Arabic source text

📘 শারহু ইলালিত তিরমিযী (ইবনে রজব আল-হাম্বলী - মৃত্যু 795 হিজরী)

📘 شرح علل الترمذي (ابن رجب الحنبلي - ت 795 هـ)

📘 শারহু ইলালিত তিরমিযী (ইবনে রজব আল-হাম্বলী - মৃত্যু 795 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
- ومنهم من قال: إن حدث عطاء عن رجل واحد فحديثه جيد، وإن حدث عن جماعة فحديثه ضعيف. وهو ضابط التمييز عند شعبة بالنسبة لروايات عطاء.
- ومنهم من قال حديث شعبة وسفيان عنه صحيح لأنه قبل الاختلاط.
كل هذا يدلنا على الجهد الذي بذله علماؤنا في تتبع هذا السبب من أسباب العلة، وبالرجوع إلى قسم التحقيق نطلع على مزيد في هذا، فجزى الله ابن رجب عنا خير الجزاء.
السبب الرابع - خفة الضبط بالأسباب العارضة:
ونقصد بالأسباب العارضة أمورا تعرض للمحدث، تؤثر في ضبطه، دون أن تؤثر في إدراكه، وبهذا نميز هذه الأمور العارضة عن الاختلاط، ولا أرى ضمها إلى الاختلاط كما فعل السخاوي في كتابه "فتح المغيث". وهذه العوارض تعتري المحدث الذي يعتمد على كتابه في الرواية، فإذا ضاع الكتاب أو احترق، أو أضر الراوي، أو لم يصطحب كتابه معه إذا رحل، في كل هذه الحالات يختل ضبط الراوي، ويكون سبب خفة الضبط هذا العارض الذي اعترض المحدث.
وقد تعرض ابن رجب رحمه الله لهذه الأسباب من العوارض في أكثر من مكان من كتابه الذي نحن بصدده، فأطال في ذكر من حدث في مكان لم تكن معه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط، وكان هذا هو الضرب الأول من النوع الثاني الذي هو من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، كما تعرض ابن رجب للمحدث الذي كان كل اعتماده على كتبه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

فأضر فخف ضبطه لذلك، ونجد هذا في آخر كلام ابن رجب عن المختلطين تحت عنوان: "من يلتحق بالمختلطين ممن أضر في آخر عمره".
وقبل الكلام عن هذه العوارض نرى ضرورة التنبيه إلى أن من لا يحفظ إذا روى من كتابه فروايته جائزة، إذا كان صادقا ضابطا للكتاب، وهذا معروف في شرط الحديث الصحيح، وهو أن يكون راويه ضابطا لما في صدره أو لما في كتابه وقد تعرض ابن رجب لهذا أثناء كلامه عن الرواية عن الضرير والأمي إذا لم يحفظا، وهما بمنزلة من ليس له كتاب في هذه الحالة. ونقل ابن رجب قول أحمد فيهما وخلاصته أنه لا يجوز أن يحدثا إلا بما سمعا.
وقد ذكر الخطيب البغدادي في كفايته كلاما أسنده إلى مروان بن محمد، قال: "لا غنى لصاحب الحديث عن ثلاث: صدق وحفظ، وصحة كتاب، فإن كانت فيه ثنتان وأخطأته واحدة لم يضره: إن كان صدق، وصحة كتب ولم يحفظ ورجع إلى كتب صحيحة"، وروى الخطيب كذلك، بسنده إلى يحيى بن معين قوله: "ينبغي للمحدث أن يتزر بالصدق، ويرتدي بالكتب". ودفعا لما قد يدخل على الكتاب من زيادة أو نقص فقد وضع المحدثون مبادىء لا بد من التزامها أثناء الكتاب وقد طول الخطيب في الكلام على هذه المبادىء في كتابه"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"
ولكن ضبط الكتاب لا يغني، وبالتالي يقع المحذور، في حالة بعد الكتاب أو فقده وفقد آلة النظر في الكتاب. ومن هنا دخلت العلة في أحاديث بعض الثقات فكان لا بد من دخول الناقد، رجل العلل، في دائرة أحاديث هؤلاء الثقات لتمييز سقيمها معلولها من صحيحها ومستقيمها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

