المدرسة منهم من كان ببغداد، ومنهم من كان بالكوفة، ومنهم من كان بالبصرة، وأستاذ هذه المدرسة الأكبر هو: عبد الله بن مسعود، ولما ولَّى سيدنا عمر عمار بن ياسر على الكوفة سير معه عبد الله بن مسعود معلما، ووزيرا، وقد شرب من علمه أهل العراق عللا بعد نهل1، وأصبحوا متأثرين بطريقته في الاجتهاد في الفقه، والأحكام، والتفسير، وهي حرية الرأي في الاجتهاد وحسن التصرف في النصوص، وعدم الجمود عليها.
وقد روي عن مسروق أنه قال: وجدت علم أصحاب النبي صلى الل عليه وسلم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله: يعني ابن مسعود، وفي رواية أخرى: ذكر أبا موسى بدل أبي الدرداء2، ولكن الحروب لم تدع لأبي الحسن علي متسعا للرواية والزعامة العلمية بعد الخلافة، فمن ثم صارت الزعامة لابن مسعود، ومن أشهر طلاب هذه المدرسة:
1- مسروق بن الأجدع:
هو: أبو عائشة: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية، الهمداني الكوفي، العابد، العالم، العامل، روى عن الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهم.
وكان أعلم أصحاب ابن مسعود، وأكثرهم أخذا عنه، قال علي ابن المديني: ما أُقَدِّم على مسروق أحدًا من أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود، وقال الشعبي: ما رأيت أطلب للعلم منه، وقد قال فيه ابن معين: ثقة، لا يُسأل عن مثله، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة في كتبهم وقد ورد عنه في التفسير رويات كثيرة، استفادها من شيخه ابن مسعود؛ فقد روى عنه أنه قال: كان عبد الله -يعني ابن مسعود- يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار، وتوفي سنة ثلاث وستين من الهجرة على الأصح.--------------------------------------------
1 العلل: الشربة الثانية، والنهل: الشربة الأولى
2 علوم الحديث لابن الصلاح ص 262، 263.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
2- قتادة بن دعامة:
هو: أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه2، عربي الأصل كان يسكن البصرة، روى عن بعض الصحابة والتابعين، وكان واسع الاطلاع في الشعر العربي، بصيرًا بأيام العرب، عالمًا بأنسابهم، متضلعًا في اللغة العربية، وقد اكتسب شهرة في التفسير، قال فيه سعيد بن المسيب: "ما رأيت عراقيا أحفظ من قتادة"، وقد احتج به أصحاب الكتب الستة، إلا أنه كان يخوض في القدر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكر القدر فأمسكوا"، فمن ثم تحاشى بعض العلماء الأخذ عنه، وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة.
3- الحسن البصري:
هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، مولى الأنصار، وأمه خيرة مولاة السيدة أم سلمة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بوادي القرى، وكان فصيحا، ورعا، زاهدا، واعظا، لا يجارى في وعظه، روى عن بعض الصحابة والتابعين، وروى عنه الكثيرون من أتباع التابعين، قال فيه ابن سعد: كان الحسن جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما، وقيل: إنه اكتسب هذه الفصاحة، لأنه رضع من السيدة أم سلمة مولاة أمه2، وقيل: إنه أفضل التابعين، وقد رويت عنه في التفسير روايات كثيرة، وقد تعرض لها العلماء بالنقد، وبيَّنوا الصحيح من الضعيف، وكان وفاته سنة عشر ومائة.
4- مرة الهمداني:
هو أبو إسماعيل: مرة بن شراحيل الكوفي العابد، المعروف بمرة الطيب، ومرة الخير؛ لكثرة عبادته، وشدة ورعه، وتقواه، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، وروى عنه الشعبي وغيره، وثقه ابن معين وغيره من أئمة الجرح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
والتعديل، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكان من المعروفين بتفسير القرآن، توفي سنة ست وسبعين من الهجرة.
