...........................
ــ
فاكتفى بها ولو يصل أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلاف في جوازه وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما، ثم ذكر النووي أنواع الاستسقاء التي ذكرنا في أول الباب، وقال ابن رشد بعد ذكر بعض الأحاديث والآثار التي ليس فيها ذكر الصلاة ما لفظه: والحجة للجمهور أنه من لم يذكر شيئاً فليس هو بحجة على من ذكره، والذي يدل عليه اختلاف الآثار في ذلك ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، إذ قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قد استسقى على المنبر لا أنها ليست من سنته كما ذهب إليه أبوحنيفة – انتهى. وأجاب العيني عن الأحاديث التي فيها الصلاة بأنه صلى الله عليه وسلم فعلها مرة – أي واحدة – وتركها أخرى – أي في مرات أخرى – وذا لا يدل على السنية، وإنما يدل على الجواز – انتهى. وفيه أنه لم يرو في حديث صحيح أو ضعيف نفي الصلاة وعدم نقل الصلاة لا يستلزم عدم الوقوع، فدعوى أنه لم يصل إلا مرة واحدة وتركها أخرى مردودة، ولو سلم فصلاته في المصلى في الاستسقاء ولو مرة تدل على أنها سنة في حق أمته من غير شك، كما قال صاحب العرف الشذي: إن مطلق السنة والاستحباب لا يمكن إنكاره لما قال صاحب الهداية: أنه – عليه السلام – صلى مرة، وكما قال الشاه ولي الله الدهلوي: إن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى متبذلاً متواضعاً متضرعاً فصلى بهم ركعتين … إلى آخر ما تقدم من كلامه. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد: وأما ما ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس بشيء، فإنه لا ينكر ثبوت كليهما – أي على زعمه – مرة هذا ومرة هذا لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج إلى الصحراء صلى فتكون الصلاة مسنونة في هذه الحالة بلا ريب ودعائه المجرد كان في غير هذه الصورة – انتهى. قال القسطلاني في شرح البخاري، وابن حجر المكي في شرح المشكاة، والشيخ عبد الحي في عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعله لم تبلغ أباحنيفة تلك الأحاديث، وإلا لم ينكر استنان الجماعة، قال شيخنا: هذا هو الظن به والله تعالى أعلم. قال الكاساني في البدائع: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى بجماعة حديث شاذ، ورد في محل الشهرة لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس، ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه أو وهمه على ضبطه، فلا يكون مقبولاً مع أن هذا مما تعم به البلوى في ديارهم، وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ – انتهى. وكذا تفوه السرخسي، وقال في المحيط البرهاني والكافي: إنه لم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به، قال ابن الهمام: ووجه الشذوذ أن فعله – عليه الصلاة والسلام – لو كان ثابتاً لاشتهر نقله اشتهاراً واسعاً ولفعله عمر حين استسقى ولأنكروا عليه إذا لم يفعل؛ لأنها كانت بحضرة جميع الصحابة لتوفر
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 173)
جهر فيهما بالقراءة،
ــ
الكل في الخروج معه – عليه الصلاة والسلام – للاستسقاء، فلما لم يفعل ولم ينكروا ولم تشتهر روايتها في الصدر الأول، بل هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في كيفيتها عن ابن عباس وأنس كان ذلك شذوذاً فيما حضره الخاص والعام والصغير والكبير. واعلم أن الشذوذ يراد باعتبار الطرق إليهم، إذ لو تيقنا عن الصحابة المذكورين رفعه لم يبق إشكال – انتهى. كذا في المرقاة. قلت: قد روى صلاته صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أربعة نفر من كبراء الصحابة: عبد الله بن زيد، وأبوهريرة، وابن عباس، وعائشة، والطرق إليهم صحيحة ثابتة قطعاً، لا يمكن إنكاره، وليس فيها اضطراب قادح أصلاً، كما لا يخفى على من تأمل في طرق هذه الأحاديث ومتونها، فالارتياب في كونها مرفوعة والتوهم بكونها كذباً أو وهماً ليس منشأه إلا التقليد الأجوف والعصبية العمياء وغمط الحق والنفور عن السنة، والخبر المذكور مشهور، قد عمل به الصحابة وغيرهم كابن الزبير وعبد الله بن يزيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، وكذا عمل به من بعدهم، كما قال ابن قدامة في المغني (ج2 ص329، 339) فتبين أن الحديث قد اشتهر بينهم واستفاض في الصدر الأول حديث عمل به الصحابة وغيرهم، وتلقوه بالقبول، فادعاء شذوذه باطل مردودة على من تفوه به، ولا يلزم من اقتصار عمر على الاستغفار عدم ثبوت الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز تكذيب الرواة العدول الثقات لفعل عمر، والظاهر أن عمر إنما لم يزد على الاستغفار ليبين للناس أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، كما قال ابن رشد، وأيضاً فقد أنكروا على عمر اقتصاره على الاستغفار، إذ قالوا: ما رأيناك استسقيت، أي على الوجه الذي استسقى به النبي صلى الله عليه وسلم في حالة الخروج إلى الصحراء من الصلاة والدعاء والخطبة وتحويل الرداء، ولا يضر هذه الأحاديث كونها مما تعم به البلوى، فإن خبر الواحد مقبول في ذلك في قول الجمهور لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في عموم البلوى، فقد قبلوا خبر عائشة في الغسل من الجماع بغير الإنزال، وخبر رافع بن خديج في المخابرة، وقد أثبتت الحنفية تثنية الإقامة وانتقاض الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيل، ورفع اليدين مع تكبيرات العيدين بأخبار الآحاد مع كون ذلك مما تعم به البلوى. (جهر فيهما بالقراءة) قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على استحباب الجهر بالقراءة، وكذا نقل الإجماع على استحبابه ابن بطال، كما في الفتح، قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة، ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني – والحاكم والبيهقي – من حديث ابن عباس أنه قال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين – الحديث، وفيه: وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية: {هل أتاك حديث الغاشية} ، وكبر فيها خمس تكبيرات، وفي إسناده مقال، فإن في سنده محمد بن عبد العزيز وقال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وضعفه أيضاً أبوحاتم
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 174)
واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه، وحول رداءه
ــ
وابن حبان وابن القطان، وأصله في السنن بلفظ: فصلى ركعتين، كما يصلي في العيد، فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما سبعاً وخمساً كالعيد، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو رواية عن أحمد، وذهب الجمهور مالك والأوزاعي وإسحاق وأبويوسف ومحمد وأحمد – في رواية – إلى أنه يكبر فيهما كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح؛ لأنه لم يذكر عبد الله بن زيد وأبوهريرة وعائشة تكبيرات الزوائد في رواياتهم، ولا ابن عباس فيما صح من روايته، وظاهرها أنه لم يكبر النبي صلى الله عليه وسلم، والزيادة تحتاج إلى دليل صحيح يؤيدها، وتأويل الجمهور قول ابن عباس: صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونهما قبل الخطبة، قال الزرقاني: لم يأخذ به مالك لضعف الرواية المصرحة بالتكبير، ولما يطرق الثانية من احتمال نقص التشبيه – انتهى. وقال ابن قدامة: كيفما فعل كان جائزاً حسناً – انتهى. (واستقبل القبلة) أي بعد الصلاة، واختلفوا في استقبال القبلة متى يكون؟ فقال محمد: يخطب خطبتين بعد الصلاة، ويتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة، ويشتغل بالدعاء رافعاً يديه. وقالت الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية يتوجه إلى القبلة ويدعو، وبعد الدعاء يستقبل الناس ويكمل الخطبة، وقالت المالكية: يتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة الثانية ويدعو مستقبلاً للقبلة. قال الباجي: اختلف قول مالك في استقبال القبلة متى يكون، فروى عنه ابن القاسم أنه يفعل ذلك إذا فرغ من الخطبة، وقال عنه علي بن زياد: يفعل ذلك في أثناء خطبته يستقبل القبلة ويدعو ما شاء ثم ينصرف فيستقبل الناس ويتم خطبته، وجه الأول أنه خطبة مشروعة فلا يسن قطعها بذكر كخطبتي العيد، وجه الثاني: أن السنة فيها خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء مفرداً كان ذلك كالخطبة الثالثة – انتهى. وقالت الحنابلة: يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة ويدعو رافعاً يديه، ويجهر ببعض دعائه ليسمع الناس فيؤمنون على دعائه، ثم يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويدعو حال استقباله، والراجح عندنا: أنه يخطب خطبة واحدة ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويدعو مستقبلاً للقبلة؛ لأن ظاهر الحديث يدل على هذا. (يدعو) حال (ورفع يديه) أي للدعاء، وكذا يرفع الناس أيديهم مع الإمام يدعون، وقد بوب البخاري في صحيحه: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، وأورد فيه حديث أنس في استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة عند شكوى الأعرابي، وفيه: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون. (وحول رداءه) بحيث صار الأيمن إلى الجانب الأيسر وطرفه الأيسر إلى الجانب الأيمن، وصار باطنه ظاهراً وظاهره باطناً، وطريقة هذا القلب والتحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساه وبيه اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 175)
حين استقبل القبلة.
