.............................
ــ
حق)) في حديث عبد الله بن عمرو، أي ليس بباطل، وهو كلام عربي خرج على جواب السائل ولا مخالفة بينه وبين حديث: ((لا فرع ولا عتيرة)) ، فإن معناه لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة. وقيل: النهي موجه إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، فيكون المنع غير متناول لما ذبح من الفرع والعتيرة لغير ذلك مما فيه وجه قربة. وقيل: المراد بالنفي المذكور أنهما ليسا كالأضحية في تأكد الاستحباب أو في ثواب إراقة الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة، والجمع الأول أولى. وقال النووي: نص الشافعي في حرملة على أن الفرع والعتيرة مستحبان، ويؤيده حديث نبيشة قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: ((اذبحوا لله في أي شهر كان)) ، قال: إنا نفرع في الجاهلية. قال: ((في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه فإن ذلك خير)) ، وفي رواية: ((السائمة مائة)) ، ففي هذا الحديث أنه – عليه السلام – لم يبطل الفرع والعتيرة من أصلهما وإنما أبطل صفة من كل منهما، فمن الفرع كونه يذبح أول ما يولد ومن العتيرة خصوص الذبح في شهر رجب. وقال ابن قدامة: المراد بحديث أبي هريرة نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا كراهته فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو للصدقة به وإطعامه لم يكن ذلك مكروهاً. وذهب جماعة إلى أن أحاديث الجواز منسوخة بأحاديث المنع. قال ابن المنذر: النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، وما قال أحمد أنه كان ينهى عنهما ثم أذن في فعلهما. وقال ابن قدامة: حديث أبي هريرة في النهي متأخر عن الأمر بها فيكون ناسخاً، ودليل تأخره أمران: أحدهما أن راويه أبوهريرة، وهو متأخر الإسلام فإنه أسلم عند فتح خيبر سنة سبع من الهجرة. والثاني أن فعل الفرع والعتيرة كان أمراً متقدماً على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له، ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر – انتهى. هكذا قرر النسخ ولا يخفى ما فيه، وادعى عياض أن جماهير العلماء على النسخ، وبه جزم الحازمي، وما تقدم نقله عن الشافعي يرد عليهم، وقد كان ابن سيرين يذبح العتيرة في رجب، وقال وكيع بن عدس – راوي حديث أبي رزين -: لا أدعه، وجزم أبوعبيد بأن العتيرة تستحب، ونقل الطحاوي عن ابن عون أنه كان يفعله، وفي هذا تعقب على من قال إن ابن سيرين تفرد بذلك، وقال في شرح السنة: كانوا يذبحون الفرع لآلهتهم في الجاهلية، وقد كان المسلمون يفعلونه في بدء الإسلام، أي لله سبحانه ثم نسخ ونهي عنه أي للتشبه. وقال القاري: الظاهر أن حديث نبيشة كان في صدر الإسلام ثم وقع النهي العام للتشبه بأهل الأصنام – انتهى. قلت: أعدل الأقوال عندي هو الجمع بين الأحاديث بما ذكره الشافعي ومن وافقه،
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 113)
متفق عليه.
{الفصل الثاني}
1492- (2) عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة، فسمعته يقول: ((يا أيها الناس! إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟
ــ
لأن الجزم بالنسخ لا يجوز إلا بعد ثبوت أن أحاديث المنع متأخرة، ولم يثبت هذا العدم العلم بالتاريخ، ولأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز، وقد تأيد ما ذكره الشافعي من وجه الجمع بأحاديث نبيشة وعائشة وعبد الله بن عمرو وغيرهم، والله تعالى أعلم. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج9 ص313) وغيرهم.
1492- قوله (عن مخنف) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح النون كمنبر (بن سليم) بالتصغير – ابن الحارث بن عوف الأزدي الغامدي، أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل الكوفة بعد ذلك، واستعمله علي بن أبي طالب على أصبهان وكان معه راية الأزد يوم صفين، وكان ممن خرج مع سليمان بن صرد في وقعة عين الوردة، وقتل بها سنة (64) . (كنا وقوفاً) بضم الواو أي وافقين (بعرفة) يعني في حجة الوداع، كذا في جميع النسخ بعرفة، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج4 ص121) ، وفي الترمذي وأبي داود "بعرفات". (إن علي كل أهل بيت) قال السندي في حاشية النسائي: ظاهره الوجوب لكنهم حملوه على الندب المؤكد – انتهى. قلت: هذا الحديث من جملة الأدلة التي تمسك بها من قال بوجوب الأضحية، وقد تقدم الكلام على ذلك. وقال ابن الجوزي: هذا الحديث متروك الظاهر، إذ لا يسن العتيرة أصلاً، ولو قلنا بوجوب الأضحية كانت على الشخص الواحد لا على جميع أهل البيت – انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: ((إن على كل أهل بيت)) مقتضاه أن الأضحية الواحدة تكفي عن تمام أهل البيت، ويوافقه ما رواه الترمذي عن أبي أيوب: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس، فصارت كما ترى، وقال: هذا حديث حسن صحيح، قال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا تجزئ الشاة الواحدة إلا عن نفس واحدة، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم. وقال ابن العربي في شرحه في قوله الثاني: الآثار الصحاح ترد عليه – انتهى. (وعتيرة) قال القاري: وهي شاة تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية (لأصنامهم) والمسلمون في صدر الإسلام (لله سبحانه) ، قال الخطابي: وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم الدين، وأما العتيرة التي يعترها أهل الجاهلية فهي
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 114)
هي التي تسمونها الرجبية)) . رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب ضعيف الإسناد، وقال أبوداود: والعتيرة منسوخة.
ــ
الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام، ويصب دمها على رأسها، في النهاية: كانت العتيرة بالمعنى الأول في صدر الإسلام ثم نسخ - أي للتشبه بأهل الأصنام -، (هي التي تسمونها الرجبية) أي الذبيحة المنسوبة إلى رجب لوقوعها فيه. (رواه الترمذي … ) الخ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج4 ص215) و (ج5 ص76) ، وابن أبي شيبة وأبويعلى والبزار والبيهقي والطبراني كلهم من طريق ابن عون عن عامر أبي رملة عن مخنف. (وقال الترمذي: هذا حديث غريب ضعيف الإسناد) فيه نظر؛ لأن عبارة الترمذي هكذا "هذا حديث حسن غريب، لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون"- انتهى. وهذا كما ترى ليس فيه الحكم بضعف إسناد هذا الحديث، وهكذا وقع هذا الكلام في جميع النسخ الحاضرة للترمذي، وكذا نقله الزيلعي في نصب الراية (ج4 ص211) والمنذري في مختصر السنن (ج3 ص92) والمجد ابن تيمية في المنتقى. قال ميرك: وكذا نقله عنه صاحب التخريج – انتهى. وقال الحافظ في بحث الفرع والعتيرة من الفتح (ج22 ص283) : ضعفه الخطابي، لكن حسنه الترمذي، وجاء من وجه آخر عند عبد الرزاق عن مخنف بن سليم – انتهى. قلت: وسكت عنه أبوداود. وقال الحافظ في بحث حكم الأضحية من الفتح (ج23 ص323) : أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي – انتهى. وقال أبوبكر المعافري: حديث مخنف بن سلم ضعيف لا يحتج به، وقال الزيلعي (ج4 ص211) : قال عبد الحق: إسناده ضعيف، قال ابن القطان: وعلته الجهل بحال أبي رملة، واسمه عامر، فإنه لا يعرف إلا بهذا، يرويه عنه ابن عون، وقدر رواه عنه – أي عن مخنف – أيضاً ابنه حبيب، وهو مجهول أيضاً، قال الزيلعي: رواه من هذه الطريق عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا ابن جريج أخبرني عبد الكريم عن حبيب بن مخنف بن سليم عن أبيه، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في معجمه – انتهى. قلت: وأخرجه أيضاً أحمد (ج5 ص76) من طريق عبد الرزاق، لكن وقع فيه التصريح بكون حبيب بن مخنف صحابياً، وهو وهم، وفي الإسناد عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك، وإنما هو عن حبيب بن مخنف عن أبيه، قال أبونعيم: وهو الصواب، قال: وكان عبد الرزاق يرويه مرة مجرداً ومرة لا يقول عن أبيه، وقال ابن عبد البر في ترجمة حبيب هذا بعد ذكر حديثه من طريق عبد الرزاق وأبي عاصم لا يصح حديثه قال: إلا أن عبد الرزاق قال: لا أدري أعن أبيه أم لا – انتهى. وهذا وجه ثالث عن عبد الرزاق، والرواية المشهورة إنما هي طريق ابن عون عن أبي رملة عن مخنف، وأبورملة مجهول، فالظاهر أن الترمذي إنما حسن هذا الحديث لشواهدة. (وقال أبوداود والعتيرة منسوخة) وفي بعض النسخ: العتيرة
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 115)
{الفصل الثالث}
1493- (3) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت بيوم الأضحى عيداً جعله الله لهذه الأمة، قال له رجل: يا رسول الله! أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى، أفأضحي بها؟ قال: لا، ولكن خذ
ــ
بلا واو، وكذا في أبي داود، وقد تقدم أن جماعة من أهل العلم ذهبت إلى أن الأمر بالعتيرة منسوخ بأحاديث المنع، وأن القاضي عياضاً ادعى أن جماهير العلماء على ذلك، وقد تقدم بيان ما هو الحق في ذلك.