5- الضحاك بن مزاحم:
هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، مولاهم الخراساني، روى عن بعض الصحابة، وأخذ عنهم العلم، وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو زرعة، وكان له شهرة بالتفسير، توفي سنة خمس ومائة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
د- مدرسة الشام:
وقد اشتهر منهم:
1- عبد الرحمن بن غنم الأشعري:
وقد بعثه الفاروق عمر بن الخطاب إلى الشام؛ كي يُفَقِّهَ الناس ويعلمهم القرآن والسنة، وكان قد لقي معاذ بن جبل، وروى عنه وكان كبير القدر. صادقًا فاضلًا. توفي سنة 78هـ.
2- عمر بن عبد العزيز بن مروان:
وهو: الخليفة الثامن من بني أمية، ولد بالمدينة، ونشأ بمصر. حدث عن أنس بن مالك، وعن كثير من التابعين، وكان إماما فقيها، مجتهدا، عارفا بالقرآن، والسنن، كبير الشأن في العلم زاهدا، قانتا لله، وكان يقرن بعمر بن الخطاب في عدله، وبالحسن البصري في زهده، وبالزهدي في علمه، قال مجاهد: "أتيناه لنُعلِّمه، فما برحنا حتى تعلمنا منه"، وله الفضل الأكبر في الأمر بجمع السنن والأحاديث، وكانت وفاته سنة واحد ومائة هجرية.
3- رجاء بن حيوة الكندي:
شيخ أهل الشام، وعالمهم، روى عن معاوية، وعبد الله بن عمر، وجابر وغيرهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
قال ابن سعد: كان رجاء فاضلا، ثقة، كثير العلم، توفي سنة ثلاث عشر ومائة.
4- كعب الأحبار:
وستأتي الكتابة عنه بتوسع إن شاء الله، وبيان ما له، وما عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
هـ- مدرسة مصر:
وقد اشتهر بالعلم، والرواية، والتفسير من هذه المدرسة:
1- يزيد بن أبي حبيب الأزدي:
كان عالم مصر في عصره، قال فيه الليث بن سعد: "يزيد عالمنا وسيدنا"، وهو أحد ثلاثة عهد إليهم عمر بن عبد العزيز بالفتيا في مصر1، وهو بربري الأصل، أبوه من دنقلة، ونشأ بمصر، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة.
2- أبو الخير: مرثد بن عبد الله اليزني:
روى عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني، وتوفي سنة تسعين.--------------------------------------------
1 ضحى الإسلام جـ 2 ص 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
و مدرسة اليمن:
وقد اشتهر من مدرسة اليمن:
1- طاوس بن كيسان اليماني:
سمع زيد بن ثابت، وعائشة، وأبا هريرة وغيرهم، قال فيه عمرو بن دينار: "ما رأيت أحدا مثل طاووس"، وقال فيه الذهبي "كان طاوس شيخ أهل اليمن"،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وكان كثير الحج، فاتفق موته بمكة سنة ست ومائة، وله آراء في تفسير القرآن الكريم.
2- وهب بن منبه الصنعاني:
عالم أهل اليمن، روى عن ابن عمر، وابن عباس وجابر، وغيرهم، وكان ثقة، توفي سنة أربع عشرة ومائة، وقد روي عنه في التفسير روايات كثيرة جدًّا، مما في كتب أهل الكتاب، وسيأتي الكلام عنه بما له، وما عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
طبقة أخرى من المفسرين بالمأثور:
ثم بعد هذه الطبقة أُلِّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان الثوري المتوفي سنة 161هـ، وسفيان بن عيينة، المتوفى سنة 198هـ، ووكيع بن الجراح، المتوفى سنة 196هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160هـ، ويزيد بن هارون المتوفى سنة 206هـ، وعبد الرزاق الصنعاني، المتوفى سنة 1211هـ، وآدم بن أبي إياس، وإسحاق بن راهويه، المتوفى سنة 238هـ، وروح بن عبادة، وعبد بن حميد، المتوفى سنة 249هـ، وسنيد1 م "220"هـ وأبي بكر بن أبي شيبة م "235" هـ وآخرين غيرهم.
