من بعدهم عبد الرزاق بن همام، وأبو قرة موسى بن طارق باليمن وروح بن عبادة بالبصرة (1)، ثم اتسعت التصانيف، وكثر أصحابها في سائر الأمصار" (2).
وقال ابن الأثير -في مقدمة جامع الأصول (3) -: "ما زال هذا العلم من عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين بعدهم، وتابع التابعين خلفًا بعد خلف، لا يشرف أحد منهم بعد حفظ كتاب اللَّه تعالى إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب (ما يسمع من الحديث) (4)، فتوفرت الرغبات فيه، وانعكفت (5) الهمم على تعلمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل--------------------------------------------
(1) (ع) أبو محمد رَوْح -بفتح الراء وسكون الواو وإهمال الحاء- ابن عبادة بن العلاء القيسي، البصري، ثقة فاضل له تصانيف وهي: كتاب (التفسير) استفاد منه الثعلبي برواية أبي الأزهر.
انظر: تهذيب التهذيب (1/ 11)، و (الكشف والبيان)، وله (السنن والأحكام).
قال البغدادي: "في مائة ألف حديث". كما في سير النبلاء (9/ 405)، وهدية العارفين (5/ 371)، وتاريخ التراث (1/ 66)، مات سنة (205 هـ) أو (207 هـ). وانظر: ترجمته في التقريب (ص 104)، وتاريخ ابن معين (2/ 168)، وطبقات ابن سعد (7/ 296)، وتاريخ بغداد (8/ 401)، وتذكرة الحفاظ (1/ 349).
(2) انتهى مختصرًا من الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 339).
(3) مقدمة جامع الأصول (1/ 39).
(4) وفي الأصل (1/ 39): إلا بحسب ما يُسْمَعُ من الحديث عنه.
(5) وفي الأصل (1/ 39): (وانقطعت).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 513)
ذاوت العدد، [ويقطع] (1) الفيافي والمفاوز (2)، ويجوب البلاد شرقًا وغربًا في طلب حديث واحد ليسمعه (3) من راويه، فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته، ومنهم من يقرن بتلك الرغبة (4) سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته (5) في نفسه وصدقه في نقله، وإما لعلو إسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله، وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معولين على ما يسطرونه محافظة على هذا العلم، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد وتفرقت الصحابة في الأمصار (6)، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرقت أتباعهم وقل الضبط، احتاح العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل فإن الخاطر يغفل (7)، والذهن يغيب، والذكر--------------------------------------------
(1) من (د)، (ج)، وفي بقية النسخ: وتقطع.
(2) الفيافي: جمع (فيفاه) وهي: المفازة التى لا ماء فيها مع الاستواء والسعة.
والمفاوز: جمع مفازة: وهي البرية القفر، المتسعة الخالية.
انظر: لسان العرب (9/ 274، 5/ 392).
(3) وفي (م): يسمعه.
(4) وفي (ب): الرغبات.
(5) وفي (ب): لتفتنه.
(6) وفي (ج): الأقطار.
(7) وفي (ب): تغفل.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 514)
يهمل، والقلم (1) يحفظ ولا ينسى، فانتهى الأمر إلى زمن جماعة من الأئمة مثل: عبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس وغيرهما ممن (2) كان في عصرهما فدوّنوا الحديث حتى (قيل) (3): إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج، وقيل: موطأ مالك، وقيل: إن أول من صنف وبّوب الربيع بن صبيح بالبصرة ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه وكثر ذلك إلى أن دوّن البخاري ومسلم صحيحيهما ثم زاد انتشار هذا النوع من التصنيف والجمع وكثر في أيدي المسلمين وبلادهم وتفرقت أغراضهم وتنوعت مقاصدهم، إلى أن انقرص ذلك العصر الذي كانا فيه عن جماعة من الأئمة العلماء (4) قد جمعوا وألفّوا مثل أبي داود (5)، والترمذي، والنسائي وغيرهم من العلماء الذين لا يحصون كثرة، وكأن ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى ثم من بعده نقص الطلب، وقل الحرص، وفترت الهمم، وكذلك (6) كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها فإنه مبتديء (7) قليلًا--------------------------------------------
(1) من (د)، وفي بقية النسخ: العلم.
