراه على لسانه وما أنطقه به من الحكمة، وما تكلم به من المواعظ الجليلة في تربية ابنه على منهج متكامل الأركان تام البنيان، شامل لخيري المعاش والمعاد، شامل لبناء المسلم بناءً صحيحًا، عقديًّا وإيمانيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا وتربويًّا.
ولعظم قدر تلك الوصايا التربوية والأبوية الجليلة، خلدها المولى جل في علاه وأصبحت مُسطرة في كتابه المجيد، وأكرم قائلها بإعلاء ذكره في العالمين وشرفه بالذكر في كتابه العزيز بورود سورة في خاتم كتبه على خاتم رسله، ضمن شريعته الغراء الخاتمة، يذكر فيها وتحمل اسمه، لتُصبِح مواعظه الحكيمة والجليلة والبليغة نبراسًا يضيء الطريق للأجيال المؤمنة، ويؤصل لهم معالم الهدى وسبل الرشاد، ويوضح لهم الطريق المستقيم، والسبيل القويم الموصل لرضوان الله في الدنيا، وجنته يوم التناد، إنها سورة كريمة تحمل اسمه، وتتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتلوها أهل الإيمان زُرافات، وَوُحدانًا، يتلونها في صلواتهم وهم في محاريبهم وقوفًا بين يدي ربهم، يتلونها في خلواتهم وجلواتهم، نعم، لقد خلد الله تعالى فيها فصوص حكمه البليغة، ومنهجه الأبوي التربوي الأصيل، والذي يُعدُّ منهاجًا تربويًّا متكاملًا--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (2564).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
شاملًا لكل جوانب العملية التربوية، التي تبين واجب المربي، وتوضح بجلاء تام الأهداف التربوية التي يسعى الأب الشفيق لغرسها في نفس فلذة كبده وثمرة فؤاده، والأسلوب التربوي التعليمي بالحكمة والموعظة الحسنة، مع روعة البيان، وتناسق العبارات والألفاظ، مراعيًا التدرج فيها ببيان وتقديم الأهم فالمهم، كل ذلك بالخطاب الحسن، والتحبب إليه بالأسلوب الجميل (يا بني) وتكراره بين الموعظة والأخرى، لكسر الحواجز النفسية وتهيئتها لتلقي الموعظة وقبولها، ولتجديد عقد وشيجة المحبة، ولبيان أن الدافع لتلك المواعظ هو واجب الأبوة، المصحوب والمقرون بالشفقة، التي تزينها أَجَلُّ معاني الحب والحنو والعطف، وما يحمله الوالد لولده من حب الخير له، والحرص على إيصال معاني الكمال إليه بمنهجه التربوي الكامل والشامل المؤدي لأسباب الرقي في مدارج تحقيق أعلى مراتب العبودية، الموصل إلى رضوان رب العالمين وإلى سعادة الدارين.
ولقد اكتفى الباحث بالثابت من صفات لقمان وهي ما آتاه الله من (الحكمة)، وتعرض لأسلوبه التربوي في موعظته لابنه، الدال على حكمته ورجاحة عقله وسعة علمه ومكنون فهمه وعلو همته وأمانته وصدقه وشفقته في نصحه وغير ذلك مما يدخل ضمنًا ويستنبط إدراكًا وفهمًا من صفاته وكريم أخلاقه المستوحاة من فحوى خطابه ونصحه ووعظه لولده، مكتفيًا بذلك عن كثير مما لم يثبت من الصفات المنسوبة إليه، وكذلك ما سبق ذكره من نسبه وموطنه ومهنته وصفاته الخِلقية، وكونه حرًّا أو عبدًا، كل ذلك لم يثبت ثبوتًا قطعيًّا بل أكثره وأغلبه من أخبار بني إسرائيل، وإن كانت الدراسة تعرضت له بشيء من البيان، ولا طائلة كبيرة من وراء ذكره، إذ لو كان ثَمَّ نفع أو فائدة من ذكره، لبينه الله أوضح بيان كما بين موعظته وجلاها للناظرين وجعلها باقية نافعة للمربين والدعاة وسائر الهداة المصلحين.