وممن خف ضبطه لبعده عن كتبه معمر بن راشد، وهذا الرجل عده علي بن المديني ممن دار الإسناد عليهم، وثناء العلماء عليه عظيم، ولكن ذلك لم يمنع من أن يقال فيه: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخفه، إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد قوله: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر فيها، يعني في اليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة، كما ذكر ابن رجب مثالا من الأحاديث المعلولة التي تكشف عن أمر معمر بالعراق، وذلك أن معمرا روى حديثا وهو: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة".
رواه باليمن عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل مرسلا، ورواه بالبصرة عن الزهري عن أنس، والصواب المرسل.
وأما عبد الله بن لهيعة، قاضي مصر، فهو ممن أجمع العلماء على خفة ضبطه قبل موته بسنين، والأكثر على أن هذا راجع إلى احتراق كتبه، روى العقيلي من طريق البخاري عن أبي بكير، قال: احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وقال ابن خراش كان يكتب حديثه، احترقت كتبه، فكان من جاء بشيء قرأه عليه حتى لو وضع أحد حديثا وجاء به إليه قرأه ليه، قال الخطيب فمن ثم كثرت المناكير في روايته لتساهله، وقال يحيى بن حسان: رأيت مع قوم جزءا سمعوه من ابن لهيعة فنظرت فإذا ليس هو من حديثه، فجئت إليه، فقال: ما أصنع؟ يجيئون بكتاب فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

وقد فصل ابن رجب في الكلام عن ابن لهيعة، وذكر أقوال العلماء في تضعيفه من قبل حفظه، وساق بعض أحاديث رواها فوهم فيها.
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: ومن أشنع ما رواه ابن لهيعة ما أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقه. عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة، قال: "مات رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب" وهذا مما يقطع ببطلانه لما ثبت في الصحيح أنه قال لما لدوه: "لما فعلتم هذا"؟ قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب، فقال: "ما كان الله ليسلطها علي". وإسناد الحاكم إلى ابن لهيعة صحيح، والآفة فيه من ابن لهيعة.
ومن الحفاظ من خف ضبطه، لضياع كتبه فدخلت الأوهام على حديثه، فمنهم علي بن مسهر القرشي الكوفي قاضي الموصل، ولي قضاءها للمهدي (سنة 166هـ) ، وكان ثقة صالح الكتاب قبل ذهاب كتبه.
نقل ابن رجب عن الإمام أحمد - من رواية الأثرم - أنه أنكر حديثا، فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإن كان روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد.
ومن أسباب خفة الضبط - وبالتالي دخول الوهم والعلل - الانشغال عن العلم حفظا وكتابة وضبطا، وقد ذكر هذا السبب في علل من تولوا القضاء كشريك بن عبد الله النخعي وحفص بن غياث. فإما شريك فقد ولي قضاء واسط (سنة 155هـ) (وقال عنه العجلي: - بعد ما ذكر أنه ثقة - وكان صحيح القضاء، ومن سمع منه قديما فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعدما ولي القضاء ففي سماعه بعض الاختلاط، وقال صالح جزرة: صدوق، لما ولي القضاء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

اضطرب حفظه) . ونقل ابن رجب قولا لأحمد - من رواية الأثرم - ذكر فيه سماع أبي نعيم من شريك، فقال: سماع قديم، وجعل يصححه، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: قال لي حجاج بن محمد: كتبت عن شريك نحوا من خمسين حديثا عن سالم قبل القضاء. وقد سبق أن مثلت لأحاديث أعلها النقاد من وراية شريك، وكان معرض ذكرها خفة الضبط كسبب عام ويشمل روايات المحدث كلها، وأما ما نحن فيه فهو الكلام عن حالة خاصة تعتري المحدث. وحديث شريك قبل القضاء الغالب عليه القبول، وأما بعد القضاء فالغالب عليه الرد ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم في علله قال: (سألت أبي عن حديث رواه شريك عن عاصم الأحول، عن الشعبي عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم". فقال: هذا خطأ أخطأ فيه شريك، وروى جماعة هذا الحديث، ولم يذكروا صائما محرما، إنما قالوا: احتجم وأعطى الحجام أجره فحدث شريك هذا الحديث من حفظه بأخرة، وكان قد ساء حفظه فغلط فيه) .
وأما حفص بن غياث النخعي، أبو عمر الكوفي، فقد ولي القضاء في الكوفة وبغداد، وللعلماء كلام كثير في الثناء عليه وتوثيقه، ولكنه "لما ولي القضاء جفا كتبه"، قال عنه أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضي.
ومما أنكر على حفص حديثه، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "كنا نأكل ونحن نمشي".
قال ابن معين: تفرد وما أظنه إلا وهم فيه، وقال أحمد: ما أدري ماذا، كالمنكر له، وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