(2) وفي (د): مما.
(3) من الأصل (1/ 40)، (ج)، وفي النسخ: حتى أن قيل.
(4) وفي (د) قبل هذه الكلمة: وهم.
(5) وفي (د): تقدم ذكر الترمذي عليه.
(6) سقطت من (د).
(7) وفي الأصل (1/ 42): يبتديء.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 515)
قليلًا ولا يزال ينمو (1) ويزيد ويعظم إلي أن يصل إلى غاية في منتهاه، ويبلغ إلى أمد هو أقصاه، ثم يعود فكانت غاية هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما من علماء الحديث، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا وسيزداد تقاصرًا والهمم قصورًا". انتهى.
وقال أبو طالب المكي في كتاب قوت القلوب (2): "هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد (سنة) (3) عشرين أو ثلاثين ومائة، ويقال: إن أول ما صنف (4) في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير بمكة، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن، جمع فيه سننًا منشورة (5) مبوبة (6) ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك في الفقه، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجامع، والتفسير في أحرف من علم القرآن، وفي الأحاديث المتفرقة، وجامع سفيان الثوري صنفه (7) أيضًا في هذه المدة، وقيل: إنها صنفت سنة ستين ومائة). انتهى (8).--------------------------------------------
(1) وفي (ب): ينمى، وفي (ج): ينمى.
(2) لم أقف على هذا النص في "قوت القلوب".
(3) سقطت من (ج).
(4) وفي (م): من.
(5) وفي (ع): منثورة بالثاء المثلثة.
(6) وفي (ع): محيرة.
(7) وفي (ب): وصنفه.
(8) تقدم ذكر هذه الكتب (ص 496 - 499).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 516)
وقال الدارقطني (1): "أول من صنف مسندًا نعيم بن حماد".
قال الخطيب: "وقد صنف أسد بن موسى مسندًا، وكان أكبر (من نعيم) (2) سنًا وأقدم سماعًا فيحتمل أن يكون نعيم سبقه في حداثته".
وفي تهذيب الكمال (3): "قال أبو الحسن [الميموني] (4) عن أحمد ابن حنبل: أول من عرفناه يكتب المسند نعيم بن حماد".
وقال الخطيب: " (يقال) (5): إنَّ أول من جمع المسند وصنفه نعيم ابن حماد".
وقال الحاكم: "أول من صنف المسند على تراجم الرجال في الإسلام عبيد اللَّه بن موسى العَبْسي، وأبو داود الطيالسي" (6).
وقال العراقي (7): "يقال إن أول مسند صنف مسند الطيالسي".--------------------------------------------
(1) لم أقف على هذه العبارة من قولة الدارقطني، وإنما وقفت عليها من قولة الخطيب البغدادي وسيأتي ذكرها.
انظر: تاريخ بغداد (13/ 306)، وسير أعلام النبلاء (10/ 597).
(2) سقطت من (ب).
(3) انظر: تهذيب الكمال (8/ 1427/ أ).
(4) من (د)، (ج)، وفي بقية النسخ: اليموني.
(5) سقطت من (د).
(6) انظر: سير أعلام النبلاء (9/ 554).
(7) انظر: التبصرة والتذكرة (1/ 106).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 517)
قيل: والذي حمل قائل هذا القول عليه (تقدم عصر أبي) (1) داود على أعصار من صنف المسانيد، وظن (2) أنه هو الذي صنفه (3) وليس كذلك فإنما هو من جمع (4) بعض الحفاظ الخرسانيين (5) جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب (6) خاصة عنه (7)، وشذ عنه كثير منه (8).--------------------------------------------
(1) سقطت بكمالها من (ب).
(2) وفي (ج): فظن.
(3) وفي (م): صنف.
(4) في (م): من جميع.
(5) منهم أبو مسعود الرازي.
قال الخطيب البغدادي: "قال لنا أبو نعيم: صنَّف أبو مسعود الرازي ليونس بن حبيب مسند أبي داود الطيالسي.