ــ
الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يساراً واليسار يميناً والأعلى أسفل وبالعكس، ذكر الواقدي أن طول ردائه صلى الله عليه وسلم كان في ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر كان يلبسهما في الجمعة والعيد – انتهى. وفيه دليل على استحباب تحويل الرداء في هذه العبادة، وخالف أبوحنيفة في ذلك فأنكر استنانه واستحبابه، وقال: كان ذلك تفاؤلاً بتغيير الحال كما جاء مصرحاً عند الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر بلفظ: وحول رداءه ليتحول القحط. قال الحافظ: رجاله ثقات، ورجح الدارقطني إرساله، وفي الطوالات للطبراني من حديث أنس بلفظ: وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب. قلت: كون التحويل للتفاؤل لا ينافي استحبابه عند الدعاء في الاستسقاء في الصحراء، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع. قال ابن دقيق العيد: وقال من احتج لأبي حنيفة: إنما قلب رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء أو عرف من طريق الوحي تغيير الحال عند تغيير ردائه. قلنا: القلب من جهة أخرى أو من ظهر إلى بطن لا يقتضي الثبوت على العاتق، بل أي حالة اقتضت الثبوت أو عدمه في إحدى الجهتين فهو موجود في الأخرى، وإن كان قد قرب من السقوط تلك الحال فيمكن تثبيته من غير قلب، والأصل عدم ما ذكر من نزول الوحي بتغير الحال عند تغيير الرداء، والاتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع ما عرف من الشرع من صحة التفاؤل – انتهى. ويستحب أن يحول الناس بتحويل الإمام، وهو قول الجمهور: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، لما روى أحمد من حديث عبد الله بن زيد بلفظ: وحول الناس معه، وقال الليث وأبويوسف ومحمد وابن المسيب وعروة والثوري: يحول الإمام وحده، والحق ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الظاهر أن تحويلهم كان عن علمه صلى الله عليه وسلم، فتقريره إياهم إذ حولوا على كونه سنة في حقهم أيضاً، واستثنى الشافعية والمالكية النساء، فقالوا: لا يستحب في حقهن، وظاهر قوله: وحول الناس معه أنه يستحب ذلك للنساء أيضاً. (حين استقبل القبلة) وفي رواية لمسلم: لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وفي أخرى له: فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله واستقبل القبلة وحول رداءه، وأفادت هذه الروايات أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء حال استقبال القبلة، وفي رواية للبخاري: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه، قال الحافظ: ظاهره أن الاستقبال وقع سابقاً لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي، ووقع في كلام كثير من الشافعية أنه يحوله حال الاستقبال – انتهى. وقيل: يحمل "ثم" في رواية البخاري على معنى "الواو" لتوافق الروايات الأخرى. واعلم أنه لم يرد في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين التصريح بالخطبة، وإنما ذكر تحويل الظهر إلى
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 176)
........................
ــ
الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء فاحتج به لأبي حنيفة على أنه لا خطبة في الاستسقاء، وإنما يدعو ويتضرع، وهي رواية عن أحمد، وهو الحق والصواب لما وقع من التصريح بالخطبة في حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج4 ص41) وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجه والبيهقي (ج3 ص374) والطحاوي (ص192) ، وفي حديث عائشة عند أبي داود والحاكم (ج1 ص328) والبيهقي (ج3 ص349) واحتج أيضاً لمن لم يقل بالخطبة بقول ابن عباس: لم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير. أخرجه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج1 ص327) والبيهقي (ج3 ص347-348) والطحاوي (ج1 ص191) ، وأجيب عنه بأن ابن عباس إنما نفى وقوع خطبة منه صلى الله عليه وسلم مشابهة لخطبة المخاطبين ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه صلى الله عليه وسلم. قال شيخنا: النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة. وفي رواية أبي داود: فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه، فقوله: فرقى المنبر أيضاً يدل على أن النفي متوجه إلى القيد، قال الزيلعي (ج2 ص242) : مفهوم قول ابن عباس أنه خطب لكنه لم يخطب خطبتين كما يفعل في الجمعة، ولكنه خطب خطبة واحدة، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين، فلذلك قال أبويوسف: يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول: يخطب خطبتين، ولم أجد له شاهداً – انتهى. وقال ابن قدامة: قول ابن عباس نفي للصفة لا لأصل الخطبة أي لم يخطب كخطبتكم هذه إنما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير – انتهى. قال بعض من كتب على سنن أبي داود من أهل عصرنا: ظاهر قوله: فلم يخطب خطبتكم هذه أن النفي راجع إلى القيد والمقيد جميعاً ولم يخطب صلى الله عليه وسلم في هذه المرة قال: وقوله ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير كالصريح في أنه لم يخطب مطلقاً فإن الخطبة كانت مستقبل الناس مستدير الكعبة والدعاء بالعكس، قال: وأما قوله: فرقى المنبر فهو مختلف فيه، ذكره عثمان بن أبي شيبة عند أبي داود ومحمد بن عبيد بن محمد عند النسائي، وعثمان له مع كونه ثقة أوهام، ومحمد بن عبيد قال فيه النسائي ومسلمة: لا بأس به، ولم يذكر هذا اللفظ غيرهما. قلت: وقع عند أحمد والبيهقي من رواية وكيع عن سفيان عن هشام بن إسحاق عن أبيه عن ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه، وهذا صريح في أن ابن عباس إنما نفى الخطبة المشابهة لخطبتهم ولم ينف وقوع مطلق الخطبة، ولا يفهم منه غير ذلك، فهو ظاهر في أن النفي راجع إلى القيد فقط، وأما قوله: لكن لم يزل في الدعاء … الخ فلا ينافي الخطبة؛ لأن معناه أن جل خطبته وأكثرها كان الدعاء والتضرع والتكبير، كما قال ابن قدامة، وأيضاً الدعاء يكون بعد فراغ الموعظة في آخر الخطبة وبعد الدعاء يستقبل الإمام الناس ويتم خطبته، وقوله: فرقى المنبر صريح في وقوع الخطبة في هذه المرة أيضاً؛
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 177)
.........................