1493- قوله (عن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي لرجل كما في رواية النسائي، وللحاكم والبيهقي: إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت بيوم الأضحى) أي بجعله (عيداً جعله الله) أي يوم الأضحى (لهذه الأمة) أي عيداً، قال السندي: ظاهر السوق أن قوله ((أمرت)) على بناء المفعول للخطاب أو بناء الفاعل للمتكلم، أي أمرتك أو أمرت الناس، ويحتمل أنه على بناء المفعول للمتكلم، والمعنى: أمرت بالتضحية في يوم الأضحى حال كونه عيداً أو يوم الأضحى أن أتخذه عيداً، والمعنى الأول أقرب إلى قول الرجل – انتهى. وقال الطيبي: قوله "عيداً" منصوب بفعل يفسره ما بعده، أي بأن أجعله عيداً، وقوله "جعله الله لهذه الأمة" حكم ذكر بعد ما يشعر بالوصف المناسب، وهو قوله يوم الأضحى؛ لأن فيه معنى التضحية، كأنه قيل: حكم الله على هذه الأمة بالتضحية يوم العيد، ومن ثم حسن قول الصحابي: أرأيت … الخ – انتهى. قال القاري: وهو تكلف مستغنى عنه، فإن الشيء بالشيء يذكر، فلما ذكر – عليه الصلاة والسلام – إنه مأمور بجعل ذلك اليوم عيداً وكان من أحكام ذلك اليوم حكم التضحية والأضاحي (قال له رجل) وفي أبي داود: قال الرجل، وكذا عند النسائي والحاكم والبيهقي (أرأيت) أي أخبرني (إن لم أجد إلا منيحة) في النهاية: المنيحة أن يعطي الرجل الرجل ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ثم يعيدها، وكذا إذا أعطى لينتفع بصوفها ووبرها زمانا ثم يردها، والمعنى: لي ناقة أو شاة ذات لبن أنتفع به وأعطيه غيري. وقال السندي: أصل المنيحة ما يعطيه الرجل غيره ليشرب لبنها ثم يردها عليه ثم يقع على كل شاة أو ناقة؛ لأن من شأنها أن تمنح بها وهو المراد ههنا. (أنثى) قيل: وصف منيحة بأنثى يدل على أن المنيحة قد تكون ذكراً وإن كان فيها علامة التأنيث، كما يقال: حمامة ذكر وحمامة أنثى، وزاد في رواية الحاكم: أو شاة أهلي ومنيحتهم. (أفاضحي بها؟ قال: لا) قال الطيبي: إنما منعه لأنه لم يكن عنده شيء سواها ينتفع به. قال السندي: ويحتمل أن المراد بالمنيحة ههنا ما أعطاه غيره ليشرب اللبن ومنعه؛ لأنه ملك الغير وقول الرجل لزعمه أن المنحة لا ترد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم المنحة مردودة، والله تعالى أعلم. (ولكن خذ) كذا في جميع النسخ بصيغة
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 116)
من شعرك وأظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله)) رواه أبوداود، والنسائي.
ــ
الأمر، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج4 ص123) ، وفي أبي داود والنسائي: "تأخذ" بصيغة المضارع، قال السندي: كأنه أرشده إلى أن يشارك المسلمين في العيد والسرور وإزالة الوسخ، فذاك يكفيه إذا لم يجد الأضحية (من شعرك) قال القاري: المراد به الجنس أي من أشعارك (وأظفارك) وفي رواية النسائي: وتقلم أظفارك (وتقص شاربك) قال القاري: خبر بمعنى الأمر ليكون عطفاً على ما قبله، وكذا الحكم فيما بعده من قوله: ((وتحلق عانتك)) – انتهى. قلت: قد تقدم أن لفظ أبي داود والنسائي: تأخذ من شعرك، وهذا يدل على أن ما وقع في نسخ المشكاة تبعاً للجزري خطأ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التأويل المذكور، ولفظ الحاكم والبيهقي: ولكن قلم أظفارك وقص شاربك واحلق عانتك. (فذلك) أي ما ذكر من الأفعال، ولفظ أبي داود: فتلك، أي الأفعال المذكورة (تمام أضحيتك عند الله) أي أضحيتك تامة بنيتك الخالصة ولك بذلك مثل ثواب الأضحية، قاله القاري، وقال السندي: أي هو ما يتم به أضحيتك بمعنى أنه يكت لك به أضحية تامة لا بمعنى أن لك أضحية ناقصة إن لم تفعل ذلك وإن فعلته تصير تامة، والله تعالى أعلم. (رواه أبوداود والنسائي) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج4 ص223) والبيهقي (ج9 ص264) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والحديث غير مطابق للباب، فإنه ليس فيه ذكر العتيرة، وكان حقه أن يذكر في باب الأضحية، ثم إنه ههنا مسائل تتعلق بالأضحية ينبغي لنا أن نذكرها مختصراً تكميلاً للفائدة. أحدها: متى تصير الأضحية أضحية؟ فقال مالك: إذا اشترى شاة أو غيرها بنية الأضحية صارت أضحية. وقال الحنفية: أضحية الفقير تتعين بالشراء له، فليس له أن يستبدلها بغيرها ولا ينتفع بدرها وصوفها بعد ذلك ولو فعل لزمه قيمته، وأما أضحية الغني فلا تتعين بنفس الشراء له، وله أن يستبدلها بغيرها وينتفع بها وبدرها ويربح فيها إن شاء، إلا أنه إذا عينها بعد ذلك ليس له الانتفاع بها. وقال أحمد والشافعي: لا تتعين الأضحية بمجرد الشراء بنيتها حتى يقول: هذه أضحية، فالذي تتعين به الأضحية عندهما هو القول دون النية؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة فلا تؤثر فيه النية المقارنة للشراء كالعتق والوقف. وقال الشوكاني في السيل الجرار: ليس في مصير الأضحية أضحية بمجرد الشراء بالنية دليل يقوم به الحجة، ويجب المصير إليه والعمل به، قال: والظاهر أنه إذا ذبحه بنية الأضحية وفى بما عليه وصار فاعلاً لما شرعه الله تعالى لعباده من الضحايا – انتهى. الثانية: ما يفعل بولد الأضحية إذا ولدته بعد التعيين؟ فقال ابن قدامة: ولدها تابع لها حكمه حكمها سواء كان حملاً حين التعيين أو حدث بعده، وبهذا قال الشافعي، وعن أبي حنيفة: لا يذبحه ويدفعه إلى المساكين حياً، وإن ذبحه دفعه إليهم مذبوحاً، وأرش ما نقصه الذبح؛ لأنه من نمائها فلزمه دفعه إليهم
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 117)
...........................