انظر: سير أعلام النبلاء (9/ 382).
(6) أبو بشر يونس بن حبيب بن عبد القاهر، مولاهم الأصبهاني، المحدث الحجة، كان من أروى الناس عن أبي داود الطيالسي، مات سنة (267 هـ).
سير أعلام النبلاء (12/ 596)، وأخبار أصبهان (2/ 345)، والجرح والتعديل (9/ 237)، وغاية النهاية في طبقات القراء (2/ 406).
(7) وهي الأحاديث التي سمعها منه في مجالس متعددة.
قال الذهبي: "سمع يونس بن حبيب عدة مجالس متفرقة فهي المسند الذي وقع لنا".
سير أعلام النبلاء (9/ 382).
(8) أي كثير من أحاديث أبي داود حتى قال البقاعي رحمه الله في نكته: ". . ولأبي داود من الأحاديث التى لم تدخل هذا المسند قدره -أي قدر المسند الذي جمعه يونس بن حبيب أو أكثر-، بل قد شذَّ عنه -يعنى عن بعض حفاظ الخراسانيين- كثير من رواية يونس عن أبي داود".
انظر: نكت البقاعي (ق 81/ ب)، وفتح المغيث (ص 86).
وقد طبع كتاب أبي داود الطيالسي.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 518)
وقال ابن عدي (1): يقال إنَّ يحيى الحماني أول من صنف المسند [بالكوفة، وأول من صنف المسند بالبصرة مسدد، وأول من صنف المسند] (2) بمصر (3) أسد السنة، وأسدٌ قبلهما، وأقدم [موتًا] (4).
وقال العقيلي (5): "عن علي بن عبد العزيز، سمعت يحيى الحِمَّاني (6) يقول: لا تسمعوا كلام (7) أهل الكوفة فيَّ؛ فإنهم يحسدونني--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب التهذيب (11/ 248، 10/ 109)، وكذلك قال ابن دقيق العيد في شأن أسد بن موسى الأموي "إنه أول من صنف المسند".
انظر: سير أعلام النبلاء (10/ 164).
(2) من (د)، وقد سقطت من بقية النسخ.
(3) وفي (م): عصرًا.
(4) من (د)، وفي (ج): منهما، وفي بقية النسخ: منها.
(5) أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي الحجازي، الإمام الحافظ الناقد، مصنف كتاب (الضعفاء)، توفى سنة (322 هـ).
سير أعلام النبلاء (15/ 236)، وتذكرة الحفاظ (3/ 833)، والوافي بالوفيات (4/ 291).
(6) وفي (د): ابن الحماني.
والحماني هذا هو: يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحِمَّاني -بكسر المهمة، وتشديد الميم- الكوفي، حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث.
مات سنة (228 هـ).
التقريب (ص 377)، وطبقات ابن سعد (6/ 411)، وتاريخ بغداد (14/ 167)، والأنساب (4/ 238)، والرسالة المستطرفة (ص 62).
(7) وفي (د): لكلام.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 519)
لأني أول من جمع المسند" (1).
وكانت وفاة أسد سنة اثنتي عشرة ومائتين (2)، ومات (3) نعيم، ومسدد والحِمَّاني جميعًا سنة (ثمان وعشرين (4) والعبسي سنة) (5) ثلاث عشرة (6) والطيالسي سنة ثلاث ومائتين (7).--------------------------------------------
(1) انظر: الضعفاء للعقيلي (4/ 414).
(2) وفي (م): سنة عشرة ومائتين، وما أثبته هو الصواب.
انظر: تهذيب التهذيب (1/ 260).
(3) سقطت من (د).
(4) أي: ومائتين.
انظر: تهذيب التهذيب (10/ 462)، وتاريخ خليفة (ص 479).
(5) سقطت من بقية النسخ.
(6) ومائتين.
(7) هكذا ذكر ابن سعد في طبقاته (7/ 398)، وأرّخ سنة وفاته عمرو بن علي الفلاس وخليفة بن خياط، وابن حجر سنة أربع ومائتين.