ــ
لأن الظاهر أنه لا يرقاه إلا للخطبة، ولم يتفرد به عثمان ومحمد بن عبيد، بل قد تابعهما أبوثابت المدني محمد بن عبيد الله بن محمد عند البيهقي، وهو أيضاً ثقة، فهي زيادة صحيحة، رواها جماعة من الثقات ولا يضرها سكوت من سكت عنها، ولا دليل على كونها وهما فلابد من قبولها. ثم إنه اختلفت الأحاديث في وقت الخطبة للاستسقاء، ففي حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج4 ص41) وحديث أبي هريرة أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عائشة عند أبي داود وغيره أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود ففيه خرج النبي صلى الله عليه وسلم متبذلاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى فرقى المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين، وقد استدل بها على أن الخطبة قبل الصلاة لكن ليس فيها التصريح بأنه خطب، واختلفوا في دفع هذا الاختلاف، فقال الزيلعي في نصب الراية (ج3 ص242) بعد ذكر الروايات المذكورة: ولعلهما واقعتان، وقال ابن قدامة: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين، ورجح البيهقي رواية تقديم الصلاة على الخطبة من حديث عبد الله بن زيد، كما يظهر من كلامه في باب ذكر الأخبار التي تدل على أنه دعا أو خطب قبل الصلاة (ج3 ص348-349) ، قال القرطبي: ويعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة، ورجح بعضهم تقديم الخطبة. قال ابن رشد في الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذلك وقع الاختلاف – انتهى. واختلف أيضاً مذاهب العلماء في محل الخطبة، واختلافهم إنما هو في الاستحباب لا في الجواز، فالمرجح عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد: الشروع بالصلاة، وهو المشهور عن أحمد. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء. وقال النووي: وبه قال الجماهير، وذهب ابن حزم والليث وابن المنذر إلى أن الخطبة قبل الصلاة، وروي ذلك عن عمر – رضي الله عنه – وابن الزبير وأبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كما في سنن الأثرم، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير. قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة – انتهى. وعن أحمد رواية ثالثة أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها. قال ابن قدامة: لورود الأخبار بكلا الأمرين ودلالتها على كلتا الصفتين، فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين – انتهى. وقال الشوكاني بعد ذكر القولين الأولين ما لفظه:
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 178)
متفق عليه.
1511- (2) وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعاء إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه.
ــ
وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق – انتهى. وتقدم أنه روي عن أحمد نفي الخطبة أيضاً، قال ابن قدامة بعد ذكر الروايات الأربعة عنه: وأياً ما فعل من ذلك فهو جائز؛ لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها، فإن شاء فعلها وإن شاء تركها، والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة لتكون كالعيد، وليكونوا قد فرغوا من الصلاة أن أجيب دعاءهم فأغيثوا فلا يحتاجون إلى الصلاة في المطر – انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الاستسقاء في مواضع، وأخرجه أيضاً في الدعوات، وأخرجه مسلم في الاستسقاء كلاهما بألفاظ مختلفة، ولفظ المشكاة بهذا السياق والنسق ليس لهما ولا لأحدهما، بل ولا لغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم، والجهر بالقراءة لم يذكره في رواية مسلم قد انفرد به البخاري، وليس في رواية الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد ذكر رفع اليدين أصلاً، نعم رواه الترمذي وأبوداود والنسائي، ولا أدري من أين نقل البغوي والمصنف هذا السياق؟ والظاهر أن هذا من تصرف البغوي، والعجب من المصنف إنه لم ينتبه لذلك، والحديث أخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
1511- قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه) أي رفعاً بليغاً، يعني لا يبالغ في الرفع، وإلا فأصل الرفع ثابت في مطلق الدعاء، وآخر الحديث يشعر بهذا المعنى (في شي من دعاء إلا في الاستسقاء) أي في دعائه (فإنه يرفع) أي كان يرفع يديه (حتى يرى) بصيغة المجهول (بياض إبطيه) بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة وقد تكسر باطن المنكب يذكر ويؤنث، قال الحافظ: قوله: إلا في الاستسقاء، ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة في الرفع في غير الاستسقاء وهي كثيرة، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، ورواية المثبت مقدمة على النافي، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدل عليه قوله: حتى يرى بياض إبطيه، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء، إنما المراد به مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وحينئذٍ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة اليدين في ذلك كما في رواية مسلم التي تليه، ولأبي داود من حديث أنس أيضاً: كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 179)
متفق عليه.
1512- (3) وعنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. رواه مسلم.
1513- (4) وعن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: ((اللهم صيباً
ــ
(متفق عليه) ، وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي والبيهقي (ج3 ص357) ، والحاكم (ص327) ، وذكر المنذري والقسطلاني والعيني: ابن ماجه أيضاً فيمن خرجه في الاستسقاء، ولم أجده، ونسبه الجزري في جامع الأصول (ج7 ص139) للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي فقط، نعم روى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى حتى رأيت أو رؤي بياض إبطيه، أخرجه أيضاً أحمد (ج2 ص236) والبزار.
1512- قوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء) على عكس ما هو المتعارف في الدعاء، قيل: الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال، كما قيل في تحويل الرداء، قال التوربشتي: معنى الحديث أنه كان يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما إلى السماء، يشير بذلك إلى قلب الحال ظهر البطن وذلك مثل صنيعه في تحويل الرداء، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنه جعل بطن كفيه إلى الأرض إشارة إلى مسألته من الله تعالى بأن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من المطر كما أن الكف إذا جعل وجهها أي بطنها إلى الأرض أنصب ما فيها من الماء – انتهى. وقال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء – انتهى. وقد أخرج أحمد من حديث السائب بن خلاد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه، وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال مشهور. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود، وتقدم لفظه، وأخرجه البيهقي بكلا اللفظين (ج3 ص357) .