والظاهر أن هذه التفاسير كانت مستقلة عن الحديث، وأن هذا العصر كانت فيه الطريقتان: طريقة التأليف في التفسير، على أنه جزء من الحديث، وطريقة التأليف في التفسير على سبيل الاستقلال.
طبقات أخرى بعد هذه الطبقة:
ثم جاء بعد هؤلاء طبقات أخرى، ألفت في التفسير وذلك مثل الإمام أحمد بن حنبل "م 241"، والبخاري "م 256هـ"، وبقى بن مخلد القرطبي "م 279هـ" وابن ماجه "م 273هـ"، ثم محمد بن جرير الطبري، "م310هـ"، وابن أبي--------------------------------------------
1 بضم السين المهملة، وفتح النون، وسكون الياء آخره دال مهملة، لقب الحسين بن داود المصيصي، وله تفسير مسند. المتوفى سنة عشرين ومائتين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
حاتم، "م327هـ" ثم الحاكم، 405هـ" وابن مردويه، "م401هـ"، وأبو الشيخ ابن حيان في آخرين غيرهم وتفاسير هؤلاء كانت مسندة إلى الصحابة والتابعين، وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك، إلا ما كان من تفسير ابن جرير، فإنه يتعرض للاستشهاد بالشعر على المعاني القرآنية، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط فهو يفوقها بذلك.
والظاهر: أن القرن الثالث الهجري، لم ينفصل فيه التفسير عن الحديث كل الانفصال، وأنه كانت فيه الطريقتان، طريقة التأليف في التفسير كجزء من الحديث، وطريقة التأليف فيه على سبيل الاستقلال. وليس أدل على ذلك، من أن الإمام البخاري ذكر في ضمن كتابه: "الصحيح" كتاب التفسير نحو عشر الصحيح، وألف في التفسير على سبيل الاستقلال كتابه: "التفسير الكبير"1 كما ألفه فيه ابن جرير الطبري على سبيل الاستقلال، ثم جاء بعده ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم، فألفوا في التفسير على سبيل الاستقلال.
حذف الأسانيد وغلبة الدخيل:
ثم ألف في التفسير بعد هذا خلائق كثيرون، فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال من غير أن يعزوها إلى قائلها، فمن ثم دخل الدخيل من ذي قبل، والتبس الصحيح بالعليل، وصار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك من يجيء بعده ظانًّا أن له أصلا غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، وولع المفسرون بالإكثار من الأقوال حتى رأينا بعضهم ذكر في تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} عشرة أقوال، مع أن تفسيرها باليهود، والنصارى هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين2.--------------------------------------------
1 أعلام المحدثين للمؤلف ص 116.
2 الإتقان في علوم القرآن جـ 2 ص 190، مقدمة في أصول التفسير ص 33، 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وقد كان حذف الأسانيد مما ساعد على شيوع القصص الإسرائيلي في كتب التفسير، وعلى رواج الروايات الواهية، والمختلقة المكذوبة؛ لأن ذكر الأسانيد كثيرا ما يدل على موضع العلة، ومكمن الداء، ومن هو سبب البلاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
تلون كتب التفاسير بثقافة مؤلفيها:
ثم ألفت بعد ذلك كتب يغلب عليها التأويل، والتفسير الاجتهادي لعلماء برعوا في بعض العلوم، وبرزوا فيها، ومنهم: من هُم من أهل السنة والجماعة، ومنهم: من هم من أهل الزيغ والابتداع، فصار كل واحد منهم يميل بالتفسير إلى إبراز ما برع فيه، فالنحوى ليس له هم إلا الإعراب وذكر الأوجه المحتملة في الآية، ونقل قواعد النحو ومسائله وخلافياته كأن كتب التفسير مجان للتمرين النحوي، واستذكار القواعد، وذلك: كالزجاج، والواحدي في البسيط، وأبي حيان في البحر المحيط.
والإخباري ليس له هَمٌّ إلا ذكر القصص. واستيفاؤها عمن مضى من الأنبياء، والأمم، والملوك، وذكر ما يتعلق بالفتن والملاحم وأحوال الآخرة، ولا عليه بعد هذا إن كانت صحيحة، أو باطلة؛ لأنه لم يتحر الصدق، ولم يبحث عن الرواة، وكونهم ثقات أو غير ثقات، وذلك كما فعل الثعلبي في تفسيره، فقد حشاه بالكثير من القصص الإسرائيلي، والروايات المكذوبة الموضوعة.