انظر: تاريخ خليفة (ص 472)، وطبقاته (ص 227)، وتهذيب التهذيب (4/ 185).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 520)
44 - وَأوَّلُ الجَامِعِ بِاقْتِصَارِ … عَلَى الصَّحِيْح فَقَط (1) البُخَارِي
(ش): قال (الإمام) (2) ابن الصلاح: "أول من صنف في الصحيح البخاري" (3) وعبارة النووي في التقريب: (في الصحيح المجرد) (4)، والسبب في ذلك: ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النسفي (5) قال: كنا عند إسحاق بن راهوية فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة--------------------------------------------
(1) سقطت من (د).
(2) سقطت من (د).
(3) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص 89).
(4) انظر: تقريب النووي (ص 33)، وكون البخاري أول من صنف في الصحيح صرَّح به أبو علي بن السكن، ومسلمة بن القاسم وغيرهما.
انظر: فتح المغيث (ص 22) وقوله (المجرد) نص على ذلك النووي في الإرشاد (ق 1/ ب)، والطيبى في الخلاصة (ص 36)، والبلقيني في المحاسن (ص 89)، وأبو الفيض الفارسي في جواهر الأصول في علم حديث الرسول (ص 18)، والسيوطي في تدريبه (1/ 88)، والقاسمي في قواعد التحديث (ص 82)، وأورد البلقيني رحمه الله في المحاسن تفسيرًا لكلمة (المجرد) التي ذكرها النووي فقال: "المجرد -أي من الإسناد- (ص 89)، والمعروف عند أهل الشأن أن مقصد البخاري في تسمية كتابه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه) كما في هدي الساري (ص 8) هو الحديث الصحيح المسند.
(5) أبو إسحاق إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي، الحافظ، العلامة، قاضي نسف وعالمها، ومصنف (المسند الكبير)، مات سنة (295 هـ).
تذكرة الحفاظ (1/ 686)، والجواهر المضية (1/ 111)، وطبقات المفسرين للداودي (1/ 32)، وشذرات الذهب (2/ 218).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 521)
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح" (1).
وعنه أيضًا قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه فسألت بعض المعبرين فقال: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح" (2).
قال: "وألفته في بضع عشرة سنة" (3).
تنبيه (4):
اعترض مغلطاي: (5) على ابن الصلاح بأنَّ مالكًا أول من صنف الصحيح وتلاه أحمد بن حنبل وتلاه الدارمي (6).--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ بغداد (2/ 8)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/ 74)، وسير أعلام النبلاء (12/ 401).
(2) ساقهما الحافظ ابن حجر في هدي الساري (ص 7) بسنده.
(3) انظر: تاريخ بغداد (2/ 14)، وفيه قال البخاري: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة"، وسير أعلام النبلاء (12/ 405).
(4) سقطت من (د).
(5) قال ابن حجر: "فيما قرأت بخطه". انظر: النكت (1/ 276).
(6) (م د ت) أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الفضل السمرقندي الدارمي، الحافظ، صاحب المسند، ثقة فاضل متقن، مات سنة (255 هـ).
التقريب (ص 180)، والجرح والتعديل (5/ 99)، وتاريخ بغداد (10/ 29)، والأنساب (5/ 280)، وتهذيب التهذيب (5/ 294)، وسير النبلاء (12/ 224).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 522)
قال: "وليس لقائل أن يقول: لعله أراد الصحيح المجرد فلا يَرِدُ كتاب مالك، لأنَّ فيه البلاغ والموقوف والمنقطع والفقه وغير ذلك، لوجود مثل ذلك في كتاب البخاري". انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في نكته: "وقد أجاب شيخنا -يعني العراقي- عن ما يتعلق بالموطأ بما نصه: إنَّ مالكًا لم يفرد الصحيح [بل أدخل في كتابه المرسل والمنقطع والبلاغات ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف كما ذكره ابن عبد البر فلم يفرد الصحيح (1)] إذًا".
قال الحافظ: "وكأن شيخنا لم يستوف النظر في كلام مغلطاي،--------------------------------------------
(1) من (د)، (ج)، وقد سقطت من بقية النسخ.