1513- قوله (كان إذا رأى المطر) يحتمل أن يكون المراد إذا رأى المطر بعد الاستسقاء، والمطر بفتح الطاء: ماء السحاب (صيباً) بفتح الصاد وتشديد الياء المكسورة أي منهمراً متدافعاً، أصله واو لأنه من صاب يصوب صوباً إذا نزل فأصاب الأرض وبناءه صيوب كفعيل، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت كسيد، قال ابن عباس في قوله تعالى: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] : الصيب المطر، وبه قال الجمهور. قال الواحدي: هو المطر الكثير، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه، وقال بعضهم: الصيب السحاب، ولعله أطلق ذلك مجازاً؛ لأنه من صاب المطر يصوب إذا نزل فأصاب الأرض، ويؤيد معنى المطر الكثير ما في الكشاف: الصيب المطر الذي يصوب، أي
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 180)
نافعاً)) رواه البخاري.
1514- (5) وعن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، قال: فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: ((لأنه حديث عهد بربه)) رواه مسلم.
ــ
ينزل ويقع، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدل على أنه نوع من المطر شديد هائل، ولذا تممه بقوله: ((نافعاً)) صيانة عن الأضرار والفساد، وهو منصوب بفعل مقدر أي اجعله، كما في رواية النسائي وابن ماجه والبيهقي أو أسقنا أو أسألك. وقيل: على الحال، أي أنزله علينا حال كونه صيباً أي مطراً (نافعاً) صفة للصيب؛ ليخرج بذلك الصيب الضار أو ما لا يترتب عليه نفع أعم من أن يترتب عليه ضرر أم لا، قال في المصابيح: وهذا أي قوله ((صيباً نافعاً)) كالخبر الموطئ في قولك: زيد رجل فاضل، إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة، هذا إن بنينا على قول ابن عباس: إن الصيب هو المطر، وإن بنينا على أنه المطر الكثير كما نقله الواحدي فكل من صيباً ونافعاً مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة – انتهى. وفي الحديث دليل على استحباب الدعاء المذكور عند نزول المطر للازدياد من الخير والبركة، وفي رواية ابن ماجه والبيهقي والنسائي في عمل اليوم والليلة: هنيئاً، بدل نافعاً، وفي رواية ابن أبي شيبة، وكذا في رواية لابن ماجه: سيباً نافعاً – بفتح السين المهملة وإسكان الياء – مصدر بمعنى الفاعل صفة لمحذوف، أي اجعله مطراً جارياً، من ساب المطر يسيب سيباً إذا جرى، وذهب كل مذهب، وقيل: السيب العطاء (رواه البخاري) في الاستسقاء، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي في السنن، وفي عمل اليوم والليلة وابن ماجه في الدعاء والبيهقي (ج3 ص361) وابن أبي شيبة.
1514- قوله (فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه) أي كشف بعض ثوبه عن بدنه (لم صنعت هذا) أي ما الحكمة فيه (قال: لأنه) أي المطر الجديد (حديث عهد بربه) أي جديد النزول بأمر ربه أو بإيجاد ربه وتكوينه إياه، يعني أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، وفيه دليل على أنه يستحب عند أول المطر أن يكشف بدنه ليناله المطر لذلك. وقال التوربشتي: أراد أنه قريب عهد بالفطرة، وأنه هو الماء المبارك الذي أنزله الله من المزن ساعتئذ فلم تمسه الأيدي الخاطئة ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله. قال المظهر: فيه تعليم لأمته أن يتقربوا ويرغبوا فيما فيه خير وبركة – انتهى. ويسن الدعاء وطلب الإجابة عند نزول المطر، كما في حديث سهل بن سعد وحديث أبي أمامة رواهما البيهقي (ج3 ص360) (رواه مسلم) في الاستسقاء، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الدعاء والبيهقي (ج3 ص359) .
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 181)
{الفصل الثاني}
1515- (6) عن عبد الله بن زيد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله، رواه أبوداود.
1516- (7) وعنه أنه قال: استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقيه.
ــ
1515- قوله (فجعل عطافه) بكسر العين المهملة، أي طرف ردائه (الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن) قال في المجمع: العطاف والعطف الرداء، سمي عطافاً لوقوعه على عطفي الرجل، وهما ناحيتا عنقه، إنما أضاف العطاف إلى الرداء لأنه أراد أحد شقي العطاف، فالهاء ضمير الرداء، ويجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ويريد بالعطاف جانب الرداء وطرفه (ثم دعا الله) أي لرفع القحط ونزول الغيث، وفي الحديث بيان المراد من تحويل الرداء، وهو أن يجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن، وليس فيه ذكر الصلاة، وهو محمول على نسيان الراوي أو أنه اختصره. (رواه أبوداود) وسكت عنه، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج3 ص350) من طريق أبي داود.
1516- قوله (وعليه خميصة) أي كساء أسود مربع له علمان في طرفيه من صوف وغيره، فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة (له) أي للنبي صلى الله عليه وسلم (سوداء) صفة لخميصة، وفيه تجريد، وقال الجزري في النهاية: الخميصة ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديماً، وجمعها الخمائص – انتهى. (فلما ثقلت) أي الخميصة يعني عسر عليه جعل أسفلها أعلاها (قلبها) أي الخميصة بتخفيف اللام. وقيل: بتشديدها (على عاتقيه) بأن جعل جانبها الأيمن على عاتقه الأيسر، والجانب الأيسر على عاتقه الأيمن. قال الطحاوي بعد رواية الأحاديث التي فيها ذكر صفة قلب الرداء ما لفظه: ففي هذه الآثار قلبه لردائه وصفة قلب الرداء كيف كان وإنه إنما جعل ما على يمينه منه على يساره، وما على يساره على يمينه لما ثقل عليه أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، فكذلك نقول ما أمكن أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، فقلبه كذلك هو وما لا يمكن ذلك فيه حوله فجعل الأيمن منه أيسر والأيسر منه أيمن – انتهى. قلت: اختلفوا في حكم التنكيس – وهو أن يجعل
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 182)
رواه أحمد وأبوداود.
1517- (8) وعن عمير مولى آبي اللحم، أنه
ــ
أسفله أعلاه -، فقال الجمهور: مالك وأحمد باستحباب التحويل فقط، وروي ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان يقول به الشافعي ثم رجع فاستحب فعل ما هم به صلى الله عليه وسلم من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف، وتقدم مذهب الحنفية في كلام الطحاوي، وزعم القرطبي كغيره إن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في كتاب الأم أنه اختار التنكيس مع التحويل. قال الحافظ في الفتح: ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط – انتهى. وذلك لأنه اختار الجمع بين التحويل والتنكيس كما تقدم، وإذا كان مذهبه ما ذكره عنه القرطبي فليس بأحوط، واستدل الجمهور بحديث العطاف. قال ابن قدامة: وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك والزيادة التي نقلوها – يعني في التنكيس – إن ثبتت فيه ظن الراوي لا يترك لها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل تحويل الرداء جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله، ويبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء – انتهى. قلت: الزيادة المذكورة لا تنحط عن درجة الحسن، بل هي صحيحة، وهي إخبار عن مشاهدة، وفيها الجمع بين الروايات، فالأحوط عندنا هو ما ذكره الشافعي في الأم من استحباب التنكيس مع التحويل، والله تعالى أعلم. (رواه أحمد) (ج4 ص41-42) ، (وأبوداود) وأخرجه الحاكم (ج1 ص327) والبيهقي (ج3 ص351) وأبوعوانة وابن حبان، وأخرجه النسائي مختصراً، أي إلى قوله: وعليه خميصة سوداء، والحديث قد سكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال في الإلمام: إسناده على شرط الشيخين.