وفي نحو ذلك يقول أبو حيان: «وَهَذَا الِاضْطِرَابُ فِي كَوْنِهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَفِي جِنْسِهِ، وَفِيمَا كَانَ يُعَانِيهِ، يُوجِبُ أَنْ لَا يُكْتَبَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَلَ، لَكِنِ الْمُفَسِّرُونَ مُولَعُونَ بِنَقْلِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
الْمُضْطَرِبَاتِ حَشْوًا وَتَكْثِيرًا، وَالصَّوَابُ تَرْكُه»(1).
وموقف أهل السنة من رواية الإسرائيليات معروف ومشتهر على ألسنة العلماء ومبسوط في كتبهم وأكتفي بقول العلامة الشنقيطي:
«ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات في واحدة منها يجب تصديقه وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه، وفي واحدة يجب تكذيبه وهي إذا ما دل القرآن والسنة على كذبه، وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق … وهي ما إذا لم يثبت في كتابٍ ولا سنَّة صدقه ولا كذبه»(2).
وهو ما يعبر عنه العلماء بتقسيم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام:
الأول: موافق لشريعتنا.
الثاني: مخالف لشريعتنا.
الثالث: مسكوت عنه.
الأول: ما جاء موافقًا لشريعتنا:
فأما «ما جاء موافقا لما في شرعنا، فهذا تجوز روايته، وعليه تُحمل الآيات الدالة على إباحة الرجوع إلى أهل الكتاب، وعليه أيضا يُحمل قوله عليه الصلاة والسلام: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»(3) إذ المعنى: حدِّثوا عنهم بما تعلمون صدقه»(4).
وفي معنى حديث عبد الله بن عمرو سالف الذكر يقول العظيم آبادي:
قال الخطابي: «ليس معناه إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع الحرج عمن نقل عنهم--------------------------------------------
(1) أبو حيان (7/ 186).
(2) أضواء البيان (4/ 203، 204).
(3) صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل (6/ 572)، برقم (3461) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
(4) الإسرائيليات والموضوعات في التفسير والحديث - د. محمد حسين الذهبي، (ص 49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
الكذب، لكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ؛ وإن لم يتحقق صحة ذلك بنقل الإسناد؛ وذلك لأنه أمر قد تعذر في أخبارهم؛ لبعد المسافة وطول المدة ووقوع الفترة بين زماني النبوة. وفيه دليل على أن الحديث لا يجوز عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بنقل الإسناد والتثبت فيه»(1). اهـ.
الثاني: ما جاء مخالفًا لشريعتنا:
وأما «ما جاء مخالِفًا لما في شرعنا، أو كان لا يُصدِّقه العقل، فلا تجوز روايته؛ لأن إباحة الله للرجوع إلى أهل الكتاب، وإباحة الرسول صلى الله عليه وسلم للحديث عنهم، لا تتناول ما كان كذبًا، إذ لا يعقل أن يبيح الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم رواية المكذوب أبدًا»(2).
- قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال»(3).
الثالث: ما جاء مسكوتًا عنه في شرعنا:
وأما «ما سكت عنه شرعنا، ولم يكن فيه ما يشهد لصدقه ولا لكذبه، وكان محتملًا، فحكمه أن نتوقف في قبوله فلا نصدقه ولا نكذبه»، وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم»(4)، أما روايته فجائزة على أنها مجرد حكاية لما عندهم، لأنها تدخل في عموم الإباحة المفهومة من قوله عليه الصلاة والسلام: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»(5)،(6).
قال الحافظ ابن كثير: هذا «محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا--------------------------------------------
(1) العظيم آبادي، عون المعبود (6/ 488) طبعة دار الحديث/ القاهرة.
(2) الإسرائيليات والموضوعات في التفسير والحديث - د. محمد حسين الذهبي، (ص 49).
(3) ابن كثير (1/ 7) البداية والنهاية.
(4) البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا (4/ 4215) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل (6/ 572) برقم: 3461) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(6) الإسرائيليات الذهبي، (ص 49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)