انظر: التقييد والإيضاح (ص 25)، من المعلوم عند أهل الحديث أن الإمام مالكًا رحمه الله روى في موطئه مراسيل وبلاغات كما سمعها، ولم تقع له موصولة وقد وصلها ابن عبد البر في كتاب التمهيد إلا أربع بلاغات لم يجد لها إسنادًا، ولا رآها في كتاب غير الموطأ، انظر: التقصي (ص 242).
وقد وصل ابن الصلاح تلك البلاغات الأربع في رسالة مستقلة قال فيها عن هذه البلاغات الأربع: "والقول الفصل عندي في ذلك كله ما أنا ذاكره وهو أنَّ هذه الأحاديث الأربعة لم ترد بهذا اللفظ المذكور في الموطأ إلا في الموطأ، ولا ورد ما هو في معنى واحد منها بتمامه في غير الموطأ إلا حديث "إذا نشأت بحرية" من وجه لا يثبت، والثلاثة الأخر: واحد وهو حديث "ليلة القدر" ورد معناه من وجه غير صحيح، واثنان منها ورد بعض معناهما من وجه جيد، أحدهما صحيح وهو حديث "النسيان" والآخر حسن، وهو حديث "وصية معاذ رضي الله عنه". أ. هـ
إذًا فقد صرح ابن الصلاح رحمه الله بأن حديثين من أربعة ضعيفان. =
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 523)
وإلا فظاهر قوله مقبول بالنسبة إلى ما ذكره في البخاري من الأحاديث المعلقة، وبعضها ليس على شرطه (1) بل وفي بعضها ما لا يصح، فقد مزج الصحيح بما ليس منه كما فعل مالك، قال: لكن الصواب في الجواب أن يقال: ما الذي أراده ابن الصلاح بقوله: أول من صنف الصحيح! ! هل أراد الصحيح من حيث هو؟ (2). أو أراد الصحيح المعهود الذي فرغ من تعريفه؟ ؟ والظاهر الثاني، وحينئذ فلا يرد ما ذكر لأنَّ الموطأ وإن كان عند من يرى الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وأقوال الصحابة صحيحًا فليس ذلك على شرط الصحة المعتبرة (3) عند أهل الحديث، والفرق بين ما فيه من المقطوع والمنقطع، وبين ما في البخاري من ذلك واضح (4) لأن الذي في الموطأ من ذلك هو مسموع لمالك كذلك في الغالب، وهو حجة عنده وعند من تبعه، والذي في البخاري من ذلك قد حذف البخاري أسانيدها عمدًا ليخرجها عن موضوع الكتاب وإنما يسوقها في تراجم الأبواب تنبيهًا--------------------------------------------
= انظر: رسالة في وصل البلاعات الأربع في الموطأ لابن الصلاح (ص 11)، مع تحقيق ومقدمة أبي الفضل الغماري (ص 4)، وهذا التحقيق من وجود الضعيف في بلاغات مالك يؤيد ما رواه العلماء عن ابن عبد البر من أنَّ من بلاغات مالك أحاديث لا تعرف.
(1) وفي (م): شرط.
(2) سقطت من (ب).
(3) وفي (ب): المعبرة.
(4) وفي (م): كلمة واضحة.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 524)
واستشهادًا [واستئناسًا] (1) وتفسيرًا لبعض آيات، وكأنه أراد أن يكون كتابه جامعًا لأبواب الفقه وغير ذلك من المعاني التي قصد (جمعها فيه) (2).
قال: "والحاصل أن أول من صنف الصحيح يصدق على مالك باعتبار انتقائه، وانتقاده للرجال، فكتابه أصح من الكتب المصنفة في هذا الفن من أهل عصره وما قاربه كمصنفات سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، والثوري، وابن إسحاق، ومعمر، وابن جريج،--------------------------------------------
(1) من (د)، وفي بقية النسخ: أو.
(2) وفي جميع نسخ النكت للحافظ: جمعها فيها.
قال محققه د/ ربيع: "ولعل الصواب: جمعها فيه".