ــ
على صفته كصوفها وشعرها، قال: ولنا أن استحقاق ولدها حكم يثبت للولد بطريق السراية من الأم، فيثبت له ما يثبت لها كولد أم الولد والمدبرة إذا ثبت هذا فإنه يذبحه كما يذبحها؛ لأنه صار أضحية على وجه التبع لأمه ولا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ولا تأخيره عن أيامه كأمه. وقد روي عن علي – رضي الله عنه – أن رجلاً سأله فقال: يا أمير المؤمنين إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها، وإنها وضعت هذا العجل، فقال علي: لا تحلبها إلا فضل عن تيسير ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة. رواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص العبسي عن المغيرة بن حذف عن علي. الثالثة: حكم لبنها وصوفها وشعرها، قال ابن قدامة: لا يشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء أو كان الحلب يضر بها أو ينقص لحمها لم يكن له أخذه، وإن لم يكن كذلك فله أخذه والانتفاع به، وبهذا قال الشافعي. وقال أبوحنيفة: لا يحلبها ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن، فإن احتلبها تصدق به؛ لأن اللبن متولد من الأضحية الواجبة فلم يجز للمضحي الانتفاع به كالولد. قال ابن قدامة: ولنا قول علي المذكور، ولأنه انتفاع لا يضرها فأشبه الركوب ويفارق الولد فإنه يمكن إيصاله إلى محله، أما اللبن فإن حلبه وتركه فسد وإن لم يحلبه تعقد الضرع وأضر بها فيجوز له شربه وإن تصدق به كان أفضل، وإن احتلب ما يضر بها أو بولدها لم يجز، وعليه أن يتصدق به، فإن قيل: فصوفها وشعرها ووبرها إذا جزه تصدق به ولم ينتفع به، فلم أجزتم له الانتفاع باللبن؟ قلنا: الفرق بينهما بوجهين: أحدهما أن لبنها يتولد من غذائها وعلفها، وهو القائم به، فجاز صرفه إليه، كما أن المرتهن إذا علف الرهن كان له أن يحلب ويركب وليس له أن يأخذ الصوف ولا الشعر. الثاني: أن الشعر والصوف ينتفع به على الدوام فجرى مجرى جلدها وأجزائها، واللبن يشرب ويؤكل شيئاً فشيئاً فجرى مجرى منافعها وركوبها، ولأن اللبن يتجدد كل يوم، والصوف والشعر عين موجودة دائمة في جميع الحول. الرابعة: حكم إبدال الأضحية وبيعها، فقال أحمد: يجوز أن تبدل بخير منها، وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة ومالك وأبوحنيفة ومحمد بن الحسن. وقال أبويوسف والشافعي وأبوثور: لا يجوز بيعها ولا إبدالها؛ لأنه قد جعلها لله تعالى فلم يملك التصرف فيها بالبيع، والإبدال كالوقف، وقال القاضي: يجوز أن يبيعها ويشتري خيراً منها، وهو قول عطاء ومجاهد وأبي حنيفة، واستدلوا بإشراكه صلى الله عليه وسلم علياً – رضي الله عنه – في هديه، قالوا: هذا نوع من الهبة أو بيع، وهذا الاستدلال خارج عن محل النزاع كما بينه في النيل (ج4 ص330) ، ويؤيد من قال بجواز بيع الأضحية ما روي عن ابن عباس في الرجل يشتري البدنة أو الأضحية فيبيعها ويشتري أسمن منها فذكر رخصة، رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: رجاله ثقات، ويؤيدهم أيضاً ما رواه الترمذي وأبوداود عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه يشتري له أضحية بدينار فاشترى أضحية فأربح فيها ديناراً فاشترى أخرى مكانها فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 118)
...........................
ــ
فقال: ((ضح بالشاة وتصدق بالدينار)) ، لكن في سنده عند الترمذي انقطاع، وعند أبي داود شيخ مجهول، وقال الحنفية: يجوز للغني بيع الأضحية ما لم يعين، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم حكم الغني لكون الأضحية واجبة عليه، والفرق بين الفقير والغني في الأحكام منوط على وجوبها في الذمة وعدم وجوبها، فلم يكن بأس في بيع حكيم أول المشتراتين لعدم تعينها للتضحية، وطاب الفضل للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه أمر بتصدقه؛ لكونه حصل بربح دينار نوى صرفه في سبيل الله بطريق الأضحية يعني أنه قد خرج عنه للقربة لله تعالى في الأضحية، فكره أكل ثمنها. وقال الشوكاني في السيل الجرار: ليس في ثبوت هذه الأحكام التي ذكرها المصنف – صاحب حدائق الأزهار – من أنه لا ينتفع بالأضحية … إلى آخر ما ذكره من ذلك دليل يقوم به الحجة، ويجب المصير إليه والعمل به، فإن كان قياساً للأضحية على الهدي وإن كان الباب مختلفاً فلا بأس بذلك، فإنه قد ورد في الهدي إن المهدي إذا خشي عليه موتاً فلينحره، ولا يطعمه هو ولا أحد من رفقته، كما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي قبيصة، وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث ناجية الخزاعي، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم في هدي التطوع … إلى آخر كلامه في سننه، وورد في منع بيع الهدي ما أخرجه أحمد وأبوداود، والبخاري في تاريخه، وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما عن ابن عمر قال: أهدى عمر نجيباً فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار فأبيعها وأشتري بثمنها بدناً؟ قال: ((لا، انحرها إياها)) ، فالحاصل أنه إن صح قياس الأضحية على الهدي فذاك وإلا فالأصل عدم ثبوت شيء من هذه الأحكام، ومما يدل على اختلاف البابين أنه قال في الضحايا: كلوا وادخروا وايتجروا – انتهى. ولا يجوز إبدالها بدونها ولا خلاف في هذا، ولا يجوز بمثلها أيضاً لعدم الفائدة في هذا. الخامسة: إذا تلفت الأضحية أو ضلت أو سرقت بغير تفريط منه: قال ابن قدامة: لا ضمان عليه؛ لأنها أمانة في يده فإن عادت إليه – في صورة الضلال أو السرقة – ذبحها سواء كان في زمن الذبح أو فيما بعده – انتهى. وقال الشوكاني في السيل الجرار في شرح قول صاحب حدائق الأزهار "فإن فاتت أو تعيبت بلا تفريط لم يلزم البدل" ما لفظه: "قد قدمنا أن الأدلة تدل على وجوب الأضحية، فهذه التي اشتراها إذا تلفت أو تعيبت بنى الخطاب عليه في الوفاء بما هو واجب عليه إن كان قائلاً بالوجوب، وإنما هو سنة إن كان يرى أنها سنة، فكون مجرد التلف مسقطاً للأضحية مسوغاً لعدم إبدال ما تلف محتاج إلى دليل، وكيف يصح والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعادة الذبح لمن كان ذبحها قبل الصلاة، فلينظر ما وجه كلام المصنف، فإن هذا مع كونه خلاف الدليل يخالف حكم الهدي، فيكون قادحاً في القياس مع أنه لا وجه لثبوت ما ذكره من أحكام الأضحية إلا مجرد القياس على الهدي كما قدمنا، وأيضاً مما يقدح في ذلك القياس تجويز المصنف للبيع ولإبدال مثل وأفضل مع ما تقدم في الهدي من نهيه صلى الله عليه وسلم لعمر عن
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 119)
................................