ومن الثقات من فقد بصره، وكان يعتمد على كتبه، فخف ضبطه ووهم فيما حدث به بعد ذلك، وهؤلاء كثيرون، منهم عبد الرزاق بن همام، فبالرغم من أنه أحد الأئمة المشهورين، وإليه كانت الرحلة في زمانه في الحديث، حتى قيل أنه لم يرحل إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رحل إلى عبد الرزاق، هذا ما قاله ابن رجب معبرا عن توثيق العلماء لهذا العلم، بالرغم من كل هذا إلا أن حديثه ضعيف بعد فقد بصره، وهذا ما قرره الإمام أحمد بقوله: عبد الرزاق لا يعبأ بحديث من سمع منه وقد ذهب بصره، كان يلقن أحاديث باطلة وقد حدث عن الزهري بأحاديث كتبناها من أصل كتابه جاء بخلافها.
وعلى هذا فآفة عبد الرزاق انه كان يتلقن ولم يوفق بمحدث واحد ثقة يلقنه.
روى الخطيب بإسناده عن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: كان أصحاب الحديث يلقنون عبد الرزاق من كتبهم فيختلفون في الشيء فيقول لي: كيف في كتابك؟ فإذا أخبرته صار إليه لما يعرف أنني كنت أتعب في تصحيحها. وهذه القصة وما قبلها فيهما دلالة واضحة على أن عبد الرزاق ابتلي بمن يلقنه الباطل أو الضعيف من الحديث، وعليه يحمل تكذيب من كذبه، وما روى من الفضائل عنه حتى اتهم بالتشيع.
ومما أدخل على عبد الرزاق ما رواه ابن أبي حاتم في علله، قال: "سألت أبي عن حديث رواه أبو عقيل بن حاجب، عن عبد الرزاق، عن سعيد بن قماذين، عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن حبشي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تطرقوا الطير في أوكارها فإن الليل أمان لها".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

قال أبي: يقال إن هذا الحديث مما ادخل على عبد الرزاق، وهو حديث موضوع".
وقد ذكر ابن رجب ضابطا لرواية الضرير والأمي فقال: وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فإنه لا تجوز الرواية عنهما، ولا تلقينهما، ولا القراءة عليها من كتاب، وقد نص على ذلك أحمد - في رواية عبد الله - في الضرير والأمي لا يجوز أن يحدثا إلا بما حفظا، وقال: كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى أنه لا يحفظه، يقول: في كتابي كذا وكذا.
ولقد أخذ على يزيد بن هارون أنه لما أضر كانت جاريته تحفظه من كتاب فيتلقن.
قال ابن رجب: "وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام: حافظ متقن، يحدث من حفظه فهذا لا كلام فيه، وحافظ نسي فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب فرجع إليه حفظه، الذي كان نسيه، وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ، ومن لا يحفظ وإنما يعتمد على مجرد التلقين فهذا الذي منع أحمد ويحيى من الأخذ عنه.
السبب الخامس - قصر الصحبة للشيخ، وقلة الممارسة لحديثه:
أعطى المحدثون طول ملازمة الشيخ وممارسة حديثه أهمية كبيرة فرجحوا - من أجل ذلك - أسانيد كثيرة على أخرى، وأعانتهم معرفتهم بالصحبة والممارسة على تمييز كثير من الأوهام والعلل.
114 -
واهتمام النقاد بهذا الأمر جعلهم يتابعون الرواة عن شيخ ما فيقسمونهم فئات بين الأطول صحبة والأقصر، والأقل ممارسة والأكثر، وممن اعتنى اعتناء فائقا باختيار أكثر رجاله من بين الأوثق والأطول صحبة، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، في كتابه الصحيح، وفي هذا يقول الإمام ابن رجب - في شرحه لعلل الترمذي - وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط، ولمن ندر وهمه … ونذكر لذلك مثالا، وهو أن أصحاب الزهري خمس طبقات.
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، ويونس، وعقيل وشعيب وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.
الطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان ولكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في إتقانه دون الأولى، كالأوزاعي والليث، وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.
الطبقة الثالثة: لازموا الزهري وصحبوه ولكن تكلم في حفظهم، كسفيان بن حسين ومحمد بن إسحاق.
الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلم فيهم مثل إسحاق بن أبي فروة، وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.
الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين، كالحكم الأيلي وعبد القدوس بن حبيب.
ورجال البخاري - كما دل عليه الاستقراء - هم في معظمهم من الطبقة الأولى، طبقات الثقات ذات الصحبة والممارسة.
وهكذا نرى أن درجة الثقة وحدها لا تكفي لقبول الحديث، بل لا بد من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