1517- قوله (وعن عمير) بالتصغير مولى آبي اللحم الغفاري، صحابي شهد خيبر مع مولاه، وعاش إلى نحو السبعين. (مولى آبى اللحم) بألف ممدودة اسم فاعل من أبى بمعنى امتنع. قال الحافظ: آبى اللحم – بالمد – بلفظ اسم الفاعل من الإباء، صحابي مشهور غفاري، يقال: إن اسمه خلف، وقيل غير ذلك، شهد حنيناً، ومعه مولاه عمير، وإنما لقب بآبي اللحم لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم مطلقاً، وقيل: لأنه كان لا يأكل ما ذبح للأصنام في الجاهلية، قال ابن عبد البر: هو من قدماء الصحابة وكبارهم، ولا خلاف أنه شهد حنيناً وقتل بها، قيل: هو الذي يروي هذا الحديث ولا يعرف له حديث سواه، قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة آبي اللحم: له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في الاستسقاء، روى عنه عمير مولاه (أنه) الضمير لعمير.
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 183)
رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي عند أحجار الزيت، قريباً من الزوراء قائماً يدعو يستسقي، رافعاً يديه قِبَل وجهه لا يجاوزه بهما رأسه، رواه أبوداود، وروى الترمذي، والنسائي نحوه.
ــ
(رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي عند أحجار الزيت) قال ياقوت الحموي: موضع بالمدينة، قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، وقال العمراني: أحجار الزيت موضع بالمدينة داخلها، وقال القاري: موضع بالمدينة من الحرة، سمي بذلك لسواد أحجاره كأنها طليت بالزيت – انتهى. (قريباً) أي حال كونه قريباً أو في مكان قريب (من الزوراء) بفتح الزاء المعجمة وسكون الواو موضع عند سوق المدينة مرتفع كالمنارة قرب المسجد (قائماً) أي يستسقي قائماً (يدعو يستسقي) حالان أي داعياً مستسقياً (رافعاً يديه) وفي رواية لأحمد: رافعاً كفيه (قبل وجهه) بكسر القاف وفتح الموحدة أي قبالته (لا يجاوز بهما) أي بيديه حين رفعهما (رأسه) قال القاري: لا ينافي ما مر عن أنس أنه كان يبالغ في الرفع للاستسقاء لاحتمال أن ذلك كان أكثر أحواله، وهذا في نادر منها أو بالعكس – انتهى. وزاد أحمد في روايته: مقبل بباطن كفيه إلى وجهه، وهذا لا يخالف ما مر من حديثه أيضاً أنه كان يشير بظهر كفيه إلى السماء في الاستسقاء، أي يجعل بطون يديه مما يلي الأرض؛ لأنه يحتمل أنه كان يفعل تارة كذا وتارة كذا، والله تعالى أعلم. والحديث استدل به لأبي حنيفة على عدم استنان الصلاة في الاستسقاء؛ لأنه ليس فيه ذكر الصلاة، وقد تقدم الجواب عنه. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاًُ أحمد (ج5 ص223) وسكت عنه أبوداود. (وروى الترمذي والنسائي نحوه) أي معناه كلاهما عن قتيبة عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله عن عمير مولى آبي اللحم عن آبي اللحم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت يستسقي، وهو مقنع بكفيه يدعو، قال الترمذي: كذا قال قتيبة في هذا الحديث "عن آبي اللحم" ولا نعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث الواحد، وعمير مولى آبي اللحم قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وله صحبة – انتهى. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: هكذا روى الترمذي والنسائي عن قتيبة أنه زاد في الإسناد "عن آبي اللحم"، ولكن رواه أحمد عن قتيبة نفسه من حديث عمير مولى آبي اللحم ولم يذكر عن آبي اللحم، وذكر الحديث في مسند عمير، فلعل قتيبة لم يحفظ هذا الحديث جيداً، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا، وقد أخطأ في إسناده خطأ آخر إذ جعل الرواية عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمير مباشرة، والصواب أن يزيد رواه عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عمير كما في رواية أحمد وأبي داود من طريق حيوة وعمر بن مالك عن ابن الهاد – انتهى. قلت: ورواه الحاكم (ج1 ص327) من طريق يحيى بن بكير عن الليث، فجعله من حديث عمير مولى آبي اللحم، ولم يذكر "عن آبي اللحم" وقال: صحيح الإسناد، وعمير مولى آبي اللحم له صحبة – انتهى. وهذا يؤيد أن الحديث
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 184)
1518- (9) وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في الاستسقاء متبذلاً، متواضعاً، متخشعاً، متضرعاً، رواه الترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه.
ــ
من مسند عمير لا من مسند مولاه آبي اللحم، وأن قتيبة لم يحفظ جيداً، ووافق الذهبي الحاكم في تصحيح الحديث، لكن زاد في السند لفظ "عن آبي اللحم" وروى أحمد (ج4 ص36) وأبوداود من طريق شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن محمد بن إبراهيم قال: أخبرني من رأى النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند أحجار الزيت باسطاً كفيه، اللفظ لأبي داود، قال الحافظ في مبهمات التقريب، وتهذيب التهذيب: محمد بن إبراهيم التيمي أخبرني من رأى النبي صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت، هو عمير مولى آبي اللحم – انتهى. وهو أيضاً يرجح كون الحديث من مسند عمير لا من مسند مولاه آبي اللحم.
1518- قوله (يعني في الاستسقاء) أي يريد ابن عباس أنه – عليه الصلاة والسلام – خرج إلى المصلى في الاستسقاء، وهو من كلام البغوي، وأول الحديث قال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة: أرسلني الوليد بن عتبة - وكان أمير المدينة – إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء فأتيته فقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم (متبذلاً) بمثناة فوقية ثم موحدة ثم ذال معجمة، أي لابساً ثياب البذلة، تاركاً لثياب الزينة، تواضعاً لله تعالى وإظهاراً للحاجة. قال في النهاية: التبذل ترك التزين والتهيء بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع (متواضعاً) في الظاهر (متخشعاً) في الباطن، وقال الشوكاني: قوله: متخشعاً، أي مظهراً للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل، زاد في رواية ابن ماجه والحاكم، وكذا في رواية لأحمد (ج1 ص230) والبيهقي (ج3 ص344) : مترسلاً، أي متأنياً غير مستعجل في مشيه، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه: إذا لم يعجل (متضرعاً) أي مظهراً للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة والمبالغة في السؤال والرغبة، ووقع عند أبي داود فيما روى عن عثمان بن أبي شيبة: حتى أتى المصلى فرقى على المنبر، وكذا وقع ذكر الجلوس على المنبر عند النسائي من رواية أبي جعفر محمد بن عبيد بن محمد النحاس الكوفي المحاربي، وعند البيهقي من رواية أبي ثابت محمد بن عبيد الله بن محمد المدني، ووقع عند الثلاثة، وكذا عند الترمذي وغيره: فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيدين، ولفظ أبي داود: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد، وقد تقدم الكلام على معناه (رواه الترمذي) … الخ، وأخرجه أيضاً أحمد (ج1 ص230، 269، 355) ، وأبوعوانة وابن حبان والحاكم (ج1 ص326) ، والدارقطني والبيهقي (ج3 ص344) ، وصححه الترمذي وأبوعوانة وابن حبان.