ــ
البيع وأمره بأن يذبح النجيبة – انتهى. السادسة: ما يفعل بالأضحية إذا فات وقت الذبح. فقال أبوحنيفة: يسلمها إلى الفقراء ولا يذبحها، فإن ذبحها فرق لحمها وعليه أرش ما نقصها الذبح؛ لأن الذبح قد سقط بفوات وقته. وقال ابن قدامة: يذبح الواجب قضاء ويصنع ما يصنع بالمذبوح في وقته، وهو مخير في التطوع، فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك دون الذبح لأنها شاة لحم وليست أضحية، وبهذا قال الشافعي: قال ابن قدامة: إن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم وذلك أنه لو ذبحها في الأيام ثم خرجت قبل تفريقها فرقها بعد ذلك ويفارق الوقوف والرمي؛ لأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك – انتهى. السابعة: ما يفعل بالأضحية إذا مات صاحبها وعليه دين لا وفاء له. فقال ابن قدامة: لم يجز بيعها وبهذا قال أبوثور ويشبه مذهب الشافعي وقال الأوزاعي: إن ترك ديناً لا وفاء له إلا منها بيعت فيه. وقال مالك: إن تشاجر الورثة فيها باعوها. قال ابن قدامة: ولنا أنه تعين ذبحها فلم يصح بيعها في دينه كما لو كان حياً، إذا ثبت هذا فإن ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية؛ لأنهم يقومون مقام مورثهم فيما له وعليه. قلت: الظاهر عندي هو ما ذهب إليه الأوزاعي ثم ما ذهب إليه مالك؛ لأن الدين حق العبد وهو أوجب وألزم من الأضحية إن كانت واجبة. الثامنة: حكم لحم الأضحية: فالمستحب عند الحنابلة تثليثه. قال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله – ابن مسعود – يأكل هو الثلث ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق على المساكين بالثلث، وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث للمساكين، وروي عن ابن عباس في صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قال: ويطعم أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ويتصدق على السؤال بالثلث، رواه الحافظ أبوموسى الأصفهاني في الوظائف، وقال: حديث حسن. وقال تعالى: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] ، والقانع: السائل، والمعتر: الذي يعتريك أي يعترض لك لتطعمه فلا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثاً، وبهذا قال إسحاق بن راهويه، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: يجعلها نصفين، يأكل نصفاً ويتصدق بنصف لقوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] ، وقال أصحاب الرأي: ما كثر من الصدقة فهو أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وحسيا من مرقها، ونحر خمس أو ست بدنات، وقال: من شاء فيقتطع ولم يأكل منهن شيئاً. قال ابن قدامة: الأمر في هذا واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها. قال ابن قدامة: ولنا أن الله تعالى قال: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} ، وقال: {وأطعموا البائس الفقير} ، والأمر يقتضي الوجوب. وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها ولا يجوز الصدقة بجميعها للأمر بالأكل منها، ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ولم يأكل منهن شيئاً، وقال: من شاء فليقطع، ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله تعالى
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 120)
(50) باب صلاة الخسوف
ــ
فلم يجب الأكل منها كالعقيقة، والأمر للاستحباب أو للإباحة كالأمر بالأكل من الثمار والزرع والنظر إليها – انتهى. التاسعة: حكم جلد الأضحية: فقال أحمد: لا يجوز أن يبيعه ولا شيئاً منها، واجبة كانت أو تطوعاً، له أن ينتفع بجلدها من غير بيع، وهو مذهب الشافعي، ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل أو آلة البيت، وروي نحو هذا عن الأوزاعي؛ لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى تفريق اللحم، وقال أبوحنيفة: يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه، وروي عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه، والراجح هو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي وكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها، وإن أطعمتم من لحومها شيئاً فكلوه إن شئتم)) أخرجه أحمد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج4 ص26) : هو مرسل صحيح الإسناد، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)) أخرجه الحاكم (ج4 ص389) ، والبيهقي من حديث أبي هريرة، قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: فيه عبد الله بن عياش، وقد ضعفه أبوداود والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له مسلم في الشواهد، وقال أبوحاتم: صدوق ليس بالمتين يكتب حديثه، هو قريب من ابن لهيعة، ولقول علي – رضي الله عنه: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال: ((نحن نعطيه من عندنا)) ، أخرجه الجماعة إلا الترمذي، قال الزيلعي في نصب الراية والمصنف يعني صاحب الهداية: احتج بحديث أبي هريرة وعلي – رضي الله عنه – على كراهة بيع جلد الأضحية مع جوازه، وهو خلاف ظاهر اللفظ، وقد احتج ابن الجوزي بظاهر حديث علي – رضي الله عنه – على التحريم – انتهى.
(باب صلاة الخسوف) أي للشمس والقمر، قال أهل اللغة: خسوف العين ذهابها وغيبوبتها وغورها، أي دخولها في الرأس، وخسوف المكان ذهابه في الأرض، وخسوف الشيء نقصانه، وخسوف القمر ذهاب ضوئه، والخسف أيضاً الذل، والكسوف التغير إلى السواد، ومنه كسف وجهه إذا تغير، وكسفت الشمس أي اسودت وذهب شعاعها، والمشهور على ألسنة الفقهاء استعمال الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب أيضاً، قال في الفصيح: إن كسفت الشمس وخسف القمر أجود الكلامين، وذكر الجوهري في الصحاح: إنه أفصح، وعلى هذا فكان الأولى للمؤلف أن يقول: الكسوف، بدل الخسوف، فإن أحاديث الباب كلها وردت في كسوف الشمس، أو يقول: الكسوف والخسوف؛ لأن حكمهما واحد في أكثر المسائل عند الفقهاء، وقيل: أتى بلفظ الخسوف تنبيهاً على أن الخسوف يستعمل في الشمس والقمر كما يستعمل الكسوف فيهما، واختياراً لما دلت عليه الأحاديث أنه يقال بهما في كل منهما، قال القسطلاني: الأصح أن الكسوف والخسوف يضافان للشمس والقمر بمعنى يقال: كسفت الشمس والقمر وخسفا – بفتح القاف والخاء مبنياً للفاعل -، وكسفا وخسفا – بضمهما مبنياً للمفعول -، وانكسفا
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 121)
{الفصل الأول}
1494- (1) عن عائشة قالت: إن الشمس خسفت
ــ
وانخسفا بصيغة انفعل، ومعنى المادتين واحد أو يختص ما بالكاف بالشمس وما بالخاء بالقمر، وهو المشهور على ألسنة الفقهاء، واختاره ثعلب، وادعى الجوهري أفصحيته، ونقل عياض عن بعضهم عكسه، وعورض بقوله تعالى: {وخسف القمر} [القيامة: 8] ، ويدل للقول الأول إطلاق اللفظين في المحل الواحد في الأحاديث، قال المنذري، وقبله ابن العربي: حديث الكسوف رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعة عشر نفساً، رواه جماعة منهم بلفظ الكاف وجماعة بالخاء وجماعة باللفظين جميعاً – انتهى. لكن لم يرد في الأحاديث نسبة الكسوف إلى القمر على جهة الانفراد. قال القسطلاني نقلاً عن الحافظ وغيره: ولا ريب أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف لغة تغير إلى سواد، والخسوف النقص والذل كما مر، فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ ذلك، كذلك القمر. ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، بالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره، واعلم أنه لا خلاف في مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، وأصل مشروعيتها بالسنة وإجماع الأمة لكن اختلفوا في حكمها وصفتها، فقال الشافعي وأحمد: صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة لفعله صلى الله عليه وسلم لها وجمعه الناس مظهراً لذلك، وهذه أمارة الاعتناء والتأكيد وللأمر بها، والصارف عن الوجوب ما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا إلا أن تطوع)) ، وعند أبي حنيفة سنة غير مؤكدة، وصرح أبوعوانة في صحيحه بوجوبها، وإليه ذهب بعض الحنفية واختاره أبوزيد الدبوسي صاحب الأسرار، قال ابن الهمام: للأمر بها، والظاهر أن الأمر للندب؛ لأن المصلحة دفع الأمر المخوف فهي مصلحة تعود إلينا دنيوية إلى آخر ما قال. وعن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، وفي الشرح الكبر للمالكية: أنها سنة عين، وأما صلاة خسوف القمر فهي سنة مؤكدة عند الشافعي وأحمد ككسوف الشمس، ومستحبة عند أبي حنيفة ومالك، لكن قالا: يصلون فرادى من غير جماعة، وقال ابن دقيق العيد: تردد في صلاة الخسوف مذهب مالك وأصحابه ولم يلحقها بكسوف الشمس في قول. وقال ابن قدامة: قال مالك: ليس في كسوف القمر سنة، وحكى ابن عبد البر عنه وعن أبي حنيفة أنهما قالا: يصلي الناس لخسوف القمر وحداناً ركعتين ركعتين ولا يصلون جماعة، قال العيني: أبوحنيفة لم ينف الجماعة بل قال: الجماعة فيها غير سنة بل هي جائزة – انتهى. والراجح: ما ذهب إليه الشافعي وأحمد، وأما الصفة فسيأتي الكلام عليها قريباً.