معرفة سياق السند ومعرفة ممارسة كل رجل من رجاله لحديث شيخه، ومعرفة هذه الممارسة تجعل نظرة المحدث تختلف - عما قبل المعرفة - وهو يرى حديث الأوزاعي عن الزهري، وحديث معمر عن الزهري، فمما لا شك فيه أن الأوزاعي أكبر وأجل، ولكن إسناد معمر أصح وأدق. إذ أن معمر عن الزهري من الطبقة الأولى، والأوزاعي عن الزهري من الطبقة الثانية لقصر صحبته وقلة ممارسته.
ومن أجل هذه الممارسة كان بعض المحدثين لا يرضى أن يسمع الحديث من الشيخ مرة واحدة. قال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة، يعاود صاحبه مرارا.
وتظهر هذه الممارسة في عبارات القوم وهم يقولون: ليس هذا الحديث من حديث فلان أو يقولون: هذا الحديث أشبه بفلان، إلى غير ذلك من العبارات التي تدل على خبرة واسعة بعلاقة الرواة، بعضهم ببعض.
والجدير بالذكر أن هذه الممارسة قد ترفع الراوي من رتبة الصدوق إلى رتبة الثقة، أو إلى رتبة أوثق الناس في هذا الشيخ، ومثاله حماد بن سلمة، فق اتفق النقاد أنه أوثق الناس في ثابت، بالرغم من أن حمادا بشكل عام كثير الوهم والخطأ.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في علله: "وسئل أبو زرعة عن حديث رواه القعنبي عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان" ورواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو زرعة حماد أحفظ".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

وقال أبو حاتم في علة حديث ذكره: المسعودي أفهم بحديث عون وأشبه.
وقال أبو زرعة: محمد بن يزيد عن أشبه لأنه أفهم لحديث أبيه.
وهذا كله في مجال تقديم إسناد على آخر إذ يتقدم الأفهم والأكثر ممارسة على غيره.
السبب السادس - اختصار الحديث أو روايته بالمعنى:
رأى الجمهور على أن الرواية بالمعنى جائزة وقد دلل ابن رجب على جوازها بأقوال بعض الصحابة والتابعين، وعلماء الحديث المتقدمين، وبأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها، وقد قيد العلماء هذا الجواز فاشترطوا فيمن يروي الحديث بالمعنى أن يكون عارفا بمواقع الألفاظ، بصيرا بدلالاتها، حتى لا يحيل الحلال حراما، أو يضع الدليل في غير مكانه. وفي شرح علل الترمذي تفصيل لهذا الموضوع، وعرض لأقوال العلماء فيه وأن الرواية بالمعنى، إن لم يلتزم راويها بشرطها الذي يضمن عدم الإحالة، فإن هذه الرواية تكون سببا في دخول العلة على الحديث.
وقد مثل ابن رجب لروايات بالمعنى أحال الرواة معناها، لاضطراب في المقدرة اللغوية، وعدم معرفتهم بلغة العرب، أو عدم إدراك المراد من الحديث وسببه الذي قيل فيه.
وفي هذا يقول ابن رجب: "وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه، فغيروا المعنى: مثل ما اختصر بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وكانت حائضا: "انقضي رأسك وامتشطي" وأدخله في باب غسل الحيض، وقد أنكر أحمد ذلك على من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