وهذا واحد من أمور كثيرة لا تجعل الموطأ في درجة صحيح البخاري، وقد وقفت على كلام لأبي الفضل عبد اللَّه بن محمد الغماري قال فيه: ". . . لم يكن الموطأ في درجة البخاري لأمور:
1 - أن تلك الأحاديث -في الموطأ- إنما ورد ما يصحح معناها فقط، ولفظها غير وارد إطلاقًا، وأحاديث البخاري صحيحة بلفظها ومعناها.
2 - أن صحيح البخاري صحيح في ذاته لا يحتاج إلى من يصل بعض أحاديثه، بخلاف الموطأ فإنه محتاج إلى من يصل منقطعاته ومرسلاته وبلاغاته، بحيث لا نطمئن إلى شيء منها حتى نقف على أسانيدها في التمهيد أو غيره.
3 - أن الموطأ في أحاديث مسندة لم تبلغ درجة الصحة، ولم يخرجها البخاري، فكيف يكون الموطأ في درجته؟ ! ".
انظر: مقدمة أبي الفضل الغماري على كتاب ابن الصلاح في وصل البلاغات الأربع (ص 4، 5).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 525)
وابن المبارك، وعبد الرزاق وغيرهم.
ولهذا قال الشافعي (رضي اللَّه تعالى عنه) (1): "ما بعد كتاب اللَّه تعالى أصح من كتاب مالك" (2) فكتابه صحيح عنده وعند من تبعه ممن يحتج بالمرسل والموقوف.
وأما أول من صنَّف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث [الموصوف] (3) بالاتصال وغير ذلك من الأوصاف فالبخاري ثم مسلم (4) جزم به ابن الصلاح.
وأما قول القاضي أبي بكر بن العربي في مقدمة شرح الترمذي (5): "والموطأ هو الأصل الأول، والبخاري هو الأصل الثاني وعليهما بنى جميع من بعدهما كمسلم والترمذي وغيرهما"، فإن أراد مجرد السبق إلى التصنيف فهو كذلك، ولا يلزم منه مخالفة لما تقدم، وإن--------------------------------------------
(1) سقطت من (م)، (ج).
(2) انظر: ترتيب المدارك (2/ 70)، والذي ذكره أكثر العلماء بلفظ: "ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك".
قال الذهبى معلقًا على هذا القول: "هذا قاله قبل أن يؤلف الصحيحان"، وكذا قال العراقي.
انظر: التبصرة (1/ 41)، وسير أعلام النبلاء (8/ 99). والحلية (6/ 329)، وتذكرة الحفاظ (1/ 28).
(3) من (ب)، (ج)، وفي (م)، (ع) الموصول.
(4) وفي (ب): ثم جزم.
(5) انظر: عارضة الأحوذي (1/ 5).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 526)
أراد (1) الأصل في الصحة فكذلك أيضًا لكن على التأويل الذي أوّلناه.
وأما ما يتعلق بمسند أحمد فسيأتي الجواب عنه في نوع الحسن، وأما ما يتعلق بالدارمي فتعقبه العراقي بأنَّ فيه الضعيف والمنقطع (2).
قال الحافظ: "لكن بقي مطالبة مغلطاي لصحة (3) دعواه أن جماعة أطلقوا على مسند (4) الدارمي كونه صحيحًا فإني لم أر ذلك في كلام أحد ممن يعتمد عليه، ثم وجدت بخط مغلطاي أنه رأى بخط الحافظ المنذري (5) ترجمة كتاب الدارمي بالمسند الصحيح--------------------------------------------
(1) وفي (ب): أراده.
(2) انظر: التقييد والإيضاح (ص 56).
(3) وفي الأصل (1/ 280)، (ج): بصحة.
(4) هكذا سماه كل من ترجمه بـ: "مسند الدارمي"، وبعضهم يطلق عليه اسم "السنن"، وسوى بينهما الكتاني رحمه الله في الرسالة المستطرفة حيث قال: "وكسنن الدارمي فإنها تسمى مسند الدارمي" أ. هـ.
وأما السخاوي في فتح المغيث فقد نفى أن يكون المسند هو السنن.