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 185)
1519- (10) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال: ((اللهم اسق عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت)) رواه مالك وأبوداود.
1520- (11) وعن جابر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يواكيء
ــ
1519- قوله (عن أبيه) شعيب (عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استسقى) أي طلب الغيث عند الحاجة (قال) أي في دعائه (اللهم اسق) بهمزة الوصل والقطع (عبادك) من الرجال والنساء والعبيد والإماء والصغير والكبير، وفي الإضافة إليه تعالى مزيد الاستعطاف (وبهيمتك) أي بهائمك من جميع دواب الأرض وحشراتها، قال في القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم، ولو في الماء، أو كل حي لا يميز – انتهى. وهذا لفظ مالك في الموطأ، وعند أبي داود: وبهائمك، بلفظ الجمع (وانشر) بضم الشين، أي ابسط وعمم (رحمتك) أي المطر ومنافعه وبركاته، قال تعالى: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته} [الشورى: 28] ، (وأحي) أمر من الإحياء (بلدك الميت) بتشديد الياء أن بإنبات الأرض بعد موتها أي جدبها ويبسها كأنه تلميح إلى قوله تعالى: {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها} [الروم: 50] وإلى قوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها} [فاطر: 9] ، وإلى قوله: {وأحيينا به بلدة ميتاً} [ق: 11] ، قال الطيبي: يريد به بعض البلاد المبعدين عن مظان الماء الذي لا ينبت فيها عشب للجدب فسماه ميتاً على الاستعارة ثم فرع عليه الإحياء، والحديث دليل على استحباب الدعاء بما اشتمل عليه عند الاستسقاء (رواه مالك وأبوداود) ظاهر هذا أنهما روياه موصولاً، وليس كذلك، فإن حديث مالك مرسل، قال الزرقاني: رواه مالك وجماعة عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً، ورواه آخرون عن يحيى عن عمرو عن أبيه عن جده مسنداً، منهم الثوري عند أبي داود – انتهى. قلت: وأخرجه البيهقي (ج3 ص356) من طريق عبد الرحيم بن سليمان الأشل عن الثوري موصولاً، قال الحافظ في التلخيص (ص151) : ورجح أبوحاتم إرساله – انتهى.
1520- قوله (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يواكئ) بضم الياء المثناة تحت وآخره همزة بصيغة المضارع من المواكأة، هكذا وقع في جميع النسخ من المصابيح والمشكاة، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج7 ص140) ، وهكذا ذكره الخطابي في معالم السنن (ج1 ص254) ، ثم فسره فقال: معناه يتحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء، ومن هذا التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها – انتهى. قال القاري: المواكأة والتوكؤ والاتكاء: الاعتماد، والتحامل على الشيء في النهاية، أي يتحامل على يديه أي يرفعهما ويمدهما في الدعاء، ومنه
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 186)
فقال: ((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً، مريعاً،
ــ
التوكؤ على العصا، وهو التحامل عليها، هكذا قال الخطابي في معالم السنن، والذي جاء في سنن أبي داود: "بواكئ" بالباء الموحدة، هكذا جاء في الكتاب فيما قرأناه، وبحثت عنه في نسخ أخرى فوجدته كذلك – انتهى. قلت: وهكذا وقع بالباء الموحدة المفتوحة عند الحاكم في المستدرك، أي جاءت عند النبي صلى الله عليه وسلم نفوس باكية أو نساء باكيات لانقطاع المطر عنهم، ملتجئة إليه، قال في فتح الودود: هذه هي الرواية المعتمدة في سنن أبي داود، وقد صحف كثير منهم نسخ السنن بوجوه متعددة لا يظهر لبعضها معنى صحيح – انتهى. وقال المنذري: هكذا وقع في روايتنا وفي غيرها مما شاهدناه "بواكئ" بالباء الموحدة المفتوحة، وذكر الخطابي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يُواكئ – بضم الياء باثنتين من تحتها – انتهى. قال الحافظ في التلخيص: وقد تعقبه النووي في الخلاصة وقال: وهذا الذي ادعاه الخطابي لم تأت به الرواية ولا انحصر الصواب فيه، بل ليس هو واضح المعنى، وصحح بعضهم ما قال الخطابي. قال الحافظ: وقد رواه البزار بلفظ يزيل الإشكال، وهو عن جابر أن بواكي أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أعله الدارقطني في العلل بالإرسال، وقال: رواية من قال عن زيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه بالصواب، وكذا قال أحمد بن حنبل كما في البيهقي (ج3 ص355) ، وجرى النووي في الأذكار على ظاهره فقال: صحيح على مسلم – انتهى. قلت: وفي رواية للبيهقي: أتت النبي صلى الله عليه وسلم هوازن بدل بواكي. (اللهم أسقنا) بالوصل والقطع (غيثاً) أي مطراً يغيثنا من الجدب، فقوله (مغيثاً) بضم الميم تأكيداً وتجريداً، وأريد به المنقذ من الشدة على ما في النهاية. قال الطيبي: عقب الغيث وهو المطر الذي يغيث الخلق من القحط على الإسناد المجازي وإلا فالمغيث في الحقيقة هو الله سبحانه – انتهى. وقال القاري: مغيثاً بضم أوله أي معيناً من الإغاثة بمعنى الإعانة، وقيل: أي مشبعاً (مريئاً) بفتح الميم وبالمد وبالهمزة أي هنيئاً محمود العاقبة لا ضرر فيه من الغرق والهدم، في النهاية: مرأني الطعام وامرأني: إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيباً، وقيل: بفتح الميم وتشديد الياء بغير همز، أبدلت الهمزة ياء ثم أدغمت، وقيل: هو ناقص، ومعناه: كثيراً غزيراً، المري والمرية: الناقة العزيرة الدر، من المري وهو الحلب، قال التوربشتي: في شرح المصابيح: مريئاً أي صالحاً كالطعام الذي يمرأ، ومعناه الخلو عن كل ما ينقصه كالهدم والغرق، ويحتمل أن يكون بغير همزة، ومعناه مدراراً، من قولهم: ناقة مري، أي كثير اللبن ولا أحققه رواية – انتهى. (مريعاً) بفتح الميم وسكون التحتية – أي ذا مراعة، وهي الخصب، فعيل من مرع الأرض – بالضم – مراعة، أي صارت كثيرة الماء والنبات، وقيل: بضم الميم وسكون التحتية أي أسقنا غيثاً كثير النماء ذا ريع، من أراعت الإبل إذا كثرت أولادها، ويقال: راع الطعام وأراع إذا صارت له زيادة في العجين والخبز، وروي مربعاً – بضم الميم وكسر الباء الموحدة – أي منبتاً للربيع، وهو النبات الذي يرعاه الشاء في الربيع من أرْبَع الغيث إذا أنبت الربيع، وقيل: معناه مقيماً للناس مغنياً لهم عن
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 187)
نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل)) ، قال: فأطبقت عليهم السماء. رواه أبوداود.