والفقيه: يكاد يسرد فيه مسائل الفقه جميعها، وكثير ما يستطرد إلى إقامة الأدلة، وبيان منشأ الخلاف إلى غير ذلك مما لا تعلق له بالآية والأدهى من ذلك أنه يفيض في أدلة مذهبه، والميل بالآية إليه، ومحاولة إضعاف مذهب غيره، وذلك: كما فعل الإمام القرطبي في تفسيره، فإن ما فيه من التفسير أقل مما فيه من الأحكام الفقهية، ولا سيما على مذهب إمام دار الهجرة مالك رحمه الله تعالى.
وصاحب العلوم العقلية قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء، والفلاسفة وشبههم، والرد عليهم، ويخرج من شيء إلى شيء، ويستطرد، ثم يستطرد حتى ينسى الإنسان أنه في كتاب تفسير، ويخيل إليه أنه يقرأ كتابا من كتب الكلام، والملل والنحل، كما صنع الإمام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
الجليل: فخر الدين الرازي، ولذلك: قال أبو حيان في: "البحر المحيط": جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء1: "فيه كل شيء إلا التفسير".
وفي الحق: أنا لا أوافق هذا القائل؛ فإن فيه تفسيرًا كثيرا، ولو أنه رحمه الله اقتصر على التفسير واقتصد في مناقشة آراء الفلاسفة والمتكلمين، وسرد أقوالهم، لكان أولى وأجمل.
ومن العلماء المتأخرين المحققين من أكثر من الاستطراد، وذكر أدلة الموافق والمخالف في كل مسألة من المسائل، وقد يسر له هذا تأخره الزمني، وسعة اطلاعه على أقوال من سبقوه، ومؤلفاته، حتى إنه ليذكر في بعض الموضوعات، والمسائل، ما يصل إلى حجم رسالة صغيرة، فمن ثم: جاء كتابه شاملا، أو خلاصة لكلام كل من سبقوه في التفسير وغيره أو إن شئت فقل: معلمة للتفسير وغيره، وذلك كما صنع الإمام الجليل الآلوسي في تفسيره العظيم2.--------------------------------------------
1 قيل: هو ابن عطية.
2 الإتقان جـ 2 ص 190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
تفسيرات المبتدعة والباطنية والملحدة:
وأصحاب المذاهب المبتدعة: كالشيعة، والمعتزلة، وأضرابهم. قد نحوا بالتفسير ناحية مذاهبهم، وفي سبيل ذلك قد حرفوا بعض الآيات وخرجوا بها عن معانيها المرادة، وعن قواعد اللغة، وأصول الشريعة وصار الواحد منهم كلما لاحت له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال لإظهار بدعته وترجيح مذهبه سارع إليه، ومن هذه التفاسير تفاسير جليلة خدمت القرآن خدمة جليلة، وذلك كتفسير الكشاف للإمام الزمخشري، ولولا ما فيه من آراء اعتزالية، لكان أجل تفسير في بابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
قال الإمام البلقيني: استخرجت من "الكشاف" اعتزالا بالمناقيش، من قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ، قال الزمخشري: "وأي فوز أعظم من دخول الجنة"؟ أشار به إلى عدم رؤية الله في الآخرة، الذي هو مذهبهم1.
ومنها: تفاسير باطلة، ضالة مضلة، كتفاسير الباطنية2، والروافض، وبعض المتصوفة، والملحدين3 فقد ألحدوا في آيات الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وخالفوا القواعد اللغوية والشرعية وافتروا على الله ما لم يرده من كتاب: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه} .
ومن تفسيرات الباطنية: قولهم في قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} أن الإمام عليا ورث النبي في علمه، ويقولون: الكعبة هي: النبي، والباب هو: علي، إلى غير ذلك من أباطيلهم.