انظر: تاريخ بغداد (10/ 29)، وطبقات المفسرين للداودي (1/ 235)، وتهذيب التهذيب (5/ 294)، وفتح المغيث (ص 86)، والرسالة المستطرفة (ص 74)، وفهرست مرويات ابن حجر (ص 109) وسماه مسند الدارمي، وسيأتي (ص 1354) ذكر المصنف أن للدارمي مسندًا وجامعًا فلعل الجامع هو (السنن)، فإن كان كذلك فهو من الأدلة على أنهما كتابان.
انظر سير أعلام النبلاء (12/ 228).
(5) أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد اللَّه المنذري، الشامي، ثم المصري، الحافظ الكبير، الإمام الثبت، توفي سنة (656 هـ). =
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 527)
الجامع، وليس كما زعم فلقد وقفت على النسخة التي بخط المنذري والورقة الأولى منه مع عدة أوراق ليست بخط المنذري بل هي (1) بخط أبي الحسن (2) بن [أبي] الحِصنى (3)، وخطه قريب من خط المنذري فاشتبه ذلك على مغلطاي، فليس (4) الحصنى (5) من [أحلاس] (6) هذا الفن حتى يحتج بخطه في ذلك، كيف ولو أطلق--------------------------------------------
= تذكرة الحفاظ (4/ 1436)، وفوات الوفيات (1/ 366)، وطبقات الشافعية للسبكي (5/ 108)
(1) وفي النكت (1/ 280): هو، قال المحقق: "كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: هي".
(2) وفي (د): أبي الحسين أو أبى الخير (كلمة غير واضحة).
(3) من الأصل (1/ 280)، وفي النسخ: أبي الحسن بن الحصين، وأبو الحسن بن أبي الحصني هو: مكين الدين أبو الحسن بن عبد العظيم الحصني -بكسر الحاء المهملة، وسكون الصاد المهملة وفي آخرها النون- هذه النسبة إلى حصن مسلمة ابن عبد الملك.
ذكره الذهبي في كتابه (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) (ص 210)، وقال: "المفيد".
انظر: الأنساب (4/ 175).
(4) وفي الأصل (1/ 280)، (ج): وليس.
(5) من الأصل (1/ 280)، وفي النسخ: الحصين.
(6) من النكت (1/ 280) (ج)، وفي كل النسخ: أجلاس (بالجيم)، قال محقق النكت: في هامش (ر) و (هـ): الحَلِسْ ككتف: الكبير من الناس والشجاع.
وانظر: القاموس (2/ 207)، ولسان العرب (6/ 55) بلفظ: أجلاس.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 528)
عليه ذلك من [يعتمد] عليه (1) لكان الواقع [يخالفه] (2)، لما في الكتاب المذكور من الأحاديث الضعيفة، والمنقطعة، والمقطوعة، والموطأ في الجملة أنظف أحاديث، وأتقن رجالًا منه، ومع ذلك كله فإني لست أسلم أن الدارمي صنف كتابه قبل تصنيف البخاري الجامع، لتعاصرهما، ومن ادعى ذلك فعليه [البيان] (3) ". انتهى (4).--------------------------------------------
(1) وفي (م): تعتمد، وفي بقية النسخ: تعمَّد، والصواب من الأصل (1/ 71).
(2) من (د)، ومن الأصل (1/ 280)، وفي (م): خلافه، وفي (ب) و (ع): بخلافه.
(3) من (د)، (ج)، وفي بقية النسخ كلمة غير واضحة.
(4) نكت ابن حجر (1/ 276 - 281).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 529)
45 - وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ وَالأَوَّلُ … عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ (1)
46 - وَمَنْ يُفَضِّل مُسْلِمًا فَإِنَّمَا … تَرْتِيبَهُ (2) وَصُنْعَهُ (3) قَدْ أَحْكَمَا
(ش): فيه مسألتان:
الأولى:
أن مسلمًا تلا البخاري في تصنيف الصحيح (4).
قال العراقي (5): "وقد (6) اعترض هذا بقول أبي الفضل أحمد بن سلمة (7): كنت مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمس ومائتين. وهذا تصحيف وإنما هو خمسين بزيادة الياء والنون--------------------------------------------
(1) سقط هذا البيت والذي يليه من نسخة (ب).