{الفصل الثالث}
1521- (12) عن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه،
ــ
الارتياد والنجعة أي طلب الكلأ، فالناس يربعون حيث شاءوا أي يقيمون ولا يحتاجون إلى الانتقال في طلب الكلأ لعمومه جميع البلاد، من أربع بالمكان إذا أقام به، وروي مَرتعاً – بفتح الميم وبالباء المثناة من فوق – أي منبتاً ما ترتع فيه المواشي وترعاه، من الرتع وهو الاتساع في الخصب، فكل خصب مرتع، ومنه: {يرتع ويلعب} . (نافعاً) إجمال بعد تفصيل (غير ضار) تأكيد (عاجلاً) في الحال (غير آجل) مبالغة (قال) أي جابر (فأطبقت) على بناء الفاعل، وقيل بالمفعول (عليهم السماء) ، يقال: أطبق إذا جعل الطبق على رأس شيء وغطاه به، أي جعلت عليهم السحاب كطبق، قيل: أي ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم كطبق فوق رؤسهم بحيث لا يرون السماء من تراكم السحاب وعمومه الجوانب، وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبقت عليه الحمى أي دامت، وفي شرح السنة: أي ملأت، والغيث المطبق هو العام الواسع (رواه أبوداود) وأخرجه الحاكم (ج1 ص327) والبيهقي (ج3 ص355) وسكت عنه أبوداود والمنذري، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال النووي: صحيح على شرط مسلم، وتقدم أن الدارقطني أعله في العلل بإرسال، وقد رويت بعض هذه الألفاظ وبعض معانيها عن جماعة من الصحابة مرفوعة، ذكرها الشوكاني في النيل.
1521- قوله (قحوط المطر) بضم القاف أي حبس المطر وفقده، قال الطيبي: القحوط مصدر كالقحط أو هو جمعه، وأضافه إلى المطر ليشير إلى عمومه في بلدان شتى، وقال المجد في القاموس: القحط احتباس المطر، قحط العام كمنع وفرح وعُني قحطاً وقحِط الناس كسمع وقُحطوا وأُقحطوا بضمهما لغتان (فأمر) رسول الله صلى الله عليه وسلم (بمنبر فوضع له في المصلى) فيه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج المنبر في الاستسقاء إلى المصلى، وخالفه الحنفية فقالوا: لا يخرج (ووعد الناس يوماً) أي عينه لهم (يخرجون فيه) أي في ذلك اليوم، وفيه ما يدل على أنه يحسن تقديم تبيين اليوم للناس ليتأهبوا ويتخلصوا من المظالم ونحوها ويقدموا التوبة، وهذه الأمور واجبة مطلقاً إلا أنه مع حصول الشدة وطلب تفريجها من الله تعالى يتضيق ذلك، وقد ورد في الإسرائيليات: إن الله حرم قوماً من بني إسرائيل السقيا؛ لأنه كان فيهم فيهم عاصٍ واحد، وقال الله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 188)
قالت عائشة: ((فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر، وحمد الله،
ــ
[الأعراف: 96] ولفظ الناس يعم المسلمين وغيرهم، قيل: فيشرع إخراج أهل الذمة ويعتزلون المصلى. وقال ابن قدامة: لا يستحب إخراج أهل الذمة وإن خرجوا لم يمنعوا ويؤمروا بالانفراد عن المسلمين (حين بدا) بالألف لا بالهمز أي ظهر (حاجب الشمس) أي أولها أو ناحيتها. قال ميرك: الظاهر أن المراد بالحاجب ما طلع أولاً من جرم الشمس مستدقاً مشبهاً بالحاجب. وقال في المغرب: حاجب الشمس أول ما يبدو من الشمس، مستعار من حاجب الوجه. وقال في القاموس: حاجب الشمس ضوءها أو ناحيتها- انتهى. وإنما سمي الضوء حاجباً لأنه يحجب جرمها عن الإدراك، وفيه استحباب الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس. قال القسطلاني بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه. وبهذا أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة فقالوا: إن وقتها وقت صلاة العيد، والراجح عند الشافعية أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد بل جميع الليل والنهار وقت لها لأنها ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح الماوردي وابن الصلاح لهذا الحديث- انتهى. قلت: ظاهر كلام العيني في شرح الهداية أن مذهب الحنفية التعميم فإنه قال: ثم الاستسقاء لا يختص بوقت صلاة العيد ولا بغيره ولا بيوم، وقيل يختص بوقت صلاة العيد والصحيح أنه لا يختص، وفي المدونة يصلي ركعتين ضحوة فقط. وقال ابن قدامة: ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف قال والأولى فعلها في وقت العيد لحديث عائشة عند أبي داود؛ ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت؛ لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين- انتهى. وهذا الاختلاف إنما هو في الاستسقاء الذي يكون معهوداً بالصلاة، وأما بمجرد الدعاء فلا وقت له بلا خلاف (فقعد على المنبر) فيه استحباب الصعود على المنبر لخطبة الاستسقاء، وإليه ذهب أحمد. قال ابن قدامة: قال أبوبكر اتفقوا عن أبي عبد الله إن في صلاة الاستسقاء خطبة وصعوداً على المنبر- انتهى. ومنعه الحنفية، قال في البدائع: لا يخرج المنبر في الاستسقاء ولا يصعده لو كان في موضع الدعاء منبر، لأنه خلاف السنة - انتهى. وحديث عائشة هذا نص في إخراج المنبر والصعود عليه، وهو حديث متصل جيد الإسناد كما قال أبوداود، وقد أقره المنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وابن السكن، ويؤيده لفظ: فرقي المنبر في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره فالظاهر ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من استحباب إخراج المنبر والصعود عليه لخطبة الاستسقاء وهذا بخلاف العيد فإن إخراج المنبر فيه أمر منكر فقد عاب الناس على مروان عند إخراجه المنبر في العيدين ونسبوه إلى خلاف السنة كما تقدم ولا يخالفه ما روى البخاري وغيره أن عبد الله بن يزيد
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 189)
ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه، فلم يترك الرفع حتى بدا
ــ
خرج ومعه البراء بن عازب وزيد بن أرقم فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر فاستسقى ثم صلى ركعتين- الحديث. لأن إخراج المنبر والصعود عليه لخطبة الاستسقاء ليس واجباً ولا سنة مؤكدة فلا يكون في تركه الأمر بإخراج المنبر وفي تركهم الإنكار عليه دليل على كونه خلاف السنة (إنكم شكوتم) إلى الله ورسوله (جدب دياركم) بفتح الجيم وسكون المهملة أي قحطها (وأستيخار المطر) أي تأخره. قال الطيبي: والسين للمبالغة يقال: استأخر الشيء إذا تأخر تأخراً بعيداً (عن إبان زمانه) بكسر الهمزة بعدها باء موحدة مشددة أي عن أول زمان المطر والإبان أول الشيء. قال في النهاية: قيل نونه أصلية فيكون فعالاً، وقيل زائدة فيكون فعلان من آب الشيء يؤب إذا تهيأ للذهاب، وفي القاموس: إبان الشيء بالكسر حينه أو أوله (عنكم) متعلق باستيخار (وقد أمركم الله) في كتابه (أن تدعوه) أي دائما خصوصا عند الشدائد. قال تعالى: {أدعوني أستجب لكم} [غافر:60] (ووعدكم أن يستجيب لكم) كما في الآية الأولى، وفي قوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] (مالك يوم الدين) قال القاري: بالألف في جميع النسخ- انتهى. وكذا وقع في جامع الأصول (ج7:ص137) وفي سنن أبي داود: ملك يوم الدين بقصر الميم أي بلا ألف بعد الميم، وكذا عند البيهقي قال أبوداود بعد رواية الحديث أهل المدينة يقرؤون ملك يوم الدين (بغير ألف) وأن هذا الحديث حجة لهم – انتهى. (ونحن الفقراء) أي إلى إيجادك وإمدادك (الغيث) أي المطر الذي يغيثنا من الضرر (ما أنزلت) أي من الخير المنزل (قوة) أي سبباً لقوتنا على الطاعة (وبلاغنا) أي زاداً يبلغنا (إلى حين) أي إلى زمان طويل يعني مده لنا مداً طويلاً ليكمل ويتم انتفاعنا به. قال الطيبي: البلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب. والمعنى اجعل الخير الذي أنزل علينا سبباً لقوتنا ومدداً لنا مدداً طوالاً، وفي بعض نسخ أبي داود "إلى خير" بدل "إلى حين" (ثم رفع يديه) (أي للدعاء (فلم يترك الرفع) بل بالغ، فيه كذا في جميع النسخ فلم يترك، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج7:ص137) وكذا وقع عند البيهقي. وفي أبي داود: فلم يزل في الرفع، وكذا وقع في المستدرك، وكذا نقله المجد في المنتقى والزيلعي في نصب الراية: والحافظ في بلوغ المرام (حتى بدا)
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 190)
بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شيءٍ قدير، وأني عبد الله ورسوله)) رواه أبوداود.
1522- (13) وعن أنس، أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس
ــ
أي ظهر (بياض إبطيه) فيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، وقد تقدم بيانه (ثم حول إلى الناس ظهره) فاستقبل القبلة إشارة إلى الرجوع إلى الله والانقطاع عما سواه (وقلب) بالتشديد والتخفيف (أو حول) شك من الراوي (رداءه) فيه استحباب تحويل الرداء عند استقبال الخطيب القبلة (وهو رافع يديه) حال من قوله: حول إلى الناس ظهره، يعني هذه الحالة كانت موجودة في حال تحويل ظهره أيضاً (ثم أقبل على الناس) أي توجه إليهم بعد تحويل ظهره عنهم (ونزل) من المنبر (فأنشأ الله) أي أوجد وأحدث (فرعدت وبرقت) بفتح الراء أي ظهر فيها الرعد والبرق فالنسبة مجازية (ثم أمطرت بإذن الله) بالألف من الأمطار، وفيه دليل للمذهب المختار الذي عليه الأكثرون، والمحققون من أهل اللغة، أن أمطرت ومطرت لغتان في المطر، خلافاً لما قال بعض أهل اللغة أنه لا يقال أمطرت إلا في العذاب (فلم يأت) رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحل الذي استسقى فيه من الصحراء (مسجده) النبوي (حتى سالت السيول) من جميع الجوانب (فلما رأى سرعتهم) أي سرعة مشيهم والتجاءهم (إلى الكن) بكسر الكاف وتشديد النون وهو ما يرد به الحر والبرد من المساكن. وقال في القاموس: الكن وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان بكسرهما والبيت والجمع أكنان وأكنة- انتهى. (ضحك حتى بدت نواجذه) النواجذ على ما ذكره صاحب القاموس أقصى الأضراس، وهي أربعة أو هي الأنياب أو التي تلي الأنياب أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ، والنجذ شدة العض بها- انتهى. قال الطيبي: كان ضحكه تعجباً من طلبهم المطر اضطراراً ثم طلبهم الكن عنه فراراً ومن عظيم قدرة الله وإظهار قربة رسوله صلى الله عليه وسلم وصدقه بإجابة دعاءه سريعاً ولصدقه أتى بالشهادتين (رواه أبوداود) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، وأخرجه أيضاً أبوعوانة وابن حبان والحاكم (ج1:ص328) والبيهقي (ج3:ص349) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وصححه أيضاً أبوعلي بن السكن، كما في التلخيص.
1522- قوله: (كان إذا قحطوا) بضم القاف وكسر الحاء المهملة أي أصابهم القحط (استسقى بالعباس)
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 191)
ابن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك نبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا فيسقون.
ــ
أي توسل عمر بدعائه وشفاعته في الاستسقاء. وقال القاري: أي تشفع به في الإستسقاء بعد استغفاره ودعائه (بن عبد المطلب) للرحم التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى من أمر بصلة الأرحام ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله. قال الحافظ: وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناده أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس، وأخرج أيضاً من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فذكر الحديث وفيه فخطب الناس عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله، وفيه: فما برحوا حتى سقاهم الله، وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة وكان ابتداءه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم، سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فأغبرت الأرض جدا من عدم المطر- انتهى. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان فلما صعد عمر ومعه العباس المنبر قال عمر: اللهم توجهنا إليك بعم نبيك وصنو أبيه فاسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ثم قال: قل يا أباالفضل فقال العباس: اللهم لم ينزل بلاء إلا بذنب إلخ (اللهم إنا كنا نتوسل إليك نبينا) أي بدعائه وشفاعته في حال حياته لا بذاته (فتسقينا) بفتح حرف المضارعة وضمها (وإنا) أي بعده (نتوسل إليك بعم نبينا) العباس أي بدعائه وشفاعته (فاسقنا) بالوجهين (فيسقون) في هذه القصة الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيها فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه، قاله الحافظ. وقد استدل القبوريون بهذا الحديث على التوسل المعهود فيما بينهم، وهو مردود، فإن التوسل المذكور في الحديث ليس هو التوسل بذات الحي أو الميت أو التوسل بذكر إسمه، بل إنما هو التوسل بدعاء الحي وشفاعته والذي فعله عمر، فعله مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين فتوسلوا بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي، كما توسل عمر بالعباس، وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الإستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح قالوا: وإن كان من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل إقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم يسأل الله تعالى في ذلك بمخلوق لا بنبي ولا بغير نبي. قال ابن قدامة (ج2:ص439) ويستحب أن يستسقى بمن ظهر صلاحه؛ لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء ثم ذكر قصة
(খণ্ড: ٥) (পৃষ্ঠা: 192)