1494- قوله (إن الشمس خسفت) بفتح الخاء والسين، وفي إسناد الخسوف إلى الشمس رد على من
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 122)
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث منادياً: الصلاة جامعة، فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. قالت عائشة: ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه.
ــ
قال: إنه يتعين الخسوف للقمر، وعلى من قال: إن استعمال الخسوف للشمس خلاف الأفصح. (على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي في زمانه يوم مات ابنه إبراهيم كما سيأتي. (فبعث منادياً) يقول (الصلاة جامعة) يعني ينادي بهذه الجملة، قال الطيبي: الصلاة مبتدأ وجامعة خبره، أي الصلاة تجمع الناس، ويجوز أن يكون التقدير الصلاة ذات جماعة، أي تصلى جماعة لا منفرداً كالسنن الرواتب، فالإسناد مجازي كطريق سائر – انتهى. ويجوز نصب الصلاة على الإغراء، وجامعة على الحال، أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة للجماعات أو للناس، وهو من الأحوال المقدرة، وفيه تقادير أخرى، وهو يدل على أنه يسن أن ينادى لصلاة الكسوف: الصلاة جماعة، قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بغير أذان ولا إقامة، وقاس بعضهم صلاة العيدين على الكسوف في مشروعية النداء بالصلاة جامعة، وهو محل نظر؛ لأنه لم يرد الأمر بهذا اللفظ عنه صلى الله عليه وسلم إلا في هذه الصلاة مع الحاجة إلى ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم، فالاقتصار عليه هو المشروع (فتقدم) أي هو صلى الله عليه وسلم (فصلى) وفي رواية مسلم: فاجتمعوا وتقدم وكبر وصلى، وفي رواية للنسائي: فاجتمعوا واصطفوا فصلى. (أربع ركعات) أي ركوعات (وأربع سجدات) قال العيني والقسطلاني: بنصب أربع عطفاً على أربع ركعات. قال القاري: فائدة ذكره أن الزيادة منحصرة في الركوع دون السجود (قالت عائشة) اعلم أن هذا الحديث إلى قوله: وأربع سجدات، رواه الشيخان والنسائي أيضاً من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة أن الشمس خسفت … الخ، وأما قوله: قالت عائشة: ما ركعت … الخ فليس في هذا الحديث ولا هو مروي من هذا الطريق، بل هو تتمة حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه هؤلاء الثلاثة من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمر، وبنحو حديث عائشة المذكور، وفي آخره فقالت عائشة: ما ركعت … الخ، فالراوي لذلك عنها هو غير الراوي حديث عائشة المتقدم المرفوع وهو أبوسلمة، ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمرو، فيكون من رواية صحابي عن صحابية، قال الحافظ: ووهم من زعم أنه معلق، فقد أخرجه مسلم وابن خزيمة وغيرهما من رواية أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، وفيه قول عائشة – انتهى. (ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه) أي كان ذلك الركوع والسجود أطول من ركوع الخسوف وسجوده، وهذا لفظ مسلم، واقتصر البخاري على ذكر السجود، ولفظه: قالت عائشة: ما سجدت سجوداً قط كان أطول منها، أي من سجدة الكسوف، أو هو على حذف مضاف أي من سجود صلاة الكسوف، وقد ثبت طول الركوع والسجود في الكسوف في أحاديث كثيرة، منها أحاديث ابن عباس وعائشة وأبي موسى المذكورة
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 123)
........................
ــ
في الباب، ومنها حديث أبي هريرة عند النسائي، ومنها حديث سمرة عند أبي داود والنسائي، ومنها حديث جابر عند أحمد ومسلم وأبي داود، ومنها حديث أسماء عند أحمد والبخاري وأبي داود وابن ماجه، وإلى مشرعية التطويل في الركوع والسجود في صلاة الكسوف كما يطول القيام ذهب أحمد وأبوحنيفة ومالك في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه. والحديث يدل على مشروعية الجماعة لصلاة الكسوف، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. وقال ابن حبيب: الجماعة فيها شرط. وقيل: لا تقام إلا في جماعة واحدة. قال الترمذي: ويرى أصحابنا يعني أصحاب الحديث أن يصلي صلاة الكسوف في جماعة في كسوف الشمس والقمر. وبوب البخاري باب صلاة الكسوف جماعة. قال الحافظ: أي إن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم. وبه قال الجمهور. وعن الثوري إن لم يحضر الإمام صلوا فرادى – انتهى. قلت: وقال الحنفية أيضاً بأنه إن لم يحضر إمام الجمعة والعيدين صلوا فرادى، وقالوا: لا جماعة في صلاة خسوف القمر، ففي شرح الوقاية: عند الكسوف يصلي إمام الجمعة بالناس ركعتين، وإن لم يحضر – أي إمام الجمعة – صلوا فرادى كالخسوف – انتهى مختصراً. وقال في الدر المختار: يصلي بالناس من يملك إقامة الجمعة ركعتين. قال ابن عابدين: بيان للمستحب، يعني فعلها بالجماعة إذا وجد إمام الجمعة وإلا فلا تستحب الجماعة بل تصلى فرادى، هذا ظاهر الرواية، وعن الإمام في غير رواية الأصول لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعة في مسجده – انتهى. قال في البدائع: والصحيح ظاهر الرواية. قلت: والراجح عندي أنه يجوز الأمر إن الانفراد والتجميع فيهما؛ لأنه لم يرد ما يقتضي اشتراط التجميع؛ لأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب فضلاً عن الشرطية، لكن لا شك أن التجميع أفضل بل أوكد، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر المنادي بالإعلام بالصلاة جامعة ليجتمع الناس وصلاها جماعة، وقد أمر بالصلاة للكسوف والخسوف أمراً واحداً، فيسن الجماعة للخسوف كما تسن للكسوف، وعن ابن عباس أنه صلى بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين وقال: إنما صليت لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، ولأن خسوف القمر أحد الكسوفين فأشبه كسوف الشمس، وسيأتي مزيد الكلام في صلاة خسوف القمر قريباً، وأما إذا لم يحضر الإمام الراتب للجمعة والعيدين أو إمام الحي فيؤم لهم بعضهم ولا يكون احتمال الفتنة والخلل إذا اتفقوا على أحد للإمامة وتراضوا به. وفي الحديث أيضاً دليل على أن المشروع في صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، والأحاديث الواردة في وصفها مختلفة جداً. فمنها هذا المذكور أي ركعتان في كل ركعة ركوعان، روي هذا من حديث عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو متفق عليهم، وأسماء بنت أبي بكر عند أحمد، والبخاري والنسائي وابن ماجه وجابر عند أحمد، ومسلم وأبي داود وأبي هريرة عند النسائي، وابن عمر عند البزار وابن جرير، قال الهيثمي: في سنده مسلم بن خالد، وهو ضعيف، وقد وثق – انتهى. وله حديث آخر عند البيهقي (ج3 ص324) من طريق الشافعي
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 124)
............................