ومن تفسيرات الباطنية: قولهم في قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان} : أن المراد بهما علي، وفاطمة، وقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَان} : أن المراد: الحسن والحسين، وقولهم في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةَ} هي: عائشة، إلى غير ذلك: من تحريفاتهم للنصوص القرآنية4. ومن تفسيرات الملحدة: قولهم في قوله تعالى حكاية عن قول الخليل إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} : أنه كان له صديق وصفه بأنه قلبه، وفي قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه} : إنه الحب، والعشق، إلى غير ذلك من تخريفاتهم وتحريفاتهم للقرآن الكريم.--------------------------------------------
1 الباطنية: فرقة من الفرق الضالة، قالوا: للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر.
2 فرقة مغالية من الشيعة رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر وكفروهما.
3 قوم مالوا عن الحق إلى الباطل ويطعنون في دين الإسلام بنشر الآراء الضالة، والأفكار الزائفة، وهم أضر الطوائف؛ لأنهم يتسترون بالإسلام فيخدع الناس بآرائهم ومنهم: الباطنية وأمثالهم من منحرفي المتصوفة.
4 مقدمة في أصول التفسير ص 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ومن تحريفات بعض المتصوفة في كلام الله: قول بعضهم في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه} أن معناه "من ذل" أي من الذل، "ذي": إشارة إلى النفس، "يشف": من الشفا جواب من، و"ع" أمر من الوعي.
وقد سئل الإمام سراح الدين البلقيني: عمن قال هذه: فأفتى بأنه ملحد، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} ، قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه1، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام.
وهي تخريفات، وتحريفات للقرآن الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وصرف له عن ظاهره المراد لغة وشرعًا، وهؤلاء أضر على الإسلام من أعدائه، والعدو المداجي المتستر بالتشيع، أو التصوف ونحوه شر من العدو المكاشف، المستعلن، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفئات الضالة، المضلة المحرفة لكتاب الله، فقال فيما رواه عنه حذيفة: "إن في أمتي أقواما يقرأون القرآن، ينثرونه نثر الدقل2، يتأولون القرآن على غير تأويله".
وقد حاول هؤلاء أن يؤيدوا آراءهم ومذاهبهم، فافتروا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته الأطهار، فمن ثم: دخل في تفاسيرهم من المرويات الباطلة شيء كثير.--------------------------------------------
1 الإتقان ج2 ص 184.
2 الدفل: ردى النمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
التفسير بغير المأثور
مدخل
…
2- التفسير بغير المأثور:
وقد اختلف العلماء في التفسير بغير المأثور، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالما أديبا متسعا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو والأخبار، والآثار، وليس له أن ينتهى إلا إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى صحابته الآخذين عنه، ومن أخذ عنهم من التابعين.
وأجاز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الأكثرون من السلف الصالح والعلماء، ولكلٍ وجهة، ولكلٍ أدلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
أدلة القائلين بعدم جواز التفسير بالرأي والاجتهاد:
1- ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"، رواه أبو داود، والترمذي، وقال فيه: هذا حديث غريب، والنسائي.
2- ما روي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الحديث عليَّ إلا ما علمتم؛ فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار". رواه الترمذي وأبو داود.
3- ما روي عن السلف الصالح من الصحابة، فمن بعدهم من التحرج من الكلام في تفسير القرآن، فمن ذلك ما رواه ابن أبي مليكة، قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير حرف من القرآن فقال: "أي سماء تظلني؟، وأي أرض تقلني؟، وأين أذهب؟، وكيف أصنع إذا قلت في حرف1 من كتاب الله بغير ما أراد الله؟، وفي رواية: "إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم؟ ".
ومنه: ما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: "أنا لا أقول في القرآن شيئا"، وكان سعيد إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت، كأن لم يسمع شيئا.
ومنه: ما روي عن الشعبي أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح: والرؤى2" وما روي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة: يعني السلماني -وهو تابعي جليل- عن آية من القرآن فقال: "ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد"3، وروي عن مسروق: أنه قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله". إلى نحو ذلك من النقول4.--------------------------------------------
1 أي كلمة.