فعله، لأن يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام.
وروى بعضهم حديث "إذا قرأ" يعني الإمام "فأنصتوا" بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرأ الإمام " (ولا الضالين) فأنصتوا، فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها.
وروى بعضهم حديث: كنا نؤديه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد زكاة الفطر، فصحف نؤديه، فقال نورثه، ثم فسره من عنده فقال الجد.
كل هذا تصرف سيئ لا يجوز مثله".
وقد يدخل هذا الوهم على كبار الثقات رغم يقظتهم، وذلك إما لانشغالهم أثناء التحديث، وإما لحضورهم بعض الحديث دون بعضه الآخر، ومثال ذلك:
ما رواه أبو داود في سننه "عن زيد بن ثابت قوله في كراء المزارع: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا - الله - أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان، - قال مسدد: من الأنصار اتفقا، ثم اقتتلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" زاد مسدد: فسمع قوله: لا تكروا المزارع"، فروى رافع ما سمعه من الحديث، علما بأن المنع مقيد بما إذا اقتتلوا فأخطأ في روايته.
ونقل مثل هذا عن عائشة - رضي الله عن ها - في إنكارها على ابن عمر روايته "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه".
فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

أو أخطأ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على يهودية يبكى عليها، فقال: "إنهم يبكون، وإنها تعذب في قبرها".
وقد ذكر الحاكم هذا الحديث وقول عائشة - رضي الله عن ها - في ردها على ابن عمر في موضوع معرفة الناسخ والمنسوخ وهو النوع الحادي والعشرون من كتابه. وأرى أن ذكر هذا الحديث ليس مناسبا في هذا النوع، وإنما هو إلى الرواية بالمعنى أقرب منه إلى النسخ، علما بأن ابن قتيبة في كتابه مختلف الحديث رد قول القائلين بوهم ابن عمر - رضي الله عن هما - مؤيدا قوله بروايات عدد من الصحابة لهذا الحديث.
السبب السابع - تدليس الثقات:
وقد يكون سبب العلة تدليسا أدركه النقاد فكشفوا فيه عن انقطاع في الإسناد أو رواية عن ضعيف غير اسمه أو كنيته. وغالبا ما تكون العلة في حديث الأعمش أو هشيم بن بشير أو إسحاق بن أبي فروة أو ابن جريح ناشئة عن التدليس.
والتدليس إما أن يكون تدليسا للإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ولم يسمع منه أو عمن عاصره ولم يلقه، أو عمن سمع منه شيئا ولم يسمع موضوع الرواية وفي كل هذا يوهم أنه سمع.
وتدليس الشيوخ: هو أن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف وقد أفرد ابن رجب الكلام عن التدليس بمبحث ذكر فيه أقوال العلماء، وشروطهم لقبول رواية المدلس.
السبب الثامن - الرواية عن المجروحين والضعفاء:
وقد تضمنت كتب العلل أحاديث ذكر أن علتها جرح الراوي، فكان هذا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

الجرح سببا في العلة، وقد سبق وأن اشترطنا لدخول هذا الفرع في العلل أن يكون من الخفاء بحيث يغيب عن بعض الثقات الأعلام، كأن يروي مالك عن عبد الكريم أبي أمية والشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى. والأمثلة على هذا السبب من أسباب الجرح كثيرة سنذكر بعضها في هذه الدراسة، وينبغي التنبيه إلى أن الأغلب في العلل أوهام الثقات، حتى الرواية عن المجروحين كثيرا ما ترتبط بالثقة الذي روى الحديث. ***
وفي جعل الجرح سببا من أسباب العلة يقول ابن الصلاح:
"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح"

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

‌‌المبحث الثاني معرفة العلل والكشف عنها من خلال كتاب ابن رجب

وفيه مطلبان:
‌‌المطلب الأول: معرفة العلة.
المطلب الثاني: وسائل الكشف عن العلة. ***
المطلب الأول معرفة العلة

ذكر ابن رجب في شرح علل الترمذي أن مجال العلة - في الأغلب والأكثر - حديث الثقات، وذلك لأن رواية الثقة للحديث تكسبه في الأصل صفة الصحة الظاهرة، والسلامة التي تجعله مقبولا محتجا به، ولكن ليس عجيبا أن يفاجئنا رجل العلل بما لديه من الوسائل العلمية والمعرفة الحديثية بكشف ما يقدح في هذه السلامة الظاهرة، وإذا بالحديث بعد الصحة معلولا، وبعد القبول والاحتجاج به شاذا لا يستند عليه ولا يحتج به. وإذا كان الأمر كذلك، فهل لنا أن نتعرف على وسائل النقاد وجوانب معرفتهم الحديثية التي مكنتهم من ارتياد هذا المجال؟
وقبل الشروع في الكلام عن وسائل الناقد رجل العلل في كشف العلة وتبينها، لا بد من عقد مناقشة لما شاع على ألسنة كبار النقاد أثناء وصفهم لهذا العلم بأنه أقرب إلى الكهانة والعرافة لغموض أسبابه وخفاء طرائقه، وكأنه معرفة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