ــ
عن يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال البيهقي: تفرد به يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر، وروي ذلك أيضاً من حديث أم سفيان عند الطبراني كما في الفتح، وأبي موسى الأشعري، وسمرة بن جندب كما في التلخيص، وأبي شريح الخزاعي عن عثمان من فعله بالمدينة وبها عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد والبيهقي (ج3 ص324) وأبويعلى والطبراني في الكبير والبزار. قال الهيثمي: رجاله موثقون، واختار هذه الكيفية مالك والشافعي وأحمد والجمهور. ومنها في كل ركعة ثلاث ركوعات، روي هذا من حديث عائشة عند أحمد ومسلم والنسائي، وابن عباس عند الترمذي وصححه، وفيه حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس، وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وابن حبان، ولم يبين سماعه من طاوس، وروي ذلك أيضاً من حديث جابر عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والبيهقي، وقد أعله البيهقي (ج3 ص326) ، وروي ذلك أيضاً من فعل ابن عباس وحذيفة كما في المحلى (ج5 ص99) . ومنها في كل ركعة أربع ركوعات، روي هذا من حديث ابن عباس عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والبيهقي، وقد أعله البيهقي (ج3 ص327) ، ومن حديث حذيفة عند البزار واليهقي (ج3 ص329) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حبيب بن أبي ثابت عن صلة بن زفر عن حذيفة، قال البيهقي: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج به، ومن حديث علي عند أحمد (ج1 ص143) والبيهقي (ج3 330) ، وروي أيضاً من فعل علي وابن عباس، واختاره حبيب بن أبي ثابت كما في المحلى (ج5 ص100) . ومنها في كل ركعة خمس ركوعات، روي هذا من حديث أبي بن كعب عند أبي داود، والحاكم والبيهقي وعبد الله بن أحمد، وهو حديث معلول كما ستعرف، ومن حديث علي عند البزار كما في الفتح ومجمع الزوائد، وذكر البيهقي في المعرفة وفي السنن (ج3 ص329) وابن حزم في المحلى (ج5 ص100) عن الحسن أن علي بن أبي طالب صلى في كسوف عشر ركعات في أربع سجدات. قال البيهقي: رواية الحسن عن علي لم تثبت، وأهل العلم بالحديث يرويها مرسلة. ومنها أن يصلى ركعتين ويسلم ثم ركعتين ويسلم هكذا حتى ينجلي الكسوف، روي هذا من حديث النعمان بن بشير عند أحمد (ج4 ص269) ، وفيه: وكان يصلي ركعتين ثم يسأل ثم يصلي ركعتين ثم يسأل حتى انجلت الشمس … الخ. وأخرجه البيهقي (ج3 ص333) بلفظ: فجعل يصلي ركعتين ويسلم حتى انجلت الشمس، قال في هامشه: كذا في المصرية. وفي المدراسية: ويصي ركعتين ويسلم ويصلي ركعتين ويسلم مرتين – انتهى. وهو عند الطحاوي بلفظ: فجعل يصلي ركعتين ويسلم ويسأل حتى انجلت. وأخرجه أبوداود بلفظ: فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت، ورواه النسائي من حديث قبيصة الهلالي بلفظ: فصلى ركعتين ركعتين حتى انجلت. واختار هذا إبراهيم النخعي والحسن كما في المحلى، وروى الحسن عن أبي حنيفة: إن شاءوا صلوا ركعتين وإن شاءوا صلوا أربعاً وإن شاءوا صلوا أكثر من ذلك، ذكره في المحيط والبدائع.
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 125)
..............................
ــ
واستدلت الحنفية بحديث النعمان وقبيصة على ما ذهبوا إليه من أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل بلا تكرار الركوع، وسيأتي الجواب عنه. ومنها كأحدث صلاة، روي هذا من حديث النعمان بن بشير عند النسائي وابن حزم (ج5 ص97) والبيهقي (ج3 ص332) بلفظ: ((إذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) ، وروي أيضاً من حديث قبيصة الهلالي عند أحمد (ج5 ص60) وأبي داود والنسائي والبيهقي والحاكم والطحاوي والبغوي، وقوله ((كأحدث صلاة)) يعني كأقرب صلاة. قال ابن حزم محتجاً بهذا الحديث: يصلي لكسوف الشمس خاصة إن كسفت من طلوعها إلى أن يصلي الظهر ركعتين، وإن كسفت من بعد صلاة الظهر إلى أخذها في الغروب صلى أربع ركعات كصلاة الظهر ولاعصر، وفي كسوف القمر خاصة إن كسفت بعد صلاة المغرب إلى أن يصلي العشاء الآخرة صلى ثلاث ركعات كصلاة المغرب، وإن كسفت بعد صلاة العتمة إلى الصبح صلى أربعاً كصلاة العتمة – انتهى. وعليه حمله السندي حيث قال في حاشية النسائي: قوله ((كأحدث صلاة)) فيه أنه ينبغي أن يلاحظ وقت الكسوف فيصلي لأجله صلاة هي مثل ما صلاها من المكتوبة قبيلها، ويلزم منه أن يكون عدد الركعة على حسب تلك الصلاة، وأن يكون الركوع واحداً – انتهى. وحمله الحنفية على صلاة الصبح خاصة، قالوا: المراد أنه يصلي ركعتين كصلاة الصبح بركوعين وأربع سجدات. وقيل: التشبيه فيه محمول على بعض الصفات لا على جميعها، يعني أن التشبيه ههنا في عدد الركعات والقراءة فقط لا من كل الجهات، فيصلي ركعتين ويجهر بالقراءة كصلاة الصبح، لكن كل ركعة بركوعين، وهذا لئلا يعارض القول ما رواه الشيخان من فعله بتثنية الركوع في كل ركعة. وقيل: معناه إذا وقع الكسوف عقب صلاة جهرية يصلي ويجهر فيها بالقراءة، وإن وقع عقب صلاة سرية يصلي ويخافت فيها بالقراءة. ومنها: ركعتان في كل ركعة ركوع. روي هذا من حديث عبد الله بن عمر، وعند أحمد (ج2 ص198) وأبي داود والنسائي والترمذي في الشمائل، والطحاوي والحاكم (ج1 ص329) وأبي حنيفة في مسنده، كلهم من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر. وقال الحاكم: صحيح، ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب، وقال تقي الدين في الإمام: كل من روى عن عطاء بن السائب روى عنه في الاختلاط إلا شعبة وسفيان – انتهى. قلت: أخرجه أبوداود عن حماد بن سلمة عن عطاء، والترمذي عن جرير عن عطاء، والحاكم عن الثوري عن عطاء، والطحاوي عن حماد بن سلمة والثوري وغيرهما عن عطاء، وأخرج النسائي في رواية عن شعبة عن عطاء به، لكن ليس متنه بصريح في الركعتين، وحكى العراقي في التقييد والإيضاح (ص392) عن ابن معين أنه قال: حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم – انتهى. وروي ذلك أيضاً من حديث سمرة بن جندب عند أحمد (ج5 ص16) وأبي داود
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 126)
...............................
ــ
والنسائي والحاكم (ج1 ص330) والبيهقي (ج3 ص339) وصححه الحاكم، وروي أيضاً من حديث محمود بن لبيد عند أحمد (ج5 ص428) ، قال الهيثمي (ج2 ص207) : رجاله رجال الصحيح – انتهى. واختار هذه الصفة الحنفية، واستدلوا بهذه الأحاديث الثلاثة، وبما ورد من قوله "صلى ركعتين" في بيان صلاته صلى الله عليه وسلم لكسوف الشمس في حديث أبي بكرة عند البخاري والنسائي وعبد الرحمن بن سمرة عند مسلم وأبي داود والنسائي والحاكم، وابن مسعود عند ابن خزيمة، والنعمان بن بشير عند الحاكم، وقبيصة عند أبي داود والنسائي وغيرهما على عدم تعدد الركوع في الركعة. قال الزيلعي: ظاهر قوله "صلى ركعتين" إن الركعتين بركوع واحد. وأجيب بأن ذكر ركوع في ركعة لا يدل على نفي الزائد، فكان ذكر الركوع الثاني حذف فيها كما حذفت السجدة الثانية في ذكر السجدة، وبأن أحاديث تثنية الركوع أصح وأرجح وأكثر وأشهر، فتقدم على هذه الأحاديث، وبأن فيها زيادة فهي أولى بالقبول؛ لأنها أثبتت ما لم يثبت حديث عبد الله بن عمرو وسمرة ومحمود بن لبيد وغيرهم، وبأنها مثبتة فتقدم على غيرها مما يدل على عدم تعدد الركوع، وبأن معنى قوله "صلى ركعتين" أي ركوعين في ركعة فصار أربع ركوعات في ركعتين، قال القرطبي: يحتمل أنه إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة، وسكت عن الأخرى، وبأن قوله "صلى ركعتين" مطلق، وفي أحاديث تثنية الركوع زيادة، فيحمل هذا المطلق على الروايات المقيدة، والمعنى: صلاها ركعتين بزيادة ركوع في كل ركعة. وقد ظهر بما ذكرنا أن جملة ما ورد في صفة صلاة الكسوف سبع صفات: ركوع في كل ركعة، وركوعان في كل ركعة، وثلاثة في كل ركعة، وأربعة في كل ركعة، وخمسة في كل ركعة، وكأحدث صلاة، وأن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين ويسلم هكذا حتى تنجلي الشمس، وكثير من الأحاديث الواردة فيها صحيح، وأصحها أحاديث تثنية الركوع، فإن هذه هي الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة، ثم دونها في الصحة مع كونه صحيحاً أحاديث تثليث الركوع، وكذا أحاديث تربيع الركوع فإن ذلك قد انفرد به مسلم، ثم دون هذا حديث تخميس الركوع، وكذا أحاديث وحدة الركوع، وللعلماء فيها مسلكان؛ أحدهما مسلك الجمع: بحملها على تعدد الكسوف وتعدد صلاته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب إليه إسحاق بن راهويه وابن خزيمة والخطابي، واستحسنه ابن المنذر، وقواه النووي، ورجحه ابن رشد في البداية وابن حزم في المحلى وابن جرير الطبري وغيرهم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعاً، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثاً، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك، وتعقب
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 127)
.............................