2 تفسير الأحلام وفي بعض الكتب "والرأي".
3 أي الصوب وهو عدم الخوص في تفسير القرآن.
4 تفسير القرطبي جـ1 ص 34، تفسير ابن كثير والبغوي جـ1 ص 12-14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
مناقشة هذه الأدلة:
وقد ناقش المجوزون للتفسير بالرأي والاجتهاد هذه الأدلة فقالوا:
1- أما الحديث الأول: ففي صحته وثبوته نظر؛ لأن أحد رواته وهو: سهيل بن أبي حزم القطيعي قد تكلم فيه، وعلى فرض صحتهما والتسليم بهما، فقد أجاب عنهما العلماء بما يأتي:
أ- أن المراد من يقول في القرآن بمجرد رأيه وهواه، بأن يجعل الرأي أصلًا والقرآن تبعًا؛ وذلك بأن يكون له في المسألة رأي، وإليه ميل بطبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه؛ ليحتج به على تصحيح غرض، ولو لم يكن ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، ومثل هذا إن صادف الحق والصواب في الواقع ونفس الأمر فإنما هو اتفاق من غير قصد، ورمية من غير رامٍ، وهذا الصنف من الناس قد يكون معه علم وذلك: كالذين يحتجون ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، كالمعتزلة، والشيعة، والخوارجن وأمثالهم، وقد يكون مع الجهل، وذلك، كالمعتزلة، والشيعة والخوارج، وأمثالهم، وقد يكون مع الجهل، وذلك: كما يصنع بعض الذين يدعون العلم اليوم، ويتهجمون على تفسير كتاب الله بالهوى والاستحسان، فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويخرجون بالقرآن عن منهجه الواضح المستقيم.
ب- أن المراد بالحديثين من يفسر المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.
جـ- أو الذي يفسر القرآن، ولم يعرف من العلوم اللغوية والشرعية ما يؤهله لهذا، فمثل هذا، وإن أصاب الصواب فقد أخطأ الطريق الصحيح في تفسيره1.
1 أما ما ذكرتموه عن السلف الصالح، من الصحابة والتابعين: فهو معارض بما يخالفه، فقد روي عن الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الكلالة فقال:
أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له، ولا والد"، فلما ولي الخلافة الفاروق عمر رضي الله عنه قال: "إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي--------------------------------------------
1 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
رآه"، رواه ابن جرير، وغيره1، وهذا يدل على أنه قوله: "أي سماء تظلني....." إنما أراد به ما لم يقم عليه دليل، وما لا علم له به، أو تخوفا من أن لا يصيب مراد الله، وكذلك: يحمل ما روي عن بعض السلف مما ذكروه على هذا.
قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره: "فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا: فلا حرج عليه2، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه، مما يعلمه، لقوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَه} 3، ولما جاء في الحديث الذي جاء من طرق: "من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" 4 رواه الترمذي.
وأيضا: فقد روي عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم القول في تفسير القرآن، وذلك كالسادة الأخيار: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم، فلولا أن تفسير القرآن جائز لمن تأهل له لما فعلوه؛ لأنهم كانوا أشد الناس ورعا، وتقوى، ووقوفا عند حدود الله.
وكذلك: ورد تفسير القرآن عن كثير من خيار التابعين، كسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، ومسروق، والشعبي، وغيرهم، مما يدل على أن من امتنع منهم من تفسير القرآن إنما كان زيادة احتياط، ومبالغة في التورع.
ولعلهم رضي الله عنه أرادوا بهذا أن يتريث من يريد تفسير كلام الله، ثم يتريث قبل أن يتكلم فيه، ويحجم قبل أن يقدم، وأن يكونوا قدوة حسنة لمن سيجيء بعدهم، وعسى أن يكونوا في موقفهم هذا مع جلالتهم وعلمهم بالقرآن مذكر لهؤلاء الذين يتجاورون--------------------------------------------
1 الإتقان جـ 2 ص 179، 183.
2 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 2 ص 370، 371.
3 آل عمران: 187.
4 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)