(2) وفي (ب) ترتيبه بضم الموحدة.
(3) وفي (س)، (ج): ووضعه.
(4) كما ذهب إليه الجمهور، وهو الصحيح المشهور.
انظر: التبصرة والتذكرة (1/ 39)، وفتح الباري كذلك (1/ 39)، ومقدمة ابن الصلاح (ص 89).
(5) انظر: التقييد والإيضاح (ص 25)
(6) وفي (ب): قد.
(7) أبو الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري البزار المُعَدَّل، الحافظ الحجة، رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ وإلى البصرة، توفي سنة (286 هـ).
تذكرة الحفاظ (2/ 637)، والجرح والتعدبل (2/ 54)، وتاريخ بغداد (4/ 186 - 187)، وسير أعلام النبلاء (13/ 373).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 530)
لأنه في سنة خمس كان عمر مسلم سنة، بل لم يكن البخاري صنَّف إذ ذاك فإنَّ مولده سنة أربع وتسعين ومائة" (1).
الثانية:
اختلف في التفضيل بين الصحيحين من حيث الأصحية على أقوال:
أحدها:
وعليه الجمهور، وهو الصواب: أن صحيح البخاري أصح.
قال أبو عبد الرحمن النسائي وهو شيخ أبي علي (2) النيسابوري (3): "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل" (4).
قال الحافظ ابن حجر في المقدمة: "والنسائي لا يعني بالجودة إلا جودة الأسانيد كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث، قال: ومثل هذا من (5) مثل النسائي (غاية في) (6) الوصف مع--------------------------------------------
(1) انظر: هدي الساري (ص 477).
(2) انظر: تهذيب الكمال (1/ 330 - محققة).
(3) أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري، الحافظ الإمام محدث الإسلام، أحد جهابذة الحديث شيخ الحاكم أبي عبد اللَّه، توفي سنة (349 هـ).
تذكرة الحفاظ (3/ 904)، والبداية والنهاية (11/ 236)، وتاريخ بغداد (8/ 71)، وذكر سماعه من النسائى بمصر، وطبقات السبكي (2/ 215).
(4) انظر: هدي الساري (ص 10 - 11).
(5) وفي (ب): ونكتًا.
(6) سقطت من (م).
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 531)
شدة تحريه وتوقيه وتثبته في نقد الرجال وتقدمه في ذلك على أهل عصره حتى قدمه قوم من الحذاق (1) في معرفة ذلك على مسلم ابن الحجاج، وقدمه الدارقطني في ذلك وغيره على إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة (2) صاحب الصحيح (3) ".
وقال الإسماعيلي (4) في المدخل: "أما بعد فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد اللَّه البخاري فرأيته جامعًا كما سمى لكثير من السنن الصحيحة، (ودالًا) (5) على جمل من المعاني [الحسنة] (6) المستنبطة التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته والعلم بالروايات وعللها (7) علمًا بالفقه واللغة، وتمكنًا (8) منها كلها،--------------------------------------------
(1) لعله يقصد بذلك الذهبى حيث قال: "لم يكن في رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم ومن أبى داود ومن أبي عيسى". سير أعلام النبلاء (14/ 133).
(2) من (ب)، (ع).
(3) سئل الدارقطني إذا حدَّث النسائي وابن خزيمة بحديث أيهما تقدمه؟ فقال: أبو عبد الرحمن. سؤالات حمزة السهمي (ص 133).
(4) أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي، إمام أهل جرجان والمرجوع إليه في الفقه والحديث وصاحب التصانيف، توفي سنة (371 هـ)
طبقات الشافعية للسبكي (2/ 79)، من طبقات الشيرازي (ص 116)، وتاريخ جرجان (ص 621)، وتذكرة الحفاظ (3/ 947).
(5) وكذلك في (ب)، (ج).
(6) من (د) ومن الأصل (1/ 11)، (ج)، وفي بقية النسخ: الحسية وهو تصحيف.
(7) وفي (م): وعالمها وهو تصحيف.
(8) وفي (ب): ونكتًا.
(খণ্ড: 12) (পৃষ্ঠা: 532)