نفسية أو وجدانية أكثر منه معرفة عقلية علمية، وفي هذا يقول إمام من أئمة هذا الفن، وهو عبد الرحمن بن مهدي: "معرفة الحديث الهام، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة".
ونقل عن أبي حاتم ما يشبه هذا، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي رحمه الله يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه علي، فقلت في بعضها هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح، فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وهذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في هذا حديث كذا؟
فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدعى الغيب؟ قال: قلت: ما هذا ادعاء الغيب، قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب، فأخذ فكتب في كاغذ ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت: إنه باطل، قال أبو زرعة: إنه كذب، قلت: والكذب والباطل واحد، وما قلت إنه كذب، قال أبو زرعة باطل، وما قلت: إنه منكر، قال: هو منكر، وما قلت: إنه صحاح، قال أبو زرعة: هو صحاح، فقال: ما أعجب هذا، تتفقان في غير مواطأة فيما بينكما، فقلت: إنا لم نجازف وإنما قلنا بعلم ومعرفة قد أوتينا. والدليل على صحة ما نقوله: بأن دينارا نبهرجا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هذا جيد فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه: إني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل: فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علما رزقت. كذلك نحن رزقنا معرفة ذلك".
وقد فهم السخاوي من كلام العلماء حول التعليل أنه أمر يهجم على القلب أو هيئة نفسانية لا تدفع، فهو يقول: "والتعليل أمر يهجم على قلوب هؤلاء لا يمكنهم رده وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه والأصولي العاري عن الحديث بالأدلة".
وأرى أن كلام السخاوي هذا - في جعل معرفة العلة هيئة نفسانية وخواطر وجدانية - لا يستفاد من مجموع كلام النقاد، ولا يشهد له هذا العلم، بل يشهد عليه، وهو مرفوض بمنطق مئات الأمثلة والشواهد التي احتوتها هذه الرسالة.
ولابن رجب في شرح العلل عبارة تنقض قوله: قال: "وقد قال أبو عبد الله بن منذة الحافظ: إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفر يسيرا من كثير ممن يدعي علم الحديث، فإما سائر من يدعي كثرة كتابه الحديث، أو متفقهه في علم الشافعي وأبي حنيفة، أو متبع لكلام الحارث المحاسبي، والجنيد، وذي النون، وأهل الخواطر فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث إلا من أخذه عن أهله، وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته".
أما كلام النقاد - كابن مهدي وأبي زرعة - فإنه يحمل على أن من يجهل هذا العلم لا يمكنه الإحاطة بطرائقه ومعارفه وعناصره، وعرض الدليل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

والبرهان يلزم منه وجود من يدركهما لأنهما ثمرة هذه المعارف المتنوعة الشاملة وغير ذوي الاختصاص يكفيهم الحكم المتضمن صحة أو ضعفا أو بطلانا. فإن حرصوا على المزيد فعليهم أن يسلكوا مسلك النقاد في إعداد الرصيد الكافي، فهذا أبو زرعة يقول: "نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر ما أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له. وعلى القارئ أن يقدر الرصيد الذي يحتفظ به أبو زرعة خلف هذه الكلمات، فقد حفظ لرجل واحد هذا العدد ثم عرض هذا العدد على الأصول، ثم أصدر حكمه بقوله: "ما أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له". ومن لا يحيط بهذا العلم قد يشك في الخبر، فإذا ثبتت له صحته فإنه يقول متى حفظها؟ وكيف عرفها؟ وعلام عرضها؟ وهل عرض كل حديث عند ابن وهب على مئات مثل هذا الحديث عند غيره؟ وأسئلة غير هذه تلح على معرفة الدليل والحجة، ولكن ذلك بعيد المنال على من لا يعرف هذا الفن.
هذا الذي يحمل عليه كلام النقاد عندما يمتنعون عن الاحتجاج لقولهم ويظهر هذا جليا في قول أبي حاتم في بداية قصته التي أوردتها وفيها: "جاءني رجل من أهل الرأي" واهتمامات رجل الرأي غيرها عند رجل العلل الناقد، فإذا كان رجل الرأي لا يدرك الحجة في العلة، فإنه لا يعني خلوها من الحجة والدليل:
ولقد عبر ابن مهدي عن هذا المعنى تعبيرا دقيقا عندما قال: "إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة" وهو ما أبرزه ابن كثير أثناء تعريفه للعلل بقوله: وهو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