ــ
بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوى من أول الحال. والمسلك الثاني: الترجيح فرجح القائلون بكونها ركعتين في كل ركعة ركوعان أحاديث تثنية الركوع لكونها أكثر وأصح. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر من روى من الصحابة تثنية الركوع في كل ركعة ما لفظه: وفي رواياتهم زيدة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها. وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا، وقد وردت الزيادة في ذلك من طرق … ، فذكر من روي عنه أحاديث تثليث الركوع وتربيعه وتخميسه ثم قال: ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر، ونقل صاحب الهدي عن الشافعي وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين غلطاً من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم – عليه السلام، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح، والراجح قطعاً هو حديث عائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وأسماء بنت أبي بكر وجابر وغيرهم الذي فيه ركوعان في كل ركعة. وقال الشوكاني في السيل الجرار: إذا تقرر لك أن القصة واحدة عرفت أنه لا يصح ههنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف أنه يأخذ بأي الصفات شاء، بل الذي ينبغي ههنا أن يأخذ بأصح ما ورد وهو ركوعان في كل ركعة لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلف البالغ. وقال ابن تيمية في التوسل والوسيلة (ص69-70) : لا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه، قال: ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه بخلاف مسلم فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين، والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب – انتهى. وقال في منهاج السنة: حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر في مسلم من المواضع المنتقدة بلا ريب، وإلى ترجيح روايات تثنية الركوع ذهب أيضاً صاحب فيض الباري من الحنفية حيث قال: لم تنكسف الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة، والروايات في تعدد الركوع بلغت إلى ست ركوعات في ركعتين، والأرجح عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين في ركعة، والباقي أوهام كانت فتاوى الصحابة فاختلطت بالمرفوع، وإذن لا أتمسك من روايات ورد فيها ركوع
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 128)
.............................
ــ
واحد، بل أحملها على الاختصار – انتهى. قلت: وفي تاريخ الخميس وأوائل الثقات لابن حبان: أن الشمس كسفت في عهده صلى الله عليه وسلم مرتين: الأولى في السنة السادسة، والثانية في السنة العاشرة يوم توفي إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما القمر ففي شرح الإحياء ذكر صاحب جمع العدة: أن خسوف القمر وقع في السنة الرابعة في جمادى الآخرة ولم يشتهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع له الناس، وذكر في الهدي وفي تاريخ الخميس (ج1 ص469) عن السيرة لابن حبان أنه وقع في السنة الخامسة في جمادى الآخرة، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وكانت أول صلاة كسوف في الإسلام، وقد جزم به مغلطائي في سيرته. والظاهر عندي ما ذهب إليه ابن تيمية وغيره من جمهور أهل العلم أنه لم يصلي صلاة كسوف الشمس في عهده صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلا مرة. قال الشيخ أحمد شاكر في حاشية المحلى (ج5 ص104، 105) : لقد حاولت كثيراً أن أجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التي حصلت في مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وتكون ؤيتها بها ممكنة، وطلبت ذلك من بعضهم مراراً، فلم أوفق إلى ذلك، إلا أني وجدت للمرحوم محمود باشا الفلكي جزءاً صغيراً سماه نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذي حصل فيه السنة العاشرة، وهو اليوم الذي مات فيه إبراهيم – عليه السلام، ومنه اتضح أن الشمس كسفت في المدينة في يوم الاثنين 29 شوال سنة (10) ، الموافق ليوم 27 يناير سنة 632 ميلادية في الساعة 8 والدقيقة 30 صباحاً، وهو يرد أكثر الأقوال التي نقلت في تحديد يوم موت إبراهيم، وعسى أن يكون هذا البحث والتحقيق حافزاً لبعض النبهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات الي حصلت بالمدينة في السنين العشر الأولى من الهجرة النبوية، أي إلى وقت وفاته صلى الله عليه وسلم في يوم الأحد 12 ربيع الأول سنة 11 أو الاثنين 13 منه الموافقان ليومي 7 يونية سنة 632 و8 منه، فإذا عرف بالحساب عدد الكسوفات في هذه المدة أمكن التحقيق من صحة أحد المسلكين. إما حمل الروايات على تعدد الوقائع، وإما ترجيح الرواية التي فيها ركوعان في كل ركعة، وأنا أميل جداً إلى الظن بأن صلاة الكسوف ما صليت إلا مرة واحدة، فقد علمنا من رسالة محمود باشا الفلكي أنه حصل خسوف للقمر في المدينة في يوم الأربعاء 14 جمادى الثانية من السنة الرابعة للهجرة الموافق 20 نوفمبر سنة 625، ولم يرد ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس فيه لصلاة الخسوف، ويؤيد هذا أن الأحاديث الواردة في صلاة الكسوف دالة بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة، وأن الصحابة لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها، وأنهم ظنوا أنها كسفت لموت إبراهيم، وأن المدة بين موت إبراهيم – عليه السلام – وبين موت أبيه صلى الله عليه وسلم لم تزد على أربعة أشهر ونصف، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحاً في النقل لتوفر الدواعي إلى نقله، كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة، والله أعلم بالصواب – انتهى كلام الشيخ أحمد. هذا وقد تقدم أن الحنفية اختاروا وحدة الركوع في كل ركعة كسائر
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 129)
.......................
ــ
الصلوات ثم اختلفوا. فقال بعضهم: الأرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين في كل ركعة والباقي أوهام وروايات وحدة الركوع محمولة على الاختصار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن ركع ركوعين لكنه لم يعلمنا إلا أن نأتي بها كأحدث صلاة صلاها وفيها ركوع واحد، فتعدد الركوع مخصوص به صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: ((صلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) أن لا تصلوا أنتم، كما رأيتم من تعدد الركوع، ولكن صلوا كصلاة الصبح – انتهى مختصراً محصلاً. وأجيب عنه بأن كل ما صح وثبت من فعله صلى الله عليه وسلم يكون سنة لنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به ولا دليل على كون تعدد الركوع في صلاة الكسوف مختصاً به صلى الله عليه وسلم، فدعوى الاختصاص مردودة، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كأحدث صلاة … )) الخ فليس بصريح ولا بظاهر فيما قالوا به فإنه يحتمل معاني أخرى كما تقدم عن السندي وابن حزم وغيرهما مفصلاً وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال والتشبيه لا يجب أن يكون من جميع الجهات فلا يترك به الأحاديث الصريحة التي هي أصح منه لكونها مروية في الصحيحين وغيرهما. وقال بعضهم أحاديث الفعل متعارضة فيطرح الكل ويؤخذ بالأصل، والأصل في الركوع الاتحاد دون التعدد وقد جاء في بعض الروايات كذلك. وفيه إن من شرط التعارض التساوي في الثبوت والقوة وهو منتفٍ ههنا، فإن أحاديث الفعل ليست بمتساوية بل روايات تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى وأشهر لاتفاق الشيخين على تخريجها، فيجب تقديمها وترجيحها ويتعين الأخذ بها ولا يجوز طرحها. وقال بعضهم: أحاديث وحدة الركوع مرجحة بوجوه: منها أن روايات تعدد الركوع متعارضة، وهي مع ذلك تخالف قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كأحدث صلاة … )) الخ والعبرة للقول إذا خالف الفعل. وفيه أنه لا تعارض بين روايات التعدد لكون أحاديث تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى فتقدم على غيرها ولا تخالف بينها وبين القول المذكور فإن المقصود منه التشبيه في بعض الصفات وهي عدد الركعات والجهر بالقراءة لا في جميعها وإلا فينبغي للحنفية أن يقولوا باستنان الجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس وأن لا يقولوا باستحباب تطويل القراءة والركوع والسجود بل يكرهوا الإطالة، لكنهم قد صرحوا بأن صلاة الكسوف مستثناة من كراهة التطويل وقالوا: يطيل فيها الركوع والسجود والقراءة، واستدلوا لذلك بروايات الفعل، ولو فرضنا التعارض بين روايات الفعل والقول فالقول إنما يقدم ويرجح على الفعل إذا لم يمكن الجمع بينهما وكان القول مساوياً للفعل في القوة والثبوت، والأمر ههنا ليس كذلك. ومنها أن روايات وحدة الركوع موافقة للقياس أي موافقة للأصول المعهودة فزيادة ركن في الصلاة لم تعهد. قال الحافظ: أشار الطحاوي إلى أن قول أصحابه أجري على القياس في صلاة النوافل لكن اعترض بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد وبنحوها مما يجمع فيه من طلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 130)
...............................