وعلى هذا يمكن تخريج كلام النقاد، إذ أن كل علم هو كالعرافة والسحر بالنسبة لمن يجهله، وكلام أبي حاتم وهو يشبه معرفة الناقد للعلة بمعرفة الصائغ للدرهم الزائف من الجيد إنما يعني به أن الحديث صناعة وفن كالصياغة التي هي صناعة وفن، ولكل منها مبادئه وطرائقه وقوانينه..
وإلى جانب ما سبق، أقول: إن كتب العلل في أكثر ما أسئلة وأجوبة، وهذه الأجوبة في معظمها يحمل الحجة والدليل، ولا غرابة في هذا إذا عرفنا أن السائل هو من أهل هذا الفن والمختصين به، فالترمذي يسأل البخاري، وعبد الله بن أحمد يسأل أباه وابن أبي حاتم يسأل أباه وأبا زرعة، والبرذعي يسأل أبا زرعة، والبرقاني والسهمي يسألان الدارقطني، وهكذا. وفي مباحث أنواع العلل وأسبابها أمثلة كثيرة فيها بيان كاف للعلة ونوعها وسببها والدليل عليها.
وبعد كل هذا فإننا نخرج بنتيجة هي أن الناس أمام هذا العلم عالم خبير به، أو جاهل منكر له. وأكبر دليل على منهجية هذا العلم وحدة منطقه، الذي يظهر باتفاق النقاد عليه، كما رأينا في إحالة أبي حاتم على أبي زرعة، ثم تشابه قوليهما في كل مسألة، فعلم العلل علم قائم على أصول وطرائق متداولة بين أصحابه، وقد ترتقي هذه الأصول والطرائق بلغتها حتى لا يعود من السهل كشف غموضها عن غير أهلها.
ويضاف إلى كل ما سبق، أن منهج علماء الحديث هو جزء من المنهج الإسلامي العام القائم على (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) والمنهج الإسلامي هو أول منهج أخرج الإنسان من سلطان الطلاسم والفيوض الوجدانية، وحرره من تحكم الأهواء والأوهام والخواطر.
وإن كنت قد أطلت في مناقشة هذه القضية، فلخطورتها وأهميتها حتى إنها تقف أمام كل باحث في العلل لتشعره باستحالة البحث والوصول إلى نتائج جديدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

وأما كلام العلماء عن مبادئ هذا العلم وظهور حجته عند أهله فكثير، يقول الحاكم أبو عبد الله: "والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير". فالعلة عند الحاكم لا تدعى إلا بالحجة، ولكنها حجة الحافظ الفهم العارف يدركها الحافظ الفهم العارف، ولاحظ قوله: "عندنا" وكأنها تختلف في نظر غيره، ولاحظ قوله: "لا غير".
وقال في موضع آخر من كتابه: "وليس لهذا العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث". وفي هذه العبارة يؤكد الحاكم دور الفهم والمعرفة لما فيهما من المعاني الزائدة على العلم، قال تعالى: (ففهمناها سليمان) .
وابن رجب يؤكد في كتابه أن هذا العلم معرفة وممارسة، ومذاكرة، فيقول: "والوجه الثاني في معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك، وهذا الذي يحصل من معرفته، وإتقانه، وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علم العلل، ونحن نذكر - إن شاء الله تعالى - من هذا العلم كلمات جامعة مختصرة يسهل بها معرفته وفهمه، لمن أراد الله - تعالى - به ذلك، ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكر به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه وفقهت نفسه فيه وصارت له فيه قوة نفس وملكة، صلح له أن يتكلم فيه".
ومن كل هذا نستفيد أن الكشف عن العلة يحتاج إلى علم غزير بالأسانيد والطرق وأساليب التعبير، كما يحتاج إلى مزيد فهم ومعرفة وحدة ذكاء وسرعة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

بديهة، وإن شئت فقل هو فن القلة من الناس، وحتى هؤلاء القلة فإنهم متفاوتون في القدرة عليه.
يقول ابن كثير في اختصار علوم الحديث: وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة، النقاد، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، فمنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس، فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة. ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة يدركها البصير من أهل هذه الصناعة".
ويقول ابن الصلاح في هذا: "ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي أو بمخالفته غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن".
أما الخطيب البغدادي فإنه يقول: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان".
وإن نظرة سريعة يلقيها الباحث في كتب العلل تظهر له أي علم يحتاجه صاحب هذا الفن، وأية معرفة يفتقر إليها، حتى يصبح من أهل هذه الصنعة. إنه يحتاج ملكة علمية متعددة الجوانب، كثيرة العناصر، تمتاز بالشمول والتكامل. لأننا بعد التحقق نستطيع أن نقول: إن كل جزئية من جزيئات علوم الحديث داخلة في علم العلل، إما دخولا مباشرا، أو غير مباشر كخادم لأصول هذا العلم وضروراته.
‌‌المطلب الثاني وسائل الكشف عن العلة

دفعنا فيما سبق توهم إدراك العلة بالخواطر والتأملات الباطنية، وذكرنا كلام ابن رجب رحمه الله في هذا، وأثبتنا أن كشف العلة لا يكون إلا بعلم ومعرفة وفهم، والدليل على كل علة لا بد من قيامه، وظهور لأهل هذا الفن. وأما موضوعنا هذا فمعقود للكلام عن جوانب من معرفة الناقد وعلمه حتى نتصور كيف تجري عملية الكشف عن العلة، وما هي طبيعة هذا الذهن الذي يتناول النصوص الحديثية بالتمحيص والنقد؟ إيضاحا لهذا نقول:
إن كتب العل تحمل بين طياتها صورة كاملة شاملة لما ينبغي أن يكون عليه رجل هذا الفن، وأنه إن كان حصر جوانب هذه المعرفة لا يمكن في مبحث صغير فإن ذكر أهم هذه الجوانب يسير ومعقول، وفيما يلي بعض هذه الجوانب:
1 - معرفة المدارس الحديثية، ونشأتها، ورجالها، ومذاهبها العقدية والفقهية وأثرها وتأثيرها في غيرها، وما تميزت به عن غيرها، فقد نشأت للحديث مدارس في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر واليمن.
وبهذه المعرفة يعالج الباحث أسانيد كثيرة فيكشف عن علتها، فإذا كان الحديث كوفيا، احتمل التدليس، أو الرفض. إن كان بصريا احتمل النصب وتأثير الإرجاء والاعتزال في إسناده. فإذا روى المدنيون عن الكوفيين فإنها تختلف الاحتمالات عما إذا روى المدنيون عن البصريين. ولذلك نجد الحاكم يقول بعد ذكره علة حديث: والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا. أما حديث الشام عن المدارس الأخرى فأكثره ضعيف.
وقد تكلم ابن رجب عن هذا عند كلامه على النوع الثاني من أنواع العلل، وهو من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

قال ابن رجب: "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئا. ومنهم الوليد بن مسلم الدمشقي صاحب الأوزاعي، ظاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء، قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث الأوزاعي، عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "عليكم بالباءة" قال: هذا من الوليد يخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي لأنه حدث به الوليد بحمص، ليس هو عند أهل دمشق.
ومنهم المسعودي من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح، ومن سمع منه ببغداد فسماعه مختلط".
وكذلك فقد ذكر ابن رجب طائفة من الثقات، حدثوا عن أهل إقليم فحفظوا حديثهم، وحدثوا عن غيرهم فلم يحفظوا:
فمنهم إسماعيل بن عياش الحمصي أبو عتبة، إذا حدث عن الشاميين فحديثه عنهم جيد، وإذا حدث عن غيرهم فحديثه مضطرب.
ومنهم معمر بن راشد كان يضعف حديثه عن أهل العراق خاصة
وأمثلة هذا كثيرة عند ابن رجب، وهذا يلزم الباحث في العلل أن يعرف مدارس الحديث المختلفة ومن أضبط الناس فيها، ومن أكثر الناس خطأ فيها وهكذا.
2 - معرفة من دار عليهم الإسناد، وأوثق الناس فيهم، وتمييز أصح الأسانيد أضعفها وممن اهتم بهذا، وأرسى قواعده علي بن المديني، فنراه يقول:
نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة: فلأهل المدينة ابن شهاب، ولأهل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)