ــ
الكثيرة واستدبار القبلة، فلذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنص والقياس بخلاف من لم يعمل به – انتهى. وقد رد على هذا الوجه ابن حزم أيضاً فأجاد، فعليك أن ترجع إلى المحلى (ج5 ص101) . ومنها أن روايات التعدد متعارضة مضطربة. قال ابن الهمام: أحاديث تعدد الركوع مضطربة، والاضطراب موجب للضعف فوجب تركها. وفيه أن الاختلاف الواقع في روايات الفعل ليس اضطراباً قادحاً مورثاً للضعف فإن الاختلاف في الحديث من جهة الإسناد أو المتن إنما يورث الاضطراب الموجب للضعف إذا استوت وجوه الاختلاف وتساوت الروايات المختلفة، وأما إذا ترجحت إحداها بوجه من وجوه الترجيح قدمت ولا يعل الراجح بالمرجوح، يعني يكون العبرة للراجح، وههنا روايات تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى فيكون لها الاعتبار لا لروايات الزيادة على الركوعين ولا لروايات وحدة الركوع. هذا وتأول بعضهم أحاديث تعدد الركوع بتأويلات كلها أضاحيك نذكرها عبرة للناظرين وفي ذكرها غنى عن الرد. فمنها ما ذكره الفخر الزيلعي في شرح الكنز: أنه – عليه الصلاة والسلام – كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس هل انجلت أم لا فظنه بعضهم ركوعاً فأطلق عليه اسمه فلا يعارض ما روينا يعني من أحاديث وحدة الركوع – انتهى. قال الحافظ في الفتح: أجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس هل انجلت أم لا، فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه ففعل ذلك مرة أو مراراً فظن بعض من رآه يفعل ذلك ركوعاً زائداً. وتعقب بالأحاديث الصحيحة الصريحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل ولا سيما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال ثم شرع في القراءة، فكل ذلك يرد هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعل الرسول عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة لا عهد بها وهو ما فر منه – انتهى كلام الحافظ. ومنها ما ذكره صاحب المحيط البرهاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ركع ركوعين على وجه الصورة لا على وجه الحقيقة؛ لأنه قربت إليه الجنة والنار، وإنما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع فزعاً حين قربت منه النار، وكان ذلك رفعاً على وجه الصورة لا الحقيقة. ورد بما وقع من التصريح في الأحاديث الصحيحة بتطويل القيام الثاني وتطويل الركوع الذي بعده، وكذا تطويل الاعتدال الذي يليه السجود، وهذا كالصريح في أنه صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين ركوعاً حقيقة لا صورياً، وأن رفع الرأس لم يكن فزعاً على وجه الصورة، بل كان قياماً حقيقياً قرأ فيه قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ولو كان الرفع أي القيام فزعاً والركوع لأنه قربت إليه الجنة لم يقع التطويل فيهما كما لم يقع في تقدمه وتأخره، ويرد ذلك أيضاً أن الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم حين قربت إليه الجنة والنار
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 131)
................................
ــ
إنما هو التقدم والتأخر كما صرح به في رواية مسلم وغيره لا الركوع ورفع الرأس منه. ومنها ما ذكره صاحب العرف الشذى: أن الركوع الثاني لم يكن ركوعاً صلوياً بل كان ركوع آية وتخشع وتضرع يعني كان بدل السجود للآيات مما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الجنة والنار ممثلتين في جدار القبلة، فتعدد الركوع كتعدد السجود في الصلاة عند تلاوة آية السجدة، فكما تتعدد السجدة لداعية كذلك يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين؛ لأنه شاهد فيما ما لم يكن يشاهد في عامة الصلوات والسجود عند ظهور آية معروف. قال أبوعبد الله البلخي: إن الزيادة ثبتت في صلاة الكسوف لا للكسوف بل لأحوال اعترضت حتى روي أنه صلى الله عليه وسلم تقدم في الركوع حتى كان كمن يأخذ شيئاً ثم تأخر كمن ينفر عن شيء، فيجوز أن تكون الزيادة منه باعتراض تلك الأحوال، كذا في البدائع، وحاصل هذا كله أنه تعدد الركوع مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا نحو ما تقدم من المحيط البرهاني، وقد تقدم جوابه، ويزاد عليه أنه لا فرق بين الركوعين في الصورة، فكما أن الركوع الأول كان ركوع صلاة لا ركوع آية وتخشع كذلك كان الركوع الثاني ركوع صلاة لا ركوع آية، ومن يدعي الفرق بينهما فليأت بدليل صريح قوي على ذلك، ولا يكفي في مثل هذا الإمكان والاحتمال والتجويز، ويدل على بطلان هذا القول ودعوى الاختصاص عمل الصحابة بتعدد الركوع بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ويبطله أيضاً أن التقدم والتأخر إنما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في حال قيامه الثاني من الركعة الثانية كما رواه سعيد بن منصور في سننه لا في الركوع كما قال البلخي. ومنها ما قال الفخر الزيلعي في شرح الكنز: أنه صلى الله عليه وسلم طول الركوع فيها فمل بعض القوم فرفعوا رؤوسهم أو ظنوا أنه – عليه الصلاة والسلام – رفع رأسه فرفعوا رؤوسهم أو رفعوا رؤوسهم على عادة الركوع المعتاد، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم راكعاً فركعوا ثم فعلوا ثانياً وثالثاً كذلك ففعل من خلفهم كذلك ظناً منهم أن ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم روى كل واحد منهم على ما وقع في ظنه، ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف، فعائشة في صفوف النساء، وابن عباس في صفوف الصبيان، وحكى الطحطاوي على المراقي هذا التأويل عن الإمام محمد، وقال فروى كل واحد على حسب ما عنده من الاشتباه، قال بعض من كتب على الموطأ من أهل عصرنا: هذا أوجه؛ لأنه تجمع به الروايات كلها – انتهى. قلت: بل هو أسخف من جميع ما تأولوا به روايات تعدد الركوع فضلاً عن أن يكون وجيهاً أو أوجه، لا يخفى ركاكته وسخافته على من له أدنى فهم، ولله در صاحب فيض الباري حيث اعترف بركاكته فقال: وما قالوا – أي في تأويل أحاديث تعدد الركوع – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ركع فيه ركوعاً طويلاً وكان الصحابة يرفعون رؤوسهم يرون أنه هل قام منه أم لا فتوهم المتأخرون منهم تعدد الركوع فإنه ركيك عندي وإن كان أصله من المبسوط للسرخسي – انتهى. قلت: ويبطل هذا التأويل أن عائشة وأسماء – وهما ممن روى تثنية الركوع – لم تكونا في صفوف النساء، بل صلتا في حجرة
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 132)